بحارالانوار · المجلد السادس
باب 12 نادر في اللطائف في فضل نبينا صلى الله عليه وآله في
ج ۱۶، ص ۴۰۱–۴۲۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
وإن كان آدم عليه السلام أبو البشر فمحمد صلى الله عليه وآله سيد النذر، قوله صلى الله عليه وآله: آدم و من دونه تحت لوائي يوم القيامة ".
وإن كان آدم عليه السلام أول الأنبياء فنبوة محمد أقدم منه، قوله: " كنت نبيا وآدم عليه السلام منخول في طينته ".
وإن عجزت الملائكة عن آدم عليه السلام فاعطي القرآن الذي عجز عنه الأولون و الآخرون، وإن قيل لآدم عليه السلام: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " فقال له:
" ليغفر لك الله ".
وإن دخل آدم في الجنة فقد عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى.
إدريس: قوله: " ورفعناه مكانا عليا " أي السماء، وللنبي: " ورفعنا لك ذكرك " وناجى إدريس عليه السلام ربه، ونادى الله محمدا: " فأوحى إلى عبده ما أوحى " وأطعم إدريس عليه السلام بعد وفاته، وقد أطعمه الله في حال حياته، قوله صلى الله عليه وآله: " إني لست كأحدكم
إني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني.
نوح عليه السلام: جرت له السفينة على الماء وهي تجري للكافر والمؤمن، ولمحمد صلى الله عليه وآله جرى الحجر على الماء، وذلك أنه كان على شفير غدير ووراء الغدير تل عظيم، فقال عكرمة ابن أبي جهل: يا محمد إن كنت نبيا فادع من صخور ذلك التل حتى يخوض الماء فيعبر، فدعا بالصخرة فجعلت تأتي على وجه الماء حتى مثلت بين يديه، فأمرها بالرجوع فرجعت كما جاءت.
وأجيبت دعوته على قومه: " لا تذر على الأرض " فهطلت له السماء بالعقوبة، وأجيبت لمحمد بالرحمة حيث قال: " حوالينا ولا علينا " فنوح عليه السلام رسول العقوبة، و محمد صلى الله عليه وآله رسول الرحمة: " وما أرسلناك إلا رحمة " دعا نوح لنفسه ولنفر يسير: " رب اغفر لي ولوالدي " ومحمد دعا لامته من ولد منهم ومن لم يولد: " واعف عنا " وقال له: " وجعلنا ذريته هم الباقين " وقال لمحمد: " ذرية بعضها من بعض " كانت سفينة نوح عليه السلام سبب النجاة في الدنيا، وذرية محمد صلى الله عليه وآله سبب النجاة في العقبى قوله: " مثل أهل بيتي كسفينة نوح " الخبر.
وقال نوح عليه السلام: " إن ابني من أهلي " فقيل له: " إنه ليس من أهلك " ومحمد لما علنت من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم ينظر إليهم بعين المقة. قال حسان:
وإن كان نوح نجى سالما * على الفلك بالقوم لما نجى فإن النبي نجى سالما * إلى الغار في الليل لما دجى
هود عليه السلام انتصر من أعدائه بالريح، قوله: " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم " ومحمد نصره الله يوم الأحزاب والخندق بالريح والملائكة: قوله: " بجنود لم تروها " فزاد الله محمدا على هود بثلاثة آلاف ملك، وفضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد صلى الله عليه وآله ريح رحمة قوله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم " الآية، وصبر هود في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب، والنبي صلى الله عليه وآله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب وشرد، وحصب بالحصى وعلاه أبو جهل بسلى شاة، فأوحى الله إلى جاجائيل ملك الجبال: أن شق الجبال وانته إلى أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأتاه فقال له: قد أمرت لك بالطاعة، فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال: إنما بعثت رحمة اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
صالح عليه السلام خرجت لصالح ناقة عشراء من بين صخرة صماء، وأخرج لنبينا صلى الله عليه وآله رجل من وسط الجبل يدعو له ويقول: " اللهم ارفع له ذكرا، اللهم أوجب له أجرا، اللهم احطط عنه وزرا " وعقر ناقته، وعقر أولاد محمد أبو القاسم البارع صلى الله عليه وآله.
