پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

باب حب الدنيا وذمها، وبيان

ج ۷۰، ص ۲۹–۵۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۹

فهذه هي أعيان الدنيا، إلا أن لها من العبد علاقتين: علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها، وانصراف قلبه إليها حتى تصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة، وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر، فهذه هي الدنيا الباطنة، وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها، والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله باصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآلهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف ربه وعرف نفسه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميتها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى وأعني بالدابة البدن، فإنه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن

كما لا يبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال.

ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق، ولا يزال يعلف الدابة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب و يحمل إليها أنواع الحشيش، ويبرد لها الماء بالثلج، حتى تفوته القافلة، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة، وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج، وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة، كما لا يدخل بيت الماء إلا للضرورة، ولا فرق بين إدخال الطعام في البدن وبين إخراجه من البطن.

وأكثر ما شغل الناس عن الله البدن فان القوت ضروري وأمر الملبس والمسكن أهون، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور، واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا، فإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا، وتتابعت أشغال الدنيا واتصلت بعضها ببعض، وتداعت إلى غير نهاية محدودة، فتاهوا في كثرة الاشغال، ونسوا مقصودها.

وأما تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وانجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها وخارج عن مقصود كتابنا.

وإذا تأملت فيها علمت أن الانسان لاضطراره إلى القوت والمسكن والملبس يحتاج إلى خمس صناعات : وهي الفلاحة لتحصيل النبات، والرعاية لحفظ الحيوانات واستنتاجها، والاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب، والحياكة للباس، والبناء للمسكن، ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة والحدادة والخرز أي إصلاح جلود الحيوانات وأجزائها، ثم لبقاء النوع إلى المنكح، ثم إلى حفظ الولد وتربيته، ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها ثم إلى قاض وحاكم يتحاكمون إليه، ثم إلى جند يحرسهم عن الأعادي، ثم إلى خراج يعان به الجند، ثم إلى عمال وخزان لذلك، ثم إلى ملك يدبرهم

وأمير مطاع وقائد على كل طائفة منهم، فانظر كيف ابتدأ الامر من حاجة القوت والمسكن والملبس وإلى ماذا انتهى؟.

وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر، وهكذا يتناهى إلى حد غير محصور، وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها، ومن وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي.

فهذه هي الحرف والصناعات، ويتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت والخانات للمتحرفة والتجار وجماعة يتجرون ويحملون الأمتعة من بلد إلى بلد، ويتفرع عليها الكراية والإجارة، ثم يحدث بسبب البيوع والإجارات وأمثالها الحاجة إلى النقدين لنقع المعاملة بهما، فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير، فحدثت الحاجة إلى دار الضرب وإلى الصيارفة.

فهذه أشغال الخلق وهي معايشهم، وشئ من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء، وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره، فتحدث منه حرفتان خسيستان: اللصوصية والكدية، وللصوص أنواع ولهم حيل شتى في ذلك وأما التكدي فله أسباب مختلفة، فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر والمحاكاة الشعبذة والافعال المضحكة، وقد يكون بالاشعار مع النغمة أو غيرها في المدح أو التعشق أو غيرهما، أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والطلسمات وكأصحاب القرعة والفأل والزجر من المنجمين، ويدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رؤوس المنابر.

فهذه هي اشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوه، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآلهم فضلوا وتاهوا، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أإن كدرها زحمة اشغال الدنيا خيالات فاسدة، وانقسمت مذاهبهم، واختلفت آراؤهم على عدة أوجه.

فطائفة غلب عليهم والغفلة، فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا: المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب، ثم نكتسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا، ويكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب الملاحين والمتحرفين، ومن ليس لهم تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين.

وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للامر وهو أن ليس المقصود أن يشقى الانسان ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا، وهي شهوة البطن والفرج، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم، وصرفوا همهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الانعام، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر.

وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع فهم يتعبون في الاسفار طول الليل والنهار، ويترددون في الأعمال الشاقة ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات، فيكون للجامع تعبها ووبالها، وللاكل لذتها وحسابها، ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباههم وأمثالهم فلا يعتبرون.

وطائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسن بالثناء والمدح بالتجمل والمروة، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب، ويصرفون جميع ما لهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب الدور، وما يقع عليه ابصار الناس، حتى يقال إنه غني وأنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهد موقع نظر الناس.

وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية

وتقلد الأعمال عمال السلطانية، لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم، وانقادت لهم رعاياهم، فقد سعدوا سعادة عظيمة، وأن ذلك غاية المطلب، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته، وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم.

ووراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن، فنسوا ما يراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها، وانجرت بهم أوايل أسبابها إلى أواخرها، وتداعت لهم إلى مبادي لم يمكنهم الترقي منها.

فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والاشغال، وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده، وعالم بحظه ونصيبه منه وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوة والكسوة حتى لا يهلك، وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الاشغال، وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة، وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له، وإن تعدى به قدر الضرورة، كثرت الاشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية، فتشعب به الهموم ومن تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في اي واد أهلكه.

فهذا شان المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان، فلم يتركهم وأضلهم في الاعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوايف فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة، وأن الآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالاحراق، ويظنون أن ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا.

وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب، ثم أقبلوا على المجاهدة فشدوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة، وبعضهم فسد

عقله وجن، وبعضهم مرض وأسندت عليه طرق العبادة.

وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له، فوقع في الالحاد والزندقة، وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله مستغن عن عبادة العباد،، لا ينقصه عصيان عاص، ولا يزيده عبادة عابد، فعادوا إلى الشهوات، وسلكوا مسلك الإباحة، فطووا بساط الشرع والاحكام وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم، حيث اعتقدوا ان الله مستغن عن عبادة العباد.

وظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة فتركوا السعي والعبادة، وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه [عن] أن يمتحنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق.

ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالة هائلة وخيالات فاسدة، يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا وسبعين فرقة، وإنما الناجي منها فرقة واحدة، وهي السالكة ما كان عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وهو أن لا يتركوا الدنيا بالكلية، ولا يقمع في الشهوات بالكلية.

أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، فلا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل ولا يترك كل شئ من الدنيا، ولا يطلب كل شئ من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظ به من اللصوص، والحر والبرد، ومن الكسوة كذلك، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن، أقبل على الله بكنه همه، واشتغل بالذكر والفكر طول العمر، وبقي ملازما لسياسة الشهوات، ومراقبا لها حتى لا تجاوز حدود الورع والتقوى، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية صحت عقايدهم واتبعوا الرسول وأئمة الهدى صلوات الله عليهم في أقوالهم وأفعالهم، فإنهم ما كانوا

يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط، بل كانوا بين ذلك قواما، وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين، وهو أحب الأمور إلى الله تعالى والله المستعان.

17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي عبد الله المؤمن، عن جابر قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب، قلت: جعلت فداك، وما شغلك وما حزن قلبك؟

فقال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله، شغل قلبه عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا؟ هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟.

يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة، يا جابر الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم.

واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شئ.

إني إنما ضربت لك هذا مثلا لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفيئ الظلال، يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله من دينه وحكمته، ولا تسألن عما لك عنده إلا ما له عند نفسك، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك، فتحول إلى دار المستعتب، فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، ولرب كاره

لأمر قد سعد به حين أتاه، وذلك قول الله تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ".

بيان: قوله عليه السلام: " صافي خالص دين الله " كأن إضافة الصافي إلى الخالص للبيان تأكيدا، ويحتمل اللامية، أي المحبة الصافية لله الحاصلة من خالص دينه، وفي تحف العقول: من دخل خالص حقيقة الايمان و " أكلته " وأختاها على صيغة الخطاب، ويحتمل التكلم، والغرض أن هذه لذات قليلة فانية، ولا يختارها العاقل على النعم الجليلة الباقية.

" لم يطمئنوا " اي لم يلههم الأمل الطويل عن العمل " ولم يأمنوا " اي في كل حين " قدومهم الآخرة " بالموت أو عذاب الآخرة " أهل فكرة " خبر مبتدأ محذوف استينافا بيانيا وكذا قوله " لم يصمهم " استيناف بياني للاستيناف " ما سمعوا بأذانهم " من وصف ملاذ الدنيا وزهراتها، وحكومة أهلها وبسطة أيديهم فيها، والقصص الملهية الباطلة.

" ولم يعمهم عن ذكر الله " الحاصل بالعبرة من أحوال الدنيا وفنائها " ففازوا " لترك الدنيا " بثواب الآخرة، كما فازوا بذلك العلم " وهو العلم اليقيني بدناءة الدنيا وفنائها، ورفعة الآخرة وبقائها، وتمييز الخير من الشر، والهدى من الضلالة وأهل الدنيا من أهل الآخرة، والمحقين من المبطلين، ومن يجب اتباعه من أهل الآخرة وأئمة الحق، ومن يجب التبري عنه من أهل الدنيا وأصحابها، وأئمة الضلالة فهذه هي الحكمة الحاصلة من الزهد في الدنيا، فلما فازوا بهذا العلم فازوا بنعيم الآخرة.

" أيسر أهل الدنيا مؤنة " المؤنة بالفتح القوت والثقل، وذلك لأنهم يكتفون بقدر الكفاية بل الضرورة والمعونة مصدر بمعنى الإعانة " تذكر " اي حاجتك لهم " فيعينونك " فيها، وإذا كنت متذكرا لما يوجب صلاح أمر دنياك وآخرتك

أعانوك على فعله، وإن كنت ناسيا له ذكروك، وأرشدوك إليه، ثم يعينونك مع الحاجة إلى الإعانة.

" قوالون بأمر الله " أي بما أمر الله به أو بكل أمر يرضى الله به موعظة وإرشادا وتذكيرا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر " قوامون على أمر الله " بحفظ دين الله وشرايعه وأصول الدين وفروعه، وبمنع أهل الباطل وأرباب البدع من التغيير والتحريف في دين الله.

" قطعوا محبتهم " أي عن كل شئ أو عمالا يرضى الله " بمحبة ربهم " اي بسببها أو جعلوا محبتهم تابعين لمحبة الله، ولا يحبون شيئا إلا لحب الله له كقوله تعالى " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ".

