پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

باب حب الدنيا وذمها، وبيان

ج ۷۰، ص ۵۶–۸۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۹

والهمزة في " ألا " للاستفهام و " لا " للنفي و " من " زائدة لعموم النفي والمعنى الا يوجد صبار كريم النفس، يصبر على الدنيا، وعلى فقرها وشدتها، ويزهد فيها وقد يقرء " صبار " بكسر الصاد وتخفيف الباء، مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم، وقرء بعضهم ألا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال، ويصبر على الحرام وعلى إخراج الحقوق المالية وإعانة الفقراء فان الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة وأول الوجوه أظهرها.

ثم رغب عليه السلام في الزهد وسهل تحصيله بقوله: " فإنما هي " اي الدنيا " أيام قلائل " وهي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات وتحمل الملاذ فيها سهل يسير سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة " الا إنه " الا حرف تنبيه وشبه حصول الايمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بادراك طعم شئ لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية.

قوله: " إذا تخلى المؤمن من الدنيا " أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا وقطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا ومعرضا عنها قال في النهاية:

فيه: أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، التخلي التفرع، يقال تخلى للعبادة وهو تفعل من الخلو والمراد التبرؤ من الشرك وعقد القلب على الايمان، وقال:

السمو العلو يقال سما يسمو سموا فهو سام، ويقال: فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها انتهى اي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال أو مال وارتفع إلى عالم الملكوت وارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت.

" كأنه قد خولط " قال في القاموس: خالطه مخالطة وخلاطا مازجه، والخلاط

بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط، وفي النهاية فيه ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا، ولكن خالط قلبهم هم عظيم، يقال: خولط فلان في قلبه إذا اختل عقله، فقوله: خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة، وهذا أعلا درجات المحبين، حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم، وأخرج حب كل شئ غيره منها، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى، ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره أطوارهم، فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الأنبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك.

" إن القلب إذا صفا " اي أن القلب اي الروح الانساني لما كان من عالم الملكوت، وإنما اهبط إلى هذا العالم الأدنى أو ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات، وحيازة السعادات - كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشد بياضا وأصفى مما كان - فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية، لحق بالانعام، بل هو أضل سبيلا، وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة، وعمل بالنواميس الإلهية، والرياضات البدنية، حتى انفتح له عين اليقين، فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة، رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية، والصفات الدنية استوحش منها وتذكر عالمه الأصلي فرغب إليها، وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم، وآنس بالمتعلقين بالملاء الاعلى، فلحق بهم، وضاقت به الأرض، وصارت همته رفيعة عالية، فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملاء الاعلى، ويستسعدون بقرب المولى.

أو يقال: لما كانت الأرض أعظم اجزاء الانسان، وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع، لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة والبواعث إلى لذاتها ظاهرة، فربما اشتغل بها واكتسب الأخلاق والأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد، حتى تصير النفس تابعة لها، راضية بأثرها، مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات، منغمسة في اللذات، فتحجب الاستقرار في الأرض، وتركن

إليها، وأما إذا منعت تلك القوى عن مقتضاها، وصرفتها عن هواها، وروضتها بمقامع الشريعة، وأدبتها بآداب الطريقة، حتى غلبت عليها، وصفت عن كدوراتها وطهرت عن خبائث لذاتها، وتحلت بالأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة والآداب السنية، والأطوار الرضية، ضاقت بها الأرض حتى تسمو إلى عالم النور، فتشاهد العالم الاعلى بالعيان، وتنظر إلى الحق بعين العرفان، ويزداد لها نور الايمان والايقان، فتعاف جملة الدنيا، والاستقرار في الأرض، فبدنها في هذه الدنيا، وهي في العالم الاعلى، فيصير كما قال عليه السلام: لولا الآجال التي كتبت عليهم لم يستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، ولذا قال مولى المؤمنين عند الشهادة: فزت ورب الكعبة.

29 - الكافي: عن علي [عن أبيه] عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل، فقال: ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله أفضل من بغض الدنيا، وإن لذلك لشعبا كثيرة، وللمعاصي شعبا: فأول ما عصي الله به الكبر وهي معصية إبليس حين " أبى واستكبر و كان من الكافرين " والحرص وهي معصية آدم وحوا حين قال الله عز وجل لهما: " كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيمة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه، ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله.

فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو و [حب] الثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا

رأس كل خطيئة، والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.

بيان: " وإن لذلك " أي لبغض الدنيا " لشعبا " اي من الصفات الحسنة والأعمال الصالحة وهي ضد شعب المعاصي، كالتواضع مع الكبر، والقنوع مع الحرص، والرضا بما آتاه الله مع الحسد، وقد مر ذكر الأضداد كلها في باب جنود العقل والجهل، وإنما ذكر هنا معظمها " وهي معصية آدم " هي عند الإمامية مجاز، والنهي عندهم نهي تنزيه " فدخل ذلك " أي الحرص أو أخذ ما لا حاجة به إليه " وذلك أن أكثر ما يطلب " إنما قال: أكثر لان قدر الكفاف لا بد منه " فتشعب من ذلك " أي من ذلك المذكور، وهو الكبر والحرص والحسد والتخصيص بالحسد بعيد معنى.

" حب النساء " أي لمحض الشهوة لا لاتباع السنة، أو إذا انتهى إلى الحرام والشبهة " وحب الدنيا " اي حياة الدنيا وكراهة الموت، لئلا ينافي اجتماعهن في حب الدنيا، وإن احتمل أن يكون المراد اجتماع الخمسة أو الظرفية المجازية " وحب الرياسة " أي بغير استحقاق أو الباطلة أو لمحض الاستيلاء والغلبة " وحب الراحة " كأن النوم أيضا داخل فيها " وحب الكلام " اي بغير فائدة أو للفخر والمراء " وحب العلو " أي في المجالس أو الأعم " وحب الثروة " أي الكثرة في الأموال أو الأعم منها ومن الأولاد والعشاير والاتباع، وروى في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أول ما عصى الله به ست: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الطعام، وحب النساء وحب النوم، وحب الراحة.

