پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

2 - - باب ms05989 آخر في كيفية صدور الوحي، ونزول جبرئيل عليه

ج ۱۸، ص ۲۷۲–۲۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۸

إما بأن تندرس الأولى فيجددها الثاني، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها، ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين، ويدعون أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون عبثا، ولا يجب النظر في معجزته، ولابد من وجوب النظر في المعجزات، وليس الامر على ما قالوه، لان بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا، إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها

وينتفع من لم ينتفع بالأول، ولو لم يكن الامر أيضا كذلك كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلة الدالة على أمر واحد، ولا يقول أحد: إن نصب الأدلة على هذا الوجه يكون عبثا.

فأما الوجه الثاني فإنا لا نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث لابد من أن يكون واجبا، لان ذلك يختلف ، فإن خاف المكلف من ضرر إن هو لم ينظر - وجب النظر عليه، وإن لم يخف لم يكن واجبا، وقد استقصينا هذا الكلام وفرغناه في كتاب الذخيرة، والذي يحقق هذه المسألة أن تعبده (صلى الله عليه وآله) بشرع من تقدمه لابد فيه من معرفة أمرين: أحدهما نفس الشرع، والآخر كونه متعبدا به، وليس يخلو من أن يكون علم (صلى الله عليه وآله) كلا الامرين بالوحي النازل عليه، والكتاب المسلم إليه، أو يكون علم الامرين من جهة النبي المتقدم، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه، والآخر من غير ذلك الوجه، والوجه الأول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه علم الشرع والتعبد معا، وأكثر ما في ذلك أن يكون تعبد بمثل شرائعهم، وإنما يضاف الشرع إلى الرسول إذا حمله ولزمه أداءه، ويقال في غيره: إنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى اتباعه، ألزمه الانقياد له، فيكون مبعوثا إليه، وإذا فرضنا أن القرآن والوحي وردا ببيان الشرع وإيجاب الاتباع فذلك شرعه (صلى الله عليه وآله) لا يجب إضافته إلى غيره، وأما الوجه الثاني فهو وإن كان خارجا من أقوال الفقهاء المخالفين لنا في هذه المسألة فاسد من جهة أن نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الأمم الماضية قد بين في مواضع أنه ليس بحجة لانقراضهم وعدم العلم باستواء أولهم وآخرهم، وأيضا فإنه (صلى الله عليه وآله) مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا لغيره من الأنبياء المتقدمين (عليهم السلام)، ثم هذا القول يقتضي أن لا يكون (صلى الله عليه وآله) بأن يكون من أمة ذلك النبي بأولى منا، ولا بأن نكون متعبدين بشرعه بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا، لان حاله كحالنا في أننا من أمة ذلك النبي، وبهذه الوجوه التي ذكرناها نبطل القسمين الذين فرغناهما، ومما يدل على حجة ما ذكرناه وفساد قول مخالفينا أنه قد ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) توقفه في أحكام معلوم أن بيانها في

التوراة، وانتظاره فيها نزول الوحي، ولو كان متعبدا بشريعة موسى (عليه السلام) لما جرى ذلك، وأيضا فلو كان الامر على ما قالوه لكان يجب أن يجعل (صلى الله عليه وآله) كتب من تقدمه في الاحكام بمنزلة الأدلة الشرعية، ومعلوم خلافه، وأيضا فقد نبه (صلى الله عليه وآله) في خبر معاذ على الأدلة فلم يذكر في جملتها التوراة والإنجيل، وأيضا فإن كل شريعته مضافة إليه بالاجماع، ولو كان متعبدا بشرع غيره لما جاز ذلك، وأيضا فلا خلاف بين الأمة في أنه (صلى الله عليه وآله) لم يؤد إلينا من أصول الشرائع إلا ما أوحي إليه وحمله، وأيضا فإنه لا خلاف في أن شريعته (صلى الله عليه وآله) ناسخة لكل الشرائع المتقدمة من غير استثناء، فلو كان الامر كما قالوه لما صح هذا الاطلاق، وأيضا فإن شرائع من تقدم مختلفة متضادة فلا يصح كونه متعبدا بكلها فلابد من تخصيص ودليل يقتضيه، فإن ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسى (عليه السلام) بأنها ناسخة لشريعة من تقدم فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه (صلى الله عليه وآله) من اليهود في التوراة، فأما رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لأنه كان متعبدا بذلك، لأنه لو كان الرجوع لهذه العلة لرجع (صلى الله عليه وآله) في غير هذا الحكم إليها، وإنما رجع لأمر آخر، وقد قيل: إن سبب الرجوع أنه (صلى الله عليه وآله) كان خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره، وتحقيقا لقوله (صلى الله عليه وآله) انتهى.