لناقة صالح نادت أناس * وقد جسروا على قتل الحسين وكان لصاح ينذر قومه فقيل له: يا صالح ائتنا بعذاب الله، ومحمد نبي الرحمة، قوله:
" وما أرسلناك إلا رحمة " والناقة لم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة وقد تكلم مع النبي صلى الله عليه نوق كثيرة.
لوط، قال حسان بن ثابت:
وإن كان لوط دعا ربه * على القوم فاستوصلوا بالبلا فإن النبي ببدر دعا * على المشركين بسيف الفنا فناداه جبريل من فوقه * بلبيك لبيك سل ما تشاء إبراهيم عليه السلام نظر من الملك إلى الملك: " وكذلك نري إبراهيم " والحبيب نظر من الملك إلى الملك: " ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل ".
الخليل عليه السلام طالب قال: " إني ذاهب إلى ربي " والحبيب مطلوب: " أسرى بعبده ليلا " قال الخليل عليه السلام: " والذي أطمع أن يغفر لي " وقيل للحبيب: " ليغفر لك الله " وقال الخليل: " ولا تخزني " وللحبيب: " يوم لا يخزي الله " و قال الخليل عليه السلام وسط النار: حسبي الله، وقيل للحبيب: " يا أيها النبي حسبك الله " قال الخليل عليه السلام: " واجعل لي لسان صدق " وقيل للحبيب صلى الله عليه وآله: " ورفعنا لك ذكرك " قال الخليل عليه السلام: " وأرنا مناسكنا وقيل للحبيب صلى الله عليه وآله: " لنريه " الخليل عليه السلام " واجعلني من ورثة جنة النعيم " وللحبيب صلى الله عليه وآله " وللآخرة خير لك " الخليل عليه السلام: " والذي هو يطعمني " وللحبيب صلى الله عليه وآله " أطعمهم من جوع " لأجلك.
الخليل عليه السلام بخل على أعدائه بالرزق " وارزق أهله من الثمرات " والحبيب صلى الله عليه وآله سخا بها على الأعداء حتى عوتب : " ولا تبسطها كل البسط " الخليل عليه السلام أقسم بالله: " وتالله لأكيدن أصنامكم " وأقسم الله بالحبيب: " لعمرك
إنهم " واتخذ مقام الخليل قبلة: " واتخذوا من مقام إبراهيم " وجعل أحوال الحبيب وأفعاله وأقواله قبلة: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة " الخليل عليه السلام كسر أصنام قوم بالخفية غضبا لله، والحبيب كسر عن الكعبة ثلاثمائة وستين صنما، وأذل من عبدها بالسيف، اصطفى الخليل عليه السلام بعد الابتلاء: " ولقد اصطفيناه " واصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله قبل الابتلاء: " الله يصطفي " الخليل عليه السلام بذل ماله لأجل الجليل، وخلق الجليل العالم لأجل الحبيب صلى الله عليه وآله، مقام الخليل عليه السلام مقام الخدمة: " واتخذوا من مقام إبراهيم " ومقام الحبيب صلى الله عليه وآله مقام الشفاعة: " عسى أن يبعثك " والشفيع أفضل من الخادم، الخليل عليه السلام طلب ابتداء الوصلة قال: " هذا ربي " والحبيب صلى الله عليه وآله طلب بقاء الوصلة: " وأمرت أن أكون من المسلمين " وللبقاء فضل على الابتداء، صير الله حر النار على الخليل عليه السلام بردا وسلاما، وصير السم في جوفه سلاما حين سمته الخيبرية، ثم سخر له نار جهنم التي كانت نار الدنيا كلها جزء منها، كان الخليل عليه السلام مناديا بالحج والقربان: " وأذن في الناس بالحج " والحبيب مناديا بالاسلام و الايمان: " مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم " قال للخليل عليه السلام:
" أو لم تؤمن " وقال للحبيب صلى الله عليه وآله: " آمن الرسول " قال الخليل: " فإنهم عدو لي " وقيل للحبيب عليه السلام: " لولاك لما خلقت الأفلاك " وقيل للخليل عليه السلام.