قوله عليه السلام: " والعلماء " أي الأوصياء أو الأعم وقولهم إما بالوحي أو بعلومهم الكاملة، ثم لما كان هنا مظنة أن ارتكاب كل ما في الدنيا مذموم قسم عليه السلام الدنيا إلى دنيا بلاغ أي تبلغ به إلى الآخرة ويحصل بها مرضاة الرب تعالى، أو دنيا تكون بقدر الضرورة والكفاف، فالزائد عليها ملعونة، اي ملعون

صاحبها، فالاسناد على المجاز أو هي ملعونة أي بعيدة من الله والخير والسعادة قال في النهاية: البلاغ ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشئ المطلوب، وفي المصباح البلغة ما يتبلغ به من العيش ولا يفضل، يقال: تبلغ به إذا اكتفى به، وفي هذا بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفاية.

30 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة وفي طلب الآخرة إضرارا بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنها أحق بالاضرار.

بيان: يومى إلى أن المذموم من الدنيا ما يضر بأمر الآخرة، فأماما لا يضر به كقدر الحاجة في البقاء والتعيش فليس بمذموم ولنذكر معنى الدنيا وما هو مذموم منها، فان ذلك قد اشتبه على أكثر الخلق، فكثير منهم يسمون أمرا حقا بالدنيا ويذمونه، ويختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة، ويسمونه زهدا ويشبهون ذلك على الجاهلين.

اعلم أن الدنيا تطلق على معان الأول حياة الدنيا وهي ليست بمذمومة على الاطلاق، وليست مما يجب بغضه وتركه، بل المذموم منها أن يحب البقاء في الدنيا للمعاصي والأمور الباطلة، أو يطول الأمل فيها ويعتمد عليها، فبذلك يسوف التوبة والطاعات، وينسى الموت، ويبادر بالمعاصي والملاهي، اعتمادا على أنه يتوب في آخر عمره عند مشيبه، ولذلك يجمع الأموال الكثيرة، ويبنى الأبنية الرفيعة، ويكره الموت لتعلقه بالأموال، وحبه للأزواج والأولاد، ويكره الجهاد والقتل في سبيل الله، لحبه للبقاء، أو يترك الصوم وقيام الليل وأمثال ذلك لئلا يصير سببا لنقص عمره.

والحاصل أن من يحب العيش والبقاء والعمر للأغراض الباطلة، فهو مذموم ومن يحبه للطاعات وكسب الكمالات وتحصيل السعادات فهو ممدوح، وهو عين الآخرة فلذا طلب الأنبياء والأوصياء عليهم السلام طول العمر والبقاء في الدنيا، وقد قال

سيد الساجدين: عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك. ولو لم يكن الكون في الدنيا صلاحا للعباد، لتحصيل الذخاير للمعاد، لما أسكن الله الأرواح المقدسة في تلك الأبدان الكثيفة، وسيأتي خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، وسنتكلم عليها إنشاء الله تعالى.

الثاني: الدينار والدرهم وأموال الدنيا وأمتعتها، وهذه أيضا ليست مذمومة بأسرها بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها وما يلهي عن ذكر الله ويمنع عبادة الله، أو يحبها حبا لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة، وفي سبل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ".

وبالجملة المذموم من ذلك الحرص عليها وحبها، وشغل القلب بها، والبخل بها في طاعة الله وجعلها وسيلة لما يبعد عن الله، وأما تحصيلها لصرفها في مرضاة الله وتحصيل الآخرة بها فهي من أفضل العبادات وموجبة لتحصيل السعادات.

وقد روي في الصحيح عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا لنحب الدنيا فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي، وأنيل إخواني وأتصدق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة.

وقد روي نعم المال الصالح للعبد الصالح ونعم العون الدنيا على الآخرة وسيأتي بعض الأخبار في ذلك في أبواب المكاسب إنشاء الله تعالى.

الثالث: التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمركوبات والمساكن الواسعة وأشباه ذلك، وقد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك، ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو إسراف وتبذير وفي ذم تركها والرهبانية، وقد قال تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ".

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الآيات والاخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور يمنع الانسان من طاعة الله وحبه، وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرة ضرتان متقابلتان، فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال، لامره تعالى به وصرفها في وجوه البر، وإعانة المحتاجين والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك، فان هذه كلها من أعمال الآخرة، وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا.

والرياضات المبتدعة، والأعمال الريائية، وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة فإنها من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه، كأعمال الكفار والمخالفين، فرب مترهب متقشف يعتزل الناس ويعبد الله ليلا ونهارا، وهو أحب الناس للدنيا، وإنما يفعل ذلك ليخدع الناس ويشتهر بالزهد والورع وليس في قلبه إلا جلب قلوب الناس، ويحب المال والجاه والعزة، وجميع الأمور الباطلة أكثر من ساير الخلق، وجعل ترك الدنيا ظاهرا مصيدة لتحصيلها، ورب تاجر طالب للاجر لا يعده الناس شيئا وهو من الطالبين للآخرة لصحة نيته وعدم حبه للدنيا.

وجملة القول في ذلك أن المعيار في العلم بحسن الأشياء وقبحها وما يجب فعلها وتركها الشريعة المقدسة، وما صدر في ذلك عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، فما علم من الآيات والاخبار أن الله سبحانه أمر به وطلبه من عباده، سواء كان صلاة أو صوما أو حجا أو تجارة أو زراعة أو صناعة أو معاشرة للخلق أو عزلة أو غيرها وعملها بشرائطها وآدابها بنية خالصة فهي من الآخرة وما لم يكن كذلك فهو من الدنيا المذمومة المبعدة عن الله وعن الآخرة.

