پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 4 بعثة موسى ms03954 وهارون صلوات الله عليهما على فرعون، وأحوال

ج ۱۳، ص ۹۰–۱۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۳

يده ثم وضعها في فم الحية وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها بين الشعبتين، عن وهب، قال: وكانت العصا من عوسج، وكان طولها عشرة أذرع على مقدار قامة موسى " واضمم يدك إلى جناحك " أي إلى ما تحت عضدك أو إلى جنبك، وقيل: أدخلها في جيبك كني عن الجيب بالجناح " تخرج بيضاء " لها نور ساطع يضئ بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا. " آية أخرى " قال البيضاوي: أي معجزة ثانية، وهي حال من ضمير " تخرج " كبيضاء، أو من ضميرها، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك " لنريك من آياتنا الكبرى " متعلق بهذا المضمر، أو بما دل عليه آية أو القصة، أي دللنا بها أو فعلنا ذلك لنريك، والكبرى صفة آياتنا، أو مفعول نريك، و " من آياتنا " حال منها. " رب اشرح لي صدري " قال الطبرسي: أي أوسع لي صدري حتى لا أضجر ولا أخاف ولا أغتم " ويسر لي أمري " أي سهل علي أداء ما كلفتني من الرسالة " واحلل عقدة من لساني " أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي، وكان في لسانه رتة لا يفصح معها بالحروف تشبه التمتمة، وقيل: إن سببها جمرة طرحها في فيه لما أخذ بلحية فرعون فأراد قتله، فامتحن بإحضار الدرة والجمرة فأراد موسى أخذ الدرة فضرب جبرئيل يده إلى الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه، وقيل: إنه انحل أكثر ما كان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله: " ولا يكاد يبين " وقيل: استجاب الله دعاءه فأحل العقدة عن لسانه، وقوله: " ولا يكاد يبين " أي لا يأتي ببيان وحجة، وإنما قالوا ذلك تمويها ليصرفوا الوجوه عنه " واجعل لي وزيرا " يؤازرني على المضي إلى فرعون ويعاضدني عليه " من أهلي " ليكون أفصح " هارون أخي " فكان أخاه لأبيه وأمه وكان بمصر " اشدد به أزري " أي قو به ظهري " وأشركه في أمري " في النبوة ليكون أحرس عن مؤازرتي " كي نسبحك كثيرا " أي ننزهك عما لا يليق بك " ونذكرك كثيرا " أي نحمدك ونثني

عليك بما أوليتنا من نعمك " إنك كنت بنا بصيرا " أي بأحوالنا وأمورنا عالما " قد أوتيت سؤلك " قال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس لأهله نارا فكلمه الله تعالى فرجع نبيا، وخرجت ملكة سبأ كافرة فأسلمت مع سليمان، وخرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين. " إذ أوحينا إلى أمك " قال البيضاوي: بالالهام، أوفي المنام، أو على لسان نبي في وقتها، أو ملك لا على وجه النبوة، كما أوحى إلى مريم عليه السلام " ما يوحى " مالا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لفرط الاهتمام به " أن اقذفيه " بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه، لان الوحي بمعنى القول، والقذف يقال للالقاء وللوضع " فليلقه اليم بالساحل " لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمرا واجب الحصول لتعلق.

الإرادات به جعل البحر كأنه ذو تميز مطيع أمره بذلك، وأخرج الجواب مخرج الامر، والأولى أن يجعل الضمائر كلها لموسى. " ولتصنع على عيني " قال الطبرسي: أي لتربى ولتقضي بمرأى مني أن يجري أمرك على ما أريد بك من الرفاهية في غذائك، وقيل: لتربى ويطلب لك الرضاع على علم مني ومعرفة لتصل إلى أمك، وقيل: لتربى بحياطتي وحفظي، كما يقال في الدعاء بالحفظ: عين الله عليك " إذ تمشي " ظرف لألقيت أو لتصنع، وذلك أن أم موسى اتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا ووضعته فيه وألقته في النيل، فكان يشرع من النيل نهر كبير في باغ فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا التابوت يجئ على رأس الماء، فأمر بإخراجه فلما فتح رأسه إذا صبي من أحسن الناس وجها، فأحبه فرعون بحيث لم يتمالك، وجعل موسى يبكي ويطلب اللبن، فأمر فرعون حتى أتته النساء اللواتي كن حول داره، فلم يأخذ موسى من لبن واحدة منهن، وكانت أخت موسى واقفة

هناك إذ أمرتها أمها أن تتبع التابوت، فقالت: إني آتي بامرأة ترضعه، وذلك قوله تعالى: " هل أدلكم على من يكفله " فقالوا: نعم، فجاءت بالأم، فقبل ثديها فذلك قوله تعالى: " فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها " برؤيتك " ولا تحزن " من خوف قتلك أو غرقك، وذلك أنها حملته إلى بيتها آمنة مطمئنة، قد جعل لها فرعون أجرة على الرضاع " وقتلت نفسا " أي القبطي الكافر الذي استغاثه عليه الإسرائيلي " فنجيناك من الغم " أي من غم القتل وكربه، لأنه خاف أن يقتصوا منه بالقبطي " وفتناك فتونا " أي اختبرناك اختبارا حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، أو خلصناك من محنة بعد محنة " فلبثت سنين في أهل مدين " أي حين كنت راعيا لشعيب " على قدر " أي في الوقت الذي قدر لارسالك نبيا " واصطنعتك لنفسي " أي لوحيي ورسالتي، أي اخترتك واتخذتك صنيعتي، وأخلصتك لتنصرف على إرادتي ومحبتي " بآياتي " أي بحججي ودلالاتي، وقيل: بالآيات التسع " ولا تنيا في ذكري " أي ولا تضعفا ولا تفترا في رسالتي " فقولا له قولا لينا " أي ارفقا به في الدعاء والقول ولا تغلظا له، أو كنياه، وكنيته أبو الوليد، وقيل: أبو العباس، وقيل أبو مرة. وقيل: القول اللين هو " هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى " وقيل: هو أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن برب العالمين على أن لك شبابك ولا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع الملك منك حتى تموت، ولا تنزع منك لذة الطعام والشراب والجماع حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة، فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلما قدم هامان أخبره بالذي دعاه إليه وأنه يريد أن يقبل منه، فقال هامان: قد كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، بينا أنت رب تريد أن تكون مربوبا؟!

وبينا أنت تعبد تريد أن تعبد؟! فقلبه عن رأيه " لعله يتذكر أو يخشى " أي ادعواه على الرجاء والطمع لا على اليأس من فلاحه " أن يفرط علينا " أن يتقدم فينا بعذاب ويعجل علينا ويبادر إلى قتلنا قبل أن يتأمل حجتنا " أو أن يطغى " أي يتجاوز الحد في الإساءة بنا " إنني معكما " بالنصرة والحفظ " أسمع " ما يسأله منكما فألهمكما جوابه " وأرى " ما يقصدكما به فأدفعه عنكما.