" وفديناه بذبح " والحبيب صلى الله عليه وآله فدي أبوه عبد الله بمائة ناقة، وبارك في أولاد الخليل عليه السلام حتى عفوا، فامر داود عليه السلام في أيامه بإحصائهم فعجزوا عن ذلك، فأوحى
الله تعالى إليه لما أطاعني بذبح ولده كثرت ذريته، والحبيب صلى الله عليه وآله لما ابتلي أيضا بذبح ابنه الحسين عليه السلام كثرت أولاده، وصل الخليل إلى الجليل بالواسطة: " وكذلك نري إبراهيم " ووصل الحبيب صلى الله عليه وآله بلا واسطة: " ثم دنا فتدلى " أراد الخليل عليه السلام رضا الملك في رفع الكعبة: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " وأراد الله القبلة في رضا الحبيب: " فلنولينك قبلة ترضاها " كان الابتلاء للخليل أولا، والاجتباء آخرا: " وإذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " والحبيب صلى الله عليه وآله ابتداءه بشارة: " ليظهره على الدين " سأل الخليل: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام " وقال للحبيب صلى الله عليه وآله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس " الخليل من يخالك، و الحبيب من تخاله، فلا جرم " ولسوف يعطيك ربك فترضى " الخليل: المريد، والحبيب: المراد، الخليل: عطشان، والحبيب: ريان.
قال صاحب العين: مخرج الحاء أقصى من مخرج الخاء بدرجة، فإن الخاء من الحلق، والحاء من الفؤاد، فإذا ذكرت الخليل لم تملأ فاك، لأنه من الحلق، وإذا ذكرت الحبيب ملأت فاك وقلبك، لأنه من الفؤاد، قالوا: أظهر الله الخليل، ولم يظهر الحبيب، الجواب أنه أظهر المحبة لمتبعيه، فكيف المتبوع: قوله: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ".
يعقوب: كان له اثنا عشر ابنا، ومحمد كان له اثنا عشر وصيا، وجعل الأسباط من سلالة صلبه. ومريم بنت عمران من بناته، والهداة في ذريته.
قوله: " ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب " و
محمد أرفع ذكرا من ذلك، جعلت فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن و الحسين عليهما السلام من ذريته، وآتاه الكتاب المحفوظ لا يبدل ولا يغير، وصبر يعقوب عليه السلام على فراق ولده حتى كاد يحرض، وصبر محمد صلى الله عليه وآله على وفاة إبراهيم وعلى ما علم من فحوى ما يجري على ذريته.
يوسف عليه السلام إن كان له جمال فلمحمد صلى الله عليه وآله ملاحة وكمال، قوله صلى الله عليه وآله: كان يوسف عليه السلام أحسن ولكنني أملح.
وإن كان يوسف في الليل نورانيا فمحمد في الدنيا والعقبى نوراني، ففي الدنيا يهدي الله لنوره، وفي العقبى: " انظرونا نقتبس ".
يوسف عليه السلام دعا لمالك بن ذعر ليكثر ماله وولده، قال النبي صلى الله عليه وآله: " ستدرك ولدا لي يسمى الباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، وقال لانس: اللهم أطل عمره، وأكثر ماله وولده " فبقي إلى أيام عمر بن عبد العزيز، وله عشرون من الذكور، وثمانون من الإناث، وكانت شجراته كل حول ذوات ثمرتين.
صبر يوسف عليه السلام في الجب والحبس والفرقة والمعصية، ومحمد قاسى من كثرة الغربة والفرقة، وحبس في الشعب ثلاث سنين، وفي الغار ثلاث ليال، وكان ليوسف عليه السلام رؤياه، ولمحمد: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ".