وهي على أنواع فمنها ما هو حرام، وهو ما يستحق به العقاب، سواء كان عبادة مبتدعة أو رياء وسمعة أو معاشرة الظلمة أو ارتكاب المناصب المحرمة أو تحصيل

الأموال من الحرام أو للحرام وغير ذلك مما يستحق به العقاب.

ومنها ما هو مكروه كارتكاب الافعال والأعمال والمكاسب المكروهة وكتحصيل الزوائد من الأموال والمساكن والمراكب وغيرها مما لم يكن وسيلة لتحصيل الآخرة، وتمنع من تحصيل السعادات الأخروية.

ومنها ما هو مباح كارتكاب الأعمال التي لم يأمر الشارع بها، ولم ينه عنها إذا لم تصر مانعة عن تحصيل الآخرة، وإن كانت نادرة، ويمكن إيقاع كثير من المباحات على وجه تصير عبادة كالأكل والنوم للقوة على العبادة، وأمثال ذلك وربما كان ترك المباحات بظن أنها عبادة بدعة موجبة لدخول النار، كما يصنعه كثير من أرباب البدع.

31 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:

حدثني بما انتفع به، فقال: يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا.

بيان: كأن المراد بذكر الموت تذكر ما بعده من الأهوال والشدائد والحسرات أيضا، ولن كان تذكر الموت وفناء الدنيا كافيا لزهد العاقل.

32 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحكم بن أيمن، عن داود الابزاري قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ملك ينادي كل يوم: ابن آدم لد للموت، واجمع للفناء، وابن للخراب.

بيان: " لد للموت " اللام لام العاقبة، كما في قوله تعالى: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " والامر ليس على حقيقته بل الغرض اعلموا ان ولادتكم عاقبتها الموت.

33 الكافي: بالاسناد المتقدم، عن علي بن الحكم، عن موسى بكر، عن أبي -

إبراهيم عليه السلام قال: قال أبو ذر رحمه الله: جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما وأرتدي بالأخرى.

بيان: " جزى الله الدنيا عني مذمة " قوله: " مذمة " مفعول ثان لجزى اي يوفقني لان أجزيه، وقيل: أحال الذم إلى الله نيابة عنه للدلالة على كمال ذمه، فان كل فعل من الفاعل القوي قوي وفي النهاية: الشملة كساء يتغطى به ويتلفف فيه انتهى ويدل على جواز لبس الصوف بل استحبابه، وما ورد بالنهي والذم فمحمول على المداومة عليه أو على ما إذا لم يكن للقناعة، بل لاظهار الزهد والفضل، كما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضي الله عنه: يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون أن لهم بذلك الفضل على غيرهم، وسيأتي الكلام فيه في أبواب التجمل إنشاء الله تعالى.

34 - الكافي: بالاسناد المتقدم، عن علي بن الحكم، عن المثنى، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يقول في خطبته: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره، ويضر شره، إلا من رحم الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والآخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها، ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عز وجل، فإنك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغى العلم.

بيان: " يا مبتغي العلم " اي يا طالبه " كأن شيئا من الدنيا " هذا يحتمل وجوها الأول أن يكون إلا في قوله: " إلا ما ينفع " كلمة استثناء، وما موصولة فالمعنى أنما يتصور في هذه الدنيا إما شئ ينفع خيره أو شئ يضر شره كل أحد " إلا من رحم الله " فيغفر له إما بالتوبة أو بدونها.

الثاني أن يكون مثل السابق إلا أنه يكون المعنى أن كل شئ في الدنيا له جهة نفع وجهة ضر لكل الناس إلا من رحم الله فيوفقه للاحتراز عن جهة شره.

الثالث أن يكون كلمة " ما " مصدرية، والاستثناء من مفعول " يضر " اي ليس شئ من الدنيا شيئا إلا نفع خيره وإضرار شره لكل أحد إلا من رحم الله.

الرابع ما قيل: أن " ألا " بالتخفيف حرف تنبيه، و " ما " نافية والضميران للشئ ومعنى الاستثناء أن المرحوم ينتفع بخيره، ولا يتضرر من شره، وقيل في بيان هذا الوجه يعني أن شيئا من الدنيا ليس شيئا يعتد به، ويركن إليه العاقل، لأنه إما خير أو شر، وخيره لا ينفع لأنه في معرض الفناء والزوال، وشره يضر إلا مع رحمة الله، وهو الذي عصمه من الشر.

الخامس أن كلمة " ما " مصدرية وضمير " خيره " راجعا إلى " شيئا من الدنيا " والإضافة من قبيل إضافة الجزء إلى الكل والاستثناء من مفعول " يضر " اي كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا نفع الطاعة فيه، أو إضرار المعصية فيه كل أحد إلا من رحم الله بتوفيق التوبة، وهذا يرجع إلى المعنى الثالث، وعلى جميع التقادير الاستثناء الثاني مفرغ.

" عن نفسك " أي عن تحصيل ما ينفعها في يوم لا ينفع مال ولا بنون وقد قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " والمراد بالأهل هنا أعم من الزوجة والأولاد، وساير من في بيته، بل يشمل الأقارب أيضا قال الراغب: أهل الرجل من جمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد وضيعة فأهل الرجل في الأصل من جمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل:

أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وعبر بأهل الرجل عن امرأته وأهل الاسلام الذين يجمعهم.