وقال المحقق أبو القاسم الحلي طيب الله رمسه في أصوله: شريعة من قبلنا هل هي حجة في شرعنا؟ قال قوم: نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه. وأنكر الباقون ذلك وهو الحق، لنا وجوه:

الأول: قوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ".

الثاني: لو كان متعبدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل، لأنه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع، وذلك باطل بالاتفاق.

الثالث: لو كان متعبدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع، لكن ذلك باطل، لأنه لو وجب لفعله، ولو فعله لاشتهر، ولوجب على الصحابة والتابعين بعده والمسلمين إلى يومنا هذا متابعته (صلى الله عليه وآله) على الخوص فيه، ونحن نعلم من الدين خلاف ذلك.

الرابع: لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إما الوحي أو النقل، ويلزم من الأول أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره، ومن الثاني التعويل على نقل اليهود وهو باطل، لأنه ليس بمتواتر، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفادة اليقين، ونقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة.

واحتج الآخرون بقوله تعالى: " فبهداهم اقتده " وبقوله: " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا " وبقوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " وبقوله: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين " وبقوله: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون " وبأنه (صلى الله عليه وآله) رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة.

أجاب الأولون عن الآية الأولى بأنها تتضمن الامر بالاهتداء بهداهم كلهم، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم، لأنه مختلف، فيجب صرفه إلى ما اتفقوا عليه، وهو دلائل العقائد العقلية دون الفروع الشرعية.

وعن الثاني بأن ملة إبراهيم (عليه السلام) المراد بها العقليات دون الشرعيات يدل على ذلك قوله: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " فلو أراد الشرعيات لما جاز نسخ شئ منها، وقد نسخ كثير من شرعه، فتعين أن المراد منه العقليات.

وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وصية نوح (عليه السلام) بشرعنا أنه أمره به، بل يحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه (صلى الله عليه وآله)، أو وصى به

بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه، ولو سلمنا أن المراد شرع لنا ما شرح لنوح (عليه السلام) لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية، ولو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان، ثم لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا (صلى الله عليه وآله) بطريق الوحي، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه.

وعن الآية الرابعة أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع.

وعن الآية الخامسة أن ظاهرها يقتضي اشتراك الأنبياء جميعا في الحكم بها، وذلك غير مراد، لان إبراهيم ونوحا وإدريس وآدم (عليهم السلام) لم يحكموا بها، لتقدمهم على نزولها، فيكون المراد أن الأنبياء يحكمون بصحة ورودها عن الله، وأن فيها نورا وهدى، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة، وهي عندنا نور وهدى، وأما رجوعه (صلى الله عليه وآله) في تعرف حد الرجم فلا نسلم أن مراجعته إلى التوراة لتعرفه، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لإقامة الحجة على من أنكر وجوده في التوراة انتهى.

أقول: إنما أوردنا دلائل القول في نفي تعبده (صلى الله عليه وآله) بعد البعثة بشريعة من قبله لاشتراكها مع ما نحن فيه في أكثر الدلائل، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة، والآثار المستفيضة هو أنه (صلى الله عليه وآله) كان قبل بعثته مذ أكمل الله عقله في بدو سنه نبيا مؤيدا بروح القدس، يكلمه الملك، ويسمع الصوت، ويرى في المنام، ثم بعد أربعين سنة صار رسولا، وكلمه الملك معاينة، ونزل عليه القرآن، وامر بالتبليغ، و كان يعبد الله قبل ذلك بصنوف العبادات إما موافقا لما أمر به الناس بعد التبليغ وهو أظهر، أو على وجه آخر، إما مطابقا لشريعة إبراهيم (عليه السلام)، أو غيره ممن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام لا على وجه كونه تابعا لهم وعاملا بشريعتهم، بل بأن ما أوحي إليه (صلى الله عليه وآله) كان مطابقا لبعض شرائعهم، أو على وجه آخر نسخ بما نزل عليه بعد الارسال، ولا أظن أن يخفى صحة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة، وفطنة غير سقيمة بعد الإحاطة