" وحشوا الدنيا " الوحشة ضد الانس اي لم يستأنسوا بالدنيا " لطاعة مليكهم " أي مالكهم وسيدهم، أو ذي الملك والسلطنة عليهم إما لامره بالزهد في الدنيا أو لان طاعة الله مطلقا والاخلاص فيها لا تجتمع مع حب الدنيا " نظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم " الظرف في قوله " بقلوبهم " متعلق بنظروا أي لم ينظروا بعين قلوبهم إلا إلى الله اي رضاه أو معرفته ومراقبته وذكره، وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبته أي تحصيل حبهم لله أو حب الله لهم أو الأعم كما قال تعالى " يحبهم ويحبونه " أو ما يحبه الله من الأخلاق والأعمال والأقوال.

" وعلموا أن ذلك " اي المذكور وهو الله ومحبته والإشارة للتعظيم " هو المنظور إليه " اي هو الذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره لعظمة شأنه وحقارة ما سواه بالنسبة إليه " فأنزل الدنيا " اي اجعلها عند نفسك " كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه " بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة اقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدة نزول المنزل بالنسبة إلى مدة عمر الدنيا لان الأولى نسبة المتناهى إلى غير المتناهي، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي، والغرض العمدة من التشبيه أنها لم تخلق للتوطن، بل للعبور

كما أن منازل المسافر إنما تبنى لذلك، وقد قال بعض الشعراء في هذا المعنى:

نزلنا ههنا ثم ارتحلنا * كذا الدنيا نزول وارتحال أردنا أن نقيل بها ولكن * مقيل المرء في الدنيا محال وهذا مثل للمبتدين، ثم ذكر مثلا كاملا للكاملين، وهو " أو كمال وجدته في منامك " إلى آخره فان أكثر الناس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعما يراد بهم، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئا مما اكتسبوا في الدنيا للدنيا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

ثم ذكر عليه السلام تمثيلا ثالثا وهو أنها كفئ الظلال في سرعة الزوال، والظلال بالكسر جميع الظل وهو والفئ بمعنى واحد عند كثير الناس، وقال ابن قتيبة الظل يكون غدوة وعشية، والفئ لا يكون إلا بعد الزوال، لأنه ظل فاء عن جانب المغرب إلى جانب المشرق والفئ الرجوع وقال ابن السكيت: الظل من الطلوع إلى الزوال والفئ من الزوال إلى المغرب وقال تغلب: الظل للشجرة وغيرها للغداة والفئ للعشاء وقال رؤبة: كلما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفئ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، ومن هنا قيل الشمس تنسخ الظل والفئ ينسخ الشمس، والمراد هنا بالفئ إما المصدر أي كرجوع الظلال اي كما تظل في ظل شجرة مثلا فتنتفع به ساعة، فترجع عنك فتكون في الشمس، أو المراد بالفئ الظل وبالظلال ما أظلك من شجر وجدار ونحوهما، أو المراد بالظلال قطعات السحاب التي تواري الشمس قليلا ثم تذهب وهذا أنسب قال في القاموس: الظل من كل شئ شخصه ومن السحاب وما وارى الشمس منه والظلالة بالكسر السحابة تراها وحدها وترى ظلها على الأرض وكسحاب ما أظلك، وقال: راعيته لاحظته محسنا إليه، والامر نظرت إلى م يصير؟ وأمره حفظه كرعاه واسترعاه إياهم استحفظه انتهى وفي تحف العقول " فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين الله وحكمته ".

قوله عليه السلام " ولا تسألن " أقول: يحتمل وجوها الأول أن يكون المعنى لا تبالغ في الدعاء والسؤال من الله عما لك عنده من الرزق وغيره، مما ضمن لك، ولكن

سله التوفيق عما له عندك من الطاعات، والاستثناء ظاهره الانقطاع، ويحتمل الاتصال أيضا لان التوفيق والإعانة أيضا مما للعبد عند الله.

الثاني أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الاجر والرزق وأمثالهما فإنها بيد الله وعلمها عنده ولا ينفعك السؤال عنها، بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات، لتعلم شرائطها وكيفياتها.

الثالث أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فإنه بقدر ما لله عندك من عملك ، فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك وعملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ماله عنده مسؤولا والاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز، ويؤيد الأخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يعلم ما له عند الله، فليعلم ما لله عنده. وفي تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا " وانظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك ".

قوله عليه السلام " فان تكن الدنيا " أقول: هذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها الأول ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بروحك، تسعى في فكاك رقبتك، وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت.

الثاني ما ذكره بعض الأفاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة والاستعتاب والاسترضاء، فان هذه عقيدة سيئة.

الثالث ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا وانظر بعين البصيرة فيها، تفكر في أحوالها من فنائها وتقلبها بأهلها ليتحقق لك حقيقة ما ذكرت، وإنما عبر عليه السلام عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته وغروره ليس في الدنيا فليتحول إليها

ليعرف ذلك.

الرابع أنه أراد أنه لا بد لكل مكلف من دار استرضاء حتى يرضى فيها ربه بالأعمال الصالحة، فإذا لم تكن الدنيا عندك كما وصفتها لك، بل تكون منهمكا في لذاتها حريصا عليها، فلتطلب دار استرضاء أخرى غير التي أنت فيها فإنه مما لا بد منه.