" فأرسل معنا بني إسرائيل " أي أطلقهم وأعتقهم من الاستعباد " ولا تعذبهم "

بالاستعمال في الاعمال الشاقة " والسلام على من اتبع الهدى " لم يرد به التحية، بل معناه: من اتبع الهدى سلم من عذاب الله " فمن ربكما " أي من أي جنس من الأجناس هو؟ فبين موسى عليه السلام أنه تعالى ليس له جنس، وإنما يعرف بأفعاله " أعطى كل شئ خلقه " أي صورته التي قدرها له، ثم هداه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه وغير ذلك، أو مثل خلقه. أي زوجه من جنسه ثم هداه لنكاحه، أو أعطى خلقه كل شئ من النعم في الدنيا مما يأكلون ويشربون وينتفعون به، ثم هداهم إلى طرق معايشهم وإلى أمور دينهم ليتوصلوا بها إلى نعم الآخرة " فما بال القرون الأولى " أي فما حال الأمم الماضية، فإنها لم تقر بالله وما تدعو إليه بل عبدت الأوثان؟ وقيل: لما دعاه موسى إلى البعث قال: فما بالهم لم يبعثوا؟ قال موسى عليه السلام: " علمها عند ربي " أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازيهم بها " في كتاب " يعني اللوح، أو ما يكتبه الملائكة " لا يضل ربي " أي لا يذهب عليه شئ " ولا ينسى " ما كان من أمرهم بل يجازيهم بأعمالهم " مهدا " أي فرشا " وسلك لكم فيها " أي أدخل لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها " أزواجا " أي أصنافا " ولقد أريناه " أي فرعون " آياتنا كلها " أي الآيات التسع " فكذب " بجميعها " وأبى " أن يؤمن " مكانا سوى " أي تستوي مسافته على الفريقين.

" قال " موسى: " موعدكم يوم الزينة " وكان يوم عيد يتزينون فيه ويزينون فيه الأسواق " وأن يحشر الناس ضحى " أي ضحى ذلك اليوم " فتولى فرعون " أي انصرف على ذلك الوعد " فجمع كيده " وذلك جمعه السحرة " ثم أتى " أي حضر الموعد " قال لهم " أي للسحرة موسى فوعظهم فقال:

" ويلكم " هي كلمة وعيد وتهديد، أي ألزمكم الله الويل والعذاب " لا تفتروا على الله كذبا " بأن تنسبوا معجزتي إلى السحر، وسحركم إلى أنه حق، وفرعون إلى أنه معبود " فيسحتكم " أي يستأصلكم " فتنازعوا أمرهم بينهم " أي تشاور القوم وتفاوضوا في حديث موسى وفرعون وجعل كل منهم ينازع الكلام صاحبه، وقيل: تشاورت السحرة فيما هيؤوه من الحبال والعصي وفيمن يبتدئ بالالقاء " وأسروا النجوى " أي أخفوا كلامهم سرا من فرعون، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: إن موسى لما قال لهم: " ويلكم لا تفتروا على الله كذبا " قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون،

وقيل: تناجوا مع فرعون وأسروا عن موسى وهارون.

قولهم: " إن هذان لساحران " قاله فرعون وجنوده للسحرة " ويذهبا بطريقتكم المثلى " هي تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس إليهما، عن علي عليه السلام. وقيل: إن طريقتهم المثلى بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، وقيل: يذهبا بطريقتكم التي أنتم عليها في السيرة والدين " فأجمعوا كيدكم " أي لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به " ثم ائتوا صفا " أي مصطفين مجتمعين " وقد أفلح اليوم من استعلى " أي قد سعد اليوم من غلب وعلا، قال بعضهم: إن هذا من قول فرعون للسحرة، وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض " يخيل إليه " أي إلى موسى أو إلى فرعون " أنها تسعى " أي تسير وتعدو مثل سير الحيات، وإنما قال: " يخيل إليه " لأنها لم تكن تسعى حقيقة وإنما تحركت لأنهم جعلوا داخلها الزيبق، فلما حميت الشمس طلب الزيبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى.

" فأوجس في نفسه " أي وجد في نفسه ما يجده الخائف، يقال: أوجس القلب فزعا أي أضمر، والسبب في ذلك أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهموا أنهم فعلوا مثل ما فعله، ويظنوا المساواة فيشكوا، وقيل: إنه خوف الطباع إذا رأى الأسنان أمرا فظيعا فإنه يحذره ويخافه في أول وهلة، وقيل: إنه خاف أن يتفرق الناس قبل إلقائه العصا وقبل أن يعلموا بطلان السحر فيبقوا في شبهة، وقيل: إنه خاف لأنه لم يدر أن العصا إذا انقلبت حية هل يظهر المزية؟ لأنه لم يعلم أنها تتلقفها، وكان ذلك موضع خوف، لأنها لو انقلبت حية ولم تتلقف ما يأفكون ربما ادعوا المساواة، لا سيما والأهواء معهم والدولة لهم، فلما تلقفت زالت الشبهة " إنك أنت الاعلى " عليهم بالظفر والغلبة " وألق ما في يمينك " قالوا: لما ألقى عصاه صارت حية وطافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم، ثم قصدت الحبال والعصي فابتلعتها كلها على كثرتها، ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت " حيث أتى " أي حيث كان وأين أقبل " إنه لكبيركم " اي استادكم، وقد يعجز التلميذ عما يفعله الأستاذ، أو رئيسكم ما

عجزتم عن معارضته ولكنكم تركتم معارضته احتشاما واحتراما، وإنما قال ذلك لايهام العوام.

