بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 4 بعثة موسى ms03954 وهارون صلوات الله عليهما على فرعون، وأحوال
ج ۱۳، ص ۱۴۳–۱۵۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
يروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعب عنده ويضحكه فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك، فقال: ببابي؟ أدخلوه، فدخل موسى ومعه هارون عليه السلام على فرعون. قالوا: فلما أذن فرعون لموسى وهارون دخلا عليه فلما وقفا عنده دعا موسى بدعاء وهو: " لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، اللهم إني أدرؤك في نحره و أعوذ بك من شره وأستعينك عليه فاكفنيه بما شئت " قال: فتحول ما بقلب موسى من الخوف أمنا، وكذلك من دعا بهذا الدعاء وهو خائف آمن الله خوفه، ونفس كربته، وهون عليه سكران الموت.
ثم قال فرعون لموسى: من أنت؟ قال: أنا رسول رب العالمين، فتأمله فرعون فعرفه فقال له: " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " معناه: على ديننا هذا الذي تعيبه، فقال موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " المخطئين، ولم أرد بذلك القتل " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما " أي نبوة " وجعلني من المرسلين " ثم أقبل موسى ينكر عليه ما ذكر فقال: " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " أي اتخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم تسترق من شئت، أي إنما صيرني إليك ذلك، قال فرعون: " وما رب
العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " قال فرعون لمن حوله:
ألا تستمعون؟ إنكارا لما قال، قال موسى: " ربكم ورب آبائكم الأولين " فقال فرعون " إن رسولكم الذي ارسل إليكم لمجنون " يعني ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلها غيري، قال موسى: " رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " فقال فرعون لموسى: " لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أولو جئتك بشئ مبين " تعرف به صدقي وكذبك، وحقي وباطلك، قال فرعون: " فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين " فاتحة فاها قد ملأت ما بين سماطي فرعون، واضعة لحييها الأسفل في الأرض والأعلى في سور القصر حتى رأى بعض من كان خارجا من مدينة مصر رأسها، ثم توجهت نحو فرعون ليأخذه فارفض عنها الناس وذعر عنها فرعون، ووثب عن سريره و أحدث حتى قام به بطنه في يومه ذلك أربعين مرة! وكان فيما يزعمون لا يسعل ولا يصدع ولا يصيبه آفة مما يصيب الناس، وكان يقوم في أربعين يوما مرة، وكان أكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثفل فيحتاج إلى القيام، وكان هذه الأشياء مما زين له أن قال ما قال، لأنه ليس له من الناس شبيه، قالوا: فلما قصدته الحية صاح: يا موسى أنشدك بالله وحرمة الرضاع إلا أخذتها وكففتها عني، وإني أؤمن بك وارسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت، ثم نزع يده من جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج، لها شعاع كشعاع الشمس، فقال له فرعون: هذه يدك، فلما قالها فرعون أدخلها موسى جيبه ثم أخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكل منها الابصار، وقد أضاءت ما حولها، يدخل نورها في البيوت، ويرى من الكوى من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى إلى جيبه ثم أخرجها فإذا هي على لونها الأول، قالوا: فهم فرعون بتصديقه فقام إليه هامان وجلس بين يديه فقال له: بينا أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد؟! فقال
فرعون لموسى: أمهلني اليوم إلى غد، وأوحى الله تعالى إلى موسى: أن قل لفرعون: إنك إن آمنت بالله وحده عمرتك في ملكك ورددت شابا طريا، فاستنظره فرعون، فلما كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربه، فقال له هامان:
والله ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوما واحدا، ونفخ في منخره، ثم قال له هامان: أنا أردك شابا، فأتاه بالوسمة فخضبه بها! فلما دخل عليه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك، فأوحى الله تعالى: لا يهولنك ما رأيت فإنه لم يلبث إلا قليلا حتى يعود إلى الحالة الأولى.
