بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
باب حب الدنيا وذمها، وبيان
ج ۶۹، ص ۳۴۲–۲۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
وقال: زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب.
آل عمران: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد.
وقال: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.
وقال: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
الانعام: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين
يتقون أفلا تعلقون.
وقال تعالى: وغرتهم الحياة الدنيا.
الأعراف: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون.
التوبة: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.
وقال تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون.
وقال تعالى: كالذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون * ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
يونس: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون.
وقال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن
بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون.
وقال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون.
وقال تعالى: متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون.
وقال سبحانه: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك.
هود: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون.
الرعد: وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع.
إبراهيم: الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد.
الحجر: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم.
النحل: ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
وقال تعالى: ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرون.
اسرى: وأمددناكم بأموال وبنين.
وقال تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.
الكهف: تريد زينة الحياة الدنيا.
وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا.
طه: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى.
القصص: وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين.
وقال تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون.
العنكبوت: ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.
الروم: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون لقمان: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
فاطر: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
ص: فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب.
الزمر: فإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.
المؤمن: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار.
حمعسق: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب.
وقال تعالى: فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
الزخرف: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات
ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين.
الجاثية: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون.
محمد: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم.
النجم: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم.
الحديد: واعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
المجادلة: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون.
التغابن: إنما أموالكم وأولادكم فتنه والله عنده أجر عظيم.
القيمة: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة.
الدهر: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلا.
النازعات: فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى.
الاعلى: بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى.
الضحى: وللآخرة خير لك من الأولى 1 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن درست بن أبي منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام وهشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأس كل خطيئة حب الدنيا.
بيان: " رأس كل خطيئة حب الدنيا " لان خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمائم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها ولذا قال الله عز وجل " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " ولا يمكن التخلص من حبها إلا بالعلم بمقابحها ومنافع الآخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين.
2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي أسامة زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه
ومن لم ير لله عز وجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه.
بيان: " من لم يتعز بعزاء الله " قال في النهاية: فيه ومن لم يتعز بعزاء الله فليس منا اي من لم يدع بدعوى الاسلام فيقول يا للاسلام ويا للمسلمين ويا لله، وقيل أراد بالتعزي التسلي والتصبر عند المصيبة وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كما أمر الله تعالى ومعنى قوله بعزاء الله اي بتعزية الله تعالى إياه فأقام الاسم مقام المصدر انتهى وقيل: العزاء مصدر بمعنى الصبر أو اسم للتعزية وكلاهما مناسب وعلى الأول إسناده إلى الله تعالى لأنه السبب له والباء إما للالية المجازية كما قيل في قوله تعالى:
" فتقبلها ربها بقبول حسن " أو للسببية والحاصل أنه من لم يصبر على ما فاته من الدنيا وعلى البلايا التي تصيبه فيها بما سلاه الله في قوله " وبشر الصابرون * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " وساير الآيات الواردة في ذم الدنيا وفنائها ومدح الرضا بقضائه تعالى تقطعت نفسه للحسرات على المصائب وعلى ما فاته من الدنيا وربما يحمل الحسرات على ما يحصل له عند الموت من مفارقتها أو الأعم منها ومما يحصل له في الدنيا وجمعية الحسرات مع كونها مصدرا لإرادة الأنواع.
" ومن أتبع نظره ما في أيدي الناس " اي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا وما في أيديهم من نعيمها وزبرجها نظر رغبة وتحسر وتمن " كثر همه " لعدم تيسرها له، فيغتاظ لذلك ويحسدهم عليها، ولا يمكنه شفاء غيظه إلا بأن يحصل له مما في أيديهم أو يسلب الله عنهم جميع ذلك ولا يتيسر له شئ من الامرين فلا يشفى غيظه أبدا ولا يتهنأ له العيش ما رأى في نعمة أحدا ولا يتفكر في أنه إنما منعه الله تعالى ذلك لأنه علم أنه سبب هلاكه فهو يتمنى حالهم ولا يعلم حقيقة مآلهم كما حكى الله
سبحانه عن قوم تمنوا حال قارون حيث قالوا " يا ليت مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون * فلما خسف الله به وبداره الأرض أصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون " وانتفاء الخسف الظاهري بأهل الأموال والتجبر من هذه الأمة لا يوجب انتهاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية ومهاوي التعلقات الجسمانية، والحرمان عن درجات القرب والكمال، وخسفهم في الآخرة في عظيم النكال وشديد الوبال، أعاذنا الله وساير المؤمنين من جميع ذلك وسهل لنا الوصول في الدارين إلى أحسن الأحوال.