" في جذوع النخل " أي عليها " أينا أشد عذابا " أنا على إيمانكم أم رب موسى على ترككم الايمان به " لن نؤثرك " أي لن نختارك على ما جاءنا من البينات، أي المعجزات والأدلة " والذي فطرنا " أي وعلى الذي فطرنا، أو الواو للقسم " فاقض ما أنت قاض " أي فاصنع ما أنت صانعه، أو فاحكم ما أنت حاكم فإنا لا نرجع عن الايمان " إنما تقضي هذه الحياة الدنيا " أي إنما تصنع بسلطانك وتحكم في هذه الحياة الدنيا دون الآخرة فلا سلطان لك فيها، وقيل: معناه: إنما تفنى وتذهب الحياة الدنيا " خطايانا " من الشرك والمعاصي " وما أكرهتنا عليه من السحر " إنما قالوا ذلك لان الملوك كانوا يجبرونهم على تعليم السحر كيلا يخرج من أيديهم، وقيل: إن السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم إياه، فإذا هو نائم وعصاه تحرسه، فقالوا: ليس هذا بسحر إن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يعملوا، فذلك إكراههم " والله خير " لنا منك وثوابه أبقى لنا من ثوابك، أو خير ثوابا للمؤمنين، وأبقى عقابا للعاصين منك، وههنا انتهى الاخبار عن السحرة. ثم قال تعالى: " إنه من يأت ربه مجرما " وقيل: إنه من قول السحرة. " فاضرب لهم " قال البيضاوي: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما، أو فاتخذ، من ضرب اللبن: إذا عمله " يبسا " أي يابسا مصدر وصف به " لا تخاف دركا " أي أمنا من أن يدرككم العدو " فأتبعهم فرعون بجنوده " أي فأتبعهم نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني، وقيل : " فأتبعهم " بمعنى فاتبعهم، ويؤيده القراءة، والباء للتعدية، وقيل: الباء مزيدة " فغشيهم " الضمير لجنوده أوله ولهم وفيه مبالغة ووجازة أي غشيهم ما سمعت قصته، ولا يعرف كنهه إلا الله " وأضل فرعون قومه وما هدى " أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكم به في قوله: " وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " أو أضلهم في البحر وما نجا.

" بآياتنا " بالآيات التسع " وسلطان مبين " وحجة واضحة، ويجوز أن يراد به العصا، وإفرادها لأنها أولى المعجزات " قوما عالين " أي متكبرين " وقومهما " يعني بني إسرائيل " لنا عابدون " خادمون منقادون كالعباد. " ألا يتقون " استيناف أتبعه إرساله للانذار تعجيبا له من إفراطهم في الظلم و اجترائهم عليه " قال رب إني أخاف " إلى قوله: " إلى هارون " رتب استدعاء ضم أخيه إليه و اشتراكه له في الامر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، فإنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته، وليس ذلك تعللا منه وتوقفا في تلقي الامر بل طلب لما يكون معونة على امتثاله و تمهيد عذره " ولهم علي ذنب " أي تبعة ذنب، والمراد قتل القبطي، وإنما سمي ذنبا على زعمهم " فأخاف أن يقتلون " به قبل أداء الرسالة، وهو أيضا ليس تعللا وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة. وقوله: " كلا فاذهبا بآياتنا " إجابة له إلى الطلبتين بوعده للدفع اللازم ردعه عن الخوف، وضم أخيه إليه في الارسال " إنا معكم " يعني موسى وهارون وفرعون " مستمعون " سامعون لما يجري بينكما وبينه فاظهر كما عليه " إنا رسول رب العالمين " أفرد الرسول لأنه مصدر وصف به، أو لاتحادهما للاخوة، أو لوحدة المرسل والمرسل به، أو لأنه أراد أن كل واحد منا " أن أرسل معنا بني إسرائيل " أي خلهم يذهبوا معنا إلى الشام " قال " أي فرعون لموسى بعدما أتياه فقالا له ذلك: " ألم نربك فينا " أي في منازلنا " وليدا " طفلا سمي به لقربه من الولادة " ولبثت فينا من عمرك سنين " قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الغرق خمسين. وقال الطبرسي: أي أقمت سنين كثيرة عندنا، وهي ثماني عشرة سنة، عن ابن عباس، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة " وفعلت فعلتك التي فعلت " يعني قتل القبطي

" وأنت من الكافرين " لنعمتنا وحق تربيتنا، وقيل: معناه: وأنت من الكافرين بإلهك إذ كنت معنا على ديننا الذي تعيبه وتقول: إنه كفر " قال " موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " أي من الجاهلين لم أعلم أنها تبلغ القتل، وقيل: من الناسين، وقيل: من الضالين عن طريق الصواب لأني ما تعمدته وإنما وقع مني خطأ، وقيل: من الضالين عن النبوة، أي لم يوح إلي تحريم قتله " حكما " أي نبوة، وقيل: هو العلم بما تدعو إليه الحكمة من التوراة والعلم بالحلال والحرام والاحكام " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " يقال: عبده وأعبده: إذا اتخذه عبدا، وفيه أقوال:

أحدها: أن فيه اعترافا بأن تربيته له كانت نعمة منه على موسى وإنكارا للنعمة في ترك استعباده ويكون ألف التوبيخ مضمرا فيه، فكأنه قال: أتقول: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني؟!

وثانيها: أنه إنكار للمنة أصلا، ومعناه: أتمن بأن ربيتني مع استعبادك قومي؟

هذه ليست بنعمة، يريد أن اتخاذك بني إسرائيل الذين هم قومي عبدا أحبط نعمتك التي تمن بها علي.

وثالثها: أن معناه إنك لو كنت لا تستعبد بني إسرائيل ولا تقتل أبناءهم لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم، فكأنك تمتن علي بما كان بلاؤك سببا له.

ورابعها: أن فيه بيان أنه ليس لفرعون عليه نعمة، لان الذي تولى تربيته أمه وغيرها من بني إسرائيل بأمر فرعون لما استعبدهم، فمعناه أنك تمن علي بأن استعبدت بني إسرائيل حتى ربوني وحفظوني. " قالوا أرجه وأخاه " قال البيضاوي: أي أخر أمرهما، وقيل: احبسهما " وابعث في المدائن حاشرين " شرطا يحشرون السحرة من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة " لميقات يوم معلوم " لما وقت به من ساعات يوم معين " وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " لعلنا نتبعهم في دينهم، والترجي لاعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم أن لا يتبعوا موسى لا أن

يتبعوا السحرة " وقالوا بعزة فرعون " أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يكون أن يؤتى به من السحر " ما يأفكون " ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، أو إفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة " إنكم متبعون " يتبعكم فرعون وجنوده، وهو علة الامر بالاسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر " فأرسل فرعون " حين اخبر بسراهم " في المدائن حاشرين " العساكر ليتبعونهم " إن هؤلاء لشرذمة قليلون " على إرادة القول، وإنما استقلهم وكانوا ستمائة وسبعين ألفا بالإضافة إلى جنوده، إذ روي أنه خرج فكانت مقدمته سبعمائة ألف، والشرذمة:

الطائفة القليلة، وقليلون باعتبار أنهم أسباط، كل سبط منهم قليل " لغائظون " لفاعلون ما يغيظنا " وإنا لجميع حاذرون " وإنا لجمع من عادتنا الحذر، وقيل: الحاذر:

المؤدي للسلاح " ومقام كريم " يعني المنازل الحسنة والمجالس السنية " كذلك " مثل ذلك الاخراج أخرجنا، فهو مصدر، أو مثل ذلك المقام الذي كان لهم، على أنه صفة مقام، أو الامر كذلك فيكون خبر المحذوف " فلما تراء الجمعان " أي تقاربا بحيث يرى كل منهما الآخر " إنا لمدركون " لملحقون " قال كلا " لن يدركوكم فإن الله وعدكم الخلاص منهم " إن معي ربي " بالحفظ والنصرة " سيهدين " طريق النجاة منهم " بعصاك البحر " القلزم أو النيل " فانفلق " أي فضرب فانفلق وصار اثني عشر فرقا بينها مسالك " كالطود العظيم " كالجبل المنيف الثابت في مقره " وأزلفنا " وقربنا " ثم الآخرين " فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم. " إذ قال موسى " قال الطبرسي: أي اذكر قصة موسى " إذ قال لأهله " وهي بنت شعيب: " إني آنست " أي أبصرت نارا " بشهاب قبس " أي بشعلة نار، والشهاب:

نور كالعمود من النار، وكل نور يمتد مثل العمود يسمى شهابا، وإنما قال لامرأته:

" آتيكم " على لفظ خطاب الجمع لأنه أقامها مقام الجماعة في الانس بها في الأمكنة الموحشة " لعلكم تصطلون " أي لكي تستدفئوا بها، وذلك لأنهم كانوا قد أصابهم البرد وكانوا شاتين " فلما جاءهم " أي جاء موسى إلى النار يعني التي ظنها نارا وهي نور " أن بورك من في النار ومن حولها " قال وهب: لما رأى موسى النار وقف قريبا منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار إلا اشتغالا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا، فلم تكن النار بحرارتها تحرق الشجرة، ولا الشجرة برطوبتها تطفئ النار، فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه فخافها، فتأخر عنها، لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن نودي، والمراد به نداء الوحي " أن بورك من في النار ومن حولها " أي بورك فيمن في النار وهم الملائكة، وفيمن حولها يعني موسى عليه السلام، وذلك أن النور الذي رأى موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، ومن حولها هو موسى، لأنه كان بالقرب منها ولم يكن فيها، فكأنه قال: بارك الله على من في النار وعليك يا موسى، ومخرجه الدعاء والمراد الخبر، وقيل: من في النار سلطانه وقدرته وبرهانه فالبركة ترجع إلى اسم الله تعالى، وتأويله: تبارك من نور هذا النور ومن حولها، يعني موسى والملائكة، وقيل: أي بورك من في طلب النار وهو موسى عليه السلام ومن حولها الملائكة " وسبحان الله رب العالمين " أي تنزيها له عما لا يليق بصفاته من أن يكون جسما يحتاج إلى جهة، أو عرضا يحتاج إلى محل، أو يكون ممن يتكلم بآلة " إن الله " أي إن الذي يكلمك هو الله " العزيز " أي القادر الذي لا يغالب " الحكيم " في أفعاله، المحكم لتدابيره.

" كأنها جان " الجان الحية التي ليست بعظيمة، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها واهتزازها مع أنها ثعبان عظيم، وقيل: الحالتان مختلفتان فصارت جانا في أول ما بعثه، وثعبانا حين لقي بها فرعون " إلا من ظلم " الاستثناء منقطع " في تسع آيات " أي مع تسع آيات اخر أنت مرسل بها " إلى فرعون وقومه " وقيل: أي من تسع

آيات " فاسقين " أي خارجين عن طاعة الله إلى أقبح وجوه الكفر " مبصرة " أي واضحة بينة " واستيقنتها أنفسهم " أي عرفوها وعلموها يقينا بقلوبهم " ظلما " على بني إسرائيل، أو على أنفسهم " وعلوا " أي طلبا للعلو والرفعة، وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى. " إلا سحر مفترى " أي مختلق لم يبن على أصل صحيح " وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " إنما قالوا ذلك مع اشتهار قصة نوح وهود وصالح وغيرهم ممن دعوا إلى توحيد الله إما للفترة والزمان الطويل أو لان آباءهم ما صدقوا بشئ من ذلك " ربي أعلم " أي ربي يعلم أني جئت بهذه الآيات الدالة على الهدى من عنده فهو شاهد لي على ذلك إن كذبتموني ويعلم أن العاقبة الحميدة لنا ولأهل الحق " فأوقد لي يا هامان " أي فأجج النار على الطين واتخذ الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به " فاجعل لي صرحا " أي قصرا وبناءا عاليا " لعلي أطلع إلى إله موسى " أي أصعد إليه وأشرف عليه، وأقف على حاله، وهذا تلبيس منه وإيهام على العوام أن الذي يدعو إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة " وإني لأظنه من الكاذبين " في ادعائه إلها غيري وأنه رسول " إلينا لا يرجعون " أي أنكروا البعث " في اليم " أي النيل أو بحر من وراء مصر يقال له إساف " وجعلناهم أئمة " أي حكمنا بأنهم كذلك " وأتبعناهم " أي أردفناهم لعنة بعد لعنة، وهي البعد عن الرحمة والخيرات، أو ألزمناهم اللعنة بأن أمرنا المؤمنين بلعنهم " من المقبوحين " أي من المهلكين، أو من المشوهين في الخلقة بسواد الوجوه وزرقة الأعين. " قالوا سحران " قال البيضاوي: يعنون موسى وهارون، أو موسى ومحمد صلى الله عليه وآله بتقدير مضاف، أو جعلهما سحرين مبالغة " تظاهرا " تعاونا بإظهار تلك الخوارق أو

بتوافق الكتابين. " وفرعون ذو الأوتاد " قال الطبرسي: فيه أقوال:

أحدها: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها. والثاني: أنه كان يعذب الناس بالأوتاد. والثالث: أن معناه ذو البنيان، والبنيان: أوتاد. الرابع: أن المعنى ذو الجنود والجموع الكثيرة، بمعنى أنهم يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشئ، والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد، والأصل فيه أن بيوتهم إنما تثبت بالأوتاد. الخامس: أنه إنما سمي ذا الأوتاد لكثرة جيوشه السائرة في الأرض، وكثرة أوتاد خيامهم، فعبر بكثرة الأوتاد عن كثرة الأجناد. " ابن لي صرحا " أي قصرا مشيدا بالآجر، وقيل: مجلسا عاليا " لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات " أي لعلي أبلغ الطرق من سماء إلى سماء، وقيل: أبلغ أبواب طرق السماوات، وقيل: منازل السماوات، وقيل: أتسبب وأتوصل به إلى مرادي وإلى علم ما غاب عني، ثم بين مراده فقال: " فأطلع إلى إله موسى " فأنظر إليه فأراه، أراد به التلبيس على الضعفة مع علمه باستحالة ذلك، وقيل: أراد فأصل إلى إله موسى، فغلبه الجهل واعتقد أن الله سبحانه في السماء، وأنه يقدر على بلوغ السماء " وكذلك " أي ومثل ما زين لهؤلاء الكفار سوء أعمالهم " زين لفرعون سوء عمله " أي قبيح عمله، زينه له أصحابه أو الشيطان " إلا في تباب " أي هلاك وخسار. " إذا هم منها يضحكون " استهزاء واستخفافا " وما نريهم من آية " المراد بذلك ما ترادف عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، وكان كل آية من تلك الآيات أكبر من التي قبلها وهي العذاب المذكور في قوله: " وأخذناهم بالعذاب "