وفي بعض الروايات أن موسى وهارون لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق، فأتيا على عجوز من أقرباء أمهما، ووجه فرعون الطلب في أثرهما، فلما دخل عليهما الليل ناما في دارها وجاءت الطلب إلى الباب والعجوز منتبهة، فلما أحست بهم خافت عليهما فخرجت العصا من صير الباب والعجوز تنظر فقاتلتهم حتى قتلت منهم سبعة أنفس، ثم عادت ودخلت الدار، فلما انتبه موسى وهارون أخبرتهما بقصة الطلب ونكاية العصا منهم فآمنت بهما وصدقتهما. توضيح: الغيضة: موضع تنبت فيه الأشجار الكثيرة. وربض المدينة بالتحريك:
ما حولها. والاندساس: الاختفاء. وأشليت الكلب على الصيد: أغريته. الطفيشل كسميدع: نوع من المرق. والارفضاض: التفرق. والطلب بالتحريك: جمع طالب.
والصير بالكسر: شق الباب.
ثم قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: إن موسى وهارون عليهما السلام وضع فرعون أمرهما وما أتيا به من سلطان الله سبحانه على السحر وقال للملا من حوله:
" إن هذان لساحران يريدان " إلى قوله: " فماذا تأمرون " أأقتلهما؟ فقال العبد الصالح خربيل مؤمن آل فرعون: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " إلى قوله: " فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا " قال فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " وقال الملا من قوم فرعون: " أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم " وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة عدة للامر إذا حزبه. وقال ابن عباس: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في اليد والعصا: إنا لا نغالب موسى إلا بمن هو مثله، فأخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الغرماء يعلمونهم السحر كما يعلم الصبيان (الكتابة خ ل) في الكتاب، فعلموهم سحرا كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم، فقالوا له: ماذا صنعت؟ فقال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمر من السماء فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون الشرطي في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به. واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل، وقال الكلبي:
كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم، وكان الذي يعلمهم ذلك رجلين مجوسيين من أهل نينوى،
وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا، وقال السدي: كانوا بضعا وثلاثين ألفا، وقال عكرمة:
سبعين ألفا، وقال محمد بن المنكدر: ثمانين ألفا فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلا ساحر ماهر، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار من أولئك السبعمائة سبعين من كبرائهم و علمائهم، قال مقاتل: وكان رئيس السحرة أخوين بأقصى مدائن مصر، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما: دليلنا على قبر أبينا. فدلتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا: إن الملك وجه إلينا أن نقدم عليه لأنه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما عز ومنعة وقد ضاق الملك ذرعا من عزهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما شئ، تبلع الحديد والخشب والحجر، فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما فإن قدرتما أن تسلا العصا فسلاها، فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، وإن عملت العصا وهما نائمان فدلك أمر رب العالمين، ولا طاقة لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فأتياهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا.
قالوا: ثم واعدوه يوم الزينة وكان يوم سوق لهم، عن سعيد بن جبير، وقال ابن عباس: كان يوم عاشوراء، ووافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز، وكان يوم عيد لهم يجتمع إليه الناس من الآفاق، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وكان اجتماعهم للميقات بالإسكندرية، ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ، قالوا: ثم قال السحرة لفرعون: " أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين " قال فرعون: وإنكم إذا لمن المقربين عندي في المنزلة، فلما اجتمع الناس جاء موسى وهو متكئ على عصاه ومعه أخوه هارون حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف قومه، فقال موسى عليه السلام للسحرة حين جاءهم: " ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " فتناجى السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، فذلك قوله تعالى: " فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى " فقالت السحرة:
