پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

باب حب الدنيا وذمها، وبيان

ج ۷۰، ص ۸۳–۱۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۹

لقد خاب من غرته دنيا دنية * وما هي إن غرت قرونا بطايل أتتنا على زي العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمايل فقلت لها غري سواي فإنني * عزوف عن الدنيا ولست بجاهل وما أنا والدنيا فان محمدا * رهين بقفر بين تلك الجنادل وهبها أتتنا بالكنوز ودرها * وأموال قارون وملك القبايل أليس جميعا للفناء مصيرها * ويطلب من خزانها بالطوايل فغري سواي إنني غير راغب * لما فيك من عز وملك ونائل وقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشانك يا دنيا وأهل الغوايل فاني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عتابا دائما غير زايل

وقال أيضا:

دنيا تخادعني كأني * لست أعرف حالها مدت إلي يمينها * فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجة * فوهبت جملتها لها فهذا معنى قوله عليه السلام: " أرادتهم الدنيا ولم يريدوها ".

48 - عدة الداعي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها فكونوا كالسابقين قبلكم، والماضين أمامكم، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل وطووها طي المنازل.

49 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

إن الله عز وجل يقول: ويل للذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية، أبي يغترون؟ أم علي يجترؤن؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران.

بيان: " ويل للذين يختلون الدنيا بالدنى " اي العذاب والهلاك للذين يطلبون الدنيا بعمل الآخرة بالخديعة والمكر، قال في النهاية: الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وقال: فيه من اشراط الساعة أن تعطل سيوف الجهاد وأن تختل الدنيا بالدين، اي تطلب الدنيا بعمل الآخرة، يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا تخفى له، والختل الخداع، وفي القاموس: ختله يختله ويختله ختلا وختلانا خدعه، والذئب الصيد تخفى له وخاتله خادعه وتخاتلوا تخادعوا، واختتل تسمع لسر القوم انتهى.

وبناء الافتعال كما هو المذكور في عنوان باب الكافي لم أره بهذا المعنى في كتب اللغة ، وفي بعض النسخ اختيال بالياء وهو تصحيف " الذين يأمرون بالقسط " اي بالعدل، وهم الأئمة عليهم السلام وخواص أصحابهم " يسير المؤمن " اي يعيش ويعمل مجازا " أبي يغترون " اي بسبب إمهالي ونعمتي يغفلون عن بطشي وعذابي من الاغترار بمعنى الغفلة، ويحتمل أن يكون من الاغترار بمعنى الوقوع في الغرر والهلاك.

وقال تعالى: " ما غرك بربك الكريم " قال البيضاوي: اي شئ خدعك وجرأك على عصيانه " يجترؤن " بالهمز أو بدونه بقلب الهمزة ياء، ثم إسقاط ضمها ثم حذفها لالتقاء الساكنين " لأتيحن " قال في النهاية: فيه فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، يقال: أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به وتاح له الشئ، والحليم ذو الحلم والأناة والتثبت في الأمور أو ذو العقل، وتنوين حيرانا للتناسب وإنما خص بالذكر لأنه بكلي معنييه أبعد من الحيرة، وذلك لأنه اصبر على الفتن والزلازل، والحاصل أنه لا يجد العقلاء وذوو التثبت والتدبر في الأمور المخرج من تلك الفتنة.

50 - أمالي الصدوق: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي: عن جعفر بن محمد العلوي عن محمد بن علي بن خلف، عن حسن بن صالح، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة عليها السلام فدخل عليها فأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر فصنعت فاطمة مسكتين من ورق وقلادة وقرطين وسترا لباب البيت، لقدوم أبيها وزوجها عليهما السلام، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله دخل

عليها فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها.

فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس عند المنبر فظنت فاطمة عليها السلام أنه إنما فعل ذلك رسول الله لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها، ونزعت الستر، فبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله، فلما أتاه قال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى فيها كافرا شربة ماء، ثم قام فدخل عليها.

51 - أمالي الصدوق: ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا أن اتعبي من خدمك، واخدمي من رفضك.

ثم قال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد والعبادة، وازهدوا في هذه الدنيا الزاهدة فيكم، فإنها غرارة، دار فناء وزوال، كم من مغتر فيها قد أهلكته وكم من واثق بها قد خانته، وكم من معتمد عليها قد خدعته، وأسلمته.

أقول: قد أثبتنا الخبر بتمامه في باب مواعظ النبي صلى الله عليه وآله.

52 - أمالي الصدوق: عن العطار، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص عن الصادق عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله موسى بن عمران: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السلام عند خطيئته وجعلتها ملعونة ملعونا ما فيها، إلا ما كان فيها لي.

يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بي وسائرهم من خلقي

رغبوا فيها بقدر جهلهم بي، وما من أحد من خلقي عظمها فقرت عينه، ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها، الخبر.

53 - ثواب الأعمال: عن أبيه، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل قال في مناجاته لموسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة إلى آخر الخبر.

54 - أمالي الصدوق: عن الصادق عليه السلام قال: إن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة إليها لماذا.