" ومن لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم " اي من توهم أن نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم والمشرب والمسكن وأمثالها، فإذا فقدها أو شيئا منها ظن أنه ليس لله عليه نعمة، فلا ينشط في طاعة الله، وإن عمل شيئا مع هذه العقيدة الفاسدة وعدم معرفة منعمه لا ينفعه ولا يتقبل منه، فيكون عمله قاصرا وعذابه دانيا، لأن هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الايمان والهداية والتوفيق والعقل والقوى الظاهرة والباطنة والصحة ودفع شر الأعادي وغيرها بما لا يحصى، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ".
وقال بعض المحققين: معنى الحديث أن من لم يصبر ولم يسل أو لم يحسن الصبر والسلوة على ما رزقه الله من الدنيا، بل أراد الزيادة في المال أو الجاه مما لم يرزقه الله إياه تقطعت نفسه متحسرا حسرة بعد حسرة، على ما يراه في يدي غيره ممن فاق عليه في العيش، فهو لم يزل يتبع بصره ما في أيدي الناس ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه، فهو لم ير أن لله عليه
نعمة إلا نعم الدنيا، وإنما يكون كذلك من لا يوقن بالآخرة ومن لم يوقن بالآخرة قصر عمله، وإذ ليس له من الدنيا إلا قليل بزعمه مع شدة طعمه في الدنيا وزينتها فقد دنى عذابه، نعوذ بالله من ذلك، ومنشأ ذلك كله الجهل وضعف الايمان وأيضا لما كان عمل أكثر الناس على قدر ما يرون من نعم الله عليه عاجلا وآجلا لا جرم من لم ير من النعم عليه إلا القليل، فلا يصدر عنه من العمل إلا قليل وهذا يوجب قصور العمل ودنو العذاب.
3 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن منصور بن العباس عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الحميد بن علي الكوفي، عن مهاجر الأسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة، ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها.
فدعا عيسى عليه السلام ربه فنودي من الجو أن نادهم، فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح الله وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب، فقال: كيف كان حبكم للدنيا؟
قال: كحب الصبي لامه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا، قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت؟ قال: الطاعة لأهل المعاصي، قال: كيف كانت عاقبة أمركم؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية؟
قال: سجين، قال: وما سجين؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة قال: فما قلتم وما قيل لكم؟ قال: قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح الله وكلمته إنهم ملجمون بلجام من نار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن عنهم، فلما نزل العذاب عمني معهم، فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم، لا أدري أكبكب فيها
أم أنجو منها.
فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريين فقال: يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل، خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
بيان: " أما إنهم " قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: أما بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه، يدخل على الجمل لتنبيه المخاطب، وطلب إصغائه إلى ما يلقى إليه وقد يحذف ألفها نحو أم والله زيد قائم " إلا بسخطة " السخط بالتحريك وبضم أوله وسكون ثانيه الغضب " لتدافنوا " الظاهر أن التفاعل هنا بمعنى فعل كتواني ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف " فقال الحواريون " هم خواص عيسى عليه السلام قيل: سموا حواريين لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يقصرونها وينقونها من الأوساخ ويبيضونها، مشتق من الحور، وهو البياض الخالص.
أقول: وقد قيل إنهم إنما سموا حواريين لنقاء ثيابهم، وقيل: لنقاء قلوبهم وقيل: الحواري بمعنى الناصر وقد كان الحواريون أنصار عيسى عليه السلام وقيل: لأنهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، وقيل: إنهم اتبعوا عيسى عليه السلام فكانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا، فيضرب عليه السلام بيده الأرض سهلا كان أو جبلا ويخرج لكل منهم رغيفين وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج ماء ويشربون، فقالوا: يا روح الله من أفضل منا؟ إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا سقينا، وقد آمنا بك واتبعناك؟ فقال عيسى عليه السلام: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكرى بعد ذلك، ويأكلون من أجرته، وسيأتي في مطاوي شرح حديث الكافي في أواسط هذا الباب كلام أيضا في معنى الحواريين فانتظره.
