بحارالانوار · المجلد السادس
باب 11 فضائله وخصائصه صلى الله عليه وآله وما امتن الله به على
ج ۱۶، ص ۳۶۴–۳۹۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۴
69 - تفسير علي بن إبراهيم: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد، عن علي بن الحسين العبدي، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عز وجل: " سبح اسم ربك الاعلى " فقال:
مكتوب على قائمة العرش قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين بألفي عام: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فاشهدوا بهما، وأن عليا عليه السلام وصي محمد صلى الله عليه وآله.
70 - كشف اليقين: من كتاب الإمامة عن هشام بن سالم، عن الحارث بن المغيرة النضري قال: حول العرش كتاب جليل مسطور: إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين.
71 - صحيفة الرضا (ع): عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا أهل بيت
لا تحل لنا الصدقة وأمرنا باسباغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارا على عتيقة، ولا نمسح على خف.
72 - جامع الأخبار، أمالي الصدوق: ماجيلويه، عن عمه، عن أحمد بن هلال، عن الفضل بن دكين، عن معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى يهودي النبي صلى الله عليه وآله فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي حاجتك؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله، وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر، وأظله بالغمام؟
فقال له النبي صلى الله عليه وآله: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكني أقول: إن آدم عليه السلام لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي " فغفرها الله له، وإن نوحا لما ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق " فنجاه الله عنه، وإن إبراهيم عليه السلام لما القي في النار قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها " فجعلها الله عليه بردا و سلاما، وإن موسى عليه السلام لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال: " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أمنتني " فقال الله جل جلاله: " لا تخف إنك أنت الاعلى " يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا، ولا نفعته النبوة، يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته وقدمه وصلى خلفه.
الإحتجاج: عن معمر مثله.
73 - قصص الأنبياء: بالاسناد عن الصدوق، عن هاني بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن بطة عن أبيه، عن محمد بن عبد الوهاب، عن أبي الحارث الفهري، عن عبد الله بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن أبي زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلى السماء فقال: " أسألك بحق محمد إلا رحمتني " فأوحى الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك، لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه يا آدم إنه لآخر النبيين من ذريتك، فلو لا محمد ما خلقتك.
74 - تفسير العياشي: عن محمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: يا رب أسألك بحق محمد لما تبت علي، قال: وما علمك بمحمد؟ قال: رأيته في سرادقك الأعظم مكتوبا وأنا في الجنة.
أقول: سيأتي جل الاخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
75 - قرب الإسناد: الطيالسي، عن فضيل بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
اتقوا الله وعظموا الله وعظموا رسوله، ولا تفضلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا، فإن الله تبارك وتعالى قد فضله. الخبر.
76 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن محمد بن أخي حماد الكاتب، عن الحسين بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله سيد ولد آدم؟ فقال: كان والله سيد من خلق الله، وما برأ الله برية خيرا من محمد صلى الله عليه وآله.
77 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: قال أمير المؤمنين: ما برأ الله نسمة خيرا من محمد صلى الله عليه وآله.
78 - الكافي: علي بن محمد، عن سهل، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا أول أهل بيت نوه الله بأسماءنا، إنه لما خلق السماوات والأرض أمر مناديا فنادى: " أشهد أن لا إله إلا الله " ثلاثا " أشهد أن محمدا رسول الله " ثلاثا " أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا " ثلاثا.
79 - الكافي: علي بن محمد وغيره، عن سهل، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن مالك بن إسماعيل المهدي، عن عبد السلام بن حارث، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له فئ، و كان لا يمر في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه، وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له.
بيان: العرف بالفتح: الريح الطيبة. وسيأتي في بعض الأخبار أن بعض الأصحاب رأوا بعض الأئمة عليهم السلام بلا فئ، فيمكن أن يكون دوام ذلك من خواصه صلى الله عليه وآله، أو يكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى غيرهم عليهم السلام.
80 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله عليه السلام في خطبة له خاصة يذكر فيها حال النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وصفاتهم: فلم يمنع ربنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحب أنبيائه إليه، وأكرمهم عليه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله في حومة العز مولده، وفي دومة الكرم محتده، غير مشوب حسبه، ولا ممزوج نسبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، و تأملته الحكماء بوصفها، مهذب لا يدانى، هاشمي لا يوازي أبطحي لا يسامي، شيمته الحياء، وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار النبوة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها، إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها، أداه محتوم قضاء الله إلى غاياتها، تبشر به كل أمة من بعدها، ويدفعه كل أب إلى أب من ظهر إلى ظهر، لم يخلطه في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله في خير فرقة، وأكرم سبط، وأمنع رهط وأكلا حمل، وأودع حجر، اصطفاه الله وارتضاه واجتباه، وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الكرم ينابيعه، ابتعثه رحمة للعباد، وربيعا للبلاد، وأنزل الله إليه الكتاب، فيه البيان والتبيان: " قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون " قد بينه للناس ونهجه بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وحدود حدها للناس وبينها، وأمور قد كشفها لخلقه و أعلنها، فيها دلالة إلى النجاة، ومعالم تدعو إلى هداه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما أرسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، و نصح لامته، ودعاهم إلى النجاة، وحثهم على الذكر، ودلهم على سبيل الهدى بمناهج و دواع أسس للعباد أساسها، ومنار رفع لهم أعلامها، كيلا يضلوا من بعده، وكان بهم رؤوفا رحيما.