موسى عليه السلام أعطاه الله اثنتي عشرة عينا، قوله: " فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا " ومحمد أمر البراء بن عازب بغرس سهمه يوم الميضاة بالحديبية في قليب جافة فتفجرت اثنتا عشرة عينا حتى كفت ثمانية آلاف رجل، وكان لموسى عليه السلام انفجار الماء من الحجر، ولمحمد عليه السلام انفجار الماء من بين أصابعه، وهذا أعجب، وأنزل الله لموسى
عمودا من السماء يضئ لهم ليلتهم، ويرتفع نهارهم، ورسول الله أعطى بعض أصحابه عصا تضئ أمامه وبين يديه، وأعطى قتادة بن النعمان عرجونا، فكان العرجون يضئ أمامه عشرا.
قوله: " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " قال ابن عباس والضحاك:
اليد، والعصا، والحجر، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، يروى أن النبي صلى الله عليه وآله استتر للوضوء في بعض أسفاره إلى الشام فأحاط به اليهود بالسيوف، فأثار الله من تحت رجله جرادا فاحتوشتهم، وجعلت تأكلهم حتى أتت على جملتهم، وكانوا مأتي نفر، وقال عليه السلام: " إن بين الركن والصفا قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل " وتبعه قوم يوما خاليا فنظر أحدهم إلى ثياب نفسه وفيها قمل، ثم جعل بدنه يحكه، فأنف من أصحابه، وانسل، وأبصر آخر وآخر مثل ذلك حتى وجد كلهم من نفسه، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى ذلك عليهم فماتوا كلهم من خمسة أيام إلى شهرين، وهم جماعة بقتله فخرجوا نحو المدينة من مكة فسلط الله على مزاودهم ورواياهم وسطائحهم الجرذان فخرقتها ونقبتها وسال مياهها، فلما عطشوا شعروا فرجعوا القهقرى إلى الحياض التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، وإذا الجرذان قد سبقتهم إليها فنقبت أصولها وسال في الحرة مياهها، فتماوتوا، ولم ينفلت منهم إلا واحد لا يزال يقول: يا رب محمد وآل محمد، قد تبت من أذاه، ففرج عني بجاه محمد وآل محمد، فوردت عليه قافلة فسقوه وحملوه وأمتعة القوم، فآمن بالنبي صلى الله عليه وآله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله له تلك الجمال والأموال، واحتجم النبي صلى الله عليه وآله مرة فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري، وقال: غيبه، فذهب فشربه، فقال: ماذا صنعت به؟ قال: شربته، قال: أو لم
أقل لك: غيبه؟ فقال: قد غيبته في وعاء حريز، فقال: إياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بدمي ولحمي، واستهزأ به أربعون نفرا من المنافقين، فقال صلى الله عليه وآله: أما إن الله يعذبهم بالدم، فلحقهم الرعاف الدائم، و سيلان الدماء من أضراسهم، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بدمائهم، فبقوا كذلك أربعين صباحا، ثم هلكوا.
قوله: " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء " وأعطي أفضل منه، وهو أن نورا كان عن يمينه حيث ما جلس، وكان يراه الناس كلهم، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، وكان يحب أن يأتيه الحسنان، فيناديهما: هلما إلي، فيقبلان نحوه من البعد قد بلغهما صوته، فيقول بسبابته هكذا، يخرجهما من الباب، فتضئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس، فيأتيان، ثم تعود الإصبع كما كانت، وتفعل في انصرافهما مثل ذلك قوله: " وأن ألق عصاك " وله ما روي أن الزبير بن العوام انكسر سيفه في بعض الغزوات فأخذ النبي صلى الله عليه وآله خشبة فمسحها من جانبيه، فصارت سيفا أجود ما يكون وأضربها، فكان يقاتل به، وإن الله تعالى قلب جذوع سقوف يهود نازعوه أفاعي، وهي أكثر من مائة جذع، وقصدت نحوهم، والتقمت متاع بيتهم، فمات منهم أربعة، وخبل جماعة وأسلم آخرون، وقالوا: اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، وعلي الذي ارتضيته، وأوليائهما الذين من سلم لهم أمرهم اجتبيته، فأنشر الله الأربعة. قوله: " فاضرب بعصاك البحر " قال أمير المؤمنين عليه السلام: خرجنا معه يعني النبي صلى الله عليه وآله إلى خيبر، فإذا نحن بواد يشخب فقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا:
يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى عليه السلام: " إنا لمدركون " فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة
فأرني قدرتك " وركب فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، والإبل لا تندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحها، وفي رواية أنس إنه مطرت السماء ثلاثة أيام ولياليها بوادي الخزان، فقالوا: يا رسول الله هول عظيم، فقال: أيها الناس اتبعوني، وكنت آخر الناس، ولقد رأيت الماء ما بل أخفاف الإبل.