لنأتينك اليوم بسحر لم تر مثله، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، وكانوا قد جاؤوا بالعصي والحبال تحملها ستون بعيرا، فلما أبوا إلا الاصرار على السحر قالوا لموسى: إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى؟ قال: بل ألقوا أنتم، فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا تسعى، فذلك قوله تعالى: " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى " وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم ولقد عادت حيات وما يعدون عصاي هذه، أو كما حدث نفسه فأوحى الله تعالى إليه: " لا تخف إنك أنت الاعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " ففرج عن موسى و ألقى عصاه من يده فإذا هي ثعبان مبين، كأعظم ما يكون أسود مدلهم على أربع قوائم قصار غلاظ شداد، وهو أعظم وأطول من البختي، وله ذنب يقوم عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه وعنقه وكاهله، لا يضرب ذنبه على شئ إلا حطمه وقصمه، و يكسر بقوائمه الصخور الصم الصلاب، ويطحن كل شئ، ويضرم حيطان البيوت بنفسه نارا، وله عينان تلتهبان نارا، ومنخران تنفخان سموما، وعلى مفرقه شعر كأمثال الرماح، وصارت الشعبتان له فما سعته اثنا عشر ذراعا، وفيه أنياب وأضراس، وله فحيح وكشيش وصرير وصريف، فاستعرضت ما ألقى السحرة من حبالهم وعصيهم وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس، تسعى تلقفها وتبتلعها واحدا واحدا حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، وانهزم الناس فزعين هاربين منقلبين، فتزاحموا وتضاغطوا ووطئ بعضهم بعضا حتى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام ومواطئ الاقدام خمسة وعشرون ألفا، و
انهزم فرعون فيمن انهزم منخوبا مرعوبا عازبا عقله، وقد استطلق بطنه في يومه ذلك عن أربعمائة جلسة! ثم بعد ذلك إلى أربعين مرة في اليوم والليلة على الدوام إلى أن هلك! فلما انهزم الناس وعاين السحرة ما عاينوا وقالوا: لو كان سحرا لما غلبنا، ولما خفي علينا أمره ولئن كان سحرا فأين حبالنا وعصينا؟ فألقوا سجدا وقالوا: " آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون " وكان فيهم اثنان وسبعون شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر، وكانوا علماء السحرة، وكان رئيس جماعتهم أربعة نفر: سابور وعادور و حطحط ومصفا، وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله تعالى، ثم آمنت السحرة كلهم، فلما رأى فرعون ذلك أسف وقال لهم متجلدا: آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى، فقالوا: " لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض " إلى قوله تعالى: " والله خير وأبقى " فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم على جذوع النخل، وهو أول من فعل ذلك، فأصبحوا سحرة كفرة وأمسوا شهداء بررة، ورجع فرعون مغلوبا معلولا، ثم أبى إلا إقامة على الكفر و التمادي فيه، فتابع الله تعالى عليه بالآيات وأخذه وقومه بالسنين إلى أن أهلكهم، وخرج موسى عليه السلام راجعا إلى قومه والعصا على حالها حية تتبعه وتبصبص حوله وتلوذ به كما يلوذ الكلب الألوف بصاحبه، والناس ينظرون إليها ينخزلون ويتضاغطون حتى دخل موسى عسكر بني إسرائيل وأخذ برأسها فإذا هي عصاه كما كانت أول مرة، وشتت الله على فرعون أمره، ولم يجد على موسى سبيلا، فاعتزل موسى في مدينته ولحق بقومه
وعسكروا مجتمعين إلى أن صاروا ظاهرين ظافرين. بيان: المدلهم: المظلم. وفحيح الأفعي: صوتها من فيها. والكشيش: صوتها من جلدها. والمنخوب: الجبان الذي لا فؤاد له.
ثم قال الثعلبي: فلما خاف فرعون على قومه أن يؤمنوا بموسى عزم على بناء صرح يقوى به سلطانه، فقال: " يا هامان ابن لي صرحا " الآية، فجمع العمال والفعلة حتى اجتمع له خمسون ألف بناء سوى الاتباع والاجراء ممن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير، فلم يزل يبني ذلك الصرح إلى أن فرغ منه في سبع سنين وارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السماوات والأرض، فبعث الله عز وجل جبرئيل وضرب بجناحه الصرح فقطعه ثلاث قطع: وقعت قطعة منها في البحر، وأخرى في الهند، وأخرى في المغرب.