قوله: " كمنزل " أي كمنزلين تحولت من إحداهما إلى الاخر، والتصريح

بتشبيه الدنيا للإشارة إلى أن الاهتمام هنا ببيان حاله أشد وأكثر، والضمير في " نمتها " راجع إلى النومة، فهو بمنزلة مفعول مطلق، وهذا بالنسبة إلى المستضعفين وكأن التخصيص بذكرهم لان المتقين بعد الموت في النعيم والجنة، والكفار في العذاب والنار، فليس بين الدنيا والآخرة لهما فاصلة، فيتحولون من الدنيا إلى الآخرة، كما روي: من مات فقد قامت قيامته.

وأما المستضعفون فلما كانوا ملهى عنهم، استدرك ذلك بأن حالهم في البرزخ كنوم ليلة، فلا فاصلة بين دنياهم وآخرتهم حقيقة، ويحتمل أن يكون الغرض بيان قلة نعيم البرزخ وجحيمها بالنسبة إلى نعيم الآخرة وحميمها، فكأنهم نائمون أو لان جل عذابهم بعد السؤال والضغطة وأمثالهما لما كان روحانيا شبه تلك الحالة بالنومة، ولم يتعرض أحد لتحقيق هذه الفقرة، مع إشكالها ومخالفتها ظاهرا للآيات والأخبار الكثيرة.

قوله رحمه الله: " قدم " اي العمل الصالح " لمقامك بين يدي الله عز وجل " أي للحساب " كما تدين تدان " اي كما تفعل تجازى، فهو على المشاكلة ولا يضر تقدمه، أو كما تجازي الرب تجازى، ولا تخلو من بعد، أو كما تجازي العباد تجازي، فيكون تأسيسا، قال الجوهري: دانه دينا اي جازاه، كما يقال: كما تدين تدان، اي كما تجازي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تعالى " إنا لمدينون " اي مجزيون.

" يا مبتغي العلم " قيل هذا افتتاح كلام آخر تركه المصنف وإنما ذكر ليعلم أن ما ذكره ليس جميع الخطبة كما مر بعضه في باب الصمت حيث قال رضي الله عنه: يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير الخ.

35 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن

ابن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي والدنيا؟ [وما أنا والدنيا؟] إنما مثلي ومثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها ثم راح وتركها.

بيان: " مالي وللدنيا " أي اي شغل لي مع الدنيا وقيل " ما " نافية أي ما لي محبة مع الدنيا، أو للاستفهام اي أي محبة لي معها حتى ارغب فيها ذكره الطيبي في شرح بعض رواياتهم " وما أنا والدنيا؟ " اي اي مناسبة بيني وبين الدنيا، ومن طريق العامة روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله نام على حصير فقام وقد اثر في جسده، فقالوا: لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: مالي وللدنيا؟

وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح أو تركها .

أقول: وجه الشبه سرعة الرحيل، وقلة المكث، وعدم الرضا به وطنا، وقال الكرماني في شرح البخاري فيه فرفعت لنا صخرة اي ظهرت لابصارنا، وفيه أيضا فرفع إلى البيت المعمور اي قرب وكشف وعرض.

وقال الجوهري: يوم صائف اي حار وليلة صائفة، وربما قالوا يوم صاف بمعنى صائف كما قالوا يوم راح، وقال: القائلة الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد يكون بمعنى القيلولة أيضا وهي النوم في الظهيرة تقول: قال يقيل قيلولة وقيلا ومقيلا وهو شاذ فهو قائل.

وفي المصباح راح يروح رواحا وتروح مثله، يكون بمعنى الغدو وبمعنى الرجوع، وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، وقال ابن فارس: الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى الليل.

36 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الأزدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما.

قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: وكان فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبق ما جمعوا، ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا، فأوف عملك، واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر، فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها، وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر، أخربها ولا تعمرها، فإنك لم تؤمر بعمارتها.

واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك مما اكتسبته، وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فان قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك، واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد.

بيان: قال في المصباح: القز معرب قال الليث: هو ما يعمل منه الإبريسم ولهذا قال بعضهم: القز والإبريسم مثل الحنطة والدقيق انتهى، و " لفا " تميز عن نسبة " ازدادت " و " غما " مفعول له، أو حال. " فلم يبق ما جمعوا " في بعض النسخ " ما جمعوا له " وكأنه زيد " له " من النساخ، وعلى تقديره كأن المعنى لم يبق الأغراض والمطالب الباطلة التي جمعوا لها الدنيا، كالجاه والعزة والغلبة والفخر وأمثالها.

" فكان حتفها " اي هلاكها المعنوي فان التمتع بالمستلذات الجسمانية موجبة لقوة القوى الشهوانية وطغيانها، وهذا استعاره تمثيلية، شبه توسع الانسان في لذات الدنيا وشهواتها، وعدم مبالاته بحرامها وشبهاتها، وابتلائه بعد الموت بعقوباتها، بشاة وقعت في زرع اخضر فأكلت منها حيث شاءت وكيف شاءت بلا مانع، حتى إذا سمنت قتلها صاحبها لسمنها.

" آخر الدهر " اي إلى آخر الزمان اي أبدا " أخربها " اي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن والاقتصار على القدر الضروري في كل منها " ستسأل " قيل: السين لمحض التأكيد " فيما أبليته " كلمة ما في المواضع الأربعة استفهامية، وإثبات الألف مع حرف الجر فيها شاذ، والثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس.

ثم إن العمر لا يستلزم القوة والشباب فكل منهما نعمة يسأل عنها، ومع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما.

وأما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب إلى أهل مصر: من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا والآخرة، وكفاه المهم فيهما وقد قال الله " يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال الله تعالى:

" للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " والحسنى هي الجنة، والزيادة هي الدنيا.

وروى البرقي في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه وقد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى: " ولتسئلن يومئذ عن النعيم " أن النعيم ولاية أهل البيت عليهم السلام وقد روى العياشي وغيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام، والماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك

بين يديه، قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر.