وقال بعض العلماء: إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة، وإنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الأوساخ والأوصاف الذميمة والكدورات، ويرفعونها إلى عالم النور من عالم الظلمات.
" يا روح الله " أقول: في تسميته روحا أقوال أحدها أنه إنما سماه روحا لأنه حدث عن نفخة جبرئيل عليه السلام في درع مريم بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه لأنه كان بأمره، وقيل إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال: الصوم لي وأنا أجزي به وقد يسمى النفخ روحا، والثاني أن المراد به يحيى به الناس في دينهم كما يحيون بالأرواح، والثالث أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع ونطفة كما جرت العادة بذلك، الرابع أن معناه: ورحمة منه، والخامس أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى عليه السلام، السادس سماه روحا لأنه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة.
وكذا اختلفوا في تسميته كلمة في قوله سبحانه " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " وقوله تعالى " إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقيها إلى مريم وروح منه " على أقوال أحدها أنه إنما سمي بذلك لأنه حصل بكلمة من الله من غير والد ، وهو قوله " كن " كما قال سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.
والثاني أنه سمي بذلك لان الله تعالى بشر به في الكتب السالفة أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة.
والثالث أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه.
" فنودي من الجو " الجو بالفتح والتشديد: ما بين السماء والأرض " على شرف " قال الشيخ البهائي قدس سره: الشرف المكان العالي قيل: ومنه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني " فقال ويحك " ويح اسم فعل بمعنى الترحم
كما أن ويل كلمة عذاب وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرى والطاغوت فلعوت من الطغيان، وهو تجاوز الحد، وأصله طغيوت فقدموا لامه على عينه، على خلاف القياس، ثم قلبوا الياء ألفا فصار طاغوت، وهو يطلق على الكاهن والشيطان والأصنام، وعلى كل رئيس في الضلالة، وعلى كل ما يصد عن عبادة الله تعالى، وعلى ما عبد من دون الله، ويجئ مفردا لقوله تعالى:
" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " وجمعا كقوله تعالى: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ".
وقال قدس سره: لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم، جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فان العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى، فقال: " أرأيت من اتخذ إلهه هويه " وجعل طاعة الشيطان عبادة له، فقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ".
ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك فقال بعد ذلك: وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والأنداد التي هم لها من دون الله عابدون، وهذا هو الشرك الخفي نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا عنه بمنه وكرمه.
" وغفلة " عطف على " خوف " وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد " في لهو "
قال الشيخ البهائي رحمه الله: لفظة " في " هنا إما للظرفية المجازية كما في نحو النجاة في الصدق، أو بمعنى " مع " كما في قوله تعالى: " ادخلوا في أمم " وللسببية كقوله تعالى: " فذلكن الذي لمتنني فيه ".
" إذا أقبلت علينا " قال قدس سره: الشرطيتان واقعتان موقع اي المفسرة لحب الصبي لامه.
" قال الطاعة لأهل المعاصي " قال رحمه الله: ما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى على نبينا وآله وعليه السلام في وصف أصحاب تلك القرية، وما كانوا عليه من الخوف القليل، والأمل البعيد، والغفلة واللهو واللعب، والفرح باقبال الدنيا والخوف بادبارها، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا. نعوذ بالله من الغفلة، وسوء المنقلب.
" قال جبال من جمر " في القاموس الجمرة النار المتقدة، والجمع جمر، قال الشيخ المتقدم ذكره رحمه الله: هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث، وقد انعقد عليه الاجماع، ونطقت به الاخبار، ودل عليه القرآن العزيز، وقال به أكثر أهل الملل، وإن وقع الاختلاف في تفاصيله والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر، في الجملة، وأما كيفياتها وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل، وأكثرها مما لا تسعه عقولنا فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل، وصرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيف ما كان، وعلى أي نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده، ويجذع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه، وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف؟ وهل
القاطع زيد أو عمرو؟.
" قيل لنا كذبتم " دل على أنهم " لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " كما نطقت به الآية أو كذبتم فيما عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود، وربما يقرء بالتشديد اي كذبتم الرسل، فلا محيص عن عذابكم.