فكانت عذابا لهم ومعجزات لموسى " وقالوا يا أيها الساحر " يعنون بذلك: يا أيها العالم، وكان الساحر عندهم عظيما يعظمونه ولم يكن صفة ذم، وقيل: إنما قالوا استهزاء به، وقيل: معناه: يا أيها الذي غلبنا بسحره، يقال: ساحرته فسحرته أي غلبته بالسحر " إنا لمهتدون " أي راجعون إلى ما تدعونا إليه متى كشف عنا العذاب " تجري من تحتي " أي من تحت أمري، وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره وهو مشرف عليها " أفلا تبصرون " هذا الملك العظيم وقوتي وضعف موسى " مهين " أي ضعيف حقير يعني به موسى، قال سيبويه والخليل: عطف أنا بأم على قوله: " أفلا تبصرون " لان معنى أم أنا خير أم تبصرون، لأنهم إذا قالوا: أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده " ولا يكاد يبين " أي ولا يكاد يفصح بكلامه وحججه للعقدة التي في لسانه.

وقال الحسن: كانت العقدة زالت عن لسانه حين أرسله الله كما قال: " واحلل عقدة " وقال تعالى: " قد أوتيت سؤلك " وإنما عيره بما كان في لسانه قبل، وقيل: كان في لسانه لثغة فرفعه الله تعالى وبقي فيه ثقل " فلو لا القي عليه أسورة من ذهب " كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب، وطوقوه بطوق من ذهب " مقترنين " أي متتابعين يعينونه على أمره الذي بعث له، ويشهدون له بصدقه، وقيل: متعاضدين متناصرين " فاستخف قومه " أي استخف عقولهم فأطاعوه فيما دعاهم إليه لأنه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله: " أليس لي ملك مصر " وأمثاله " فلما آسفونا " أي أغضبونا، وغضب الله على العصاة إرادة عقابهم، وقيل: أي آسفوا رسلنا انتقمنا لأوليائنا منهم " فجعلناهم سلفا " أي متقدمين إلى النار " ومثلا " أي عبرة وموعظة " للآخرين " أي لمن جاء بعدهم يتعظون بهم. " ولقد فتنا " أي اختبرنا وشددنا عليهم التكليف " رسول كريم " أي كريم الافعال و الأخلاق، أو عند الله، أو شريف في قومه " أن أدوا إلي عباد الله " أي أطلقوا بني إسرائيل

" وأن لا تعلوا " أي لا تتجبروا " أن ترجمون " أي من أن ترموني بالحجارة، وقيل: أراد به الشتم كقولهم: ساحر كذاب " وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون " أي إن لم تصدقوني فاتركوني لا معي ولا علي، وقيل: معناه: فاعتزلوا أذاي " فأسر " أي فقال الله مجيبا له: أسر " إنكم متبعون " أي سيتبعكم فرعون بجنوده " رهوا " أي ساكنا على ما هو به إذا قطعته وعبرته ليغرق فرعون، وقيل: " رهوا " أي منفتحا منكشفا حتى يطمع فرعون في دخوله، وقيل أي كما هو طريقا يابسا " مغرقون " سيغرقهم الله " ونعمة " أي تنعم وسعة في العيش " كانوا فيها فاكهين " أي بها ناعمين متمتعين " كذلك " قال الطبرسي: أي كذلك أفعل بمن عصاني " وأورثناها قوما آخرين " أي بني إسرائيل " فما بكت عليهم السماء والأرض " أي لم يبك عليهم أهل السماء والأرض، أو المراد به المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، فإن العرب إذا أخبرت عن عظيم المصاب بالهالك قالت: بكاه السماء والأرض، أو كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء.

وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقيل: وهل يبكيان على أحد؟

قال: نعم مصلاه في الأرض، ومصعد عمله في السماء.

وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بكت السماء على يحيى بن زكريا

وعلى الحسين بن علي عليهما السلام أربعين صباحا ولم تبك إلا عليهما. قلت: فما بكاؤها؟ قال:

كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء.

" وما كانوا منظرين " أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا من العذاب. " المهين " قال البيضاوي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم " من فرعون " بدل من العذاب على حذف المضاف، أو جعله عذابا لافراطه في التعذيب، أو حال من المهين، بمعنى واقعا من جهته " إنه كان عاليا " متكبرا " من المسرفين " في العتو والشرارة " ولقد اخترناهم " أي بني إسرائيل " على علم " عالمين بأنهم أحقاء بذلك، أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بعض الأحوال " على العالمين " لكثرة الأنبياء فيهم، أو على عالمي زمانهم " ما فيه بلاء مبين " نعمة جلية واختبار ظاهر. " فتولى بركنه " أي فأعرض عن الايمان به كقوله: " ونأى بجانبه " أو فتولى بما كان يتقوى به من جنوده " وهو مليم " آت بما يلام عليه من الكفر والعناد، وهو حال عن الضمير في أخذناه. " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " قال الطبرسي: أي فلما مالوا عن الحق والاستقامة خلاهم وسوء اختيارهم، ومنعهم الألطاف التي بها يهدى قلوب المؤمنين، وقيل: أزاغ الله قلوبهم عما يحبون إلى ما يكرهون. " وبيلا " أي ثقيلا. " هل لك إلى أن تزكى " قال البيضاوي: أي هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان؟ " وأهديك إلى ربك " وأرشدك إلى معرفته " فتخشى " بأداء الواجبات وترك المحرمات " ثم أدبر " عن الطاعة " يسعى " ساعيا في إبطال أمره، أو أدبر بعدما رأى الثعبان مرعوبا مسرعا في مشية " فحشر " فجمع السحرة أو جنوده " فنادى " في المجمع بنفسه أو بمناد.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " يذبحون أبناءكم " إن فرعون لما بلغه أن بني إسرائيل يقولون:

يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده كان يقتل أولادهم الذكور ويدع الإناث.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " وقال موسى " إلى قوله: " لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين " فإن قوم موسى استعبدهم آل فرعون، وقالوا:

لو كان لهؤلاء على الله كرامة كما يقولون ما سلطنا عليهم، قوله: " أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا " يعني بيت المقدس. قوله: " ربنا إنك آتيت فرعون وملاءه زينة " أي ملكا " ليضلوا عن سبيلك " أي يفتنوا الناس بالأموال والعطايا ليعبدوه ولا يعبدوك " ربنا اطمس على أموالهم " أي أهلكها. قوله: " سبيل الذين لا يعلمون " أي طريق فرعون و أصحابه. قوله: " مبوأ صدق " قال: ردهم إلى مصر وغرق فرعون.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: " في هذه لعنة " يعني الهلاك والغرق " ويوم القيمة بئس الرفد المرفود " أي رفدهم الله بالعذاب.