ويمكن أن يقال: السؤال عن مال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال أو حرام لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال، من مأكلهم ومسكنهم وملبسهم، ونحو ذلك، أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك، ولا يقاص من حسناتهم بها، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يوقف العبد بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله، فتستغرق النعم العمل، فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول هبوا له نعمي وقيسوا بين الخير والشر منه، فان استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، وأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه فضل وهو من أهل التقوى لم يشرك بالله تعالى واتقى الشرك به، فهو من أهل المغفرة، يغفر الله له برحمته إن شاء ويتفضل عليه بعفوه.

وقال الجوهري: تأهب استعد واهبة الحرب عدتها، وقال: الأسى بالياء مفتوح مقصور: الحزن وأسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى اي حزن " لا يدوم بقاؤه " والعاقل لا يتأسف بفوت قليل لابقاء له " لا يؤمن بلاؤه " أي في الدنيا والآخرة والعاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر والبلية، مع أن الرب الذي فوتهما عليه أعلم بمصلحته أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا وقلته سهل، فإنه لا يدوم، وينقضي قريبا بالموت والكثرة محل الآفات.

" فخذ حذرك " بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس والشيطان في الدنيا

والعذاب في الآخرة، قال الراغب في قوله تعالى: " خذوا حذركم " اي ما فيه الحذر من السلاح وغيره " وجد في أمرك " أي في تهيئة سفر الآخرة، والاستعداد للقاء الله، من العقايد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق المرضية، فان من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق، ويجهز ويهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر.

" واكشف الغطاء عن وجهك " أي أرفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك، لتميز بين الحق والباطل، والفاني والباقي، أو عن الجهة التي تتوجه إليه والطريق الذي تسلكه، لئلا يشتبه عليك، فتسلك طريقا يؤديك إلى النار وأنت لا تعلم " وتعرض لمعروف ربك " بما به يستحق إحسانه وتفضله عليك، من صالح النيات والأعمال " وجدد التوبة في قلبك " اي كلما ذكرت معاصيك، وفي النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي وهي الندامة على ما مضى، والعزم على عدم الاتيان بمثله فيما سيأتي، وفيه دلالة على حسن تكرار التوبة، وإن كانت عن معصية واحدة، " واكمش " أي أسرع وعجل، في الصحاح الكمش الرجل السريع الماضي، وقد كمش بالضم كماشة فهو كمش وكميش وكمشته تكميشا أعجلته، وانكمش وتكمش أسرع انتهى.

" في فراغك " أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا، وجعلك نفسك فارغة منها للآخرة، أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلى بشئ يمنعك عنه، فان الفراغ خلاف الشغل قال في المصباح: فرغ من الشغل فروغا من باب قعد ومن باب تعب لغة لبني تميم، والاسم الفراغ، وفرغت للشئ وإليه قصدت.

أقول: ويؤيد المعنى الأخير ما روي في مجالس الشيخ عن ابن عمر خذ من حياتك لموتك، وخذ من صحتك لسقمك، وخذ من فراغك لشغلك، فإنك يا عبد الله ما تدري

ما اسمك غدا وما رواه الصدوق في مجالسه عن الكاظم، عن آبائه، عن علي عليهم السلام في قول الله عز وجل " ولا تنس نصيبك " قال: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة " قبل أن يقصد " على بناء المجهول " قصدك " أي نحوك، كناية عن توجه ملك الموت إليه لقبض روحه أو توجه الأمراض والبلايا من الله إليه " ويقضى قضاؤك " اي يقدر ويحتم موتك، " ويحال " بالموت أو الأعم " بينك وبين ما تريد " من التوبة والأعمال الصالحة ولا ينفعه تمني الحياة والرجعة حيث يقول " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " فيقال " كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " أعاذنا الله وسائر المؤمنين من ندامة تلك الساعة وأهوال هذا اليوم.

37 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في ما ناجى الله عز وجل به موسى عليه السلام يا موسى لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين، وركون من اتخدها أبا وأما، يا موسى لو وكلتك إلى نفسك لتنظر إليها إذا لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها، يا موسى نافس في الخير واسبقهم إليه، فان الخير كاسمه، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عينك إلى كل مفتون بها، وموكل إلى نفسه، واعلم أن كل فتنة بدوها حب الدنيا، ولا تغبط أحدا بكثرة المال، فان مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق، ولا تغبطن أحدا برضى الناس عنه، حتى تعلم أن الله راض عنه، ولا تغبطن أحدا بطاعة الناس له، فان طاعة الناس له واتباعهم إياه على غير الحق هلاك له ولمن اتبعه.

بيان: يقال ركن إليه كنصر وعلم ومنع: مال ويطلق غالبا على الميل القلبي

" لو وكلتك " يدل على أن الزهد في الدنيا لا يحصل بدون توفيقه تعالى، وفي القاموس نظر لهم: رثى لهم وأعانهم، وقال: النظر محركة الفكر في الشئ تقدره وتقيسه والحكم بين القوم، والإعانة، والفعل كنصر، وفي النهاية: المنافسة الرغبة في الشئ والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه، ونافست في الشئ منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه.

قوله عليه السلام: " فان الخير كاسمه " لعل المعنى أن الخير لما دل بحسب أصل معناه في اللغة على الأفضلية، وما يطلق عليه في العرف والشرع من الأعمال الحسنة أو إيصال النفع إلى الغير هي خير الأعمال، فالخير كاسمه أي إطلاق هذا الاسم على تلك الأمور بالاستحقاق، والمعنى المصطلح مطابق للمدلول اللغوي أو المراد به أن الخير لما كان كل من سمعه يستحسنه فهو حسن واقعا وحسنه حسن واقعي والحاصل ان ما يحكم به عقول عامة الخلق في ذلك مطابق للواقع، أو المراد باسمه ذكره بين الناس يعني أن الخير ينفع في الآخرة كما يصير سببا لرفعة الذكر في الدنيا.