" قال يا روح الله " في بعض النسخ " يا روح الله وكلمته بقدس الله " فقوله:
بقدس الله متعلق بروح الله وكلمته يعني أيها الذي صار روح الله وكلمته بقدس الله كما قيل، ويحتمل أن يكون الباء بمعنى " مع " أي مع تقدسه عن أن يكون له روح وكلمة حقيقة.
ثم قال الشيخ البهائي رحمه الله: ثم لا يخفى أن ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم، فلما نزل العذاب عمه معهم، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي والاعتزال لهم، وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب، ومحترق بنارهم، وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم، وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: " إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسائت مصيرا " ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى، وفيه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه.
" فأنا معلق " هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح أيضا، والشفير حافة الوادي وجانبه " أكبكب فيها " على البناء للمفعول اي أطرح فيها على وجهي، وفي القاموس جرش الشئ لم ينعم دقه فهو جريش، وفي الصحاح ملح جريش لم يطيب " مع عافية الدنيا " اي إذا كان مع عافية الدنيا من الخطايا " والآخرة " من النار، أو فيه عافية الدنيا من تشويش
البال ومشقة تحصيل الأموال، وعافية الآخرة من العذاب والسؤال.
4 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله.
بيان: يدل على زيادة الحرص بزيادة المال وغيره من مطلوبات الدنيا كما هو المجرب.
5 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويلكم علماء سوء الاجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يقبل عمله، ويوشك أن تخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر، كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه.
بيان: " وأنتم ترزقون فيها بغير عمل " أي كد شديد كما قال تعالى " وما من دابة إلا على الله رزقها " " وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل " كما قال تعالى " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " " علماء سوء " بفتح السين قال الجوهري ساءه يسوؤه سوءا بالفتح نقيض سره والاسم السوء بالضم، وقرئ قوله " عليهم دائرة السوء " يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة، وتقول هذا رجل سوء بالإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول هذا رجل السوء قال الأخفش ولا يقال: الرجل
السوء لان السوء ليس بالرجل، قال: ولا يقال: هذا رجل السوء بالضم انتهى.
" الاجر تأخذون " بحذف حرف الاستفهام، وهو على الانكار، ويحتمل أن يكون المراد أجر الدنيا اي نعم الله سبحانه وعلى هذا يحتمل أن يكون توبيخا لا استفهاما وأن يكون المراد أجر الآخرة فالاستفهام متعين فالواو في قوله " والعمل " للحالية أي كيف تستحقون أخذ الأجرة والحال أنكم تضيعون العمل.
" أن يقبل عمله " أي يتوجه إلى أخذ عمله، وهو لا يأخذ ولا يقبل إلا العمل الخالص، فهو كناية عن الطلب ويؤيده أن في مجالس الشيخ " أن يطلب عمله " أو هو من الاقبال على الحذف والإيصال، أي يقبل على عمله.
وقال بعض الأفاضل: أريد برب العمل العابد الذي يقلد أهل العلم في عبادته أعني يعمل بما يأخذ عنهم، وفيه توبيخ لأهل العلم الغير العامل، وقرء بعضهم يقيل بالياء المثناة من الإقالة أي يرد عمله فان المقيل يرد المتاع.
6 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله تعالى الغنى في قلبه وجمع له أمره.
بيان: " أكبر همه " أي قصده أو حزنه " جعل الله الفقر بين عينيه " لأنه كلما يحصل له من الدنيا يزيد حرصه بقدر ذلك فيزيد احتياجه وفقره، أو لضعف توكله على الله يسد الله عليه بعض أبواب رزقه، وقيل فهو فقير في الآخرة لتقصيره فيما ينفعه فيها، وفي الدنيا لأنه يطلبها شديدا والغني من لا يحتاج إلى الطلب ولان مطلوبه كثيرا ما يفوت عنه، والفقر عبارة عن فوات المطلوب، وأيضا يبخل عن نفسه وعياله خوفا من فوات الدنيا وهو فقر حاضر.
" وشتت أمره " التشتيت التفريق لأنه لعدم توكله على ربه لا ينظر إلا إلى الأسباب ويتوسل بكل سبب ووسيلة، فيتحير في أمره ولا يدري وجه رزقه ولا ينتظم أحواله أو لشدة حرصه لا يقنع بما حصل له ويطلب الزيادة ولا يتيسر له فهو دائما في السعي والطلب ولا ينتفع بشئ، وحمله على تفرق أمر الآخرة بعيد.
" ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " يدل على أن الرزق مقسوم، ولا يزيد بكثرة السعي، كما قال تعالى " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " ولذلك منع الصوفية من طلب الرزق، والحق أن الطلب حسن، وقد يكون واجبا وتقديره لا ينافي اشتراطه بالسعي والطلب، ولزومه على الله بدون سعي غير معلوم وقيل قدر سد الرمق واجب على الله، ويحتمل أن يكون التقدير مختلفا في صورتي الطلب وتركه بأن قدر الله تعالى قدرا من الرزق بدون الطلب، لكن مع التوكل التام عليه، وقدرا مع الطلب، لكن شدة الحرص وكثرة السعي لا يزيده، وبه يمكن الجمع بين أخبار هذا الباب وسيأتي القول فيه في كتاب التجارة إنشاء الله تعالى.
وقيل: المراد بقوله " لم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " أنه لا ينتفع إلا بما قسم له، وإن زاد بالسعي فإنه يبقى للوارث، وهو حظه، وقيل: فيه إشارة إلى أن ذا المال الكثير قد لا ينتفع به بسبب مرض أو غيره، وذا المال القليل ينتفع به أكثر منه، ولا يخفى ما فيه.
" جعل الله الغنا في قلبه " اي بالتوكل على ربه والاعتماد عليه، وإخراج الحرص وحب الدنيا من قلبه لا بكثرة المال وغيره، ولذا نسبه إلى القلب.
" وجمع له أمره " اي جعل أحواله منتظمة وباله فارغا عن حب الدنيا وتشعب الفكر في طلبها.
7 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عمر - فيما أعلم - عن أبي علي الحذاء، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبعد ما يكون
العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه.
بيان: " إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه " اي لا يكون اهتمامه وعزمه و سعيه وغمه وحزنه إلا في مشتهيات البطن والفرج، في القاموس الهم الحزن وما هم به في نفسه، وهمه الامر حزنه كأهمه فاهتم انتهى فالمراد الافراط فيهما وقصر همته عليهما، وإلا فللبطن والفرج نصيب عقلا وشرعا وهو ما يحتاج إليه لقوام البدن واكتساب العلم والعمل وبقاء النوع.
8 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان عن حفص بن قرط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها.
بيان: " من كثر اشتباكه بالدنيا " اي اشتغاله وتعلق قلبه بها، يقال اشتبكت النجوم إذا كثرت وانضمت وكل متداخلين مشتبكان، ومنه تشبيك الأصابع لدخول بعضها في بعض، والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها.
9 - الكافي: عن علي، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد ابن مسلم بن عبيد الله قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام: اي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله أفضل من بغض الدنيا، فان لذلك لشعبا كثيرة، وللمعاصي شعب، فأول ما عصى الله به الكبر معصية إبليس حين " أبى واستكبر وكان من الكافرين " ثم الحرص وهي معصية آدم وحوا عليهما السلام حين قال الله عز وجل لهما " كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على
ذريتهما إلى يوم القيامة، وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه.
ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهم في حب الدنيا فقالت الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دنياء ان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.
بيان: قد مر هذا الخبر بعينه في باب ذم الدنيا " ما من عمل بعد معرفة الله " يدل على أن المعرفة أفضل لأنها أصل جميع الأخلاق والأعمال، ويدخل في معرفة الرسول معرفة الامام " فان لذلك " كأنه تعليل لكون بغض الدنيا بعد المعرفة أفضل وفيما مضى " وإن " كما في بعض النسخ هنا وهو أظهر، و " ذلك " إشارة إلى بغض الدنيا أو إلى الدنيا وقيل: المشار إليه العمل يعني أن للأعمال الصالحة لشعبا يرجع كلها إلى بغض الدنيا وللمعاصي شعبا يرجع كلها إلى حب الدنيا، ثم اكتفى ببيان أحدهما عن الآخر وكأن ما ذكرنا أظهر.