وقال الضحاك: بعثه الله وقت الغروب فقذف به على عسكر فرعون فقتل منهم ألف ألف رجل، وقالوا: ولم يبق أحد عمل فيه شيئا إلا أصابه موت أو حريف أو عاهة، ثم إن فرعون بعد ذلك عزم على قتال موسى فأراه الله الآيات فلما لم يؤمن أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن واضربوا بدمائها على الأبواب، فإني مرسل على أعدائكم عذابا وإني سامر الملائكة فلا يدخل بيتا على بابه دم، وسامرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم و أموالهم فتسلمون أنتم ويهلكون هم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي بهم إلى البحر فيأتيك أمري، ففعلت ذلك بنو إسرائيل، فقالت القبط لبني إسرائيل، لم تعالجون هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله سبحانه مرسل عذابا فنسلم
وتهلكون، فقالت القبط: فما يعرفكم ربكم إلا بهذه العلامات؟ فقالوا: هكذا أمرنا نبينا، فأصبحوا وقد طعن أبكار آل فرعون وماتوا كلهم في ليلة واحدة وكانوا سبعين ألفا، واشتغلوا بدفنهم وبما نالهم من الحزن على المصيبة، وسرى موسى بقومه متوجهين إلى البحر وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا لا يعد فيهم ابن سبعين سنة لكبره، ولا ابن عشرين سنة لصغره، وهم المقاتلة سوى الذرية، وكان موسى عليه السلام على الساقة، وهارون على المقدمة، فلما فرغت القبط من دفن أبكارهم وبلغهم خروج بني إسرائيل قال فرعون: هذا عمل موسى قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا، ثم خرجوا ولم يرضوا أن ساروا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالنا معهم، فنادى في قومه كما قال الله سبحانه: " فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون " ثم تبعهم فرعون بجنوده وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف ، كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة وبيده حربة.
وقال ابن جريج: أرسل فرعون في أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، ثم خرج فرعون خلفهم في الدهم وكانوا مائة ألف رجل كل واحد منهم راكبا حصانا أدهم، فكان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت، كما قال الله سبحانه " فأتبعوهم مشرقين " فلما تراءى الجمعان ورأت بنو إسرائيل غبار عسكر فرعون قالوا: يا موسى أين ما وعدتنا من النصر والظفر؟
هذا البحر أمامنا، إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، ولقد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا، فقال موسى: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. قالوا: فلما انتهى موسى عليه السلام إلى البحر هاجت الريح ترمي بموج كالجبال،
فقال له يوشع بن نون: يا مكلم الله أين أمرت وقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ فقال موسى: ههنا، فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء، وقال خربيل يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ههنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه ثم أقحمه البحر فرسب في الماء وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا، فأوحى الله سبحانه إلى موسى: " أن اضرب بعصاك البحر " فضرب فلم يطعه فأوحى الله إليه: أن كنه، فضرب موسى بعصاه ثانيا وقال: انفلق أبا خالد! فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فإذا خربيل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده، وظهر في البحر اثنا عشر طريقا لاثني عشر سبطا، لكل سبط طريق، وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا.
وعن عبد الله بن سلام أن موسى لما انتهى إلى البحر قال: " يا من كان قبل كل شئ، والمكون لكل شئ، والكائن بعد كل شئ اجعل لنا مخرجا ".
وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه قال عند ذلك: " اللهم لك الحمد و إليك المشتكى وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " قالوا: فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا، فأوحى الله سبحانه إلى جبال الماء: أن تشبكي فصار الماء شبكات ينظر بعضهم إلى بعض، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين، ولما خرجت ساقة عسكر موسى من البحر وصلت مقدمة عسكر فرعون إليه، و أراد موسى أن يعود البحر إلى حاله الأولى فأوحى الله سبحانه: أن اترك البحر رهوا
إنهم جند مغرقون، فلما وصل فرعون قال لقومه: انظروا إلى البحر قد انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي، ولم تكن في خيل فرعون أنثى فجاء جبرئيل على فرس أنثى وعليه عمامة سوداء وتقدمهم وخاض البحر وظن أصحاب فرعون أنه منهم، فلما سمعت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم، فلما أراد فرعون أن يسلك طريق البحر نهاه وزيره هامان وقال: إني قد أتيت هذا الموضع مرارا ومالي عهد بهذه الطرق، وإني لا آمن أن يكون هذا مكرا من الرجل يكون فيه هلاكنا وهلاك أصحابنا، فلم يطعه فرعون وذهب حاملا على حصانه أن يدخل البحر، فامتنع ونفر حتى جاء جبرئيل على رمكة بيضاء فخاض البحر فتبعها حصان فرعون، فلما توافوا في البحر وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالتطم عليهم فغرقهم أجمعين بمرأى من بني إسرائيل، قالوا: فلما سمعت بنو إسرائيل صوت التطام البحر قالوا لموسى: ما هذه الوجبة؟ فقال لهم: إن الله سبحانه قد أهلك فرعون وكل من كان معه، فقالوا: إن فرعون لا يموت لأنه خلق خلق من لا يموت، ألم تر أنه كان يلبث كذا وكذا يوما لا يحتاج إلى شئ مما يحتاج إليه الانسان؟ فأمر الله سبحانه البحر فألقاه على نجوة من الأرض وعليه درعه حتى نظر إليه بنو إسرائيل.
