بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 8 أحوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله وسائر ما يتعلق بذلك
ج ۶، ص ۲۵۳–۲۷۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۴
وقال صلى الله عليه وآله: من صلى علي مرة صليت عليه عشرا، ومن صلى علي عشرا صليت عليه مائة، فليكثر امرؤ منكم الصلاة علي أو فليقل. فبين أنه صلى الله عليه وآله بعد خروجه من الدنيا يسمع الصلاة عليه، ولا يكون كذلك إلا وهو حي عند الله تعالى، وكذلك أئمة الهدى صلوات الله عليهم يسمعون سلام المسلم عليهم من قرب ويبلغهم سلامه من بعد، وبذلك جاءت الآثار الصادقة عنهم، وقد قال الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء " الآية.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه وقف على قليب بدر فقال للمشركين الذين قتلوا يومئذ وقد ألقوا في القليب: لقد كنتم جيران سوء لرسول الله صلى الله عليه وآله، أخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه، فقد وجدت ما وعدني ربي حقا، فقال له عمر: يا رسول الله ما خطابك لهام قد صديت؟ فقال له: مه يا بن الخطاب، فوالله
ما أنت بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع الحديد إلا أن أعرض بوجهي هكذا عنهم.
وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه ركب بعد انفصال الامر من حرب البصرة فصار يتخلل بين الصفوف حتى مر على كعب بن سورة - وكان هذا قاضي البصرة ولاه إياها عمر بن الخطاب فأقام بها قاضيا بين أهلها زمن عمر وعثمان، فلما وقعت الفتنة بالبصرة علق في عنقه مصحفا وخرج بأهله وولده يقاتل أمير المؤمنين عليه السلام فقتلوا بأجمعهم - فوقف عليه أمير المؤمنين وهو صريع بين القتلى فقال: أجلسوا كعب بن سورة، فاجلس بين نفسين، فقال: يا كعب بن سورة قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ ثم قال: أضجعوا كعبا، وسار قليلا فمر بطلحة بن عبد الله صريعا فقال: أجلسوا طلحة، فأجلسوه، فقال: يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ ثم قال: أضجعوا طلحة، فقال له رجل من أصحابه:
يا أمير المؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال: يا رجل فوالله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا من الأخبار الدالة على أن بعض من يموت ترد إليه روحه لتنعيمه أو لتعذيبه، وليس ذلك بعام في كل من يموت بل هو على ما بيناه. انتهى كلامه رحمه الله.
وأقول: أما تشنيعه على الصدوق رحمه الله بالقول بسبق الأرواح فسيأتي في كتاب السماء والعالم أخبار مستفيضة في ذلك ولا استبعاد فيه، ولم يقم برهان تام على نفيه، وما ذكره من أنه لابد أن يذكر الانسان تلك الحالة فغير مسلم مع بعد العهد وتخلل حالة الجنينية والطفولية وغيرهما بينهما، ولا استبعاد في أن ينسيه الله تعالى ذلك لكثير من المصالح، مع أنا لا نذكر أكثر أحوال الطفولية فأي استبعاد في نسيان ما قبلها؟ وأما القول ببقاء الأرواح فقد قال رحمه الله به في بعضها فأي استبعاد في القول بذلك في جميعها؟ وما ذكره من الاخبار لا يدل على فناء الأرواح الملهو عنهم، بل على
عدم إثابتها وتعذيبها، وإن كان الطعن على الصدوق في أنه يتضمن كلامه أنه لا يفني الله الأرواح في وقت من الأوقات فليس كلامه مصرحا بذلك مع أن في إفنائها أيضا كلاما سيأتي في موضعه.
88 - أمالي الطوسي: محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن أبي عبد الله محمد بن علي، عن محمد بن جعفر بن بطة، عن محمد بن الحسن، عن حمزة بن يعلى، عن محمد بن داود النهدي، عن علي بن الحكم، عن الربيع بن محمد المسلمي عن عبد الله بن سليمان عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن زيارة القبور، قال: إذا كان يوم الجمعة فزرهم، فإنه من كان منهم في ضيق وسع عليه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يعلمون بمن أتاهم في كل يوم، فإذا طلعت الشمس كانوا سدى، قلت: فيعلمون بمن أتاهم فيفرحون به؟
قال: نعم ويستوحشون له إذا انصرف عنهم. " ص 71 " بيان: السدى بالضم ويفتح: المهمل، ولعل المعنى: أنهم يوم الجمعة بعد طلوع الشمس أيضا مهملون غير معذبين، أو المعنى أنه يوسع عليهم في يوم الجمعة أو الزيارة في يوم الجمعة تصير سببا لذلك. وقوله: ما بين طلوع الفجر استيناف كلام. أي في كل يوم يطلعون على زوارهم في ذلك الوقت لأنهم في القبور فإذا طلعت الشمس يرخص لهم فيخرجون من قبورهم.