الخامس أن يقرء " تحول " بصيغة المضارع المخاطب، بحذف إحدى التائين فالمعنى أنه لا يخفى على ذي عقل قبح الدنيا وفنائها، فان زعمت أنه ليس كذلك فلعلك تقول ذلك لأجل أنها دار يمكن فيها تحصيل رضا الله، وهذا لا ينافي ما ذكرت لك من ذم الركون إلى لذاتها وشهواتها، كما عرفت سابقا.

السادس أن يكون المراد بدار المستعتب دار الآخرة لان الكفار يطلبون فيها الرجوع إلى الدنيا عند مشاهدة عذابها، كما قال تعالى " وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين " فالمراد به إن لم تصدق بهذه الأوصاف لهذه الدار، فاصبر حتى ترد دار القرار، فإنه حينئذ يظهر لك حقيقة هذا الكلام، وعلى هذا الوجه يمكن أن يقرء على اسم الفاعل أيضا.

السابع ما ذكره بعض المدعين للفضل أن المستعتب لعله اسم رجل ذي جاه ومال اصابه الذل، وذهب جميع ما كان له، فقال عليه السلام: تحول إلى داره لتعتبر به.

وإنما ذكرناه لغرابته.

وأقول: في تحف العقول ليس لفظ " غير " بل هو هكذا " فان تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم " فيؤيد المعنى الأول اي إذا عرفت أن الدنيا كذلك، وصدقت بما قلت، فتحول عنها اي انتقل إلى الآخرة بقلبك، واقطع تعلقك عن الدنيا اليوم اختيارا، قبل أن تقلع عنها عند الموت اضطرارا، أو إلى مقام الاسترضاء كما مر.

والظاهر أن المستعتب على أكثر الاحتمالات مصدر ميمي قال في القاموس

العتبى بالضم الرضا، واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد " وإن تستعتبوا فما هم من المعتبين " اي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم أي لم يردهم إلى الدنيا، وفي النهاية: المعتبة الغضب وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي واستعتب طلب أن يرضى عنه، كما يقول: استرضيته فأرضاني والمعتب المرضى ومنه الحديث " لا يتمنين أحدكم الموت، أما محسنا فلعله يزداد، وأما مسيئا فلعله يستعتب " اي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ومنه الحديث " ولا بعد الموت من مستعتب " أي ليس بعد الموت من استرضاء، لان الأعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل، انتهى.

وقوله عليه السلام: " فلعمري " أي أقسم بحياتي، وفي القسم مفتوح غالبا " لرب حريص على أمر " من أمور الدنيا " قد شقي به حين أتاه " أي تعب به في الدنيا أو صار سببا لشقاوته في الآخرة ويطلق غالبا على سوء العاقبة، والسعادة ضد الشقاوة، وتطلق غالبا على حسن العاقبة وراحة الآخرة.

في القاموس: الشقاء الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاوة ويكسر وشقا وشقاء وشقوة ويكسر، وقال: السعادة خلاف الشقاوة، وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود.

وقال الراغب: السعد والسعادة معاونة الأمور الإلهية للانسان على نيل الخير، ويضاد الشقاوة، وقال: الشقاوة خلاف السعادة، وكما أن السعادة في الأصل ضربان: سعادة أخروية وسعادة دنيوية، ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب: سعادة نفسية وبدنية وخارجية، كذلك الشقاوة على هذه الأضرب.

وقال بعضهم: قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا وكل شقاوة تعب وليس كل تعب شقاوة فالتعب أعم من الشقاوة.

وفي التحف: " فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ولرب كاره لأمر من أمور الآخرة قد ناله فسعد به " وإلى هنا انتهى الخبر فيه

قوله: " وليمحص الله " الآية في آل عمران عند ذكر غزوة أحد حيث قال تعالى:

" وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا " قال الطبرسي رحمه الله: بين وجه المصلحة في مداولة الأيام بين الناس اي وليبتلي الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ينقصهم أو ليخلص الله ذنوب المؤمنين أو ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء.

وأقول: هذا الوجه الأخير أنسب بالخبر، ليكون استشهدا للجزئين معا فان الكافرين كانوا حرصاء في الغلبة على المؤمنين، فنالوها فصارت سببا لشقاوتهم ومزيد عذابهم والمؤمنين كانوا كارهين للمغلوبية، فصارت سببا لمزيد سعادتهم وتمحيص ذنوبهم.

قال الراغب: أصل المحص تخليص الشئ مما فيه من عيب، يقال: محصت الذهب ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث قال تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا " فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير.

18 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا [ألا] وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، الا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، وقرضوا من الدنيا تقريضا، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.

ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل

النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم.

وأما النهار فحكماء علماء، بررة، أتقياء، كأنهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم، من ذكر النار وما فيها.

توضيح: " إن الدنيا قد ارتحلت " يقال رحل وارتحل اي شخص وسار " مدبرة " المراد بادبار الدنيا تقضيها وانصرامها وباقبال الآخرة قرب الموت وما يكون بعدها من نعيم أو عذاب، فشبه الدنيا وحياتها براكب حمل على مراكبها أثقالها وهي لذات الدنيا وشهواتها وأموالها، وساير ما يتعلق الانسان بها والموت براكب آخر حمل على مراكبه نعيمه وعذابه، وساير ما يكون بعده فالراكب الأول يوما فيوما وساعة فساعة في التقضي والفناء، فهو يبعد عن الانسان، والراكب الثاني يسير إلى الانسان ويقرب منه فعن قريب يصل إليه فلا بد من الاستعداد لوصوله وتلقيه بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة.