بيان: حومة البحر والرمل والقتال وغيره: معظمه، وأشد موضع منه، ودومة الشئ بالضم والفتح: أصله، وكذا المحتد بكسر التاء: الأصل، وحتد بالمكان: أقام به، ولعل المراد بالأول نسل إبراهيم أو هاشم، وبالثاني مكة شرفها الله، أو الأول إبراهيم عليه السلام، والثاني هاشم، أو هما مكة، والأول أظهر، والمراد بالحسب إما الأخلاق الكريمة، أو الأسباب الشريفة، أو هما معا، قوله: بنعتها، الضمير راجع إلى العلماء ، و الإضافة إلى الفاعل، وكذا الفقرة التالية لها، قوله: لا يدانى على بناء المجهول، أي لا يدانيه في الكمال أحد، وكذا لا يوازي ولا يسامي، والمساماة: المفاخرة، والشيمة بالكسر:
الخلق، وأوقار النبوة: أثقالها، كناية عن الشرائط العظيمة التي لا تكون النبوة بدونها، أي صارت تلك الأخلاق جبلته وطبعه وعليها خلق، وأحلامها: عقولها، أو جمع الحلم في مقابلة السفه والخرق. قوله عليه السلام: إلى أوقاتها، الضمير راجع إلى المقادير، أي أوصلته أسباب مقادير الله إلى أوقات حصول ما قدر فيه من وجوده، أو وفاته وانقضاء مدته، والأول أظهر، وكذا ضمير نهاياتها وغاياتها راجعان إلى القضاء أو المقادير، وقوله: تبشر به، استياف أو عطف بيان للجمل السابقة. قوله: نكاح، أي باطل من أنكحة الجاهلية، و السبط بالكسر: ولد الولد، والقبيلة العظيمة، والكلاءة: الحفظ والحراسة، والحجر حجر عبد المطلب وأبي طالب، ونهجه بالتخفيف أي أوضحه. وقوله: بعلم، أما متعلق بقوله: بينه، أو حال عن الكتاب، والمستتر في قوله: وفصله وقراينه إما راجع إلى الله، أو الرسول، أو الكتاب. قوله: فيها، أي في تلك الأمور، وقوله: معالم، إما مرفوع معطوف على دلالة، أو مجرور معطوف على النجاة، ويمكن أن يقرأ هداة بالتاء، والضمير أظهر. ويقال: صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا، والمراد بالذكر إما القرآن أو الأعم، والضمير في قوله: أساسها راجع إلى المناهج والدواعي، والمراد بالتأسيس إما الوضع أو الاحكام والاتقان، وبسبيل الهدى منهج الشرع، وبالمناهج والدواعي أوصياؤه صلوات الله عليهم، والمراد بالتأسيس نصب الأدلة على خلافتهم، ويمكن أن يراد بالمناهج الأئمة، وبالدواعي الأدلة الدالة على وجوب متابعتهم، وكذا المنار كناية عن الأئمة عليهم السلام، و رفع الاعلام عن نصب الأدلة.
81 - الكافي: ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: اللهم صلى على محمد صفيك وخليلك ونجيك المدبر لأمرك.
82 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن جيش، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى ، عن الحسين بن أبي غندر، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا أكرم من محمد صلى الله عليه وآله، ولا خلق الله قبله أحدا، ولا أنذر الله خلقه بأحد من خلقه قبل محمد، فذلك قوله تعالى: " هذا نذير من النذر الأولى " وقال: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " فلم يكن قبله مطاع في الخلق، ولا يكون بعده إلى أن تقوم الساعة في كل قرن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
بيان: قوله عليه السلام: ولا خلق الله قبله أحدا، أي هو أول المخلوقات كما مرت الأخبار الكثيرة في ذلك، قوله عليه السلام: ولا أنذر الله خلقه بأحد من خلقه قبل محمد صلى الله عليه وآله، أي كان منذرا في عالم الذر، فكان إنذاره قبل كل أحد، والاستشهاد بالآية الأولى إما بحملها على أن المراد بها أن هذا، أي محمدا صلى الله عليه وآله من جملة النذر السابقة، وليس إنذاره مختصا بهذا الزمان، أو بحملها على أن المعني بها إنما أنت منذر للنذر الأولى في عالم الذر: بأن تكون كلمة (من) للتعليل كقوله تعالى: " مما خطيئاتهم " أو بمعنى (على) كقوله تعالى: " ونصرناه من القوم " ويؤيد الوجهين ما رواه الصفار بإسناده إلى علي
ابن معمر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: " هذا نذير من النذر الأولى " قال: يعني به محمدا، حيث دعاهم إلى الاقرار بالله في الذر الأول، و بالآية الثانية لأن مفادها على المشهور بين المفسرين إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، فيكون هاديا للأنبياء وأممهم، ويحتمل أن يكون غرضه عليه السلام حصر الانذار فيه صلى الله عليه وآله، أي لم يكن من أنذر قبله منذرا حقيقة، وإنما المنذر والمطاع على الاطلاق هو صلى الله عليه وآله، كما يدل عليه آخر الخبر، فالاستشهاد بالآية الأولى إما بحملها على الأخير من المعنيين، فإنه لما كان منذرا للنذر فهو المنذر للجميع حقيقة، وإنما كانوا نوابه في الانذار، كما أن من بعده من الأوصياء كذلك، أو بحملها على أن المراد به الحصر، أي هذا منذر حسب من جملة من يسمون بالنذر من الأنبياء السابقة، وبالثانية بحملها على أن قوله: " ولكل قوم هاد " من قبيل عطف الجملة على الجملة، ويكون المراد بالجزء الأولى حصر الانذار فيه صلى الله عليه وآله على سبيل القلب، أي ليس المنذر إلا أنت، وأما غيرك فهم هادون من قبلك، أو على الوجه الذي قررناه في الوجه الأول، ولعله أقل تكلفا، هذا ما خطر بالبال في حل هذا الخبر الذي حير الافهام، والله يعلم أسرار أئمة الأنام.
وقال الصدوق رحمه الله في الهداية يجب أن يعتقد أن النبوة حق، كما اعتقدنا أن التوحيد حق، وأن الأنبياء الذين بعثهم الله مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، جاؤوا بالحق من عند الحق، وأن قولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأنهم لم ينطقوا إلا عن الله عز وجل وعن وحيه، وأن سادة الأنبياء خمسة، الذين عليهم دارت الرحى، وهم أصحاب الشرائع، وهم أولو العزم:
نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليه وعليهم، وأن محمدا سيدهم وأفضلهم، وأنه جاء بالحق وصدق المرسلين، وأن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور
الذي انزل معه أولئك هم المفلحون، ويجب أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه وآله، ومن بعده الأئمة صلوات الله عليهم، وأنهم أحب الخلق إلى الله عز وجل وأكرمهم عليه، وأولهم إقرارا به، لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى، وأن الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله إلى الأنبياء عليهم السلام في في الذر، وأن الله أعطى ما أعطى كل نبي على قدر معرفته نبينا صلى الله عليه وآله، وسبقه إلى الاقرار به، ونعتقد أن الله تبارك وتعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته صلوات الله عليهم، وأنه لولاهم ما خلق الله السماء والأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئا مما خلق صلوات الله عليهم أجمعين.