ويقال: لو لم يخرجه الله تعالى ببدنه لشك فيه بعض الناس، فبعث موسى جندين عظيمين من بني إسرائيل كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون، وهي يومئذ خالية من أهلها لم يبق منهم إلا النساء والصبيان والزمنى والمرضى والهرمى، وأمر على الجند بن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا فدخلوا بلاد فرعون فغنموا ما كان فيها من أموالهم و كنوزهم، وحملوا من ذلك ما استقلت به الحمولة عنها، وما لم يطيقوا حملها باعوه من قوم آخرين، فذلك قوله تعالى: " كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم *
ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين " ثم إن يوشع استخلف على قوم فرعون رجلا منهم وعاد إلى موسى بمن معه سالمين غانمين. تذنيب: قال السيد المرتضى قدس سره: فإن قيل: كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه، والامر بمثله لا يحسن؟ قلنا: لابد من أن يكون في أمره عليه السلام بذلك شرط، فكأنه قال: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، وكان فيما تفعلونه حجة، وحذف الشرط لدلالة الكلام عليه و اقتضاء الحال له، ويمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الالقاء على وجه يساويه فيه، ولا يخيلون فيما ألقوه السعي والتصرف من غير أن يكون له حقيقة لان ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل، وإذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به ليظهر حجته. أقول: يمكن أن يقال: الامر بالسحر إذا كان مشتملا على بيان بطلانه وظهور المعجزة وعدم مبالاته بما صنعوا مع أن القوم لا ينتهون عنه بعدم أمره بل بنهيه أيضا ليس بقبيح، فيكن أن يكون مخصصا لعمومات النهي عن الامر بالسحر إن كانت ولو كان لمحض دليل العقل، فلا يحكم في خصوص تلك الصورة بشئ من القبح، أو يقال: إنه لم يكن المراد به الامر حقيقة بل كان الغرض عدم خوفه ومبالاته بما سحروا به ، فيمكن إرجاعه إلى أمر التسوية، وقيل: إنه لم يأمر بالسحر بل بالالقاء وهو أعم منه.
ثم قال السيد: فإن قيل: فمن أي شئ خاف موسى عليه السلام؟ أوليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به؟ قلنا: إنما رأى من قوة التلبيس والتخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم ينعم النظر فآمنه الله تعالى من ذلك، وبين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى: " لا تخف إنك أنت الاعلى ".
أقول: قد مر خبر في علة ذلك الخوف في إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار، وقيل كان لا يلقي العصا إلا بوحي، ولما أبطأ الوحي خاف تفرق بعض الناس قبل أن يؤمر بالالقاء، وقيل: كان خوفه ابتداء على مقتضى الجبلة البشرية.
ثم قال السيد رحمه الله: فإن قيل: فما معنى قوله: " ربنا إنك آتيت فرعون و ملأه " الآية؟ قلنا: أما قوله: " ليضلوا عن سبيلك " ففيه وجوه:
أولها: أنه أراد: لئلا يضلوا فحذف، وهذا له نظائر كثيرة في القرآن وكلام العرب فمن ذلك قوله: " أن تضل إحديهما " وإنما أراد: لئلا تضل، وقوله: " أن تقولوا يوم القيمة " وقوله: " أن تميد بكم " وقال الشاعر:
نزلتم منزل الأضياف منا * فعجلنا القرى أن تشتمونا وثانيها: أن اللام ههنا هي لام العاقبة وليست بلام الغرض كقوله: " ليكون لهم عدوا وحزنا ".
وثالثها: أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي والانكار على من زعم أن الله تعالى فعل ذلك ليضلهم.
ورابعها: أن يكون أراد الاستفهام فحذف حرفه المختص به.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.