" ولكل واحدة منهما بنون " استعار عليه السلام لفظ البنين للعباد بالنسبة إلى الدنيا والآخرة فشبههم لميل كل منهم إلى إحداهما ميل الولد إلى ولده، وركون الفصيل إلى أمه، وتوقع كل منهم توقع النفع من إحداهما، ومشابهته بها وكونه مخلوقة لأجلها وشبه كلا منهما بالأب أو بالام لتأنيثهما أو الآخرة بالأب والدنيا بالام لنقصها ولمناسبة الاباء العلوية بالأولى والأمهات السفلية بالثانية، فكأن أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا أب لهم.

" فكونوا من أبناء الآخرة " لبقائها وخلوص لذاتها ولكونها صادقة في وعدها " ولا تكونوا من أبناء الدنيا " لفنائها وكذبها وغرورها، وكون لذاتها مشوبة بأنواع الآلام، ثم أشار عليه السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا، وترك العمل

لها، بل مع إزالة حبها من القلب بقوله " وكونوا من الزاهدين الخ ".

والبساط فعال بمعنى المفعول أي اكتفوا بالأرض عوضا عن الفرش المبسوطة في البيوت مع عدم تيسر البساط إلا من الحرام أو الشبهة أو مطلقا والأول أنسب بالجمع بين الاخبار وكذا في البواقي، وفي الصحاح البساط ما يبسط، وبالفتح الأرض الواسعة " والتراب فراشا " بمعنى المفروش اي عوضا عن الثياب الناعمة المحشوة بالقطن وغيره للنوم عليها، فان التراب ألين من سائر أجزاء الأرض " والماء طيبا " فان الطيب عمدة منفعته دفع الروايح الكريهة، وهو يتحقق بالغسل بالماء، وما قيل من أن المراد التلذذ بشرب الماء بدلا من الأشربة اللذيذة لان أصل الطيب اللذة كما في القاموس فهو بعيد.

" وقرضوا من الدنيا تقريضا " على بناء المفعول [من التفعيل] من القرض بمعنى القطع، وبناء التفعيل للمبالغة، وقيل: بمعنى التجاوز من قرضت الوادي لذا جزته، أو بمعنى العدول من قرضت المكان إذا عدلت عنه، وفي النهج " ثم قرضوا الدنيا قرضا ".

قوله عليه السلام " سلا عن الشهوات " اي نسيها وتركها وفي القاموس: سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا وسلوا وسلوانا وسليا: نسيه، وأسلاه عنه فتسلى، " عن المحرمات " وفي بعض النسخ " عن المحرمات " جمع الحرمة كالغرفات جمع الغرفة " هانت عليه المصائب " لأنها راجعة إلى فوات الأمور الدنيوية، ومن زهد فيها سهل عنده فواتها.

قوله عليه السلام: " كمن رأى " أي صاروا من اليقين بمنزلة المعاينة كما مر في باب اليقين " مخلدين " اي كأنه يرى خلودهم أو يراهم مع علمه بخلودهم، ومن الأفاضل من قرء مخلدين على بناء الفاعل من الافعال كقولهم أخلد إليه أي مال ولا يخفى بعده.

" وقلوبهم محزونة " لهم الآخرة وخوف التقصير وعدم العلم بالعاقبة " أنفسهم

عفيفة " عن المحرمات والشبهات " وحوائجهم خفيفة " لاقتصارهم في الدنيا على القدر الضروري منها " صبروا أياما قليلة " اي أيام عمرهم، فإنها قليلة في جنب أيام الآخرة صبروا فيها على الفقر والضر ومشقة فعل الطاعات، وترك المحرمات وإيذاء الظلمة والمخالفين، فصاروا بعقبى راحة طويلة، في القاموس: العقبى جزاء الامر،، وقال الراغب: العقب والعقبى يختصان بالثواب نحو " خير ثوابا وخير عقبا " وقال " أولئك لهم عقبى الدار " " فنعم عقبى الدار " والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو " والعاقبة للمتقين " وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء " انتهى.

وأقول: العقبى غالبه أنه يستعمل في الثواب، وقد يستعمل في العقاب أيضا كقوله تعالى " تلك عقبى الذين اتقوا وعقى الكافرين النار " وقوله سبحانه " ولا يخاف عقبيها " وقال البيضاوي: في قوله تعالى " أولئك لهم عقبى الدار " اي عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة. وفي قوله سبحانه:

" تلك عقبى الذين اتقوا " اي الجنة الموصوفة مآلهم ومنتهى أمرهم، وفي قوله " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " اللام يدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة انتهى. والباء في قوله " بعقبى " إما بمعنى إلى أو بمعنى " مع " وإضافة العقبى إلى الراحة للبيان ويحتمل غيره أيضا، وفي فقه الرضا: فصارت لهم العقبى راحة طويلة.

" وأما الليل " ظاهره النصب على الظرفية، وقيل: يحتمل الرفع على الابتداء، والتخصيص به لان العبادة فيه أشق وأقرب إلى القربة، وحضور القلب

فيه أكثر، كما قال تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا " " فصافون أقدامهم " اي للصلاة، ويدل على استحباب صف القدمين في الصلاة بحيث لا يكون أحدهما أقرب من القبلة من الأخرى. أو تكون الفاصلة بينهما من الأصابع إلى العقبين مساوية والأول أظهر وعلى استحباب التضرع والبكاء في صلاة الليل.