55 - أمالي الصدوق: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أغفل الناس من لم يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال، وأعظم الناس في الدنيا خطرا من لم يجعل للدنيا عنده خطرا.

56 - عيون أخبار الرضا (ع) أمالي الصدوق: الاسترآبادي، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن أبي محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كم من غافل ينسج ثوبا ليلبسه وإنما هو كفنه، ويبنى بيتا ليسكنه، وإنما هو موضع قبره.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ففي الدنيا حييتم، وللآخرة خلقتم، وإنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إن العبد إذا مات قالت الملائكة ما قدم؟ وقال الناس ما أخر؟ فقدموا فضلا يكن لكم، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم، فان المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على

الصراط بها مسلكه.

أقول: قد أثبتنا كثيرا من الاخبار في باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام.

57 - أمالي الصدوق: في خبر الشامي الذي أتى أمير المؤمنين عليه السلام قال عليه السلام: يا شيخ إن الدنيا خضرة حلوة، ولها أهل و، إن الآخرة لها أهل، ظلفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا يتنافسون في الدنيا، ولا يفرحون بغضارتها، ولا يحزنون لبؤسها، يا شيخ من خاف البيات قل نومه ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد فاخزن لسانك، وعد كلامك، يقل كلامك إلا بخير، يا شيخ ارض للناس ما ترضى لنفسك، وآت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك.

ثم أقبل على أصحابه فقال: أيها الناس أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: فبين صريع يتلوى، وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود وآخر لا يرجى، وآخر مسجى، وطالب الدنيا والموت يطلبه. وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي.

58 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن سيار، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن رمى ببصره إلى ما في يدي غيره كثر همه، ولم يشف غيظه، ومن لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله، ودنا عذابه، ومن أصبح على الدنيا حزينا أصبح على الله ساخطا، ومن شكى مصيبة نزلت به، فإنما يشكو ربه، ومن دخل النار من هذه الأمة ممن قرأ القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا، ومن أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه، ذهب ثلثا دينه.

ثم قال: ولا تعجل وليس يكون الرجل ينال من الرجل المرفق فيبجله ويوقره فقد يجب ذلك له عليه، ولكن تراه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، ويريد أن يختله عما في يديه.

59 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: قال أبو عبد الله عليه السلام يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها، الخبر، وسيأتي في أبواب المواعظ.

60 - قرب الإسناد: عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: والله ما أخر الله عن المؤمن من هذه الدنيا خير له مما يعجل منها، ثم صغر الدنيا إلي فقال: اي شئ هي؟ ثم قال: إن صاحب النعمة على خطر إنه يجب علي حقوق لله منها، والله إنه ليكون علي النعم من الله فما أزال منها على وجل وحرك يديه حتى أخرج من الحقوق التي تجب لله تبارك وتعالى علي فيها.

61 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن ابن رباط رفعه قال: شكى رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام الحاجة فقال: اعلم أن كل شئ تصيبه من الدنيا فوق قوتك، فإنما أنت فيه خازن لغيرك.

62 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن درست عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة.

63 - الخصال: عن محمد بن أحمد الأسدي، عن محمد بن أبي عمران، عن أحمد بن أبي بكر، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل أما الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، وهذه الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وهذه الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فان استطعتم أن تكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فافعلوا، فإنكم اليوم في دار عمل ولا حساب، وأنتم غدا في دار حساب ولا عمل.

64 - الخصال: عن ابن بندار، عن أحمد بن إسحاق، عن عمر بن الحسن بن نصر، عن مؤمل بن إهاب، عن عبد الله بن المغيرة المصري، عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الليل والنهار مطيتان 65 - الخصال: عن محمد بن أحمد الأسدي، عن أحمد بن محمد العامري، عن إبراهيم بن عيسى بن عبيد، عن سليمان بن عمرو، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن، والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.

66 - الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن سهل، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق منها بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال.

أقول: قد مضى بعض الأخبار في باب السكينة والوقار.

67 - الخصال: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: الدنيا سجن المؤمن، والقبر حصنه، والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار

مأواه.

68 - الخصال: عن العسكري، عن أحمد بن محمد بن أسيد، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي غسان، عن مسعود بن سعد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أشد ما يتخوف على أمتي ثلاثة: زلة عالم، أو جدال منافق بالقرآن، أو دنيا تقطع رقابكم، فاتهموها على أنفسكم 6 الخصال: عن أبيه، عن سعد: عن الأصبهاني، عن المنقري، عن ابن عيينة. عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، والله ما الدنيا والآخرة إلا ككفتي الميزان، فأيهما رجح ذهب بالآخر، ثم تلا قوله عز وجل " إذا وقعت الواقعة " يعني القيامة " ليس لوقعتها كاذبة * خافضة " خفضت والله بأعداء الله إلى النار " رافعة " رفعت والله أولياء الله إلى الجنة.

ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: اتق الله وأجمل في الطلب، ولا تطلب ما لم يخلق، فان من طلب ما لم يخلق تقطعت نفسه حسرات ولم ينل ما طلب ثم قال: وكيف ينال ما لم يخلق؟ فقال الرجل: وكيف يطلب ما لم يخلق؟

فقال: من طلب الغنى والأموال والسعة في الدنيا فإنما يطلب ذلك للراحة والراحة لم تخلق في الدنيا ولا لأهل الدنيا، إنما خلقت الراحة في الجنة، ولأهل الجنة، والتعب والنصب خلقا في الدنيا ولأهل الدنيا، وما أعطي أحد منها حفنة إلا أعطي من الحرص مثليها، ومن أصاب من الدنيا أكثر كان فيها أشد فقرا، لأنه يفتقر إلى الناس في حفظ أمواله، ويفتقر إلى كل آلة من آلات الدنيا، فليبس في غنى الدنيا راحة، ولكن الشيطان يوسوس إلى ابن آدم أن له في جمع ذلك راحة، وإنما يسوقه إلى التعب في الدنيا

والحساب عليه في الآخرة، ثم قال عليه السلام: كلا ما تعب أولياء الله في الدنيا للدنيا بل تعبوا في الدنيا للآخرة.

ثم قال: ألا ومن اهتم لرزقه كتب عليه خطيئة، كذلك قال المسيح عليه السلام للحواريين، إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.

70 - معاني الأخبار علل الشرائع الخصال: عن القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق عليه السلام: مطلوبات الناس في الدنيا الفانية أربعة: الغنى، والدعة، وقلة الاهتمام، والعز، فأما الغنى فموجود في القناعة فمن طلبه في كثرة المال لم يجده، وأما الدعة فموجود في خفة المحمل فمن طلبها في ثقله لم يجدها، وأما قلة الاهتمام فموجودة في قلة الشغل فمن طلبها مع كثرته لم يجدها، وأما العز فموجود في خدمة الخالق فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده.

71 - الخصال: عن الفامي، عن محمد بن جعفر، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سلم من أمتي من أربع خصال فله الجنة: من الدخول في الدنيا، واتباع الهوى، وشهوة البطن، وشهوة الفرج. الخبر.

أقول: قد مضى بعض الأخبار في باب الحياء.

72 - الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن سليم مولى طربال، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول:

الدنيا دول فما كان لك فيها أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك أتاك ولم تمتنع منه بقوة. ثم أتبع هذا الكلام بأن قال: من يئس مما فات أراح بدنه، ومن قنع بما أوتي قرت عينه.

أمالي الطوسي: عن المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة، عن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر، عن الحسن بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله.

73 - الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن اللؤلوئي، عن إسحاق الضحاك، عن منذر الجوان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال سلمان رحمة الله عليه: عجبت لست: ثلاث أضحكتني، وثلاث أبكتني فأما الذي أبكتني ففراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله عز وجل، وأما الذي أضحكتني فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أرضى الله أم سخط.

74 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول ما عصى الله تبارك وتعالى بست خصال: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب النساء وحب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة.

75 - الخصال: في خبر أبي ذر: عجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها لم يطمئن إليها.

76 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام أنه قال: وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن فيه مكتوب، أنا الله لا إله إلا أنا ومحمد نبيي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب.

77 - عيون أخبار الرضا (ع): عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن المغيرة قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول:

إنك في دار لها مدة * يقبل فيها عمل العامل الا ترى الموت محيطا بها * يكذب فيها أمل الآمل تعجل الذنب لما تشتهي * وتأمل التوبة في قابل والموت يأتي أهله بغتة * ما ذاك فعل الحازم العامل 78 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن محمد بن يحيى بن أبي عباد، عن عمه قال: سمعت الرضا عليه السلام يوما ينشد شعرا:

كلنا نأمل مدا في الاجل * والمنايا هن آفات الأمل لا يغرنك أباطيل المنى * والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل * حل فيه راكب ثم رحل 79 - مجالس المفيد أمالي الطوسي: المفيد، عن عمر بن محمد المعروف بابن الزيات، عن ابن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو رأى العبد أجله وسرعته إليه، أبغض الأمل، وترك طلب الدنيا.

80 - مجالس المفيد أمالي الطوسي: عن المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن الوليد، عن عنبر ابن محمد، عن شعبة، عن سلمة، عن أبي الطفيل قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، الا وإن الدنيا قد تولت مدبرة والآخرة قد أقبلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فان اليوم عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل.

أقول: قد مضى بعض الأخبار في باب الزهد.

أمالي الطوسي: المفيد، عن عمر بن محمد الصيرفي، عن محمد بن مخلد، عن محمد بن الوليد، عن حيدر بن محمد، عن سعيد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له وذكر مثله.

81 - أمالي الطوسي: قال: أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس أصبحتم أغراضا تنتضل فيكم المنايا وأموالكم نهب للمصائب، ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص، وما شربتموه من شراب فلكم فيه شرق واشهد بالله ما تنالون في الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرهونها، أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء، ولكنكم من دار تنقلون، فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه والسلام.

82 - تحف العقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وعمرت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، زائلة نافدة، أكالة غوالة، لا تعدو إذا

هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضى بها أن تكون كما قال الله سبحانه " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا ".