4 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " قال: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والعصا ويده والبحر. ويحكي قول موسى " وإني لأظنك يا فرعون مثبورا " أي هالكا تدعو بالثبور.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " فأراد أن يستفزهم من الأرض " أراد أن يخرجهم من الأرض وقد علم فرعون وقومه أن ما أنزل تلك الآيات إلا الله وقوله: " فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا " يعني جميعا.

وفي رواية علي بن إبراهيم: " فأراد " يعني فرعون " أن يستفزهم من الأرض " أي

يخرجهم من مصر " جئنا بكم لفيفا " أي من كل ناحية.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: " وهل أتاك حديث موسى " يعني قد أتاك. قوله: " فاخلع نعليك " قال:

كانتا من جلد حمار ميت " وأقم الصلاة لذكري " قال: إذا نسيتها ثم ذكرتها فصلها.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " آتيكم منها بقبس " يقول: آتيكم بقبس من النار " تصطلون " من البرد، وقوله: " أو أجد على النار هدى " كان قد أخطأ الطريق يقول: أو أجد عند النار طريقا. وقوله: " وأهش بها على غنمي " يقول: أخبط بها الشجر لغنمي " ولي فيها مآرب أخرى " فمن الفرق لم يستطع الكلام فجمع كلامه فقال:

" ولي فيها مآرب أخرى " يقول: حوائج أخرى.

وقال علي بن إبراهيم في قوله: " إن الساعة آتية أكاد أخفيها " قال: من نفسي، هكذا نزلت، قلت: كيف يخفيها من نفسه؟ قال: جعلها من غير وقت. قوله: " وفتناك فتونا " أي اختبرناك اختبارا " في أهل مدين " أي عند شعيب. قوله: " واصطنعتك لنفسي " أي اخترتك " ولا تنيا " أي لا تضعفا " اذهبا إلى فرعون " ائتياه. واعلم أن الله قال لموسى عليه السلام حين أرسله إلى فرعون: ائتياه فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، ولكن قال الله ليكون أحرص لموسى على الذهاب وآكد في الحجة على فرعون. تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لشرذمة قليلون " يقول: عصبة قليلة " وإنا لجميع حاذرون " يقول: مؤدون في الأداة وهو الشاكي في

السلاح، وأما قوله: " ومقام كريم " يقول: مساكن حسنة. وأما قوله: " فأتبعوهم مشرقين " فعند طلوع الشمس. وقوله: " معي ربي سيهدين " يقول: سيكفين. بيان: قال الجزري: يقال: آدني عليه أي قوني، ورجل مؤد: تام السلاح كامل أداة الحرب. ومنه حديث الأسود بن زيد في قوله تعالى: " وإنا لجميع حاذرون " قال:

مقوون مؤدون أي كاملون أداة الحرب.

8 - تفسير علي بن إبراهيم: " إني آنست نارا " أي رأيت، وذلك لما خرج من مدين من عند شعيب.

قوله: " إلا من ظلم " معناه: ولا من ظلم فوضع حرف مكان حرف. بيان: على ما ذكره تكون " إلا " عاطفة. قال البغوي في تفسيره: قال بعض النحويين: " إلا " ههنا بمعنى " ولا " يعني لا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى:

" لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " يعني ولا الذين ظلموا منهم.

9 - تفسير علي بن إبراهيم: " ساحران تظاهرا " قال: موسى وهارون.

10 - تفسير علي بن إبراهيم: " قالوا يا أيها الساحر " أي يا أيها العالم. قوله: " من هذا الذي هو مهين " يعني موسى " ولا يكاد يبين " قال: لم يبين الكلام " فلولا القي عليه " أي هلا القي عليه. قوله: " مقترنين " يعني مقارنين " فلما آسفونا " أي عصونا، لأنه لا يأسف عز وجل كأسف الناس.

11 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون " أي اختبرناهم " أن أداوا إلي عباد الله " أي ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والاحكام، وأوحى الله إليه " أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون " أي يتبعكم فرعون وجنوده " واترك البحر رهوا " أي

جانبا وخذ على الطريق. قوله: " ومقام كريم " أي حسن " ونعمة كانوا فيها " قال: النعمة في الأبدان. قوله: " فاكهين " أي مفاكهين للنساء " وأورثناها قوما آخرين " يعني بني إسرائيل. قوله: " على العالمين " لفظه عام ومعناه خاص، وإنما اختارهم وفضلهم على عالمي زمانهم. بيان: قوله: (أي ما فرض الله) الظاهر أنه جعل " عباد الله " منادى، وبين مفعول " أدوا " المقدر بالصلاة وغيرها، وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما جماعة من المفسرين واحتمال كون المراد بالعباد العبادة بحذف التاء كإقام الصلاة بعيد. والرهو بهذا المعنى لم يعهد في اللغة وإن أتى بمعان قريبة منه، كالمكان المرتفع والمنخفض والسكون، ويمكن إرجاعه إلى ما مر في التفسير بتكلف. والمفاكهة: الممازحة.

12 - تفسير علي بن إبراهيم: " بالوادي المقدس " أي المطهر، وأما طوى فاسم الوادي. وقال علي ابن إبراهيم في قوله: " فحشر فنادى ": يعني فرعون. والنكال العقوبة. والآخرة هو قوله: " أنا ربكم الاعلى " والأولى قوله: " وما علمت لكم من إله غيري " فأهلكه الله بهذين القولين.

13 - تفسير علي بن إبراهيم: " وفرعون ذي الأوتاد " عمل الأوتاد التي أراد أن يصعد بها إلى السماء.