وفي القاموس: جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث قوله " في فكاك رقابهم " أي من النار " كأنهم القداح " في القاموس القدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل، والجمع قداح وأقداح وأقاديح، انتهى. وأشار عليه السلام إلى وجه التشبيه بالقداح بقوله " قد براهم الخوف " أي نحلهم وذبلهم كما يبرى السهم في القاموس:

برى السهم يبريه بريا و ابتراه نحته وبرأه السفر يبريه بريا هزله، وقوله " من العبادة " إما متعلق بقوله " براهم " أي نحتهم الخوف بآلة العبادة أي بحمله إياهم عليها وعلى كثرتها أو بقوله " كأنهم القداح " فيرجع إلى الأول. وعلى التقديرين " من " للسببية والعلية، أو متعلق بالخوف أي من قلة العبادة، والأول أظهر.

" فيقول مرضى " اي يظن أنهم مرضى لصفرة وجوههم، ونحافة بدنهم فخطأ عليه السلام ظنه، وقال: " وما بالقوم من مرض " بل هم من الأصحاء من الأدواء النفسانية، والأمراض القلبية " أم خولطوا " أي أو يقول خولطوا، ويحتمل أن يكون مرضى على الاستفهام، وقوله أم خولطوا معادلا له من كلام الناظر، فاعترض جوابه عليه السلام بين أجزاء كلامه.

والحاصل أنهم لما كانوا لشدة اشتغالهم بحب الله وعبادته، واعتزالهم عن عامة الخلق، ومباينة أطوارهم لأطوارهم، وأقوالهم لأقوالهم، ويسمعون منهم ما هو فوق إدراكهم وعقولهم، فتارة ينسبونهم إلى المرض الجسماني، وتارة إلى المرض الروحاني، وهو الجنون واختلاط العقل بما يفسده، فأجاب عليه السلام عن الأول بالنفي المطلق، وعن الثاني بأن المخالطة متحققة، لكن لا بما يفسد

العقل، بل بما يكمله من خوف النار وحب الملك الغفار.

19 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الحريري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام.

بيان: قال في المغرب: زهد في الشئ وعن الشئ زهدا وزهادة إذا رغب عنه ولم يرده، ومن فرق بين زهد فيه وعنه فقد أخطأ وقال في عدة الداعي:

روي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عليه السلام عن تفسير الزهد فقال جبرئيل عليه السلام:

الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها، فان حلالها حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام، ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يجتنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله. و " الحكمة " العلوم الحقة المقرونة بالعمل أو العلوم الربانية الفائضة من الله تعالى بعد العمل بطاعته، وقد مر تحقيقها في كتاب العقل وغيره.

قال الراغب: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الاحكام، ومن الانسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " ونبه على جملتها بما وصفه بها انتهى.

قوله عليه السلام: " داءها ودواءها " كأنه بدل اشتمال للعيوب، اي المراد بتبصير العيوب أن يعرفه أدواء الدنيا من ارتكاب المحرمات، والصفات الذميمة المتفرعة

على حب الدنيا، ويعرفه ما يعالج به تلك الأدواء من التفكرات الصحيحة والمواعظ الحسنة، وفعل الطاعات، والرياضات، ومجاهدة النفس في ترك الشهوات، كأن يقال: الطب [حد] معرفة الأمراض، بأن يعرف ما تحصل منه وأصل المرض وكيفية علاجه، أو يقال: الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ يصير سببا لتحصيل الآخرة، ودنيا ملعونة، فلما ذكر عيوب الدنيا فصلها وبين أن منها ما هو داء، ومنها ما هو دواء.

ويحتمل حينئذ ارتكاب استخدام بأن يكون المراد بالدنيا أولا الدنيا المذمومة، وبالضمير الأعم، ويحتمل أن يكون داؤها تأكيدا لعيوب الدنيا ودواؤها عطفا على العيوب.

وقيل: داؤها ودواؤها مجروران بدلا بعض للدنيا، فالمراد بعيوب دواء الدنيا شدتها على النفس وصعوبتها، وربما يقرء دواها بالقصر بمعنى الأحمق اي المبتلى بحب الدنيا، ولا يخفى بعده " وأخرجه من الدنيا سالما " من العيوب والمعاصي " إلى دار السلام " اي الجنة التي من دخلها سلم من جميع المكاره والآلام.

20 - الكافي: عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا.

بيان: " جعل الخير كله " الخ لما كان الزهد في الدنيا سببا لحصول جميع السعادات العلمية والعملية، شبه تلك الكمالات بالأمتعة المخزونة في بيت والزهد بمفتاح ذلك البيت " لا يجد الرجل " الخ شبه صلى الله عليه وآله الايمان بشئ حلو في

ميل الطبع السليم إليه، وأثبت له الحلاوة على الاستعارة المكنية والتخييلية أو استعار لفظ الحلاوة لإثارة الايمان التي تلتذ الروح بها " حتى لا يبالي من أكل الدنيا " يحتمل أن يكون " من " اسم موصول، " وأكل " فعلا ماضيا، وأن يكون " من " حرف جر " وأكل " مصدرا، فعلى الأول المعنى أنه لا يعتني بشأن الدنيا بحيث لا يحسد أحدا عليها، ولو كانت كلها لقمة في فم كلب لم يغتم لذلك ولم ير ذلك له كثيرا وعلى الثاني أيضا يرجع إلى ذلك أو المعنى لا يعتني بأكل الدنيا والتصرف فيها.