مع أن امرء لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تظله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء، إذا هي أصبحت منتصرة [لم تأمن] أن تمسي له متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب لا مرئ واحلولا أمر عليه جانب منها فأوبى وما امسى امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح في أخوف خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شئ من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه.

كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي حذر قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد ردته خائفا فقيرا، وكم ذي تاج قد أكبته لليدين والفم، سلطانها ذل، وعيشها رنق، وعذبها أجاج وحلوها صبر، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام وملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وأمنها منكوب، وجارها محروب، ومن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأبين آثارا، وأعد منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، وأشد منكم عنودا تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها اي إيثار، ثم ظعنوا عنها بالصغار أبهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون؟ أم إليها تطمئنون؟ يقول الله: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا

فيها وباطل ما كانوا يعملون " فبئست الدار لمن لم يتهيئها، ولم يكن فيها على وجل.

واعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها، لا بد وإنما هي كما نعت الله " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ".

فاتعظوا فيها بالذين كانوا [يبنون] بكل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، وبالذين قالوا من أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم، ولا يدعون ركبانا، وأنزلوا ولا يدعون ضيفانا وجعل لهم من الضريح أكنانا، ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما، لا يزورون ولا يزارون حلماء قد بادت أضغانهم جهلاء قد ذهبت أحقادهم، لا تخشى فجعتهم، ولا يرجى دفعهم، وهم كمن لم يكن وكما قال الله سبحانه " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ".

استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمه جاؤها كما فارقوها، حفاة عراة، قد ظعنوا منها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود أبد، يقول الله تبارك وتعالى " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ".

82 أمالي الطوسي: الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه عليهم السلام قال: قال الصادق عليه السلام: من صفت له دنياه فاتهمه في دينه.

83 - أمالي الطوسي: الفحام، عن عمه، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن المثنى، عن أبيه

عن عثمان بن زيد، عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام قال: يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحول عنه، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبأ بها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها.

يا جابر! الدنيا عند ذوي الألباب كفئ الظلال.

84 - أمالي الطوسي: عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن القاسم بن جعفر، عن عباد بن أحمد القزويني، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن موسى الجهني، عن زيد بن وهب، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: سمعت سلمان الفارسي وقد أكره على طعام فقال: حسبي، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر.

85 - أمالي الطوسي: عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كن في الدنيا كأنك غريب أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور.

قال مجاهد: وقال لعبد الله بن عمر: وأنت يا عبد الله إذا أمسيت فلا تحدث نفسك أن تصبح، وإذا أصبحت فلا تحدث نفسك أن تمسي، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا.

86 - أمالي الطوسي: عن الغضائري، عن التلعكبري، عن ابن عقدة، عن الحسن بن علي ابن إبراهيم العلوي، عن الوشا، عن ثعلبة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إنما الدنيا فناء وعناء وعبر وغير، فمن فنائها أن الدهر موتر قوسه مفوق نبله، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ومن عبرها أنك ترى المغبوط مرحوما والمرحوم مغبوطا، ليس منها إلا نعيم زال، وبؤس نزل ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله فيختطفه من دونه أجله.

قال أبو عبد الله عليه السلام: وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: كم من مستدرج بالاحسان إليه، مغرور بالستر عليه، مفتون بحسن القول فيه، وما أبلى الله عبدا بمثل الاملاء له.

أمالي الطوسي: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن أبي داود، عن إبراهيم بن الحسن المقسمي، عن بشر بن زاذان، عن عمر بن صبيح، عن الصادق عليه السلام مثله بتغيير ما وقد أثبتناهما في باب المواعظ.

87 - تحف العقول: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فلما فرغ من قتال من قتله، أشرف علينا من آخر الليل، فقال: ما أنتم فيه؟ فقلنا: في ذم الدنيا، فقال: علام تذم الدنيا يا جابر؟ ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا؟ انتحلوا الزهد فيها؟ الدنيا منزل صدق لمن صدقها، ومسكن عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، فيها [مسجد] أنبياء الله ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومسكن أحبائه، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة.

فمن ذا يذم الدنيا يا جابر وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ونعت نفسها بالزوال، ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، راحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية، ترهيبا وترغيبا، يذمها قوم عند الندامة، ويحمدها آخرون عند السلامة، خدمتهم جميعا فصدقتهم، وذكرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا، وشوقتهم فاشتاقوا.

فأيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، متى استذمت إليك؟ بل متى غرتك بنفسها؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك من الثرى، كم مرضت بيديك وعللت بكفيك؟ تستوصف لهم الدواء، وتطلب لهم الأطباء، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك.

بل مثلت الدنيا به نفسك، وبحاله حالك، غداة لا ينفعك أحباؤك، ولا يغني عنك نداؤك، حين يشتد من الموت أعالين المرض وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الاليل، ولا يدفع العويل، يحفز بها الحيزوم، ويعض بها الحلقوم، لا يسمعه النداء، ولا يروعه الدعاء، فيا طول الحزن، عند انقطاع الاجل.