89 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب، قال: ومنهم من يزور كل جمعة ومنهم من يزور على قدر عمله. " ف ج 1 ص 62 "
90 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا وهو يأتي أهله عند زوال الشمس، فإذا رأى أهله يعملون بالصالحات حمد الله على ذلك، وإذا رأى الكافر أهله يعملون بالصالحات كانت عليه حسرة. " ف ج 1 ص 62 "
91 - الكافي: العدة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: سألته عن الميت يزور أهله؟ قال: نعم، فقلت: في كم يزور؟ قال:
في الجمعة وفي الشهر وفي السنة على قدر منزلته، فقلت: في أي صورة يأتيهم؟ قال: في صورة طائر لطيف يسقط على جدرهم ويشرف عليهم، فإن رآهم بخير فرح، وإن رآهم بشر وحاجة وحزن اغتم. " ف ج 2 ص
62 - 63 "
92 - الكافي: العدة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن درست الواسطي عن إسحاق بن عمار، عن عبد الرحيم القصير قال: قلت له: المؤمن يزور أهله؟ فقال:
نعم يستأذن ربه فيأذن له فيبعث معه ملكين فيأتيهم في بعض صور الطير يقع في داره ينظر إليهم ويسمع كلامهم. " ف ج 1 ص 63 "
93 - الكافي: العدة، عن سهل، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام: يزور المؤمن أهله؟ فقال: نعم، فقلت: في كم؟ قال على قدر فضائلهم، منهم من يزور في كل يوم، ومنهم من يزور في كل يومين، ومنهم من يزور في كل ثلاثة أيام، قال: ثم رأيت في مجرى كلامه يقول: أدناهم منزلة يزور كل جمعة، قال: قلت: في أي ساعة؟ قال: عند زوال الشمس ومثل ذلك، قال:
قلت: في أي صورة؟ قال: في صورة العصفور أو أصغر من ذلك، يبعث الله عزو جل معه ملكا فيريه ما يسره، ويستر عنه ما يكره، فيرى ما يسره ويرجع إلى قرة عين. " ف ج 1 ص 63 "
أقول: روى السيد في سعد السعود من كتاب عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي قال: أخبرنا محمد بن علي، عن أبي جعفر بن عبد الجبار، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: كان أبو الحسن موسى عليه السلام في دار أبيه فتحول منها بعياله، فقلت له:
جعلت فداك أتحولت من دار أبيك؟ فقال: إني أحببت أن أوسع على عيال أبي إنهم كانوا في ضيق فأحببت أن أوسع عليهم حتى يعلم أني وسعت على عياله، قلت: جعلت فداك هذا للامام خاصة أو للمؤمنين؟ قال: هذا للامام وللمؤمنين، ما من مؤمن إلا وهو يلم بأهله كل جمعة، فإن رأى خيرا حمد الله عز وجل، وإن رأى غير ذلك استغفر واسترجع.
94 - الكافي: العدة، عن سهل، عن الحسن بن علي، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعلي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا حمل عدو الله إلى قبره نادى حملته: ألا تسمعون يا إخوتاه، إني أشكوا إليكم ما وقع فيه أخوكم الشقي: إن عدو الله خدعني فأوردني ثم لم يصدرني. وأقسم لي إنه ناصح لي فغشني وأشكو إليكم دنيا غرتني حتى إذا اطمأننت إليها صرعتني، وأشكو إليكم أخلاء الهوى منوني ثم تبرؤوا مني وخذلوني، وأشكو إليكم أولادا حميت عنهم وآثرتهم على نفسي فأكلوا مالي وأسلموني، وأشكو إليكم مالا منعت فيه حق الله فكان وباله علي وكان نفعه لغيري، وأشكو إليكم دارا أنفقت عليها حريبتي وصار سكانها غيري وأشكو إليكم طول الثوى في قبري ينادي: أنا بيت الدود، أنا بيت الظلمة والوحشة والضيق، يا إخوتاه فاحبسوني ما استطعتم، واحذروا مثل ما لقيت، فإني قد بشرت بالنار والذل والصغار وغضب العزيز الجبار، وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله ويا طول
عولتاه فمالي من شفيع يطاع، ولا صديق يرحمني، فلو أن لي كرة فأكون من المؤمنين. " ف ج 1 ص
63 - 64 "
95 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. وزاد فيه: فما يفتر ينادي حتى يدخل قبره، فإذا ادخل حفرته ردت الروح في جسده، وجاء ملكا القبر فامتحناه، قال: وكان أبو جعفر عليه السلام يبكي إذا ذكر هذا الحديث. " ف ج 1 ص 64 "
96 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: ما ندري كيف نصنع بالناس؟! إن حدثناهم بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله ضحكوا، وإن سكتنا لم يسعنا. قال: فقال ضمرة بن مبعد: حدثنا، فقال: هل تدرون ما يقول عدو الله إذا حمل على سريره؟ قال: فقلنا:
لا، قال: فإنه يقول لحملته: ألا تسمعون؟ إني أشكو إليكم عدو الله خدعني وأوردني ثم لم يصدرني، وأشكو إليكم إخوانا واخيتهم فخذلوني، وأشكو إليكم دارا أنفقت فيها حريبتي فصار سكانها غيري، فارفقوا بي ولا تستعجلوا. قال ضمرة: يا أبا الحسن إن كان هذا يتكلم بهذا الكلام يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه، قال: فقال علي بن الحسين عليه السلام: اللهم إن كان ضمرة هزأ من حديث رسولك فخذه أخذ أسف، قال: فمكث أربعين يوما ثم مات، فحضره مولى له قال: فلما دفن أتى علي بن