قوله: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اللهم العن رعلا وذكوان، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف " ففي الخبر أن الرجل كان منهم يلحق صاحبه فلا يمكنه الدنو، فإذا دنا منه لا يبصره من شدة دخان الجوع، وكان يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس وينتن، فأكلوا الكلاب الميتة والجيف والجلود، ونبشوا القبور، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها، وأكلت المرأة طفلها، وكان الدخان متراكما بين السماء والأرض، وذلك قوله: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم " فقال أبو سفيان ورؤساء قريش: يا محمد أتأمرنا بصلة الرحم؟ فأدرك قومك فقد هلكوا، فدعا لهم، وذلك قوله: " ربنا اكشف عنا العذاب إنا موقنون " فقال الله تعالى: " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " فعاد إليهم الخصب والدعة، وهو
قوله: " فليعبدوا رب هذا البيت " الآية، انتقم الله لموسى عليه السلام من فرعون، وانتقم لمحمد صلى الله عليه وآله من الفراعنة: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " كان لموسى عليه السلام عصا، ولمحمد صلى الله عليه وآله ذو الفقار، خلف موسى عليه السلام هارون عليه السلام في قومه، وخلف محمد صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام في قومه: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وكان لموسى عليه السلام اثنا عشر نقيبا، ولمحمد صلى الله عليه وآله اثنا عشر إماما، كان لموسى عليه السلام انفلاق البحر في الأرض: " فانفلق فكان كل فرق " ولمحمد صلى الله عليه وآله انشقاق القمر في السماء وذلك أعجب: " اقتربت الساعة و انشق القمر " العصا بلغت البحر فانفلق: " فاضرب بعصاك البحر " وأشار بالإصبع إلى القمر فانشق، وقال موسى عليه السلام: " رب اشرح لي صدري " وقال الله له: " ألم نشرح لك صدرك " وقال لموسى وهارون عليهما السلام: " فقولا له قولا لينا " وقال لمحمد صلى الله عليه وآله واغلظ عليهم * ولا تطع كل حلاف " وأعطى الله موسى عليه السلام المن والسلوى، وأحل الغنائم لمحمد صلى الله عليه وآله ولامته، ولم يحل لاحد قبله، وقال في حق موسى: " وظللنا عليهم الغمام " يعني في التيه، والنبي صلى الله عليه وآله كان يسير الغمام فوقه، وكلم الله موسى تكليما على طور سيناء، وناجى الله محمدا عند سدرة المنتهى، وكان واسطة بين الحق، وبين موسى عليه السلام، ولم يكن بين محمد صلى الله عليه وآله وربه أحد: " فأوحى إلى عبده " وليس من مشى برجليه كمن أسري بسره، وليس من ناداه كمن ناجاه، ومن بعد نودي، ومن قرب نوجي، ولم يكلم موسى عليه السلام إلا بعد أربعين ليلة، ومحمد صلى الله عليه وآله كان نائما في بيت أم هاني فعرج به، ومعراج موسى عليه السلام بعد الموعود، ومعراج محمد صلى الله عليه وآله بلا وعد، واختار موسى قومه سبعين رجلا، واختير محمد وهو فريد، ولم يحتمل موسى عليه السلام
ما رآه: " فخر موسى صعقا " واحتمل محمد ذلك: " لقد رأى من آيات ربه " معراج موسى عليه السلام نهارا، ومعراج محمد صلى الله عليه وآله ليلا، ومعراج موسى عليه السلام على الأرض، ومعراج محمد صلى الله عليه وآله فوق السماوات السبع، أخبر بما جرى بينه وبين موسى عليه السلام، وكتم ما جرى بينه وبين محمد: " فأوحى إلى عبده ما أوحى " قوله: " ولما جاء موسى لميقاتنا " كأنه جاء من عند فرعون " لقد جاءكم رسول " كأنه جاء من عند الله وقال لموسى: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا " وأخرج النبي من مسجده ما خلا العترة، وفي هذا تبيان قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ".