ثم يراح به على شرجع تقله أكف أربع، فيضجع في قبره، في محل لبث وضيق جدث، فذهبت الجدة، وانقطعت المدة، ورفضته العطفة، وقطعته اللطفة لا يقاربه الأخلاء، ولا يلم به الزوار، ولا اتسقت به الدار، انقطع دونه الأثر واستعجم دونه الخبر، وبكرت ورثته، فقسمت تركته، ولحقه الحوب، وأحاطت به الذنوب، فان يكن قدم خيرا طاب مكسبه، وإن يكن قدم شرا تب منقلبه، وكيف ينفع نفسا قرارها، والموت قصارها، والقبر مزارها، فكفى بهذا واعظا، كفى يا جابر امض معي.

فمضيت معه حتى أتينا القبور، فقال: يا أهل التربة ويا أهل الغربة! أما المنازل فقد سكنت، وأما المواريث فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحن، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟.

ثم أمسك عني مليا ثم رفع رأسه فقال: والذي أقل السماء فعلت، وسطح الأرض فدحت، لو أذن للقوم في الكلام لقالوا: إنا وجدنا خير الزاد التقوى ثم قال: يا جابر إذا شئت فارجع.

88 - علل الشرائع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن عمرو، عن صالح بن

سعيد، عن أخيه سهل الحلواني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا عيسى في سياحته إذ مر بقرية فوجد أهلها موتى في الطرق والدور، قال: فقال: إن هؤلاء ماتوا بسخطة ولو ماتوا بغيرها تدافنوا، قال فقال أصحابه: وددنا أنا عرفنا قصتهم فقيل له نادهم يا روح الله قال: فقال: يا أهل القرية! فأجابه مجيب منهم: لبيك يا روح الله قال ما حالكم وما قصتكم؟ قال: أصبحنا في عافية وبتنافي الهاوية، قال فقال: ما الهاوية؟ قال بحار من نار، فيها جبال من نار، قال: وما بلغ بكم ما أرى؟ قال: حب الدنيا وعبادة الطاغوت.

قال: وما بلغ من حبكم الدنيا؟ قال: كحب الصبي لامه إذا أقبلت فرح وإذا أدبرت حزن، قال: وما بلغ من عبادتكم الطاغوت؟ قال: كانوا إذا أمروا أطعناهم قال: فكيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار، عليهم ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما أصابهم العذاب، أصابني معهم، فأنا معلق بشجرة أخاف أن أكبكب في النار، قال: فقال عيسى عليه السلام:

النوم على المزابل وأكل خبز الشعير كثير مع سلامة الدين.

ثواب الأعمال معاني الأخبار: عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن يزيد مثله.

89 - معاني الأخبار: عن ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن الحسن بن علي رفعه إلى عمرو بن جميع رفعه إلى علي عليه السلام في قول الله عز وجل: " وكان تحته كنز لهما " قال: كان ذلك الكنز لوحا من ذهب فيه مكتوب:

" بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله، عجبت لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح؟ عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك؟ عجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف

يطمئن إليها؟.

90 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

أخبرني جبرئيل عليه السلام أن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، ولا فنان ولا منان ولا جعظري، قال: قلت: فما الجعظري؟ قال: الذي لا يشبع من الدنيا.

وفي حديث آخر: ولا حيوف وهو النباش، ولا زنوف، وهو المخنث ولا جواض ولا جعظري، وهو الذي لا يشبع من الدنيا.

91 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السلام عند قبر وهو يقول: إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وان شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.

92 - أمالي الصدوق: في خبر المناهي قال النبي صلى الله عليه وآله: ألا ومن عرضت له دنيا وآخرة فاختار الدنيا على الآخرة، لقى الله يوم القيامة، وليست له حسنة يتقي بها النار؟

ومن اختار الآخرة على الدنيا رضي الله عنه وغفر له مساوي عمله.

93 الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن سهل، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق منها بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال.

94 - قرب الإسناد: عن ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال:

قال علي عليه السلام: ما ملئ بيت قط خيره إلا أوشك أن يملا غيره، ولا ملئ بيت قط غيره إلا يوشك أن يملا خيره.

95 - الخصال: الأربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: من عبد الدنيا وآثرها على الآخرة، استوخم العاقبة.

وقال عليه السلام: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة.

وقال عليه السلام: ما بال من خالفكم أشد بصيرة في ضلالتهم، وابذل لما في أيديهم منكم؟ ما ذاك إلا أنكم ركنتم إلى الدنيا فرضيتم بالضيم، وشححتم على الحطام وفرطتم فيها فيه عزكم وسعادتكم، وقوتكم على من بغى عليكم، لا من ربكم تستحيون فيما أمركم، ولا لأنفسكم تنظرون، وأنتم في كل يوم تضامون، ولا تنتبهون من رقدتكم، ولا ينقضي فتوركم.

96 - ثواب الأعمال: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز معا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنا في قلبه، وجمع له أمره، ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، ومن أصبح و أمسي والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له.

97 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق. عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن خلف بن حماد، عن قتيبة الأعشى قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن فيما ناجى الله به موسى عليه السلام أن قال: إن الدنيا ليست بثواب للمؤمن بعمله، ولا نقمة الفاجر بقدر ذنبه، هي دار الظالمين، إلا العامل فيها بالخير، فإنها له نعمت الدار.