83 - الكافي: العدة، عن سهل وأحمد بن محمد جميعا، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أهدي إلي كراع لقبلت، وكان ذلك من الدين، ولو أن كافرا أو منافقا اهدى إلي وسقا ما قبلت، وكان ذلك من الدين، أبى الله تعالى لي زبد المشركين والمنافقين وطعامهم.
بيان: هذا الخبر يدل على حرمة هدية المشركين عليه صلى الله عليه وآله، فيكون من خصائصه كما ذكره ابن شهرآشوب، ويدل عليه خبر آخر سيأتي في باب قصة صديقه قبل البعثة، ولم يذكره الأكثر لما اشتهر من أنه صلى الله عليه وآله قبل هدية النجاشي والمقوقس واكيدر بل كسرى أيضا، كما رواه الصدوق في الفقيه عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: أهدى كسرى للنبي صلى الله عليه وآله فقبل منه، وأهدى قيصر للنبي صلى الله عليه وآله فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منهم.
فقيل: إنه كان حراما فنسخ، ويحتمل أن يكون الحرمة مع عدم المصلحة في قبولها، مع أنه يحتمل أن يكون هؤلاء الذين قبل صلى الله عليه وآله هديتهم كانوا أسلموا ولم يظهروا
إسلامهم لقومه تقية كما هو الظاهر من أحوال النجاشي، لكن هذا في بعضهم ككسرى بعيد. قال في النهاية: فيه: " إنا لا نقبل زبد المشركين " الزبد بسكون الباء: الرفد و العطاء، قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا لأنه قد قبل هدية غير واحد من المشركين، أهدى له المقوقس مارية، والبغلة أهدى له أكيدر دومة فقبل منهما، وقيل: إنما رد هديته ليغيظه بردها فيحمله ذلك على الاسلام، وقيل: ردها لان للهدية موضعا من القلب، ولا يجوز عليه أن يميل بقلبه إلى مشرك فردها قطعا لسبب الميل، و ليس ذلك مناقضا لقبوله هدية النجاشي والمقوقس واكيدر، لأنهم أهل الكتاب انتهى.
84 - تفسير فرات بن إبراهيم : الحسين بن سعيد، وأحمد بن الحسن معنعنا، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قوله تعالى: " الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين " قال: يراك حين تقوم بأمره، وتقلبك في أصلاب الأنبياء نبي بعد نبي.
85 - تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله فينا خطيبا فقال: الحمد لله على آلائه وبلائه عندنا أهل البيت، وأستعين الله على نكبات الدنيا وموبقات الآخرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني محمدا عبده ورسوله، أرسلني برسالته إلى جميع خلقه " ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة " واصطفاني على جميع العالمين من الأولين و الآخرين، أعطاني مفاتيح خزائنه كلها، واستودعني سره، وأمرني بأمره، فكان القائم، وأنا الخاتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، و " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا
وأنتم مسلمون " واعلموا أن الله بكل شئ محيط وأن الله بكل شئ عليم، أيها الناس إنه سيكون بعدي قوم يكذبون علي فلا تقبلوا منهم ذلك، وأمور يأتي.
من بعدي يزعم أهلها أنها عني، ومعاذ الله أن أقول على الله إلا حقا، فما أمرتكم إلا بما أمرني به، ولا دعوتكم إلا إليه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
قال: فقام إليه عبادة بن الصامت فقال: متى ذلك يا رسول الله؟ ومن هؤلاء؟ عرفناهم لنحذرهم، فقال: أقوام قد استعدوا للخلافة من يومهم هذا، وسيظهرون لكم إذا بلغت النفس معني هاهنا، وأومأ بيده إلى حلقه، فقال له عبادة بن الصامت: إذا كان كذلك فإلى من يا رسول الله؟ قال: فإذا كان ذلك فعليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي، فإنهم يصدونكم عن البغي، ويهدونكم إلى الرشد، ويدعونكم إلى الحق، فيحيون كتابي وسنتي وحديثي، ويموتون البدع، ويقمعون بالحق أهلها، ويزولون مع الحق حيث ما زال، فلن يخيل إلي أنكم تعملون، ولكني محتج عليكم، إذا أنا أعلمتكم ذلك فقد أعلمتكم، أيها الناس إن الله تبارك وتعالى خلقني وأهل بيتي من طينة لم يخلق منها أحدا غيرنا، فكنا أول من ابتدأ من خلقه، فلما خلقنا فتق بنورنا كل ظلمة، و أحيى بنا كل طينة طيبة، وأمات بنا كل طينة خبيثة، ثم قال: هؤلاء خيار خلقي، و حملة عرشي، وخزان علمي، وسادة أهل السماء والأرض، هؤلاء الأبرار المهتدون، المهتدى بهم، من جاءني بطاعتهم وولايتهم أولجته جنتي وكرامتي، ومن جاءني بعداوتهم والبراءة منهم أولجته ناري، وضاعفت عليه عذابي، وذلك جزاء الضالمين، ثم قال: نحن أهل
الايمان بالله ملاكه وتمامه حقا حقا، وبنا سدد الأعمال الصالحة، ونحن وصية الله في الأولين والآخرين، وإن منا الرقيب على خلق الله، ونحن قسم الله، أقسم بنا حيث يقول الله تعالى: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليك رقيبا " أيها الناس إنا أهل البيت عصمنا الله من أن نكون مفتونين أو فاتنين، أو مفتنين، أو كذابين أو كاهنين، أو ساحرين أو عائفين، أو خائنين أو زاجرين، أو مبتدعين أو مرتابين، أو صادفين عن الحق منافقين، فمن كان فيه شئ من هذه الخصال فليس منا، ولا نحن منه، والله منه برئ ونحن منه برآء، ومن برأ الله منه أدخله جهنم وبئس المهاد، و إنا أهل البيت طهرنا الله من كل نجس، فنحن الصادقون إذا نطقوا، والعالمون إذا سئلوا، والحافظون لما استودعوا، جمع الله لنا عشر خصال لم يجتمعن لاحد قبلنا، ولا يكون لاحد غيرنا: العلم والحلم والحكم، واللب والنبوة والشجاعة، والصدق والصبر والطهارة والعفاف، فنحن كلمة التقوى، وسبيل الهدى، والمثل الاعلى، والحجة العظمى، والعروة الوثقى، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون.
بيان: العائف: المتكهن، قاله الجوهري، وقال: الزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا وكذا، وصدف: أعرض، وسيأتي تفسير سائر الفقرات في كتاب الإمامة.