والمراد بالشعب الأولى أنواع الأخلاق والأعمال الفاضلة، والثانية أنواع المعاصي، والأولى مندرجة تحت بغض الدنيا، والثانية تحت حبها، فبغضها أفضل الأعمال لاشتماله على محاسن كثيرة كالتواضع المقابل للكبر والقنوع المقابل للحرص وهكذا وبحكم المقابلة حب الدنيا أقبح الأعمال لاشتماله على رذايل كثيرة وهي الكبر إلى آخر ما ذكر. " وذلك أن " وفي بعض النسخ " فلذلك " أي لدخول الحرص على ذريتهما وإنما قال " أكثر " لان طلب المحتاج إليه وهو القدر الضروري من الطعام واللباس والمسكن ونحوها ليس بمذموم بل ممدوح لأنه لا يمكن بدونه تكميل النفس بالعلم والعمل.
" حيث حسد أخاه " قيل حسده في قبول قربانه، وقيل: في حب النساء وقيل:
في حب الدنيا لئلا يكون له نسل يعيرون أولاده في رد قربانه وكأن المراد بحب الدنيا أولا حب المال أو حب البقاء في الدنيا وكراهة الموت، وبه ثانيا حب كل ما لا حاجة به في تحصيل الآخرة وقيل: يمكن أن يكون المراد بالسبع الكبر والحرص وحب النساء وحب الرياسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة وهما شعبة واحدة بقرينة عدم ذكر الحب في المعطوف وأما الحسد فقد اكتفى عنه بذكر شعبه وأنواعه " دنيا بلاغ " اي كفاف وكفاية أو تبلغ بها إلى الآخرة.
10 - الكافي: وبهذا الاسناد عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السلام عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي، يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها ولا يحقرها أحد إلا انتفع بها.
بيان: " جعلتها ملعونة " اللعن الطرد والابعاد والسب، وكأن المراد بلعنها لعن أهلها، أو كراهتها والمنع عن حبها وكل ما نهى الله تعالى عنها فقد لعنها وطردها وقيل: العرب تقول لكل شئ ضار ملعون، والشجرة الملعونة عندهم هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وكذلك حال الدنيا فان كل من ذاق شهواتها لعنها إذا أحس بضررها.
" ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي " أقول: هذا معيار كامل للدنيا الملعونة وغيرها، فكل ما كان في الدنيا ويوجب القرب إلى الله تعالى من المعارف والعلوم الحقة والطاعات وما يتوصل به إليها من المعيشة بقدر الضرورة والكفاف فهي من الآخرة، وليست من الدنيا، وكلما يصير سببا للبعد عن الله والاشتغال عن ذكره ويلهي عن درجات الآخرة وكمالاتها، وليس الغرض فيه القرب منه تعالى والوصول إلى رضاه، فهي الدنيا الملعونة.
قيل: ما يقع في الدنيا من الأعمال أربعة أقسام: الأول ما يكون ظاهره
وباطنه لله كالطاعات والخيرات الخالصة، الثاني ما يكون ظاهره وباطنه للدنيا كالمعاصي وكثير من المباحات أيضا لأنها مبدء البطر والغفلة، الثالث ما يكون ظاهره لله وباطنه للدنيا كالأعمال الريائية، الرابع عكس الثالث كطلب الكفاف لحفظ بقاء البدن والقوة على العبادة وتكميل النفس بالعلم والعمل.
" بقدر علمهم " أي بعيوبها وفنائها ومضرتها " مامن أحد عظمها فقرت عينه فيها " أي من عظمها وتعلق قلبه بها تصير سببا لبعده عن الله ولا تبقى الدنيا له فيخسر الدنيا والآخرة، ومن حقرها تركها ولم يأخذ منها إلا ما يصير سببا لتحصيل الآخرة فينتفع بها في الدارين.
11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته.
بيان: في القاموس جثم الانسان والطائر والنعام والخشف واليربوع يجثم ويجثم جثما وجثوما لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض انتهى والحاصل أن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ أي يبعثه على ارتكاب كل ضلالة ومعصية، أو يكون معه ويلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله " فإذا أعياه " المستتر راجع إلى ابن آدم، والبارز إلى الشيطان، أي لم يقبل منه ولم يطعه حتى أعياه، ترصد له واختفى عند المال فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام والشبهة.
والحاصل أن [المال أعظم مصائد الشيطان، إذ قل من لم يفتتن به عند تيسره له، وكأنه محمول على الغالب، إذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحب الجاه وبعض] الشهوات الغالبة وقيل فإذا أعياه أي أعجزه عن كل شهوة ولذة وذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر: يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل.
