بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 8 أحوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله وسائر ما يتعلق بذلك
ج ۶، ص ۲۷۸–۲۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
وقال الصدوق رحمه الله في رسالة العقائد: اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لابد منها، فمن أجاب بالصواب فإذا بروح وريحان في قبره وبجنة نعيم في الآخرة ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره وتصلية جحيم في الآخرة، وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق والاستخفاف بالبول، وأشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجام، ويكون ذلك كفارة لما بقي عليه من الذنوب التي تكفرها الهموم والغموم والأمراض وشدة النزف عند الموت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن فاطمة بنت أسد في قميصه بعدما فرغت النساء من غسلها، وحمل جنازتها على عاتقه حتى أوردها قبرها، ثم وضعها ودخل القبر واضطجع فيه ثم قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها، ثم انكب عليها يناجيها طويلا ويقول لها: ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها التراب، ثم انكب على قبرها فسمعوه وهو يقول: اللهم إني أودعتها إياك، ثم انصرف، فقال له المسلمون: يا رسول الله إنا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم، فقال: اليوم فقدت بر أبي طالب إنها كانت يكون عندها الشئ فتؤثرني به على نفسها وولدها، وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة فقالت وا سوأتاه! فضمنت لها أن يبعثها الله تعالى كاسية، وذكرت ضغطة القبر فقالت: وا ضعفاه!
فضمنت لها أن يكفيها الله تعالى ذلك فكفنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه، وإنما سئلت عن ربها فقالت : الله، وسئلت عن
نبيها فأجابت، وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت لها: ابنك ابنك.
أقول: وقال الشيخ المفيد نور الله ضريحه في شرح هذا الكلام: جاءت الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله أن الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الاخبار بذلك متقاربة، فمنها أن ملكين لله تعالى يقال لهما: ناكر ونكير ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه ونبيه ودينه وإمامه فإن أجاب بالحق سلموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج عليه سلموه إلى ملائكة العذاب، وقيل في بعض الأخبار: إن اسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن مبشر وبشير، وقيل: إنه إنما سمي ملكا الكافر ناكرا ونكيرا لأنه ينكر الحق، وينكر ما يأتيانه به ويكرهه، وسمي ملكا المؤمن مبشرا وبشيرا لأنهما يبشرانه من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم، وإن هذين الاسمين ليسا بلقب لهما، وإنهما عبارة عن فعلهما، وهذه أمور تتقارب بعضها من بعض ولا تستحيل معانيها والله أعلم بحقيقة الامر فيها، وقد قلنا فيما سلف: إنما ينزل الملكان على من محض الايمان محضا، أو محض الكفر محضا، ومن سوى هذين فيلهى عنه، وبينا أن الخبر جاء بذلك فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه.
فصل: وليس ينزل الملكان إلا على حي ولا يسألان إلا من يفهم المسألة ويعرف معناها، وهذا يدل على أن الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمسألة، ويديم حياته بنعيم إن كان يستحقه، أو بعذاب إن كان يستحقه - نعوذ بالله من سخطه ونسأله التوفيق لما يرضيه برحمته - والغرض من نزول الملكين ومسألتهما العبد أن الله يؤكل بالعبد بعد موته ملائكة النعيم وملائكة العذاب، وليس للملائكة طريق إلى ما يستحقه العبد إلا بإعلام الله تعالى ذلك لهم، فالملكان اللذان ينزلان على العبد أحدهما من ملائكة النعيم، والآخر من ملائكة العذاب، فإذا هبطا لما وكلا به استفهما حال العبد بالمسألة
فإن أجاب بما يستحق به النعيم قام بذلك ملك النعيم وعرج عنه ملك العذاب، وإن ظهرت فيه علامة استحقاقه العذاب وكل به ملك العذاب وعرج عنه ملك النعيم، وقد قيل: إن الملائكة الموكلين بالنعيم والعقاب غير الملكين الموكلين بالمسألة، وإنما يعرف ملائكة النعيم وملائكة العقاب ما يستحقه العبد من جهة ملكي المسألة، فإذا سائلا العبد وظهر منه ما يستحق به الجزاء تولى منه ذلك ملائكة الجزاء، وعرج ملكا المسألة إلى مكانهما من السماء، وهذا كله جائز ولسنا نقطع بأحد دون صاحبه، إذ الاخبار فيه متكافئة، والعادة لنا في معنى ما ذكرناه التوقف والتجويز.
فصل: وإنما وكل الله تعالى ملائكة المسألة وملائكة العذاب والنعيم بالخلق تعبدا لهم بذلك، كما وكل الكتبة من الملائكة عليهم السلام بحفظ أعمال الخلق وكتبها ونسخها ورفعها تعبدا لهم بذلك، وكما تعبد طائفة من الملائكة بحفظ بني آدم وطائفة منهم بإهلاك الأمم، وطائفة بحمل العرش، وطائفة بالطواف حول البيت المعمور، وطائفة بالتسبيح، وطائفة بالاستغفار للمؤمنين، وطائفة بتنعيم أهل الجنة، وطائفة بتعذيب أهل النار والتعبد لهم بذلك ليثيبهم عليها، ولم يتعبد الله الملائكة بذلك عبثا كما لم يتعبد البشر والجن بما تعبدهم به لعبا بل تعبد الكل للجزاء، وما تقتضيه الحكمة من تعريفهم نفسه تعالى والتزامهم شكر النعمة عليهم، وقد كان الله تعالى قادرا على أن يفعل العذاب بمستحقه من غير واسطة وينعم المطيع من غير واسطة، لكنه علق ذلك على الوسائط لما ذكرناه وبينا وجه الحكمة فيه ووصفناه، وطريق مسألة الملكين الأموات بعد خروجهم من الدنيا بالوفاة هو السمع، وطريق العلم برد الحياة إليهم عند المسألة هو العقل، إذ لا تصح مسألة الأموات واستخبار الجمادات، وإنما يحسن الكلام للحي العاقل لما يكلم به، وتقريره وإلزامه بما يقدر عليه، مع أنه قد جاء في الخبر أن كل مسأل ترد إليه الحياة عند مساءلتهم ليفهم ما يقال له، فالخبر بذلك أكد ما في العقل، ولو لم يرد بذلك خبر لكفى حجة العقل فيه على ما بيناه. انتهى كلامه رحمه الله.
وأقول: لما كانت هذه المسألة من أعظم الأصول الاسلامية وقد أكثرت المتفلسفة والملاحدة الشبه فيها ورام بعض من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه تأويلها وتحريفها
أطنبت الكلام فيها بعض الاطناب، وأرجو من فضل ربي أن يوفقني لان أعمل في ذلك رسالة مفردة عن هذا الكتاب، والله الموفق لكل خير وصواب. وقد أثبتنا الاخبار النافعة في هذا المقصد الأقصى في باب الاحتضار، وباب الجريدتين، وباب الدفن، وباب التلقين وغيرها من أبواب الجنائز، وباب أحوال أولاد آدم، وأبواب معجزات الأئمة عليهم السلام وغرائب أحوالهم، وسيأتي خبر طويل في تكلم سلمان مع بعض الأموات في باب أحواله رضي الله عنه، وسيأتي في أكثر الأبواب ما يناسب الباب لا سيما في باب فضل فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وباب فضل ليلة الجمعة ويومها، وأبواب المواعظ، و أبواب فضائل الاعمال وغيرها مما تطول الإشارة إليها فكيف ذكرها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.