86 - التهذيب: محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن ابن فضال، عن مروان، عن عمار الساباطي قال: كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام بمنى فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟ فقال: فريضة، قال: ففزعنا وفزع الرجل، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما أعني صلاة الليل على رسول الله صلى الله عليه وآله، إن الله يقول: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك ".
87 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كلف رسول الله ما لم يكلف أحدا من خلقه، كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه، ولم يكلف هذا أحدا من خلقه قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك " ثم قال: وجعل الله له أن يأخذ له ما أخذ لنفسه، فقال عز وجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " وجعلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله بعشر حسنات.
88 - الاختصاص: عن علي بن سويد السائي، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: ما خلق الله خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه وآله، ولا خلق خلقا بعد محمد أفضل من علي عليه السلام.
89 - الاختصاص: عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى:
" عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " قال: يجلسه على العرش.
90 - نهج البلاغة: اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق، والدافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل، كما حمل فاضطلع قائما بأمرك، مستوفزا في مرضاتك، غيرنا كل عن قدم، ولا واه في عزم، واعيا لوحيك، حافظا على عهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن والاثم، و أقام موضحات الاعلام، ونيرات الاحكام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك بالحق ورسولك إلى الخلق.
تبيين: الخاتم لما سبق، أي الوحي والرسالة، والفاتح لما انغلق، يقال: انغلق و استغلق: إذا عسر فتحه، أي فتح ما انغلق وأبهم على الناس من مسائل الدين والتوحيد والشرائع، والسبيل إلى الله تعالى، والمعلن الحق بالحق، أي مظهر الدين بالمعجزات، أو بالحرب والخصومة، يقال: حاق فلانا فحقه أي خاصمه فغلبه، أو بالبيان الواضح، أو بعضه ببعض، فإن بالأصول تظهر الفروع، أو بمعونة الحق تعالى، والجيشات جمع جيشة من جاشت القدر: إذا ارتفع غليانها، والأباطيل جمع باطل على غير قياس، أي دافع ثوران الباطل، وفتن المشركين، وما كانت عادة لهم من الغارات والحروب، والدامغ:
المهلك، من دمغه: إذا شجه حتى بلغ الدماغ، وفيه الهلاك، والأضاليل أيضا جمع ضال، على غير قياس، والصولة: الحملة والوثبة والسطوة، قوله عليه السلام: كما حمل، الكاف للتعليل، أي صل عليه لذلك أو للتشبيه، أي صلاة تشبه وتناسب ما فعل، قوله: فاضطلع، أي قوي على حمله، من الضلاعة، وهي القوة، قوله: مستوفزا، أي مستعجلا، والنكول: الرجوع، والقدم بالضم: التقدم والاقدام، أي لم يرجع عن التقدم في الجهاد وغيره من أمور الدين، والوهي: الضعف، وتقول: وعيت الحديث: إذا حفظته وفهمته، ومضى في الامر: نفذ، أي كان
مصرا في إنفاذ أمرك وإجرائه، ويقال: روى الزند، أي خرجت ناره، وأوريته أنا، والقبس:
الشعلة والقابس: الذي يطلب النار، والمراد بالقبس هنا نور الحق، أي أشعل أنوار الدين حتى ظهر الحق للمقتبسين قوله: للخابط أي الذي يخبط لولا ضوء نوره، قوله: بعد خوضات الفتن، خاض الماء: دخله، أي بعد أن خاضوا في الفتن أطوارا، والاعلام جمع علم، وهو ما يستدل به على الطريق من منار وجبل ونحوهما، والموضحات يحتمل الفتح والكسر كما لا يخفى، و نيرات الاحكام، أي الاحكام الواضحة الحقة، والمأمون تأكيد، والمراد بالعلم المخزون الأمور التي لا تتعلق بالتكاليف، لأنها لا يخزن عن المكلفين، قوله عليه السلام: وشهيدك، أي شاهدك على الخلق، قوله: وبعيثك، أي مبعوثك بالدين الثابت.
91 - نهج البلاغة: فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى سلف قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وآله، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها امناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمر لا ينال، فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل، أرسله على حين فترة من الرسل، وهفوة عن العمل، وغباوة من الأمم.
بيان: قوله عليه السلام: في أفضل مستودع، الظاهر أن المراد بالمستودع والمستقر الأصلاب والأرحام، فيكون ما بعده بيانا له، ويحتمل أن يكون المراد محل أرواحهم في عالم الذر. قوله: تناسختهم، أي تناقلتهم، قوله: حتى أفضت أي انتهت، والأرومة:
الأصل، ويحتمل أن يكون المراد بأفضل المعادن وأعز الأرومات شجرة النبوة، وقيل:
مكة شرفها الله، وقيل: نسبه وعشيرته، والصدع: الشق، والعترة: أخص من الأسرة، والأسرة: الرهط الأدنون، وقيل: أراد بالشجر في الموضعين إبراهيم عليه السلام وقيل: أراد هاشما، بقرينة قوله: نبتت في حرم، أي مكة، كذا قيل والأظهر أن تحمل الشجرة ثانيا على نفسه وأهل بيته، كما ورد في أخبار كثيرة في تفسير الشجرة الطيبة، والمراد بالفروع الأئمة، وطولها كناية عن بلوغهم في الشرف والفضل الغاية البعيدة، والمراد بالثمر علومهم ومعارفهم، وعدم النيل لغموض أسرارها بحيث لا تصل العقول إليها، والزند:
العود الذي يقدح به النار، والقصد: الوسط والاعتدال في الأمور من غير إفراط وتفريط، والفصل: الفاصل بين الحق والباطل، والهفوة: الزلة، والغباوة: الجهل وقلة الفطنة.
92 - نهج البلاغة: مستقره خير مستقر، ومنبته أشرف منبت، في معادن الكرامة، ومماهد السلامة، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، وثنيت إليه أزمة الابصار، دفن به الضغائن، وأطفأ به النوائر، ألف به إخوانا، وفرق به أقرانا، أعز به الذلة، وأذل به العزة، كلامه بيان، وصمته لسان.