بما أسلفنا من الاخبار في هذا الباب، وأبواب أحوال الأنبياء (عليهم السلام) وما سنذكره بعد ذلك في كتاب الإمامة، ولنذكر بعض الوجوه لزيادة الاطمينان على وجه الاجمال:

الأول أن ما ذكرنا من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبته القاصعة المشهورة بين العامة والخاصة يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) من لدن كان فطيما كان مؤيدا بأعظم ملك يعلمه مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وليس هذا إلا معنى النبوة كما عرفت في الأخبار الواردة في معنى النبوة، وهذا الخبر مؤيد بأخبار كثيرة سبقت في الأبواب السابقة في باب منشأه (صلى الله عليه وآله)، وباب تزويج خديجة وغيرها من الأبواب.

الثاني: الأخبار المستفيضة الدالة على أنهم (عليهم السلام) مؤيدون بروح القدس من بدء حالهم بنحو ما مر من التقرير.

الثالث: صحيحة الأحول وغيرها حيث قال: " نحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة " فدلت على أنه (صلى الله عليه وآله) كان نبيا قبل الرسالة، ويؤيده الخبر المشهور عنه (صلى الله عليه وآله): " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " أو " بين الروح والجسد " ويؤيده أيضا الأخبار الكثيرة الدالة على أن الله تعالى اتخذ إبراهيم (عليه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وأن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما.

الرابع: ما رواه الكليني في الصحيح عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة لله على أهله زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال: " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا قلت: فكان يومئذ حجة الله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك

الحال ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان ، وكان زكريا الحجة لله على الناس بعد صمت عيسى بسنتين، ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عز وجل: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " فلما بلغ عيسى (عليه السلام) سبع سنين تكلم النبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين إلى آخر الخبر.

وقد ورد في أخبار كثيرة أن الله لم يعط نبيا فضيلة ولا كرامة ولا معجزة إلا وقد أعطاه نبينا (صلى الله عليه وآله)، فكيف جاز أن يكون عيسى (عليه السلام) في المهد نبيا، ولم يكن نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى أربعين سنة نبيا؟ ويؤيده ما مر في أخبار ولادته (صلى الله عليه وآله) وما ظهر منه في تلك الحال من إظهار النبوة، وما مر وسيأتي من أحوالهم وكمالهم في عالم الأظلة وعند الميثاق، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى ويسبحونه في حجب النور قبل خلق آدم (عليه السلام) وأن الملائكة منهم تعلموا التسبيح والتهليل والتقديس إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في بدء أنوارهم، ويؤيده ما ورد في أخبار ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (عليه السلام) قرأ الكتب السماوية على النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ولادته، وما سيأتي من أن القائم (عليه السلام) في حجر أبيه (عليه السلام) أجاب عن المسائل الغامضة، وأخبر عن الأمور الغائبة، وكذا سائر الأئمة عليهم السلام كما سيأتي في أخبار ولادتهم (عليهم السلام) ومعجزاتهم، فكيف يجوز عاقل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك أدون منهم جميعا؟

الخامس: أنه (صلى الله عليه وآله) بعد ما بلغ حد التكليف لابد من أن يكون إما نبيا عاملا بشريعته أو تابعا لغيره، لما سيأتي من الأخبار المتواترة أن الله لا يخلي الزمان من حجة ولا يرفع التكليف عن أحد، وقد كان في زمانه أوصياء عيسى (عليه السلام) وأوصياء إبراهيم (عليه السلام) فلو لم يكن أوحي إليه بشريعة ولم يعلم أنه نبي كيف جاز له أن لا يتابع أوصياء عيسى (عليه السلام) ولا يعمل بشريعتهم إن كان عيسى (عليه السلام) مبعوثا إلى الكافة، وإن لم يكن مبعوثا إلى الكافة، وكان شريعة إبراهيم (عليه السلام) باقيا في بني إسماعيل كما هو الظاهر، فكان عليه أن يتبع أوصياء إبراهيم (عليه السلام)، ويكونوا حجة عليه (صلى الله عليه وآله)، وهو باطل بوجهين:

أحدهما أنه يلزم أن يكونوا أفضل منه كما مر تقريره.