الحسين عليه السلام فجلس إليه فقال له: من أين جئت يا فلان؟ قال: من جنازة ضمرة، فوضعت وجهي عليه حين سوي عليه فسمعت صوته والله أعرفه كما كنت أعرفه وهو حي وهو يقول: ويلك يا ضمرة بن معبد! اليوم خذلك كل خليل وصار مصيرك إلى الجحيم فيها مسكنك ومبيتك والمقيل. قال: فقال علي بن الحسين عليهما السلام: أسأل الله العافية، هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله. " ف ج 1 ص 64 " توضيح: حريبة الرجل ماله الذي يعيش به.
97 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال، عن ثعلبة عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يسأل في القبر إلا من محض الايمان محضا، أو محض الكفر محضا، والآخرون يلهون عنهم. " ف ج 1 ص 64 "
98 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما يسأل في قبره من محض الايمان والكفر محضا، وأما ما سوى ذلك فيلهى عنه. " ف ج 1 ص 64 "
99 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن ابن بكير، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. " ف ج 1 ص 64 "
100 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يسأل في القبر إلا من محض الايمان محضا، أو محض الكفر محضا.
" ف ج 1 ص 64 " بيان: من محض بفتح الميم اسم موصول، وبكسر الميم حرف جر وقراءة محض مصدرا ليكون المعنى: أنه لا يسأل عن الاعمال بل عن العقائد تصحيف يأباه صريح الاخبار، بل المعنى: أنه لا يسأل عن المستضعفين المتوسطين بين الايمان والكفر.
101 - الكافي: بهذا الاسناد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يسأل وهو مضغوط " ف ج 1 ص 64 "
بيان: لعل المعنى أن الضغطة والسؤال متلازمان، فكل من لا يضغط لا يسأل وبالعكس، أو يسأل في حالة الضغطة، ويحتمل أن يكون الغرض إثبات الحالتين حسب.
102 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن البطائني عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيفلت من ضغطه القبر أحد؟ قال: فقال:
نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر! إن رقية لما قتلها عثمان وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على قبرها فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها واستوهبتها من ضغطة القبر، قال: فقال: اللهم هب لي رقية من ضغطة القبر فوهبها الله له. قال: وإن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في جنازة سعد وقد شيعه سبعون ألف ملك فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إلى السماء ثم قال: مثل سعد يضم؟
قال: قلت: جعلت فداك إنا نحدث أنه كان يستخف بالبول، فقال: معاذ الله إنما كان من زعارة في خلقه على أهله، قال: فقالت أم سعد: هنيئا لك يا سعد، قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم سعد لا تحتمي على الله. " ف ج 1 ص 64 "
103 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن غالب بن عثمان، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يجئ الملكان:
منكر ونكير إلى الميت حين يدفن، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يخطان الأرض بأنيابهما، ويطئان في شعورهما، فيسألان الميت: من ربك وما دينك؟ قال: فإذا كان مؤمنا قال: الله ربي، وديني الاسلام، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي خرج بين ظهرانيكم؟ فيقول: أعن محمد رسول الله تسألاني؟
فيقولان له: تشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله، فيقولان له: ثم نومة لا حلم فيها، ويفسح له في قبره تسعة أذرع، ويفتح له باب إلى الجنة ويرى مقعده فيها، وإذا كان الرجل كافرا دخلا عليه وأقيم الشيطان بين يديه، عيناه من
نحاس، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي قد خرج من بين ظهرانيكم، فيقول: لا أدري، فيخليان بينه وبين الشيطان فيسلط عليه في قبره تسعة وتسعين تنينا، ولو أن تنينا واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شجرا أبدا، ويفتح له باب إلى النار ويرى مقعده فيها. " ف ج 1 ص 64 " ايضاح: قال الجزري: فيه: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان: الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن، والحلم على ما يراه من الشر والشئ القبيح.