حسان: لئن كلم الله موسى على * شريف من الطور يوم الندا فإن النبي أبا قاسم * حبي بالرسالة فوق السماء وقد صار بالقرب من ربه * على قاب قوسين لما دنا وإن فجر الماء موسى لكم * عيونا من الصخر ضرب العصا فمن كف أحمد قد فجرت * عيون من الماء يوم الظما وإن كان هارون من بعده * حبي بالوزارة يوم الملا فإن الوزارة قد نالها * علي بلا شك يوم الندا كعب بن مالك الأنصاري:
فإن يك موسى كلم الله جهرة * على جبل الطور المنيف المعظم فقد كلم الله النبي محمدا * على الموضع الاعلى الرفيع المسوم داود عليه السلام كان له سلسلة الحكومة ليميز الحق من الباطل، ولمحمد صلى الله عليه وآله القرآن:
" ما فرطنا في الكتاب من شئ " وليست السلسلة كالكتاب، والسلسلة قد فنيت والقرآن بقي إلى آخر الدهر، وكان له النغمة، ولمحمد صلى الله عليه وآله الحلاوة: " وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول " وكان له ثلاثون ألف حرس، وكان حارس محمد هو الله تعالى: " والله يعصمك من الناس " وسبحت له الوحوش والطيور والجبال، فالله تعالى وملائكته يشهدون لمحمد: " وكفى بالله شهيدا * محمد رسول الله " وقال له: " وألنا له الحديد " وألان قلب محمد بالرحمة والشفاعة: " فبما رحمة من الله لنت لهم " وألان لهم الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، وكان يحلب الشاة المجهودة، ويمسح عرضها فيحلب منها كيف شاء، وسخر له الجبال وكان يسبحن، وأخذ النبي أحجارا فأمسكها فسبحن في كفه، وله الطير محشورة كل له أواب، ولمحمد البراق، وقال له: " وشددنا ملكه " وشدد ملك محمد حتى نسخ بشريعته سائر الشرائع، وقال لداود: " ولا تتبع الهوى " وقال لمحمد صلى الله عليه وآله: " ما ضل صاحبكم ".
حسان : وإن كان داود قد أوبت * جبال لديه وطير الهوا ففي كف أحمد قد سبحت * بتقديس ربي صغار الحصى سليمان سخرت له الريح: " غدوها شهر ورواحها شهر " يقال: إنه غدا من العراق، وقال بمرو، وأمسى ببلخ، وأكرم محمدا بالبراق خطوته مد البصر، و قال: " علمنا منطق الطير " وروي أن الحمرة فجعت بأحد ولدها، فجاءت إلى
النبي صلى الله عليه وآله وقد جعلت ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أيكم فجع هذه؟
فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ارددها، ومنه كلام البعير و العجل والضبي والشاة والذئب والذب، وسخرت له " الجن والشياطين، وقال للنبي صلى الله عليه وآله: " قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن "، وقوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " وهو التسعة من أشراف الجن بنصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر، منهم شصاه، ومصاه، والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه، وهاضب، وعمرو، وبايعوه على العبادات، واعتذروا بأنهم قالوا على الله: شططا، وسليمان عليه السلام كان يصفدهم لعصيانهم، ونبينا أتوه طائعين راغبين، وسأل سليمان ملكا دنيا: " رب هب لي ملكا " وعرض مفاتيح خزائن الدنيا على محمد صلى الله عليه وآله فردها، فشتان بين من يسأل وبين من يعطى فلا يقبل، فأعطاه الله الكوثر والشفاعة والمقام المحمود " ولسوف يعطيك ربك فترضى " وقال لسليمان: " امنن أو أمسك بغير حساب " وقال لنبينا: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ".