14 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحجال، عن عبد الرحمن بن حماد، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فرعون بنى سبع مدائن فتحصن فيها من موسى، فلما أمره الله أن يأتي فرعون جاءه ودخل المدينة، فلما رأته الأسود بصبصت بأذنابها، ولم يأن مدينة إلا انفتح له حتى انتهى إلى التي هو

فيها، فقعد على الباب وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه، فلما خرج الآذن قال له موسى عليه السلام: إني رسول رب العالمين إليك، فلم يلتفت، فضرب بعصاه الباب فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح فدخل عليه وقال: أنا رسول رب العالمين، فقال: ائتني بآية، فألقى عصاه، وكان لها شعبتان فوقعت إحدى الشعبتين في الأرض، والشعبة الأخرى في أعلى القبة، فنظر فرعون إلى جوفها وهي تلتهب نارا وأهوت إليه، فأحدث فرعون وصاح: يا موسى خذها، ولم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب، فلما أخذ موسى العصا ورجعت إلى فرعون نفسه هم بتصديقه فقام إليه هامان وقال: بينا أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد؟! واجتمع الملا وقالوا: هذا ساحر عليم، فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم ألقى موسى عصاه فالتقمتها كلها، وكان في السحرة اثنان و سبعون شيخا خروا سجدا، ثم قالوا لفرعون: ما هذا سحر لو كان سحرا لبقيت حبالنا و عصينا، ثم خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل يريد أن يقطع بهم البحر فأنجى الله موسى ومن معه، وغرق فرعون ومن معه، فلما صار موسى في البحر اتبعه فرعون وجنوده فتهيب فرعون أن يدخل البحر، فمثل جبرئيل على ما ديانة، وكان فرعون على فحل، فلما رأى قوم فرعون الماديانة اتبعوها فدخلوا البحر وغرقوا، وأمر الله البحر فلفظ فرعون ميتا حتى لا يظن أنه غائب وهو حي، ثم إن الله تعالى أمر موسى أن يرجع ببني إسرائيل إلى الشام، فلما قطع البحر بهم مر على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا:

" يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " ثم ورث بنو إسرائيل ديارهم وأموالهم، فكان الرجل يدور على دور كثيرة، ويدور على النساء.

15 - تفسير علي بن إبراهيم: " وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض و يذرك وآلهتك " قال: كان فرعون يعبد الأصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية، فقال

فرعون: " سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون " قوله: " قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا " قال: قال الذين آمنوا لموسى: قد أوذينا قبل مجيئك يا موسى بقتل أولادنا، ومن بعدما جئتنا لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى، فقال موسى:

" عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " ومعنى " ينظر " أي يرى كيف تعملون، فوضع النظر مكان الرؤية. وقوله: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات " يعني السنين الجدبة لما أنزل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل و الضفادع والدم.

وأما قوله: " فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه " قال: الحسنة ههنا الصحة و السلامة والامن والسعة " وإن تصبهم سيئة " قال: السيئة ههنا الجوع والخوف والمرض " يطيروا بموسى ومن معه أي بتشأموا بموسى ومن معه. وأما قوله: " وقالوا مهما تأتنا به من آية لتحسرنا بها فما نحن لك بمؤمنين " إلى قوله: " فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " فإنه لما سجد السحرة وآمن به الناس قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل، فجاء إليه موسى فقال له: خل عن بني إسرائيل، فلم يفعل، فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا فيها الخيام، فقال فرعون لموسى:

ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان، وهم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل فقال له هامان:

إن خليت عن بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني إسرائيل فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد، فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا وقال: يا موسى ادع ربك أن يكف الجراد عنا حتى أخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربكه فكف عنهم الجراد، فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله

عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم وأصابتهم المجاعة.

فقال فرعون لموسى: إن رفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال: أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، و يقال: إنها كانت تخرج من أدبارهم وآذانهم وآنافهم، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاؤوا إلى موسى فقالوا: ادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك، فلما أبوا أن يخلوا عن بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما، فكان القبطي يراه دما، والإسرائيلي يراه ماء، فإذا شربه الإسرائيلي كان ماء، وإذا شربه القبطي كان دما، فكان القبطي يقول للإسرائيلي: خذ الماء في فمك وصبه في فمي، فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دما، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الرجز وهو الثلج ولم يروه قبل ذلك فماتوا فيه وجزعوا وأصابهم ما لم يعهدوه قبله، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل، فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسى من مصر واجتمع عليه من كان هرب من فرعون، وبلغ فرعون ذلك فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل فقد اجتمعوا إليه، فجزع فرعون وبعث في المدائن حاشرين، وخرج في طلب موسى.

قوله: " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون " يعني بني إسرائيل لما أهلك الله فرعون ورثوا الأرض وما كان لفرعون. قوله: " وتمت كلمة ربك " يعني الرحمة بموسى تمت لهم.

قوله: " وما كانوا يعرشون " يعني المصانع والعريش والقصور.

بيان: قوله تعالى: " وآلهتك " قيل: كان فرعون يستعبد الناس ويعبد الأصنام بنفسه وكان الناس يعبدونها تقربا إليه، وقيل: كان يعبد ما يستحسن من البقر، وروي أنه كان يأمرهم أيضا بعبادة البقر، ولذلك أخرج السامري لهم عجلا، وقيل: كانت لهم أصنام يعبدها قومه تقربا إليه، وقرئ " وإلهتك " على فعالة، روي عن علي عليه السلام وابن عباس وابن مسعود وأنس وعلقمة وغيرهم، فالآلهة بمعنى الربوبية أو العبادة.

قوله تعالى: " فأرسلنا عليهم الطوفان " اختلف فيه فقيل: هو الماء الخارج عن العادة، وقيل: هو الموت الذريع، وقيل: هو الطاعون بلغة اليمن، أرسل الله ذلك على أبكار آل فرعون في ليلة فلم يبق منهن إنسان ولا دابة، وقيل: هو الجدري وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض، وقيل: هو أمر من أمر الله طاف بهم.

واختلف في القمل أيضا فقيل: هو صغار الجراد التي لا أجنحة لها، وقيل: صغار الذر، وقيل: شئ يشبه الحلم لا يأكل أكل الجراد خبيث الرائحة، وقيل: دواب سود صغار كالقردان، وقيل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل: قمل الناس.

وأما الرجز فقيل: هو العذاب، وهو ما نزل بهم من الطوفان وغيره، وقيل: هو الطاعون مات به من القبط سبعون ألف إنسان.

وقال الطبرسي رحمه الله: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه أصابهم ثلج أحمر، ولم يره قبل ذلك، فماتوا فيه وجزعو وأصابهم ما لم يعهدوه قبله.