104 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أصلحك الله من المسؤولون في قبورهم؟ قال: من محض الايمان ومن محض الكفر، قال: قلت: فبقية هذا الخلق؟ قال: يلهون والله عنهم ما يعبأ بهم، قال:
وقلت: وعم يسألون؟ قال: عن الحجة القائمة بين أظهركم فيقال للمؤمن: ما تقول في فلان بن فلان؟ فيقول: ذاك إمامي، فيقول: نم أنام الله عينيك، ويفتح له باب من الجنة فما يزال يتحفه من روحها إلى يوم القيامة، ويقال للكافر: ما تقول في فلان بن فلان؟
قال: فيقول: قد سمعت به وما أدري ما هو! فيقال له: لا دريت، قال: ويفتح له باب من النار فلا يزال يتحفه من حرها إلى يوم القيامة. " ف ج 1 ص
64 - 65 "
105 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن جميل، عن عمرو بن الأشعث أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: يسأل الرجل في قبره فإذا أثبت فسح له في قبره سبعة أذرع وفتح له باب إلى الجنة، وقيل له: نم نومة العروس قرير العين. " ف ج 1 ص 65 "
106 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا وضع الرجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه، وملك عن يساره، وأقيم الشيطان بين عينيه، عيناه
من نحاس فيقال له: كيف تقول في الرجل الذي كان بين ظهرانيكم؟ قال: فيفزع له فزعة، فيقول إذا كان مؤمنا: أعن محمد رسول الله صلى الله تسألاني؟ فيقولان له: نم نومة لا حلم فيها، ويفسح له في قبره تسعة أذرع، ويرى مقعده من الجنة، وهو قول الله عز وجل: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " فإذا كان كافرا قالا له: من هذا الرجل الذي خرج بين ظهرانيكم؟ فيقول: لا أدري، فيخليان بينه وبين الشيطان. " ف ج 1 ص 65 " الحسين بن سعيد أو النوادر: النضر، عن عاصم مثله.
107 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: يقال للمؤمن في قبره: من ربك؟ قال: فيقول: الله، فيقال له: ما دينك؟ فيقول: الاسلام، فيقال: من نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وآله، فيقال: من إمامك؟ فيقول: فلان، فيقال: كيف علمت بذلك؟
فيقول: أمر هداني الله له وثبتني عليه، فيقال له: نم نومة لا حلم فيها نومة العروس، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيدخل إليه من روحها وريحانها، فيقول: يا رب عجل قيام الساعة لعلي أرجع إلى أهلي ومالي، ويقال للكافر. من ربك؟ فيقول: الله، فيقال: من نبيك؟ فيقول: محمد، فيقال: ما دينك؟ فيقول: الاسلام، فيقال: من أين علمت ذلك؟
فيقول: سمعت الناس يقولون فقلت، فيضربانه بمرزبة لو اجتمع عليها الثقلان: الإنس والجن لم يطيقوها، قال: فيذوب كما يذوب الرصاص، ثم يعيدان فيه الروح فيوضع قلبه بين لوحين من نار، فيقول: يا رب أخر قيام الساعة. " ف ج 1 ص 65 " الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن أبي البلاد مثله.
بيان: هذا الخبر يدل على أن إسلام المخالفين لعدم توسلهم بأئمة الهدى عليهم السلام ظني تقليدي لم يهدهم الله للرسوخ فيه، وإنما الهداية واليقين مع متابعتهم عليهم السلام.