" ما بك الغنا عنه " اي ما لم يحتج إليه بل لم تضطر إليه " ولا تنظر " على بناء المجرد " عينك " بالرفع أو النصب بنزع الخافض اي بعينك وربما يقرء " تنظر " على بناء الافعال اي لا تجعلها ناظرة " إلى كل مفتون بها " اي مبتلى مخدوع بها والمراد النظر إلى كل من لقيه منهم فإنه لا يمكن النظر إلى كلهم أو كناية عن أن النظر إلى واحد منهم بالاعجاب به وبما معه من زينتها بمنزلة النظر إلى جميعهم لاشتراك العلة.

" وموكل إلى نفسه " المتبادر أنه على بناء المفعول، لكن الظاهر حينئذ وموكول إذ لم يأت أو كله في ما عندنا من كتب اللغة لكن كثير من الأبنية المتداولة كذلك، ويمكن أن يقرء على بناء الفاعل من الايكال بمعنى الاعتماد في القاموس وكل بالله يكل وتوكل عليه وأوكل واتكل: استسلم إليه ووكل إليه الامر وكلا ووكولا سلمه وتركه.

" أن كل فتنة " أي ضلالة أو بلية أو امتحان أو إثم في القاموس: الفتنة بالكسر

الخبرة وإعجابك بالشئ، والضلال، والاثم، والكفر، والفضيحة ، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والاضلال، والجنون، والمحنة، والمال والأولاد، واختلاف الناس في الآراء وأقول يناسب هنا أكثر المعاني، " ولا تغبط أحدا " بأن تتمنى حاله " تكثر الذنوب " بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل " لواجب الحقوق " أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا " بطاعة الناس له " اي في الباطل.

38 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في كتاب علي صلوات الله عليه: إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل.

بيان: قال في النهاية: السم الناقع أي القاتل وقد نقعت فلانا إذا قتلته، وقيل الناقع الثابت المجتمع من نقع الماء انتهى، وما أحسن هذا التشبيه وأتمه وأكمله.

39 - الكافي: عن علي، عن ابن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض أصحابه يعظه: أوصيك ونفسي بتقوى من لا تحل معصيته ولا يرجى غيره ولا الغنى إلا به، فان من اتقى الله عزو قوي وشبع وروي ورفع عقله عن أهل الدنيا فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة فأطفأ بضوء قلبه ما بصرت عيناه من حب الدنيا فقذر حرامها، وجانب شبهاتها، وأضر والله بالحلال الصافي إلا ما لا بد منه من كسرة يشد بها صلبه، وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه، ولم يكن له في ما لا بد منه ثقة ولا رجاء فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء فجد واجتهد وأتعب بدنه حتى بدت الأضلاع، وغارت العينان، فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه، وشدة في عقله، وما ذخر له في الآخرة أكثر.

فارفض الدنيا فان حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غدا وبعد غد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني

والتسويف، حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون.

فانقطع إلى الله بقلب منيب: من رفض الدنيا، وعزم ليس فيه انكسار، ولا انخزال، أعاننا الله وإياك على طاعته، ووفقنا الله وإياك لمرضاته.

بيان: قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والعظة والموعظة الاسم، وقال: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، من قولهم ارض واصية متصلة النبات، ويقال: أوصاه ووصاه " فان من اتقى الله " علة للوصية " عز " اي بعزة واقعية ربانية لا تزول باذلال الناس كما قال تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " " وقوي " بقوة معنوية إلهية لا تشبه القوى الدنية، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، بل بقوة ربانية " وشبع وروي " من غير اكتساب لقوله تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " أو شبع بالعلوم الدينية، وارتوى بزلال الحكمة الإلهية.

" ورفع عقله " على بناء المجهول " عن أهل الدنيا " أي صار عقله أرفع من عقولهم أو ارفع من أن ينظر إلى الدنيا وأهلها، ويلتفت إليهم ويعتني بشأنهم إلا لهدايتهم وإرشادهم " فبدنه مع أهل الدنيا " لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية " وقلبه وعقله " لشدة يقينه " معاين الآخرة " لتخليته عن العلائق الجسمانية.

" من حب الدنيا " من للبيان أو للتبعيض وإسناد الابصار إلى الحب على المجاز أو المصدر بمعنى المفعول، أو هو بالكسر قال في القاموس: الحب بالكسر المحبوب، شبه عليه السلام ما أبصره أو أحبه بالنار في الاهلاك، استعارة مكنية، ونسبة الاطفاء إليه تخييلية.

" فقذر حرامها " اي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه، أو كرهه، في الصحاح القذر ضد النظافة، وشئ قذر بين القذارة، وقذرت الشئ بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته " وجانب شبهاتها " وهي المشتبهات بالحرام، مع عدم العلم بكونها حراما كأموال الظلمة، فيكون مكروها على المشهور أو الذي اشتبه عليه الحكم فيه، فاجتنابه مستحب على المشهور، وكأنه عليه السلام لذلك غير التعبير فعبر هنا بالاجتناب، وفي الحرام بالحكم بالقذارة.

" وأضر " على بناء المعلوم كناية عن تركه، وعدم الاعتناء به، وترك الالتفات إليه أو على بناء المجهول أي يعد نفسه متضررة به أو يتضرر به، لعلو حاله " بالحلال الصافي " من الشبهة فكيف بالحرام والشبهة، وفي المصباح الكسرة القطعة من الشئ المكسور، ومنه الكسرة من الخبز، وفي القاموس: الكسرة بالكسر القطعة من الشئ المكسور والجمع كسر، انتهى.