حسان بن ثابت:
وإن كانت الجن قد ساسها * سليمان والريح تجري رخا فشهر غدو به دائبا * وشهر رواح به إن يشا فإن النبي سرى ليلة * من المسجدين إلى المرتقى كعب بن مالك:
وإن تك نمل البر بالوهم كلمت * سليمان ذا الملك الذي ليس بالعمى فهذا نبي الله أحمد سبحت * صغار الحصى في كفه بالترنم يحيى عليه السلام قال الله تعالى له: " وآتيناه الحكم صبيا " وكان في عصر لا جاهلية
فيه، ومحمد صلى الله عليه وآله أوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الأوثان وحزب الشيطان، وكان يحيى عليه السلام أعبد أهل زمانه وأزهدهم، ومحمد أزهد الخلائق، وأعبدهم، حتى قيل: " طه ما أنزلنا ".
حسان بن ثابت:
وإن كان يحيى بكت عينه * صغيرا وطهره في الصبي فإن النبي بكى قائما * حزينا على الرجل خوف الرجا فناداه أن طه أبا قاسم * ولا تشق بالوحي لما أتى عيسى عليه السلام " وأبرئ الأكمه والأبرص " ونبينا صلى الله عليه وآله أتاه معاذ بن عفرا فقال: يا رسول الله إني قد تزوجت، وقالوا للزوجة: إن بجنبي بياضا، فكرهت أن تزف إلي، فقال: اكشف لي عن جنبك، فكشف له عن جنبه، فمسحه بعود فذهب ما به من البرص، ولقد أتاه من جهينة أجذم يتقطع من الجذام، فشكا إليه، فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك ففعل فبرأ، وأبرأ صاحب السلعة، وأتته امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام وقمنا معه، فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان، فقام صحيحا، وأتاه رجل وبه أدرة عظيمة، فقال: هذه الأدرة تمنعني من التطهير والوضوء، فدعا بماء فبرك فيه ودعاه وتفل فيه، ثم أمره أن يفيض عليه، ففعل الرجل، وأغفى إغفائة وانتبه فإذا هي قد تقلصت، وجائت امرأة ومعها
عكة سمن واقط ومعها ابنة لها فقالت: يا رسول الله ولدت هذه كمها، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عودا فمسح به عينيها فأبصرتا. ومنه حديث قتادة بن ربعي ومحمد بن مسلمة و عبد الله بن أنيس.
قوله: " وأحيي الموتى بإذن الله " قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم، وقيل إنه أحيى أربعة أنفس، وهم عاذر، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، قال الرضا عليه السلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: اذهب إلى الجبانة فناد باسم هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم رسول الله: قوموا بإذن الله، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمدا قد بعث نبيا، فقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به، و أحيى صلى الله عليه وآله النفر الذين قتلوا يوم بدر فخاطبهم وكلمهم وعيرهم بكفرهم.
قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون " ومحمد صلى الله عليه وآله كان ينبئ بأشياء كثيرة، منها: قصة حاطب بن أبي بلتعة، وإنفاذ كتابه إلى مكة، ومنها قصة عباس و سبب إسلامه.
ابن جريح في قوله: " ويعلمه الكتاب والحكمة " إن الله تعالى أعطى عيسى عليه السلام تسعة أشياء من الحظ، ولسائر الناس جزءا وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أوتيت القرآن ومثليه.
انشد:
وإن كان من مات يحيى لكم * يناديه عيسى برب العلى.
فإن الذراع لقد سمها * يهود لأحمد يوم القرى فنادته أنى لمسمومة * فلا تقربني وقيت الاذي بيان: الحمرة بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة: ضرب من الطير كالعصفور.