16 - قصص الأنبياء: في تسع آيات موسى: لما اجتمع رأي فرعون أن يكيد موسى فأول ما كاده به عمل الصرح، فأمر هامان ببنائه حتى اجتمع فيه خمسون ألف بناء سوى من يطبخ الآجر، وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير حتى رفع بنيانا لم يكن مثله منذ خلق الله الدنيا، وكان أساسه على جبل فزلزله الله تعالى فانهدم على عماله وأهله وكل من كان عمل فيه من القهارمة والعمال، فقال فرعون لموسى عليه السلام: إنك تزعم

أن ربك عدل لا يجوز، أفعدله الذي أمر؟ فاعتزل الآن إلى عسكرك فإن الناس لحقوا بالجبال والرمال، فإذا اجتمعوا تسمعهم رسالة ربك، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أخر ودعه، فإنه يريد أن يجند لك الجنود فيقاتلك، واضرب بينك وبينه أجلا، وابرز إلى معسكرك يأمنوا بأمانك ثم ابنوا بنيانا واجعلوا بيوتكم قبلة، فضرب موسى بينه وبين فرعون أربعين ليلة، فأوحى إلى موسى أنه يجمع لك الجموع فلا يهولنك شأنه، فإني أكفيك كيده، فخرج موسى عليه السلام من عند فرعون والعصا معه على حالها حية تتبعه وتنعق وتدور حوله والناس ينظرون إليه متعجبين وقد ملئوا رعبا حتى دخل موسى عسكره وأخذ برأسها فإذا هي عصا، وجمع قومه وبنوا مسجدا، فلما مضى الأجل الذي كان بين موسى وفرعون أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك النيل، وكانوا يشربون منه، فضربه فتحول دما عبيطا، فإذا ورده بنو إسرائيل استقوا ماء صافيا، وإذا ورده آل فرعون اختضبت أيديهم وأسقيتهم بالدم، فجهدهم العطش حتى أن المرأة من قوم فرعون تستقي من نساء بني إسرائيل، فإذا سكبت الماء لفرعونية تحول دما، فلبثوا في ذلك أربعين ليلة وأشرفوا على الموت، واستغاث فرعون وآله بمضغ الرطبة فصير ماؤها مالحا، فبعث فرعون إلى موسى: ادع لنا ربك يعيد لنا هذا الماء صافيا، فضرب موسى بالعصا النيل فصار ماء خالصا، هذا قصة الدم.

وأما قصة الضفادع: فإنه تعالى أوحى إلى موسى أن يقوم على شفير النيل حتى يخرج كل ضفدع خلقه الله تعالى من ذلك الماء فأقبلت تدب سراعا تؤم أبواب المدينة فدخلت فيها حتى ملأت كل شئ، فلم يبق دار ولا بيت ولا إناء إلا امتلأت ضفادع، ولا طعام ولا شراب إلا فيه ضفادع حتى غمهم ذلك وكادوا يموتون، فطلب فرعون إلى موسى أن يدعو ربه ليكشف البلاء واعتذر إليه من الخلف، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن أسعفه، فأناف موسى بالعصا فلحق جميع الضفادع بالنيل.

وأما قصة الجراد والقمل: فإنه تعالى أوحى إلى موسى أن ينطلق إلى ناحية من الأرض ويشير بالعصا نحو المشرق وأخرى نحو المغرب، فانبثق الجراد من الأفقين جميعا، فجاء مثل الغمام الأسود، وذلك في زمان الحصاد، فملا كل شئ وعم الزرع فأكله وأكل خشب البيوت وأبوابها، ومسامير الحديد والأقفال والسلاسل، ونكت موسى الأرض بالعصا فامتلأت قملا فصار وجه الأرض أسود وأحمر حتى ملئت ثيابهم ولحفهم وآنيتهم فتجئ متواصلة وتجئ من رأس الرجل ولحيته، وتأكل كل شئ، فلما رأوا الذي نزل من البلاء اجتمعوا إلى فرعون وقالوا: ليس من بلاء إلا ويمكن الصبر عليه إلا الجوع، فإنه بلاء فاضح لا صبر لاحد عليه، ما أنت صانع؟ فأرسل فرعون إلى موسى عليه السلام يخبره أنه لم يجتمع له أمره الذي أراد، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن لا يدع له حجة وأن ينظره، فأشار بعصاه فانقشع الجراد والقمل من وجه الأرض.

وأما الطمس: فإن موسى لما رأى آل فرعون لا يزيدون إلا كفرا دعا موسى عليهم فقال: " ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا اطمس على أموالهم " فطمس الله أموالهم حجارة فلم يبق لهم شيئا مما خلق الله تعالى يملكونه لا حنطة ولا شعيرا ولا ثوبا ولا سلاحا ولا شيئا من الأشياء إلا صار حجارة.

وأما الطاعون: فإنه أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أني مرسل على أبكار آل فرعون في هذه الليلة الطاعون، فلا يبقى بآل فرعون من إنسان ولا دابة إلا قتله، فبشر موسى قومه بذلك، فانطلقت العيون إلى فرعون بالخبر، فلما بلغه الخبر قال لقومه:

قولوا لبني إسرائيل إذا أمسيتم فقدموا أبكاركم، وقدموا أنتم أبكاركم، وأقرنوا كل بكرين في سلسلة، فإن الموت يطرقهم ليلا، فإذا وجدهم مختلطين لم يدر بأيهم يبطش، ففعلوا فلما جهم الليل أرسل الله تعالى الطاعون فلم يبق منهم إنسانا ولا دابة إلا قتله فأصبح أبكار آل فرعون جيفا، وأبكار بني إسرائيل أحياء سالمين، فمات منهم ثمانون ألفا سوى الدواب ، وكان لفرعون من أثاث الدنيا وزهرتها وزينتها ومن الحلي والحلل مالا يعلمه إلا الله تعالى. فأوحى الله جلت عظمته إلى موسى عليه السلام أني مورث بني إسرائيل ما في أيدي آل فرعون، فقل ليستعيروا منهم الحلي والزينة، فإنهم لا يمتنعون من خوف

البلاء، وأعطى فرعون جميع زينة أهله وولده وما كان في خزائنه، فأوحى الله تعالى إلى موسى بالمسير بجميع ذلك حتى كان من الغرق بفرعون وقومه ما كان. ايضاح: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " واجعلوا بيوتكم قبلة ": اختلف في ذلك فقيل: لما دخل موسى مصر بعدما أهلك الله فرعون أمروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة - أي الكعبة - وكانت قبلتهم إلى الكعبة، وقيل: إن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة فامروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها خوفا من فرعون، وقيل: معناه: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا انتهى أقول: ما في القصص يحتمل كلا من الوجهين الأخيرين، وأن يكون المعنى كون بيوتهم محاذيه للكعبة. وأناف على الشئ: أشرف، والمراد الإشارة بالعصا. وانقشع:

تفرق.

17 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن جعفر، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، عن محمد بن يعقوب، عن جعفر الأحول، عن منصور، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: لما خافت بنو إسرائيل جبابرتها أوحى الله إلى موسى وهارون عليهما السلام: " أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة " قال: أمروا أن يصلوا في بيوتهم.

18 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا " إلى قوله: " وأنا من المسلمين " فإن بني إسرائيل قالوا: يا موسى ادع الله أن يجعل لنا مما نحن فيه فرجا، فدعا فأوحى الله إليه:

أن أسر بهم، قال: يا رب البحر أمامهم! قال: امض فإني آمره ان يعطيك وينفرج

لك، فخرج موسى ببني إسرائيل وأتبعهم فرعون حتى إذا كاد أن يلحقهم ونظروا إليه قد أظلهم، قال موسى للبحر: انفرج لي، قال: ما كنت لافعل، وقال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.