21 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا.

بيان: " إن من أعون الأخلاق " الخ وذلك لان الاشتغال بالدنيا وصرف الفكر في طرق تحصيلها، ووجه ضبطها، ورفع موانعها، مانع عظيم من تفرغ القلب للأمور الدينية وتفكره فيها، بل حبها لا يجتمع مع حب الله تعالى وطاعته وطلب الآخرة، كما روي أن الدنيا والآخرة ضرتان إذ الميل بأحدهما يضر بالآخر.

22 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه أن رجلا سأل علي بن الحسين عليهما السلام عن الزهد فقال: عشرة أشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإن الزهد في آية من من كتاب الله عز وجل " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ".

بيان: قد مر صدر هذا الخبر في باب الرضا بالقضا إلى قوله: " إلا أن الزهد " وكان فيه: " الزهد عشرة أجزاء " ومنهم من جعل الاجزاء العشرة باعتبار ترك حب عشرة أشياء: المال، والأولاد، واللباس، والطعام، والزوجة والدار، والمركوب، والانتقام من العدو، والحكومة، وحب الشهرة بالخير وهو تكلف مستغنى عنه، والآيات في الحديد هكذا " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " إلى قوله سبحانه: " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " ثم قال تعالى بعد آية: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا... ".

قال المفسرون: اي كتبنا ذلك في كتاب لكيلا تأسوا اي تحزنوا على ما فاتكم من نعم الدنيا ولا تفرحوا بما آتيكم اي ما أعطاكم منها، وقال الطبرسي رحمه الله: والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الانسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه، والحقوق الواجبة فيه، فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له، بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد انتهى.

ولا يخفى أن هذين الوجهين لا ينطبقان على التعليل المذكور في الآية إلا أن يقال: إن هذه الأمور أيضا من الأمور المكتوبة، ولذا قال غيره: إن العلة في ذلك أن من علم أن الكل مقدر، هان عليه الامر.

وقال بعض الأفاضل: هو تعليل لقوله قبل ذلك بثلاث آيات: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو " وهذا وجه حسن بحسب المعنى، ولا تكلف في التعليل حينئذ، لكنه بحسب اللفظ بعيد، وإن كانت الآيات متصلة بحسب المعنى

مسوقة لأمر واحد وقد مر وجه آخر في تأويل الآية في كتاب الإمامة، وأنها نازلة في أهل البيت عليهم السلام وقد بيناه هناك.

وقال البيضاوي: المراد منه نفي الأسى المانع لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، والله لا يحب كل مختال فخور، إذ قل من يثبت نفسه حالي السراء والضراء انتهى.

وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الزهد كله بين كلمتين في القرآن قال الله سبحانه: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه.

23 - الكافي: بالاسناد المتقدم، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة.

24 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمد ابن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين: إن علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله له عز وجل فيها، وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها، وإن حرص، فالمغبون من حرم حظه من الآخرة.

بيان: " إن علامة الراغب " إشارة إلى ما عرفت من أن الدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب، فالراغب في أحدهما زاهد في الاخر، لا محالة و إنما ادخل العاجل لأنه السبب لاختيار الناس الدنيا غالبا على ثواب الآخرة آجلا أو لدلالته على عدم الثبات وقيل: لان زهرة الدنيا المتعلقة بالاجلة والآخرة كقدر ما يحتاج إليه الانسان لتحصيل ما ينفع في الآخرة لا ينافي الرغبة في ثوابها

بل معين لحصوله والمراد بزهرة الدنيا بهجتها أو نضارتها أو متاعها تشبيها له بزهرة النبات، لكونها أقل الريا حين ثباتا، وهو إشارة إلى قوله تعالى: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ".

قال في القاموس: الزهرة ويحرك النبات ونوره أو الأصفر منه، ومن الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها انتهى، قوله عليه السلام: " في هذه الدنيا " الإشارة للتحقير " وإن زهد " اي بالغ في الزهد، وكذا قوله: " وإن حرص " أو المراد بقوله: " وإن زهد " وإن سعى في صرفها عن نفسه، وبقوله: " وإن حرص " أي بالغ في تحصيلها، فالمراد بالزهد والحرص الأولين القلبيان، وبالأخرين الجسمانيان.

والحاصل أن الرزق لكل أحد مقدر، وإن كان وصولها إليه مشروطا بقدر من السعي على ما أمره الشارع من غير إفراط يمنعه عن الطاعات، ولا تقصير كثير بترك السعي مطلقا، ولا مدخل لكثرة السعي في كثرة الرزق، فمن ترك الطاعات وارتكب المحرمات في ذلك، حرم ثواب الآخرة، ولا يزيد رزقه في الدنيا فهو مغبون، وهذا على القول بأن مقدار الرزق معين مقدر، ولا يزيد بالسعي، ولا ينقص بتركه، وعلى القول بأن الرزق المقدر الواجب على الله تعالى هو القدر الضروري ويزيد بالكسب بالسعي، فيحتاج الخبر إلى تأويل بعيد، وسيأتي الكلام فيه في محله إنشاء الله تعالى.