12 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم.
بيان: " إن الدينار والدرهم " أي حبهما وصرف العمر في تحصيلهما وتحصيل ما يتوقف عليهما " أهلكا من كان قبلكم " لان حبهما يمنع من حبه تعالى وصرف العمر فيهما يمنع من صرف العمر في طاعته تعالى والتمكن منهما يورث التمكن من كثير من المعاصي، ويبعثان على الأخلاق الدنية، والأعمال السيئة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبر والبخل، ومنع الحقوق، إلى غير ذلك مما لا يحصى، ومفارقتهما عند الموت تورث الحسرة والندامة وحبهما يمنع من حب لقاء الله تعالى وتركهما يوجب الراحة في الدنيا وخفة الحساب في العقبى.
13 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما، وقال أبو عبد الله عليه السلام: أغنى الغنا من لم يكن للحرص أسيرا وقال:
لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت.
بيان: كمثل دودة القز " هذا من أحسن التمثيلات للدنيا، وقد أنشد بعضهم فيه:
ألم تر أن المرء طول حياته * حريص على ما لا يزال يناسجه كدود كدود القز ينسج دائما * فيهلك غما وسط ما هو ناسجه
قوله عليه السلام: " أغنى الغنا " أي ليس الغنا وعدم الحاجة بكثرة المال بل بترك الحرص ، فان الحريص كلما ازداد ماله اشتد حرصه، فيكون أفقر وأحوج ممن لا مال له " لا تشعروا قلوبكم " أي لا تلزموه إياها ولا تجعلوه شعارها، في القاموس أشعره الامر وبه أعلمه، والشعار ككتاب ما تحت الدثار من اللباس، وهو يلي شعر الجسد، واستشعره لبسه، وأشعره غيره ألبسه إياه وأشعر الهم قلبي لزق به: وكلما ألزقته بشئ أشعرته به " الاشتغال بما قد فات " أي من أمور الدنيا، سواء لم يحصل أو حصل وفات، فان اشتغال القلب به يوجب غفلته عن ذكر الله تعالى وحبه، فإنه لا يجتمع حبان متضادان في قلب واحد.
14 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والثروة في دين المسلم.
بيان: " بأفسد " هنا بمعنى أشد إفسادا وإن كان نادرا.
15 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما ذئبان ضاريان في غانم ليس لها راع هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن.
بيان: بأسرع اي في القتل والافناء.
16 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يغني، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال.
بيان: " لا يغني " لأنه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه وأمله في الدنيا
ولا يمكنه الاحتراز عن آفاتها ومصائبها، فهو في الدنيا دائما في الغم لما فات والهم لما لم يحصل، فإذا فات فهو في أحزان وحسرات من مفارقتها، ولم يقدم منها شيئا ينفعه، فهمه لا يغني أبدا، والفرق بين الأمل والرجاء أن متعلق الأمل العمر والبقاء في الدنيا، ومتعلق الرجاء ما سواه، أو متعلق الأمل بعيد الحصول ومتعلق الرجاء قريب الوصول، ومعلوم أن محب الدنيا وطالبها يأمل منها ما لا مطمع في حصوله، لكن لشدة حرصه يطلبه ويأمله ويرجو الانتفاع بها، فيحول الاجل بينه وبينها، أو يرجو الآخرة وجمعها مع الدنيا، مع أنه لا يسعى لتحصيل الآخرة ويقصر همه على تحصيل الدنيا ونعم ما قيل:
يا طالب الرزق.. مجتهدا * أقصر عناك فان الرزق مقسوم لا تحرصن على ما لست تدركه * إن الحريص على الآمال محروم تتمة مهمة: قال بعض المحققين: اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة، ما هي؟ وما الذي ينبغي أن يجتنب وما الذي لا يجتنب؟ فلا بد أن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها، لكونها عدوة قاطعة لطريق الله، ما هي؟ فنقول:
دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى دنيا، وهي كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد الموت، فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة، فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو شيئان:
العلم والعمل، فقط، وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وافعاله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعة نبيه، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله، وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمشرب والمطعم في لذته، لأنه أشهى عنده من جميعها، فقد
صار حظا عاجلا في الدنيا، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا، بل قلنا إنه من الآخرة وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه، وهذا أيضا ليس من الدنيا المذمومة.