" يشد بها صلبه " أي يقوى بها على العبادة " من أغلظ ما يجد " ظاهره استحباب الاكتفاء بالثياب الخشنة، وإن ان قادرا على الناعمة، وهو مخالف لاخبار كثيرة إلا أن يحمل على أن المراد به من الأغلظ الذي يجده أي إذا لم يجد غيره أو على ما إذا لم يجد غيره إلا بارتكاب الحرام أو الشبهة أو بصرف جل أوقاته في تحصيله، بحيث يمنعه عن النوافل وفواضل الطاعات أو على ما إذا علم أنه يصير سببا لطغيانه، وأن علاج كبره وصفاته الذميمة منحصر في ذلك.

" ثقة ولا رجاء " أي بغيره سبحانه، كما بينه في الفقرة الآتية، وفي المصباح الجد بالكسر الاجتهاد، وهو مصدر يقال منه جد يجد من بابي ضرب وقتل والاسم الجد بالكسر " وأتعب بدنه " أي بالعبادات الشرعية لا الأعمال المبتدعة.

" فأبدل الله له " لأنه تعالى قال " لئن شكرتم لأزيدنكم " فمن بذل ما أعطاه الله من الأموال الفانية عوضه الله من الأموال الباقية اضعافها، ومن بذل قوته البدنية في طاعة الله أبدله الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا والآخرة، فتبدو منه

المعجزات، وخوارق العادات والكرامات، وما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانية ومن بذل علمه في الله وعمل به ورثه الله علما لدنيا يزيد في كل ساعة، ومن بذل عزه الفاني الدنيوي في [رضى الله تعالى أعطاه الله عزا حقيقيا لا يتبدل بالذل ابدا كما أن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام لما بذلوا عزهم الدنيوي في] سبيل الله أعطاهم الله عزة في الدارين لا يشبه عز غيرهم، فيلوذ الناس بقبورهم وضرايحهم المقدسة والملوك يعفرون وجوههم على أعتابهم، ويتبركون بذكرهم.

ومن بذل حياته البدنية في الجهاد في سبيله عوضه الله حياة أبدية يتصرفون بعد موتهم في عوالم الملك والملكوت، ولذا قال تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " ومن بذل نور بصره وسمعه في الطاعة أعطاه الله نورا منه به ينظر في ملكوت السماوات والأرض، وبه يسمع كلام الملائكة المقربين، ووحي رب العالمين، كما ورد: المؤمن ينظر بنور الله وورد: بي يسمع وبي يبصر، وإذا تخلى من إرادته وجعلها تابعة لإرادة الله، جعله بحيث لا يشاء إلا أن يشاء الله، وكان الله هو الذي يدبر في بدنه وقلبه وعقله وروحه والكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة والبيان، وفي هذا المقام تزل الاقدام.

والرفض الترك " يعمى " اي بصر القلب عن رؤية الحق كما قال تعالى " إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " " ويصم " القلب أيضا عن سماع الحق وقبوله، ويمكن أن يراد بهما عمى البصر الظاهر لعدم انتفاعه بما يرى فكأنه أعمى وصمم السمع الظاهر لأنه لا ينتفع بما يسمع، فكأنه أصم كما قال سبحانه " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " والبكم نسبته إلى الظاهر أظهر، فإنه لما لم يتكلم بالحق وبما ينفعه، فكأنه أبكم، وإن أمكن حمله أيضا على لسان القلب، فان لسان الرأس معبر عنه حقيقة.

" ويذل الرقاب " لأنه موجب للتذلل عند أهل الدنيا لتحصيله أو يذلها

لقبول الباطل من أهله من الذل بالكسر، وهو ضد الصعوبة " فتدارك ما بقي " التدارك ليس هنا بمعنى التلافي، ولا بمعنى التلاحق، بل بمعنى الادراك اي أدركه ولا تفوته كقوله تعالى: " لولا أن تداركه نعمة من ربه " اي أدركته بإجابة دعائه كما قاله الطبرسي، ويحتمل أن يكون ما بقي ظرفا والمفعول مقدرا اي تلاف ما فات منك فيما بقي من عمرك لكنه بعيد " ولا تقل غدا " أي أتوب أو أعمل غدا " حتى أتاهم أمر الله " أي بالموت أو بالعذاب " بغتة " بالفتح وقد تحرك أي فجاءة " وهم غافلون " من إتيانه " على أعوادهم " أي كائنين على السرر والتوابيت المعمولة من الأعواد " إلى قبورهم المظلمة الضيقة " فإنها على الأشقياء كذلك وإن كانت للأصفياء روضة من رياض الجنة " فانقطع " اي عن الدنيا وأهلها " بقلب " أي مع قلب " منيب " اي تائب راجع عن الذنوب إشارة إلى قوله تعالى: " من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب " قال الطبرسي: أي وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله راجع إلى الله بضمائره " من رفض الدنيا " " من " تعليل للإنابة أو للانقطاع " وعزم " عطف على " قلب "، " ليس فيه انكسار " اي وهن " ولا انخزال " اي تثاقل أو انقطاع في القاموس: الانخزال مشية في تثاقل والانخزال الانفراد، والحذف، والاقتطاع، وانخزل عن جوابي لم يعبأ به، وفي كلامه انقطع " لمرضاته " اي لما يوجب رضاه عنا.

40 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة وغيره، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله.

بيان: " كمثل ماء البحر " اي المالح، وهذا من أحسن التمثيلات للدنيا وهو مجرب، فان الحريص على جمع الدنيا كلما ازداد منها ازداد حرصه عليها وأيضا كلما حصل منها لا بد له لحفظه ونموه وسائر ما يليق به ويناسبه من

أشياء أخرى ولا ينتهي إلى حد، فيصرف جميع عمره في تحصيلها حتى يموت ويبقى له حسراتها وعقوباتها أعاذنا الله منها.

41 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه للحواريين: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا دنياهم.