بيان: يحتمل زائدا على ما تقدم أن يكون المراد بالمستقر المدينة، وبالمنبت مكة زادهما الله تعالى شرفا، قوله عليه السلام: ومماهد السلامة، قال ابن الميثم: المهاد: الفراش، ولما قال: " في معادن " وهي جمع معدن قال: بحكم القرينة والازدواج: " ومماهد " وإن لم يكن الواحد منها ممهدا، كما قالوا: الغدايا والعشايا ومأجورات ومأزورات ونحو ذلك، ويعني السلامة هاهنا البراءة من العيوب، أي في نسب طاهر غير مأبون ولا معيب، ويحتمل أن يراد بمعادن الكرامة ومماهد السلامة مكة والمدينة، فإنهما محل العبادة والسلامة من عذابه، والفوز بكرامته، ويحتمل أن يراد بمماهد السلامة ما نشأ عليه من مكارم الأخلاق الممهدة للسلامة من سخط الله، قوله: وثنيت، أي عطفت وصرفت، قوله: دفن به، أي أخفى وأذهب، والضغائن جمع ضغينة، وهي الحقد، والنوائر جمع نائرة، وهي العداوة،
والمراد بالذلة ذلة الاسلام، وبالعزة عزة الشرك، قوله عليه السلام: وصمته لسان، فيه وجهان: أحدهما أنه كان يسكت عما لا ينبغي من القول، فيعلم الناس السكوت عما لا يعنيهم، وثانيهما: أن سكوته صلى الله عليه وآله عن بعض أفعال الصحابة وعدم النهي عنها كان تقريرا لها، ودليلا على الإباحة.
93 - نهج البلاغة: حتى أورى قبسا لقابس، وأنار علما لحابس، فهو أمينك وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم اقسم له مقسما من عدلك، وأجزه مضاعفات الخير من فضلك، اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نزله، وشرف عندك منزله، وآته الوسيلة، وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين، ولا ناكبين ولا ناكثين، ولا ضالين، ولا مفتونين.
بيان: الحابس: الواقف في مكانه الذي حبس ناقته ضلالا، فهو يخبط ولا يدري كيف يهتدي، والمراد ببنائه قواعد دينه أو كمالاته، والنزل بالضم: ما يهيأ للضيف.
94 - نهج البلاغة: اختاره من شجرة الأنبياء. ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسرة
البطحاء، ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة.
95 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا نجيب الله، وسفير وحيه، ورسول رحمته.
96 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده وسيد عباده، كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر.
بيان: النسخ: الإزالة والتغيير، استعير هنا للقسمة لأنها إزالة للمقسوم وتغيير له، والعاهر: الزاني، ويطلق على الذكر والأنثى، وكذلك الفاجر.
تذنيب: أقول: قد ذكر علمائنا رضي الله عنهم بعض خصائصه صلى الله عليه وآله في كتبهم، وجمعها العلامة رحمه الله في كتاب التذكرة، فلنورد ملخص ما ذكروه رحمهم الله، قال في التذكرة: فأما الواجبات عليه دون غيره من أمته أمور: الأول السواك، الثاني الوتر، الثالث الأضحية، روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ثلاث كتب علي، ولم يكتب عليكم: السواك، والوتر، والأضحية.
وفي حديث آخر: كتب علي الوتر، ولم يكتب عليكم، وكتب علي السواك، ولم يكتب عليكم، وكتبت علي الأضحية، ولم تكتب عليكم.
وتردد الشافعي في وجوب السواك عليه صلى الله عليه وآله.
الرابع: قيام الليل لقوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " وإن أشعر لفظ النافلة بالسنة، ولكنها في اللغة الزيادة، ولان السنة جبر للفريضة، وكان صلى الله عليه وآله معصوما من النقصان في الفرائض، واختلف الشافعية فقال بعضهم: كان ذلك واجبا عليه،
وقال بعضهم: كان واجبا عليه وعلى أمته فنسخ.
أقول: ذكر الوتر مع قيام الليل يشتمل على تكرار ظاهرا، والأصل فيه أن العامة رووا حديثا عن عايشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " ثلاث علي فريضة ولكم سنة:
الوتر، والسواك، وقيام الليل " ولذا جمعوا بينهما تبعا للرواية، كما يظهر من شارح الوجيزة، وتبعهم أصحابنا رضوان الله عليهم.
وقال الشهيد الثاني قدس سره: اعلم أن بين قيام الليل وبين الوتر الواجبين عليه مغايرة العموم والخصوص المطلق، لان قيام الليل بالتهجد يحصل بالوتر وبغيره، فلا يلزم من وجوبه وجوبه، وأما الوتر فلما كان من العبادات الواقعة بالليل فهو من جملة التهجد بل أفضله، فقد يقال: إن إيجابه يغني عن إيجاب قيام الليل وجوابه أن قيام الليل وإن تحقق بالوتر لكن مفهومه مغاير لمفهومه، لان الواجب من القيام لما كان يتأدى به وبغيره، وبالكثير منه والقليل كان كل فرد يأتي به منه موصوفا بالوجوب، لأنه أحد أفراد الواجب الكلي، وهذا القدر لا يتأدى بإيجاب الوتر خاصة ، ولا يفيد فائدته، فلابد من الجمع بينهما.
ثم قال في التذكرة: الخامس: قضاء دين من مات معسرا، لقوله صلى الله عليه وآله: " من مات وخلف مالا فلورثته، ومن مات وخلف دينا أو كلا فعلي " وإلى هذا مذهب الجمهور، وقال بعضهم: كان ذلك كرما منه، وهذا اللفظ لا يمكن حمله على الضمان، لان من صحح ضمان المجهول لم يصحح على هذا الوجه، وللشافعية وجهان في أن الامام هل يجب عليه قضاء دين المعسر إذا مات، وكان في بيت المال سعة تزيد على حاجة الاحياء، لما في إيجابه من الترغيب في اقتراض المحتاجين.
السادس: مشاورة اولي النهى لقوله تعالى: " وشاورهم في الامر " وقيل: إنه لم يكن واجبا عليه، بل امر لاستمالة قلوبهم، وهو المعتمد، فإن عقل النبي صلى الله عليه وآله أوفر من عقول كل البشر.
السابع: إنكار المنكر إذا رآه وإظهاره، لان إقراره على ذلك يوجب جوازه، فإن الله تعالى ضمن له النصر والاظهار.