2 - مناقب ابن شهرآشوب: قد مدح الله اثنى عشر من الأنبياء باثني عشر نوعا من الطاعة: مدح إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام بالطاعة: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب " ولعيسى بالزهادة، قيل له: لو اتخذت منزلا أو اشتريت دابة، فقال ما قال، ولسليمان بالسخا، وكان يطعم كل يوم سبعمائة جريب من الحوارى، وهو يأكل الخشكار، ولإبراهيم عليه السلام بالرحمة: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب "، وفيه قصة المجوس الذين أسلموا من ضيافته، ولنوح عليه السلام بالصلابة: " رب لا تذر على الأرض " وأيضا من موسى وهارون عليهما السلام:
" ربنا إنك آتيت فرعون " فبالغ نبينا صلى الله عليه وآله في هذه الخصال حتى نهاه عن ذلك:
الاستغفار: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم " المجاهدة: " ولا تعجل بالقرآن " العبادة: طه ما أنزلنا " الزهد: " لم تحرم ما أحل الله لك " وفيه حديث مارية، وعرض عليه مفاتيح الدنيا فأبى، السخا: " ولا تجعل يدك مغلولة " الرحمة: " واغلظ عليهم " وقال: " فلعلك باخع نفسك " الصلابة : " لست عليهم بمصيطر * يا أيها النبي جاهد
الكفار " وفيه قصة ابن مكتوم. الانذار: " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم " عيب آلهتهم: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ".
وإنه تعالى أقسم لأجله بخمسة عشر قسما: بهدايته: " والنجم إذا هوى " برسالته:
" يس والقرآن الحكيم " بولي عهده: " والعاديات ضبحا " بمعراجه: " لتركبن طبقا عن طبق " بشريعته: " والعصر إن الانسان لفي خسر " بكتابه: ق - والقرآن المجيد " بخلقه: " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " بخلقه: " ن والقلم " بزيادة نوافله: " طه ما أنزلنا " بطهارته: " فلا اقسم بما تبصرون " ببلده: " لا اقسم بهذا البلد " بمحبته: " والضحى والليل " بتهديد موذيه: " كلا لئن لم ينته " بعقوبة أعدائه: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ " بعمره: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " ومن شدة فرط المحب أن يحلف بعمر حبيبه، وكل ما سأل الأنبياء من الله تعالى أعطاه الله بلا سؤال: آدم عليه السلام: " وإن لم تغفر لنا " وله: " ليغفر لك الله " نوح عليه السلام: " لا تدر على الأرض " وله: " إنا كفيناك المستهزئين " إبراهيم عليه السلام: " ولا تخزني يوم يبعثون " وله " يوم لا يخزي الله النبي " شعيب عليه السلام: " ربنا افتح بيننا " وله: " إنا فتحنا لك " لوط عليه السلام: " رب انصرني على
القوم " وله: " وينصرك الله " موسى عليه السلام: " قال رب اشرح لي صدري " وله:
" ألم نشرح لك " موسى عليه السلام: " اخلفني في قومي " وله: إنما وليكم الله ".
المقام أربعة: مقام الشوق لشعيب عليه السلام حيث بكى من خوف الله، ومقام السلام لإبراهيم عليه السلام: إذ جاء ربه بقلب سليم " ومقام المناجاة لموسى عليه السلام: " وقربناه نجيا " ومقام المحبة للنبي صلى الله عليه وآله: " فكان قاب قوسين " وسمى الله تعالى نوحا شكورا: " إنه كان عبدا شكورا " وإبراهيم عليه السلام حليما: " إن إبراهيم لحليم " وموسى عليه السلام كليما: " وكلم الله موسى تكليما " وجمع له كما جمع لنفسه فقال:
" إن الله بالناس لرؤوف رحيم " وله: بالمؤمنين رؤوف رحيم " قيل: هما واحد، وقيل: الرؤوف: شدة الرحمة، رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين، رؤوف بأقربائه رحيم بأصحابه، رؤوف بعترته ، رحيم بأمته، رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره.
بسم الله الرحمن الرحيم
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.