98 - قصص الأنبياء: عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن رجل، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله تعالى به موسى: لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين، وركون من اتخذها أما وأبا، يا موسى لو وكلتك إلى نفسك تنظرها لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها يا موسى! نافس في الخير أهله، واسبقهم إليه فان الخير كاسمه، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عيناك إلى كل مفتون فيها، موكول إلى نفسه.

واعلم أن كل فتنة بذرها حب الدنيا ولا تغبطن أحدا برضا الناس عنه حتى تعلم أن الله عز وجل عنه راض، ولا تغبطن أحدا بطاعة الناس له واتباعهم إياه على غير الحق، فهو هلاك له ولمن اتبعه.

99 - المحاسن: عن أبيه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المسجون من سجنته دنياه عن آخرته.

100 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: الدنيا بمنزلة صورة رأسها الكبر، وعينها الحرص، واذنها الطمع، ولسانها الريا، ويدها الشهوة، ورجلها العجب وقلبها الغفلة، وكونها الفنا، وحاصلها الزوال، فمن أحبها أورثته الكبر ومن استحسنها أورثته الحرص، ومن طلبها أوردته إلى الطمع، ومن مدحها أكبته الرياء، ومن أرادها مكنته من العجب، ومن اطمأن إليها ركبته الغفلة ومن أعجبه متاعها فتنته فيما يبقى، ومن جمعها وبخل بها ردته إلى مستقرها وهي النار.

101 - الإرشاد: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها، شديد نهشها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه منها إلى مكروه والسلام.

102 - الإرشاد: روى العلماء بالاخبار ونقلة السير والآثار أن أمير المؤمنين عليه السلام كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم، بصوت يسمعه كافة من في المسجد ومن جاوره من الناس.

تزودوا رحمكم الله! فقد نودي فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد، فان أمامكم عقبة كؤدا، ومنازل مهولة لا بد من الممر بها، والوقوف عليها، إما برحمة من الله نجوتم من فضاعتها وإما هلكة ليس بعدها انجبار، يا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، وتؤديه أيامه إلى شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تحل به بعد الموت نقمة، فإنما نحن به وله، وبيده الخير، وهو علي كل شئ قدير.

103 - الإرشاد: أيها الناس! أصبحتم أغراضا تنتضل فيكم المنايا، وأموالكم نهب للمصائب ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص، وما شربتم من شراب فلكم فيه شرق، وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرهونها أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفنا، لكن من دار إلى دار تنقلون فتزودوا لما أنتم صائرون إليه، وخالدون فيه، والسلام.

104 - السرائر: عن أبان بن تغلب، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا لنحب الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق. قال لي: ليس هذا من الدنيا هذا من الآخرة.

105 - السرائر: عن كتاب أبان بن تغلب، عن ابن أسباط وابن أبي نجران والوشاء، عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله أو عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام:

قال: آخر نبي يدخل الجنة سليمان بن داود عليه السلام، وذلك لما أعطي في الدنيا.

106 - تفسير العياشي: عن ابن مسكان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولنعم دار المتقين " قال: الدنيا.

107 - مجالس المفيد: عن الصدوق، عن أبيه، عن الحميري، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام:

أنه قال يوما لأصحابه: إخواني! أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون، وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين؟ قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال: أيكم يبنى على موج البحر دارا، تلكم الدار الدنيا، فلا تتخذوها قرارا.

108 - مجالس المفيد: عن المرزباني، عن أحمد بن محمد المكي، عن أبي العينا، عن محمد بن الحكم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن مجاهد قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ازهدوا في هذه الدنيا التي لم يتمتع بها أحد كان قبلكم، ولا تبقى لاحد من بعدكم، سبيلكم فيها سبيل الماضين.

قد تصرمت وآذنت بقضاء، وتنكر معروفها، فهي تخبر أهلها بالفناء وسكانها بالموت، وقد أمر منها ما كان حلوا، وكدر منها ما كان صفوا،، فلم تبق منها إلا سملة كسملة الإداوة، أو جرعة كجرعة الاناء

لو تمززها العطشان لم ينقع بها.

فآذنوا بالرحيل من هذه الدار المقدر على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من الحياة، المذللة فيها أنفسهم بالموت، فلا حي يطمع في البقاء، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون، فلا يعللكم الأمل، ولا يطول عليكم الأمد، ولا تغتروا منها بالآمال ولو حننتم حنين الوله العجال ودعوتم مثل حنين الحمام وجأرتم جأر متبتلي الرهبان وخرجتم إلى الله تعالى من الأموال والأولاد، التماس القربة إليه في ارتفاع الدرجة عنده، أو غفران سيئة أحصتها كتبته، وحفظتها ملائكته، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه، وأتخوف عليكم من عقابه، جعلنا وإياكم من التائبين العابدين.

109 - من كتاب عيون الحكم والمواعظ: لعلي بن محمد الواسطي كتبناه من أصل قديم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة، التي قد تزينت بحليها، وفتنت بغرورها، وغرت بآمالها، وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، والعيون إليها ناظرة، والنفوس بها مشغوفة، والقلوب إليها تائقة، وهي لازواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بسوء أثرها

على الأول مزدجر، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع.