الثامن: كان عليه تخيير نسائه بين مفارقته، ومصاحبته بقوله تعالى: " يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وآله آثر لنفسه الفقر والصبر عليه، فامر بتخيير نسائه بين مفارقته واختيار زينة الدنيا، وبين اختياره والصبر على ضر الفقر، لئلا يكون مكرها لهن على الضر والفقر، هذا هو المشهور، وللشافعية وجه في التخيير لم يكن واجبا عليه، وإنما كان مندوبا، والمشهور الأول، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خيرهن اخترنه والدار الآخرة، فحرم الله تعالى على رسوله التزويج عليهن، والتبدل بهن من أزواج، ثم نسخ ذلك ليكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وآله بترك التزوج عليهن بقوله تعالى:
" إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن " قالت عايشة: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يمت حتى أحل له النساء تعني اللاتي حظرن عليه، وقال أبو حنيفة: إن التحريم باق لم ينسخ، وقد روي أن بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله طلبت منه حلقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالزعفران، فقالت: لا أريد إلا من ذهب، فاغتم النبي صلى الله عليه وآله لذلك، فنزلت آية التخيير.
وقيل: إنما خيره لأنه لم يمكنه التوسعة عليهن، فربما يكون فيهن من يكره المقام معه فنزهه عن ذلك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يطالب بأمور لا يملكها، وكان نساؤه يكثرن مطالبته حتى قال عمر: كنا معاشر المهاجرين متسلطين على نسائنا بمكة، وكانت نساء الأنصار متسلطات على الأزواج، فاختلط نساؤنا فيهن فتخلقن بأخلاقهن، وكلمت امرأتي
يوما فراجعتني، فرفعت يدي لأضربها وقلت: أتراجعيني يا لكعاء (1)؟ فقالت:
إن نساء رسول الله صلى الله عليه وآله يراجعنه، وهو خير منك، فقلت: خابت حفصة وخسرت، ثم أتيت حفصة وسألتها فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد يظل على بعض نسائه طول نهاره غضبانا، فقلت: لا تغتري بابنة أبي قحافة، فإنها حبة رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل منها ما لا يحمل منك، وقال عمر: كنت قد ناوبت رجلا من الأنصار حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ليخبر كل واحد منا صاحبه فيما يجري، فقرع الأنصاري باب الدار يوما، فقلت: أجاءنا غسان؟ وكان قد أخبرنا بأن غسان تنعل خيولها لتغزونا، فقال: أمر أفظع من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وآله جميع نسائه، فخرجت من البيت، ورأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يبكون حوله وهو جالس، وكان أنس علي البيت، فقلت:
استأذن لي فلم يجب، فانصرفت فنازعتني نفسي وعاودت فلم يجب، حتى فعلت ذلك ثلاثا، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله صوتي فأذن، فدخلت فرأيته نائما على حصير من الليف، فاستوى وأثر الليف في جنبيه، فقلت: إن قيصر وكسرى يفرشان الديباج والحرير، فقال: أفي شك أنت يا عمر؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة، ثم قصصت عليه القصة فابتسم لما سمع قولي لحفصة: لا تغتري بابنة أبي قحافة، ثم قلت: طلقت نساءك؟
فقال: لا.
وروي أنه كان آلى من نسائه شهرا، فمكث في غرفة شهرا، فنزل قوله تعالى:
" يا أيها النبي قل لأزواجك " الآية، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله بعايشة وقال: إني ملق إليك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتى تؤامري أبويك، وتلا الآية، فقالت: أفيك أؤامر أبوي؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر أزواجك بذلك، وكانت تريد أن يخترن فيفارقهن رسول الله صلى الله عليه وآله، فدار صلى الله عليه وآله على نسائه وكان يخبرهن
بما جرى لعايشة، فاخترن بأجمعهن الله ورسوله، وهذا التخيير عند العامة كناية في الطلاق وعندنا أنه ليس له حكم.
وقال الشهيد الثاني والشيخ علي رحمهما الله: هذا التخيير عند العامة القائلين بوقوع الطلاق بالكناية كناية عن الطلاق، وقال بعضهم: إنه صريح فيه، وعندنا ليس له حكم بنفسه، بل ظاهر الآية أن من اختارت الحياة الدنيا وزينتها يطلقها، لقوله تعالى:
" إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ".
أقول: سيأتي القول فيه في بابه.
ثم قال في التذكرة: وأما المحرمات فقسمان: الأول ما حرم عليه خاصة في غير النكاح، وهو أمور: الأول: الزكاة المفروضة، صيانة لمنصبه العلي عن أوساخ أموال الناس التي تعطى على سبيل الترحم، وتنبئ عن ذل الآخذ، وأبدل بالفئ الذي يؤخذ على سبيل القهر والغلبة، المنبئ عن عز الآخذ، وذل المأخوذ منه، ويشركه في حرمتها أولوا القربى، لكن التحريم عليهم بسببه أيضا، فالخاصة عائدة إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة.
أقول: قال الشهيد الثاني رحمه الله بعد ذكر هذا الوجه: مع أنها لا تحرم عليهم مطلقا، بل من غير الهاشمي مع وفاء نصيبهم من الخمس بكفايتهم، وأما عليه صلى الله عليه وآله فإنها تحرم مطلقا، ولعل هذا أولى من الجواب السابق، لان ذاك مبني على مساواتهم له في ذلك كما تراه العامة، فاشتركوا في ذلك الجواب، والجواب الثاني مختص بقاعدتنا.
رجعنا إلى كلام التذكرة:
الثاني: الصدقة المندوبة، الأقرب تحريمها على رسول الله صلى الله عليه وآله لما تقدم، وهو
أحد قولي الشافعي تعظيما له وتكريما، وفي الثاني يجوز، وحكم الامام عندنا حكم النبي صلى الله عليه وآله.
الثالث: إنه كان صلى الله عليه وآله لا يأكل الثوم والبصل والكراث، وهل كان محرما عليه؟ الأقرب لا، وللشافعية وجهان، لكنه كان يمتنع منها لئلا يتأذى بها من يناجيه من الملائكة، روي أنه صلى الله عليه وآله اتي بقدر فيها بقول فوجد لها ريحا فقربها إلى بعض أصحابه، وقال له: كل فإني أناجي من لا تناجي.
الرابع: إنه صلى الله عليه وآله كان لا يأكل متكئا، روي أنه صلى الله عليه وآله قال: أنا آكل كما تأكل العبيد، وأجلس كما تجلس العبيد.
وهل كان ذلك محرما عليه أو مكروها كما في حق الأمة؟ الأقرب الثاني، و للشافعي وجهان.
الخامس: يحرم عليه الخط والشعر تأكيدا لحجته، وبيانا لمعجزته، قال الله تعالى: " ولا تخطه بيمينك " وقال تعالى: " وما علمناه الشعر " وقد اختلف في أنه صلى الله عليه وآله كان يحسنهما أم لا، وأصح قولي الشافعي الثاني، وإنما يتجه التحريم على الأول.