بيان: قال في النهاية: " فيه حواري من أمتي " اي خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه السلام اي خلصاؤه وأنصاره وأصله وأصله من التحوير:

التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها، ومنه الخبز الحوارى الذي نخل مرة بعد مرة قال الأزهري: الحواريون: خلصان الأنبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب، وقال الراغب: الحواريون أنصار عيسى عليه السلام قيل: كانوا قصارين، وقيل: كانوا صيادين.

وقال بعض العلماء: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس - بافادتهم الدين والعلم - المشار إليه بقوله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال: وإنما قيل: كانوا قصارين على التمثيل والتشبيه وتصور منه من لم يتخصص بمعرفة الحقائق المهنة المتداولة بين العامة، قال: وإنما قال: كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة وقودهم إلى الحق انتهى.

أقول: وقد سبق كلام طويل الذيل في أوايل هذا الباب في أثناء شرح حديث من الكافي أيضا في تحقيق معنى الحواريين، فلا تغفل.

والاسى الحزن على فوت الفائت، والغرض لا يكون أهل الدنيا على باطلهم

أشد حرصا منكم على الحق.

42 - نهج البلاغة: الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته، ولا مأيوس من مغفرته، ولا مستنكف عن عبادته، الذي لا تبرح منه رحمة، ولا تفقد منه نعمة، والدنيا دار مني لها الفنا، ولأهلها منها الجلا، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد، ولا تسألوا [فيها] فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ.

43 - كنز الكراجكي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب دنياه أضر بآخرته.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا دول فاطلب حظك منها بأجمل الطلب.

وقال صلى الله عليه وآله: من أمن الزمان خانه، ومن غالبه أهانه، وقال: الدهر يومان:

يوم لك، ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فاصبر، فكلاهما عنك سينحسر.

وقال عليه السلام: من أصبح حزينا على الدنيا فقد أصبح ساخطا على ربه تعالى ومن كانت الدنيا أكبر همه، طال شقاؤه وغمه، الدنيا لمن تركها، والآخرة لمن طلبها، الزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تحليا ازداد عنها تخليا.

وقال عليه السلام: إذا طلبت شيئا من الدنيا فزوى عنك، فاذكر ما خصك الله به من دينك، وصرفه عن غيرك، فان ذلك أحرى أن تستحق نفسك بما فاتك.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا زعيم بثلاث لمن أكب على الدنيا: بفقر لا غناء له وبشغل لا فراغ له، وبهم وحزن لا انقطاع له.

وقال صلى الله عليه وآله: كونوا في الدنيا أضيافا، واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا التفكر والبكاء، ولا تختلفن بكم الأهواء، تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون.

44 - عدة الداعي: قال الصادق عليه السلام: إنا لنحب الدنيا وأن لا نؤتاها خير لنا من أن نؤتاها، وما أوتي ابن آدم منها شيئا إلا نقص حظه من الآخرة.

45 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم والأمان منها معدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها.

واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارا وأعمر ديارا وأبعد آثارا، أصبحت أصواتهم هامدة ورياحهم راكدة وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة والقبور اللاطئة الملحدة، التي قد بنى للخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل محلة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لا يستأنسون بالاوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار وكيف يكون بينهم تزاور، وقد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى.

وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور، وبعثرت القبور " هناك تبلوا كل نفس ما أسفلت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ".

46 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: فان تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب وتنال الرغائب.

فاعملوا والعمل يرفع، والتوبة تنفع، والدعاء يسمع، والحال هادئة والأقلام جارية، وبادروا بالاعمال عمرانا كسا أو مرضا حابسا أو موتا خالسا، فان الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم، ومباعد طياتكم زائر غير محبوب وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب، قد أعلقتكم حبائله، وتكنفتكم غوائله وأقصدتكم معابله وعظمت فيكم سطوته، وتتابعت عليكم عدوته، وقلت عنكم نبوته.

فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله، وحنادس غمراته، وغواشي سكراته، وأليم إزهاقه وودجوا أطباقه، وجشوبة مذاقه، فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجيكم، وفرق نديكم، وعفى آثاركم، وعطل دياركم، وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم بين حميم خاص لم ينفع، وقريب محزون لم يمنع، وآخر شامت لم يجزع.

فعليكم بالجد والاجتهاد، والتأهب والاستعداد، والتزود في منزل الزاد، ولا تغرنكم الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الأمم الماضية، والقرون الخالية الذين احتلبوا درتها، وأصابوا غرتها، وأفنوا عدتها، وأخلقوا جدتها، أصبحت مساكنهم أجداثا، وأموالهم ميراثا، لا يعرفون من أتاهم، ولا يحلفون من بكاهم ولا يجيبون من دعاهم، فاحذروا الدنيا فإنها غدارة غرارة، خدوع، معطية منوع ملبسة نزوع، لا يدوم رخاؤها، ولا ينقضي عناؤها، ولا يركد بلاؤها.

47 - نهج الكيدري: عند شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام لهمام في وصف

المتقين " أرادتهم الدنيا ولم يريدوها " قال: من مكاشفات أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه الصادق، عن آبائه عليهم السلام أنه قال: إني كنت بفدك في بعض حيطانها، وقد صارت لفاطمة عليها السلام إذا أنا بامرأة قد هجمت علي وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها، فشبهتها ببثينة بنت عامر الجمحي، وكانت من أجمل نساء قريش فقالت لي: يا ابن أبي طالب هل لك أن تزوجني وأغنيك عن هذه المسحاة؟ وأدلك على خزائن الأرض، ويكون لك الملك ما بقيت؟.

فقلت لها: من أنت حتى أخطبك من أهلك؟ فقالت: أنا الدنيا، فقلت لها: ارجعي فاطلبي زوجا غيري، فلست من شأني، وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول:.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.