أبت القلوب لها إلا حبا، والنفوس إلا صبا والناس لها طالبان طالب ظفر بها فاغتر فيها، ونسي التزود منها للظعن، فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده وزلت عنها قدمه، وجائته أسر ما كان بها منيته، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته وجلت مصيبته، فاجتمعت عليه سكرات الموت، فغير موصوف ما نزل به.

وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته، ففارقها بغرته وأسفه، ولم يدرك ما طلب منها، ولم يظفر بما رجا فيها، فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد، وقدما على غير مهاد.

فاحذروا الدنيا الحذر كله، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنتم لو شك زوالها وكونوا أسر ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها، فان طالبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصه عنها مكروه، وكلما اغتبط منها باقبال نغصه عنها إدبار، وكلما ثبتت عليه منها رجلا طوت عنه كشحا، فالسار فيها غار، والنافع فيها ضار، وصل رخاؤها بالبلاء، وجعل بقاؤها إلى الفناء، فرحها مشوب بالحزن، وآخر همومها إلى الوهن.

فانظر إليها بعين الزاهد المفارق، ولا تنظر بعين الصاحب الوامق.

اعلم يا هذا أنها تشخص الوادع الساكن، وتفجع المغتبط الامن، لا يرجع منها ما تولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيحذر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة صفوها كدر، وابن آدم فيها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما معظمة جائحة وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه العيشة إن عقل، وأخبرته عن نفسها إن وعى.

ولو كان خالقها عز وجل لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر بالزهد فيها، والرغبة عنها، لكانت وقايعها وفجايعها قد أنبهت النائم، ووعظت الظالم، وبصرت العالم، وكيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر، وأتت منه

فيها البينات والبصاير، فما لها عند الله عز وجل قدر ولا وزن، ولا خلق فيما بلغنا خلقا أبغض إليه منها، ولا نظر إليها مذ خلقها.

ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك من حظه من الآخرة فأبى أن يقبلها، لعلمه أن الله عز وجل أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، وأن لا يرفع ما وضعه الله جل ثناؤه وأن لا يكثر ما أقله الله عز وجل ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله، إلا أن الله عز وجل صغرها عن أن يجعل خيرها ثوابا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عقابا للعاصين [لكفى] ظ.

ومما يدلك على دناءة الدنيا أن الله جل ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبائه نظرا واختيارا، وبسطها لأعدائه فتنة واختبارا، فأكرم عنها محمدا نبيه صلى الله عليه وآله حين عصب على بطنه من الجوع، وحماها موسى نجيه المكلم، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال، وما سأل الله عز وجل يوم أوي إلى الظل إلا طعاما يأكله لما جهده من الجوع ولقد جاءت الرواية أنه قال: أوحى الله إليه: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين.

وصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام إذ قال: إدامي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلاي، وسراجي بالليل القمر وصلاي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي ما أنبتت الأرض للانعام، أبيت وليس لي شئ، وليس أحد أغنى مني.

وسليمان بن داود وما أوتي من الملك إذ كان يأكل خبز الشهير، ويطعم أمه الحنطة، وإذا جنه الليل لبس المسوح، وغل يده إلى عنقه، وبات باكيا حتى يصبح، ويكثر أن يقول: رب إني ظلمت نفسي، فإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

فهؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه، تنزهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما أبغض، وصغروا ما صغر، ثم اقتص الصالحون آثارهم

وسلكوا منهاجهم، وألطفوا الفكر، وانتفعوا بالعبر، وصبروا في هذا العمر القصير من متاع الغرور الذي يعود إلى الفناء، ويصير إلى الحساب.

نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا، ولم ينتظروا إلى أولها، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، وفكروا في مرارة عاقبتها، فلم يستمرئهم حلاوة عاجلها ثم الزموا أنفسهم الصبر، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها، فكل من مر بها أمسك على فيه، فهم يتبلغون بأدنى البلاغ، ولا ينتهون إلى الشبع من النتن، ويتعجبون من الممتلي منها شبعا، والراضي بها نصيبا.

إخواني! والله لهي في العاجلة والاجلة - لمن ناصح نفسه في النظر، وأخلص لها الفكر - وأنتن من الجيفة، وأكره من الميتة، غير أن الذي نشأ في دباغ الإهاب لا يجد نتنه، ولا تؤذيه رائحته، ما تؤذي المار به، والجالس عنده، وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه بأن من مات وخلف سلطانا عظيما، سره أنه عاش فيها سوقة خاملا، أو كان فيها معافا سليما سره أنه كان فيها مبتلى ضريرا، فكفى بهذا على عورتها والرغبة عنها دليلا.

والله لو أن الدنيا كانت من أراد منها شيئا وجده حيث تنال يده من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب، ولا ظعن ولا دأب، غير أن ما أخذ منها من شئ لزمه حق الله فيه، والشكر عليه، وكان مسؤولا عنه محاسبا به، لكان يحق على العاقل أن لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه، حذرا من السؤال، وخوفا من الحساب وإشفاقا من العجز عن الشكر، فكيف بمن تجشم في طلبها من خضوع رقبته، ووضع خده، وفرط عنائه، والاغتراب عن أحبابه، وعظيم أخطاره، ثم لا يدري ما آخر ذلك؟ الظفر أم الحنيبة؟.