السادس: كان صلى الله عليه وآله إذا لبس لامة الحرب يحرم عليه نزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، قال صلى الله عليه وآله: " ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو " وهو المشهور عند الشافعية: ولهم وجه: إنه كان مكروها لا محرما.
السابع: كان صلى الله عليه وآله إذا ابتدأ بتطوع حرم عليه تركه قبل إتمامه، وفيه خلاف.
الثامن: كان يحرم أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس، قال الله تعالى: " ولا تمدن عينيك " الآية.
التاسع: كان يحرم عليه خائنة الأعين، قال صلى الله عليه وآله: " ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين " وفسروها بالايماء إلى مباح: من ضرب، أو قتل علي خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، وإنما قيل له: خائنة الأعين لأنه سبب الخيانة، من حيث أنه يخفى، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، وبالجملة أن يظهر خلاف ما يضمر، وطرد بعض الفقهاء ذلك في مكائدة الحروب وهو ضعيف، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أراد سفرا ورى بغيره.
العاشر: اختلفوا في أنه هل كان يحرم عليه أن يصلي على من عليه دين أم لا على قولين.
الحادي عشر: اختلفوا في أنه هل كان يجوز أن يصلي على من عليه دين مع وجود الضامن.
الثاني عشر: لم يكن له أن يمن ليستكثر، قال الله تعالى: " ولا تمنن تستكثر، أي لا تعط شيئا لتنال أكثر منه، قال المفسرون: إنه كان من خواصه صلى الله عليه وآله.
الثاني: ما حرم عليه خاصة في النكاح وهو أمور: الأول: إمساك من تكره نكاحه وترغب عنه، لأنه صلى الله عليه وآله نكح امرأة ذات جمال، فلقنت أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: أعوذ بالله منك، وقيل لها: إن هذا الكلام يعجبه، فلما قالت ذلك قال صلى الله عليه وآله: لقد استعذت بمعاذ وطلقها.
وللشافعية وجه غريب: أن كان لا يحرم إمساكها لكن فارقها تكرما منه، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله عن تسع نسوة: عايشة، وحفصة، وأم سلمة بنت ابن أمية المخزومي، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وسودة بنت زمعة، وصفية بنت حي بن أخطب الخيبرية، وزينب بنت جحش، وجميع من تزوج بهن خمسة عشر، وجمع بين إحدى عشرة، ودخل بثلاث عشرة، و فارق امرأتين في حياته: إحداهما الكلبية، وهي التي رأى بكشحها بياضا، فقال لها:
الحقي بأهلك، والأخرى التي تعوذت منه، وقال أبو عبيد: تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانية عشر امرأة، واتخذ من الإماء ثلاثا.
الثاني: نكاح الكفار، عندنا لا يصح للمسلم على الأقوى. لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " وقال: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " وقال بعض علمائنا: إنه يصح، وهو مذهب جماعة من العامة، فعندنا التحريم بطريق الأولى ثابت في حق النبي صلى الله عليه وآله، واختلف في مشروعيته له من جوز من العامة في حق الأمة على قولين: أحدهما المنع، لقوله صلى الله عليه وآله: " زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة " والجنة محرمة على الكافرين، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، والله تعالى أكرم زوجاته إذ جعلهن أمهات المؤمنين، والكافرة لا تصلح لذلك، لأن هذه أسوة الكرامة، و لقوله تعالى: " إنما المشركون نجس " ولقوله: " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " وذلك لا يصح في الكافرة.
والثاني الجواز لان ذبائحهم له حلال فكذلك نساؤهم، والمقدمة الأولى ممنوعة فإن ذبائح أهل الكتاب عندنا محرمة، وأما نكاح الأمة فلم يجز له بلا خلاف بين الأكثر، وأما وطي الأمة فكان سائغا له مسلمة كانت أو كتابية، لقوله تعالى: " وما ملكت أيمانكم " وقوله تعالى: " وما ملكت يمينك " ولم يفصل، وملك صلى الله عليه وآله مارية القبطية وكانت مسلمة، وملك صفية وهي مشركة، فكانت عنده إلى أن أسلمت فأعتقها وتزوجها، وجوز بعضهم نكاح الأمة المسلمة له صلى الله عليه وآله بالعقد، كما يجوز بالملك والنكاح أوسع منه من الأمة، ولكن الأكثر على المنع، لان نكاح الأمة مشروط بالخوف من
العنت، والنبي صلى الله عليه وآله معصوم، وبفقدان طول الحرة، ونكاحه صلى الله عليه وآله مستغني عن المهر ابتداء وانتهاء، وبأن من نكح أمة كان ولده منها رقيقا عند جماعة، ومنصب النبي صلى الله عليه وآله منزه عن ذلك، لكن من جوز له نكاح الأمة قال: خوف العنت إنما يشترط في حق الأمة، ومنع من اشتراط فقدان الطول، وأما رق الولد فقد التزم بعض الشافعية وجها مستبعدا فيه بذلك، والصحيح خلافه لأنه عندنا يتبع أشرف الطرفين.
واما التخفيفات: فقسمان: الأول ما يتعلق بغير النكاح وهي أمور:
الأول: الوصال في الصوم، كان مباحا للنبي صلى الله عليه وآله، وحرام على أمته، ومعناه أنه يطوي الليل بلا أكل وشرب مع صيام النهار، لا أن يكون صائما، لأن الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا إجماعا، فلما نهى النبي صلى الله عليه وآله أمته عن الوصال قيل له: إنك تواصل، فقال: إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني.
وفي رواية: إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني.
قيل: معناه يسقيني ويغذيني بوحيه.
وقال الشهيد الثاني نور الله ضريحه: الوصال يتحقق بأمرين: أحدهما الجمع بين الليل والنهار عن تروك الصوم بالنية، والثاني تأخير عشائه إلى سحوره بالنية كذلك، بحيث يكون صائما مجموع ذلك الوقت، والوصال بمعنييه محرم على أمته،
ومباح له صلى الله عليه وآله، ثم نقل كلام التذكرة وقال: ليس بجيد، لان الاكل بالليل ليس بواجب، وقد صرح به هو في المنتهى، فقال: لو أمسك عن الطعام يومين لا بنية الصيام بل بنية الافطار فيه فالأقوى عدم التحريم، وعلى ما ذكره هنا لا فرق بينه صلى الله عليه وآله وبين غيره، بل المراد الصوم فيهما معا بالنية، فإن هذا حكم مختص به محرم على غيره.