الثاني وهو المقابل للقسم الأول على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا، كالتلذذ بالمعاصي، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات والحاجات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور، والدور المشيدة ورفيع الثياب ولذائذ الأطعمة، فحظ العبد من هذه كلها هي الدنيا المذمومة، وفيما يعد فضولا وفي محل الحاجة نظر طويل.
الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للانسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه معين على القسم الأول، ووسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة على العلم والعمل، لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصربه من أبنائها، وإن كان باعثه الحظ العاجل، دون الاستعانة على التقوى، التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا.
ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث: صفاء القلب، وأنسه بذكر الله وحبه لله، وصفاء القلب لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا. والانس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر.
فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت، وهي الباقيات الصالحات، أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات، إذ تكون جنة بين العبد وبين عذاب الله وأما الانس والحب فهما من المسعدات، وهما موصلان العبد إلى لذة
اللقاء والمشاهدة، وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
وكيف لا يكون كذلك، ولم يكن له إلا محبوب واحد، وكانت العوائق تعوقه عن الانس بدوام ذكره ومطالعة جماله، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه، فقدم عليه مسرورا آمنا من العوائق آمنا من الفرق.
وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب منه، وحيل بينه وبينه، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه، وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى.
فاذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يحفظه من شهوات الدنيا، ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن، ويحتاج كل واحد إلى أسباب.
فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم ولحظ النفس صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها، إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى، ويعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالا.
والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن نوقش في الحساب عذب، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلالها حساب وحرامها عقاب وقد قال أيضا: حلالها عذاب. إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة، وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها، وهو أيضا عذاب، فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى
الله فان ذلك القدر ليس من الدنيا.
وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن، كان حذره من نعيم الدنيا أشد ولهذا روى الله تعالى الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وآله فكان يطوي أياما، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع، ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك نظرا لهم، وامتنانا عليهم، ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له، لا بخلا به عليه، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا وما هو لله فليس من الدنيا.
فان قلت: فما الذي هو لله؟ فأقول: الأشياء ثلاثة أقسام:
منها ما لا يتصور أن يكون لله، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات، وهي الدنيا المحضة المذمومة، فهي الدنيا صورة ومعنى.
ومنها ما صورتها لله، ويمكن أن يجعل لغير الله، وهي ثلاثة: الفكر والذكر والكف عن الشهوات، فهذه الثلاث إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله، وليست من الدنيا، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للشرف، وطلب القبول بين الخلق باظهار المعرفة، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى، وإن كان يظن بصورتها أنها لله.
ومنها ما صورتها لحظ النفس، ويمكن أن يجعل معناه لله، وذلك كالأكل والنكاح وكل ما لا يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، ولن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه، وإن كان صورته صورة الدنيا، قال صلى الله عليه وآله: من طلب من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.
انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة، ويعبر عنه بالهوى، وإليه أشار قوله تعالى: " ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى ".
واعلم أن مجامع الهوى خمسة أمور، وهي ما جمعه الله عز وجل في قوله:
" إنما الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " والأعيان التي تحصل منها هذه الأمور سبعة يجمعها قوله تعالى:
" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب " فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا، وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس فهو لله إن قصد منه وجه الله، والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة، ولها طرفان وواسطة، طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر، فان الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن، وطرف تتاخم جانب التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر، وبينهما وسائط متشابهة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والحزم في الحذر والتقوى، والتقرب من حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء والأولياء.
ثم قال: اعلم أن الدنيا عبارة من أعيان موجودة، وللانسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها، وليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله تعالى: " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " فالأرض فراش للادميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح.
ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان. أما المعادن فيطلبها الادمي للألات والأواني كالنحاس والرصاص أو للنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد، وأما النبات فيطلبها الادمي للاقتات والتداوي، وأما الحيوان فينقسم إلى الانسان والبهائم أما البهائم فيطلب لحومها للمأكل وظهورها للمركب والزينة، وأما الانسان فقد يطلب الادمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم و يستسخرهم كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيها التعظيم والاكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين.
فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين " وهذا من الانس " والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة " وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللئالي واليواقيت " والخيل المسمومة والانعام " وهي البهائم والحيوانات " والحرث " وهو النبات والزرع.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.