إنما الدنيا ثلاثة أيام: يوم مضى بما فيه فليس بعائد، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه، ويوم لا تدري أنت من أهله، ولعلك راحل فيه، أما اليوم الماضي

فحكيم مؤدب، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودع، وأما غدا فإنما في يديك منه الأمل، فان يكن أمس سبقك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك، فقد كان طويل الغيبة عنك، وهو سريع الرحلة فترود منه وأحسن وداعه.

خذ بالثقة من العمل، وإياك والاغترار بالامل، ولا تدخل عليك اليوم هم غد، يكفي اليوم همه، وغدا داخل عليك بشغله، إنك إن حملت على اليوم هم غد زدت في حزنك وتعبك، وتكلفت أن تجمع في يومك ما يكفيك أياما فعظم الحزن وزاد الشغل، واشتد التعب، وضعف العمل للأمل ولو أخليت قلبك من الأمل لجددت في العمل، والأمل الممثل في اليوم غدا أضرك في وجهين: سوفت به العمل وزدت به في الهم والحزن.

أولا ترى أن الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة مضت، وساعة بقيت، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فلست تجد لرخائهما لذة ولا لشدتهما ألما فأنزل الساعة الماضية، والساعة التي أنت فيها منزلة الضيفين نزلا بك، فظعن الراحل عنك بذمه إياك، وحل النازل بك بالتجربة لك، فاحسانك إلى الثاوي يمحو إساءتك إلى الماضي، فأدرك ما أضعت به عتابك مما استقبلت، واحذر أن تجمع عليك شهادتهما فيوبقاك.

ولو أن مقبورا من الأموات قيل له: هذه الدنيا أولها إلى آخرها تخلفها لولدك الذي لم يكن لك هم غيره، أو يوم نرده إليك فتعمل فيه لنفسك؟ لاختار يوما يستعتب فيه من سيئ ما أسلف على جميع الدنيا به يورثها ولدا خلفه، فما يمنعك أيها المغتر المضطر المسوف أن تعمل على مهل، قبل حلول الأجل، وما يجعل المقبور أشد تعظيما لما في يديك منك، الا تسعى في تحرير رقبتك، وفكاك رقك ووقاء نفسك من النار التي عليها ملائكة غلاظ شداد.

وقال عليه السلام: أوصيكم عباد الله بتقوى الله عز وجل واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله عز وجل في هذه الأيم الخالية، بجليل ما يشقى عليكم به الفوت

بعد الموت، وبالرفض لهذه [الدنيا] التاركة لكم، وإن لم تكونوا تحبون تركها والمبلية لكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأموا علما، فكأن قد بلغوه، وكم عسى من المجري إلى الغاية أن يجري حتى يبلغها، فكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، ومن ورائه طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها.

فلا تتنافسوا في [عز] الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فان عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال، وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى فناء.

أو ليس لكم في آثار الأولين [مزدجر] وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقي منكم لا يبقون؟ قال الله عز وعلا " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " الآية والتي بعدها، وقال عز وجل " كل نفس ذائقة الموت وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ".

ألستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: ميت يبلى، وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعائد معود، وآخر بنفسه يجود، وطالب والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى اثر الماضي منا يمضي الباقي، فلله الحمد رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق ومرجع الأمور.

وقال عليه السلام: أما بعد فاني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت

بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وعمرت بالآمال، وتزينت بالغرور فلا تدوم نعمتها، ولا تفنى فجايعها، غدارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة أكالة غوالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها كما قال الله عز وجل: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا ".

مع أن امرءا لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته منها بعد بعبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا أعطته من ضرائها ظهرا، ولم يطله فيها ديمة رخاء، إلا هتنت عليه منها مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت لك متحبرة، أن تمسي لك متنكرة وان جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمر عليه جانب فأوبى، وإن آنس إنسان من غضارتها رغبا، أرهقته من بوائقها تعبا، غرارة غرور ما فيها، فان من عليها، ولم يمس امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في جوف خوف لا خير في شئ من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يوبقه، ومن استكثر منها لم تدم له وزالت عنه.

كم واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها صرعته، وذي خدع فيها خدعته وكم من ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة فيها قد ردته خائفا فقيرا وكم من ذي تاج قد أكبته لليدين والفم، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، وملكها مسلوب

وعزيزها مغلوب، وضيفها منكوب، وجارها محروم، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي إلهكم الحكم ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

ألستم في مساكن من كان قبلكم؟ كانوا أطول منكم أعمارا، وأبقى منكم آثارا، وأعد منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، وأشد منكم عنودا، تعبدوا للدنيا اي تعبد، وآثروها أي إيثار، ثم ظعنوا عنها بالصغار، وهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية، أو عدت عنهم فيما أهلكتهم به بخطب، بل أوهنتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمناخر، وأعانها عليهم ريب المنون.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.