أقول: ما ذكره رحمه الله هو المطابق لكلام الأكثر، لكن الأخبار الواردة في تفسيره تقتضي التحريم مطلقا، وأيضا لو كان المراد مع النية فلا وجه للتخصيص بهذين الفردين، بل الظاهر أنه لو نوى دخول ساعة من الليل مثلا في الصوم كان تشريعا محرما، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى.
ثم قال في التذكرة: الثاني اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة، كجارية حسنة، وثوب مترفع، وفرس جواد، وغير ذلك، ويقال لذلك الذي اختاره: الصفي والصفية والجمع الصفايا، ومن صفاياه صفية بنت حيى، اصطفاها وأعتقها وتزوجها، و ذو الفقار.
الثالث: خمس الفئ والغنيمة كان لرسول الله صلى الله عليه وآله الاستبداد به، وأربعة أخماس الفئ كانت له أيضا.
الرابع: أبيح له دخول مكة بغير إحرام، خلافا لامته، فإنه محرم عليهم على خلاف.
الخامس: أبيحت له ولامته كرامة له الغنائم، وكانت حراما على من قبله من الأنبياء، بل أمروا بجمعها، فتنزل نار من السماء فتأكلها، وإنه كان يقضي لنفسه، و في غيره خلاف، وأن يحكم لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده، وأن يقبل شهادة من شهد له.
السادس: أبيح له أن يحمي لنفسه الأرض لرعي ماشيته، وكان حراما على من
قبله من الأنبياء عليهم السلام، والأئمة بعده ليس لهم أن يحموا لأنفسهم.
وقال المحقق الثاني رحمه الله في شرح القواعد: وهذا عندنا مشترك بينه وبين الأئمة عليهم السلام، وقول المصنف رحمه الله في التذكرة: والأئمة بعده ليس لهم أن يحموا لأنفسهم ليس جاريا على مذهبنا.
ثم قال في التذكرة: أبيح له أن يأخذ الطعام والشراب من المالك، وإن اضطر إليها، لان حفظه لنفسه الشريفة أولى من حفظ نفس غيره، وعليه البذل و الفداء بمهجته مهجة رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وقال المحقق في شرح القواعد: وينبغي أن يكون الامام كذلك كما يرشد إليه التعليل، ولم أقف على تصريح في ذلك.
ثم قال في التذكرة: الثامن: كان لا ينتقض وضوءه بالنوم، وبه قال الشافعية:
وحكى أبو العباس منهم وجها آخر غريبا، وكذلك حكى وجهين في انتقاض وضوئه باللمس.
التاسع: كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبا، ومنعه بعض الشافعية: وقال لا أخا له صحيحا.
العاشر: قيل: إنه كان يجوز له أن يقتل من آمنه وهو غلط، فإنه من يحرم عليه خائنة الأعين كيف يجوز له قتل من آمنه؟
الحادي عشر: قيل: إنه كان يجوز له لعن من شاء من غير سبب يقتضبه، لان لعنه رحمة، واستبعده الجماعة، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفه، إنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته بتهمة ولعنة فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة يتقرب بها إليك يوم القيامة " وهو عندنا باطل لأنه معصوم لا يجوز منه لعن الغير وسبه بغير سبب، والحديث لو سلم إنما هو لسبب.
ومن التخفيفات ما يتعلق بالنكاح وهي أمور:
الأول: الزيادة على أربع نسوة، فإنه صلى الله عليه وآله مات عن تسع، وهل كان له الزيادة على تسع؟ الأولى الجواز لامتناع الجور عليه، وللشافعية وجهان: هذا أصحهما، و الثاني المنع، وأما انحصار طلاقه في الثلاث فالوجه في ذلك كما في حق الأمة، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني العدم كما لم ينحصر عدد زوجاته صلى الله عليه وآله.
الثاني: العقد بلفظ الهبة، لقوله تعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فلا يجب المهر حينئذ بالعقد ولا بالدخول، لا ابتداء ولا انتهاء كما هو قضية الهبة، وهو أظهر وجهي الشافعية، والثاني: المنع، كما في حق الأمة، وعلى الأول هل يشترط لفظ النكاح من جهة النبي صلى الله عليه وآله؟ للشافعية وجهان: أحدهما نعم، لظاهر قوله تعالى:
" أن يستنكحها " والثاني لا يشترط في حق الواهبة، وهل ينعقد نكاحه بمعنى الهبة في حق الواهبة، وخاصية النبي صلى الله عليه وآله ليست في إسقاط المهر، بل في الانعقاد بلفظ الهبة.
الثالث: كان إذا رغب صلى الله عليه وآله في نكاح امرأة فإن كانت خلية فعليها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وللشافعية وجه: إنه لا يحرم، وإن كانت ذات زوج وجب على الزوج طلاقها لينكحها لقضية زيد، ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه واعتقاده بتكليفه النزول عن أهله، ومن جانب النبي صلى الله عليه وآله ابتلاؤه ببلية البشرية، ومنعه من خائنة الأعين، ومن الاضمار الذي يخالف الاظهار كما قال تعالى: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " ولا شئ أدعى إلى غض البصر وحفظ لمجاريه الاتفاقية من هذا
التكليف، وليس هذا من باب التخفيفات، كما قاله الفقهاء، بل هو في حقه غاية التشديد إذ لو كلف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع خوفا من ذلك، ولهذا قالت عايشة: لو كان صلى الله عليه وآله يخفي آية لأخفى هذه.
الرابع: انعقاد نكاحه بغير ولي وشهود، وهو عندنا ثابت في حقه صلى الله عليه وآله وحق أمته إذ لا نشترط نحن ذلك، وللشافعية وجهان.
الخامس: انعقاد نكاحه في الاحرام، وللشافعية فيه وجهان: أحدهما الجواز، لما روي أنه صلى الله عليه وآله نكح ميمونة محرما، والثاني المنع كما لم يحل له الوطئ في الاحرام، والمشهور عندهم أنه نكح ميمونة حلالا.
السادس: هل كان يجب عليه القسم بين زوجاته بحيث إذا باتت عند واحدة منهن ليلة وجب عليه أن يبيت عند الباقيات كذلك أم لا يجب؟ قال الشهيد الثاني رحمه الله: اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يجب عليه ذلك لقوله تعالى: " ترجي من تشاء منهن و تؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك " ومعنى ترجي تؤخر
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.