وثانيهما: ما مر من نفي كونه محجوجا بأبي طالب وبابى، بل كانا مستودعين للوصايا.

السادس: أنه لا شك في أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعبد الله قبل بعثته بما لا يعلم إلا بالشرع كالطواف والحج وغيرهما كما سيأتي أنه (صلى الله عليه وآله) حج عشرين حجة مستسرا وقد ورد في أخبار كثيرة أنه (صلى الله عليه وآله) كان يطوف وأنه كان يعبد الله في حراء، وأنه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاكل وغيره، وكيف يجوز ذو مسكة من العقل على الله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة؟ والمكابرة في ذلك سفسطة، فلا يخلو إما أن يكون عاملا بشريعة مختصة به أوحى الله إليه، وهو المطلوب، أو عاملا بشريعة غيره وهو لا يخلو من وجوه:

الأول: أن يكون علم وجوب عمله بشريعة غيره، وكيفية الشريعة من الوحي وهو المطلوب أيضا، لأنه (صلى الله عليه وآله) حينئذ يكون عاملا بشريعة نفسه، موافقا لشريعة من تقدمه كما مر تقريره في كلام السيد رحمه الله.

الثاني: أن يكون علمهما جميعا من شريعة غيره، وهو باطل عرفت بوجهين:

أحدهما: أنه يلزم كون من يعمل بشريعته أفضل منه.

وثانيهما: أنه معلوم أنه (صلى الله عليه وآله) لم يراجع في شئ من الأمور إلى غيره، ولم يخالط أهل الكتاب، وكان هذا من معجزاته (صلى الله عليه وآله)، أنه أتى بالقصص مع أنه لم يخالط العلماء ولم يتعلم منهم: كما مر في وجوه إعجاز القرآن، وقد قال تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم " والمكابرة في هذا أيضا مما لا يأتي به عاقل.

الثالث: أنه (صلى الله عليه وآله) علم وجوب العمل بشريعة من قبله بالوحي، وأخذ الشريعة من أربابها، وهذا مع تضمنه للمطلوب كما عرفت - إذ لا يلزم منه إلا أن يكون نبيا أوحي إليه أن يعمل بشريعة موافقة لشريعة من تقدمه - باطل بما عرفت من العلم بعدم رجوعه (صلى الله عليه وآله) إلى أرباب الشرائع قط في شئ من أموره، وأما عكس ذلك فهو غير متصور إذ لا يجوز عاقل أن يوحي الله إلى عبده بكيفية شريعة لان يعمل بها ولا يأمره بالعمل بها حتى يلزمه الرجوع في ذلك إلى غيره، مع أنه يلزم أن يكون تابعا لغيره مفضولا وقد عرفت بطلانه، ثم إن قول من ذهب إلى أنه (صلى الله عليه وآله) كان عاملا بالشرائع المنسوخة كشريعة نوح وموسى (عليهما السلام) فهو أشد فسادا، لأنه بعد نسخ شرائعهم كيف جاز له (صلى الله عليه وآله) العمل بها إلا بأن يعلم بالوحي أنه يلزمه العمل بها، ومع ذلك لا يكون عاملا بتلك الشريعة، بل بشريعة نفسه موافقا لشرائعهم كما عرفت، وأما استدلالهم بقوله تعالى: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " فلا يدل إلا على أنه (صلى الله عليه وآله) كان في حال لم يكن يعلم القرآن، وبعض شرائع الايمان، ولعل ذلك كان في حال ولادته قبل تأييده بروح القدس، كما دلت عليه رواية أبي حمزة وغيرها، وهذا لا ينافي نبوته قبل الرسالة، و العمل بشريعة نفسه قبل نزول الكتاب، وبعد ما قررنا المطلوب في هذا الباب وما ذكرنا من الدلائل لا يخفى عليك ضعف بعض ما نقلنا في ذلك عن بعض الأعاظم، ولا نتعرض للقدح فيها بعد وضوح الحق، ولو أردنا الاستقصاء في إيراد الدلائل ودفع الشبهة لطال الكلام، ولخرجنا عن مقصودنا من الكتاب، والله الموفق للصواب.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.