25 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وآله شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا.

بيان: " إلا أن يكون فيها " كأن الاستثناء منقطع، ويحتمل الاتصال

" جائعا " أي بسبب الصوم أو الايثار على الغير أو لان الجوع موجب للقرب من الله تعالى، بخلاف الشبع، فإنه موجب للبعد، مع أن في الجوع الاضطراري والصبر عليه والرضا بقضائه سبحانه لذة للمقربين " خائفا " أي من عذاب الآخرة أو من العدو في الجهاد أيضا أو لان الضراء في الدنيا مطلقا موجب للسراء في الآخرة وقد أشبعنا الكلام في جوعه وقناعه وتواضعه صلى الله عليه وآله في المأكل والملبس والمجلس وسائر أحواله في المجلد السادس.

26 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا، يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك: والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقول في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح.

بيان: " خرج النبي " أي من البيت أو إلى بعض الغزوات، وهو " محزون " لعل حزنه صلى الله عليه وآله كان لضعف المسلمين، وعدم رواج الدين، وقوة المشركين وقلة أسباب الجهاد، " من غير أن تنقص " على بناء المجهول، قال الجوهري:

نقص الشئ ونقصته أنا يتعدى ولا يتعدى انتهى ويمكن أن يقرء على بناء المعلوم فالمستتر راجع إلى المفاتيح، وفي بعض النسخ على الغيبة أي ينقص أخذك شيئا من المنزلة والدرجة التي لك عندي " من لا دار له " اي في الآخرة، فالمعنى أن الذي يهتم لتحصيل الدنيا وتعميرها ليست له دار في الآخرة أو يختار الدنيا من لا يؤمن بأن له دار في الآخرة أو من لا دار له أصلا فان دار الآخرة قد فوتها ودار الدنيا لا تبقى له " ولها " اي للدنيا والعيش فيها " يجمع " الأموال والأسباب " من لا عقل له " لان العاقل لا يختار الفاني على الباقي، وربما يقرء " يجمع " على بناء

الافعال من العزم والاهتمام، في القاموس الاجماع الاتفاق وصر أخلاف الناقة جمع، وجعل الامر جميعا بعد تفرقه والاعداد والايباس وسوق الإبل جميعا والعزم على الامر أجمعت الامر وعليه والامر مجمع انتهى ويناسب هذا أكثر المعاني لكن الأول أظهر.

27 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتا فقال لأصحابه: كم يساوي هذا؟ فقالوا: لعله لو كان حيا لم يساو درهما فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله.

بيان: قال في النهاية: فيه أنه مر بجدي أسك اي مصطلم الاذنين مقطوعهما وفي القاموس السكك محركة الصمم، وصغر الاذن، ولزوقها بالرأس، وقلة إشرافها أو صغر قوب الاذن وضيق الصماخ يكون في الناس وغيرهم، سككت يا جدي وهي أسك وهي سكا.

وأقول: روى مسلم في صحيحه هذا الحديث باسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بالسوق فمر بجدي اسك ميت فتناوله فأخذ باذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشئ وما نصنع به؟ قال: تحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. والمزبلة بفتح الباء والضم لغة: موضع يلقى فيه الزبل بالكسر وهو السرقين.

28 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عمن ذكره عن عبد الله بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبها، ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا

والآخرة، وقال: لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب أعداء الحق.

قلت: جعلت فداك مماذا؟ قال: من الرغبة فيها، وقال: ألا من صبار كريم، وإنما هي أيام قلائل؟ الا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتى تزهدوا في الدنيا.

قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة حب الله، فلم يشتغلوا بغيره.

قال: وسمعته يقول: إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو بيان: " وبصره عيوبها " اي الدنيا " ومن أوتيهن " أي تلك الخصال الثلاث وفيه إشعار بأنها لا تتيسر إلا بتوفيق الله تعالى " فقد أوتي " كأنه إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " فالحكمة العلم بالدين أصوله وفروعه، وبعيوب الدنيا والزهد فيها " لم يطلب أحد الحق " أي الدين " بباب " أي بسبب ووسيلة أفضل من ترك الدنيا فإنه، ليس الباعث لاختيار الباطل مع وضوح الحق وظهوره إلا حب الدنيا فإنها غالبا مع أهل الباطل.

ويمكن تعميم الحق في كل حكم ومسألة، فان الأغراض الدنيوية تعمي القلب عن الحق، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه ووصاله " وهو " اي الزهد " ضد لما طلب أعداء الحق " وقوله " مماذا " طلب لبيان ما طلبه أعداء الحق فبين عليه السلام بقوله: " من الرغبة فيها " والرغبة وإن كانت عين الطلب، لكن جعلها مطلوبهم مبالغة، ويحتمل أن يكون " ما " في قوله: " لما طلب " مصدرية، فلا يكون " مما " للبيان بل للتعليل كما سيأتي.

ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء

الحق، فمن في قوله: " مما " للتعليل، و " ماذا " للاستفهام أي لأي علة صار ضد الحق مطلوبهم، قال: لرغبتهم في الدنيا، وقيل: أي مماذا طلب أعداء الحق مطلوبهم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.