108 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد،
عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إن المؤمن إذا اخرج من بيته شيعه الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الأرض: مرحبا بك وأهلا، أما والله لقد كنت أحب أن يمشي علي مثلك، لترين ما أصنع بك، فيوسع له مد بصره، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر: منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الاسلام، فيقولان:
من نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وآله، فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، افرشوا له في قبره من الجنة، وافتحوا له في قبره بابا إلى الجنة، وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا، وما عندنا خير له، ثم يقال له: نم نومة العروس نم نومة لا حلم فيها. قال: وإن كان كافرا خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه حتى إذا انتهي إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحبا بك ولا أهلا، أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي علي مثلك، لا جرم لترين ما أصنع بك اليوم، فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه، قال: ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر: منكر ونكير، قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ فقال: لا، قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له: من ربك؟ فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت، ويقولان له ما دينك؟ فيتلجلج، فيقولان له: لا دريت، ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ويسأل من إمام زمانه قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النار، وألبسوه من ثياب النار، وافتحوا له بابا إلى النار حتى يأتينا، وما عندنا شر له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا يتطاير قبره نارا، لو ضرب بتلك المرزبة جبال
تهامة لكانت رميما. وقال أبو عبد الله عليه السلام: ويسلط الله عليه في قبره الحيات تنهشه نهشا، والشيطان يغمه غما، قال: ويسمع عذابه من خلق الله إلا الجن والإنس، قال:
وإنه ليسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم، وهو قول الله عز وجل: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ".
" ف ج 1 ص 65 " تفسير العياشي: عن أبي بصير مثله.
بيان: قوله: لا دريت دعاء عليه، أو استفهام إنكاري أي علمت وتمت الحجة عليك في الدنيا وإنما جحدت بشقاوتك.
109 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن كولوم، عن أبي سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه، قال: فيتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه. " ف ج 1 ص
65 - 66 " 110 - الكافي: علي بن محمد، عن أحمد الخراساني، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا وضع الميت في قبره مثل له شخص فقال له: يا هذا كنا ثلاثة، كان رزقك فانقطع بانقطاع أجلك، وكان أهلك فخلفوك وانصرفوا عنك، وكنت عملك فبقيت معك، أما إني كنت أهون الثلاثة عليك. " ف ج 1 ص 66 "
111 - الكافي: عنه، عن أبيه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يسأل الميت في قبره
عن خمس: عن صلاته، وزكاته، وحجه، وصيامه، وولايته إيانا أهل البيت، فتقول الولاية عن جانب القبر للأربع: ما دخل فيكن من نقص فعلي تمامه. " ف ج 1 ص 66 "
112 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: سألته عن المصلوب: يعذب عذاب القبر؟ قال: فقال: نعم إن الله عز وجل يأمر الهواء أن يضغطه.
" ف ج 1 ص 66 " وفي رواية أخرى: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المصلوب يصيبه عذاب القبر؟ فقال:
إن رب الأرض هو رب الهواء، فيوحي الله عز وجل إلى الهواء فيضغطه ضغطة أشد من ضغطة القبر. " ف ج 1 ص 66 "
113 - الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: لما ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر، ورسول الله صلى الله عليه وآله بتلقاه بثوبه قائم يدعو، قال: إني لأعرف ضعفها وسألت الله عز وجل أن يجيرها من ضمة القبر. " ف ج 1 ص 66 "
114 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قبر إلا وهو ينطق كل يوم ثلاث مرات: أنا بيت التراب، أنا بيت البلى، أنا بيت الدود، قال: فإذا دخله عبد مؤمن قال: مرحبا و أهلا، أما والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فيكف إذا دخلت بطني؟! فسترى ذلك قال: فيفسح له مد البصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنة، قال: ويخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئا أحسن منه فيقول: يا عبد الله ما رأيت شيئا قط أحسن
منك، فيقول: أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه وعملك الصالح الذي كنت تعمله، قال: ثم تؤخذ روحه فتوضع في الجنة حيث رأى منزله، ثم يقال له: نم قرير العين، فلا تزال نفحة من الجنة تصيب جسد ، يجد لذتها وطيبها حتى يبعث، قال: وإذا دخل الكافر قالت:
لا مرحبا بك ولا أهلا، أما والله لقد كنت أبغضك وأنت تمشي على ظهري، فكيف إذا دخلت بطني؟ سترى ذلك، فتضم عليه فتجعله رميما ويعاد كما كان، ويفتح له باب إلى النار فيرى مقعده من النار، ثم قال: ثم إنه يخرج منه رجل أقبح من رأى قط قال: فيقول:
يا عبد الله من أنت؟ ما رأيت شيئا أقبح منك! قال: فيقول: أنا عملك السيئ الذي كنت تعمله، ورأيك الخبيث، قال: ثم تؤخذ روحه فتوضع حيث رأى مقعده من النار، ثم لم تزل نفحة من النار تصيب جسده فيجد ألمها وحرها إلى يوم البعث، ويسلط على روحه تسعة وتسعون تنينا تنهشه ليس فيها تنين تنفخ على ظهر الأرض فتنبت شيئا. " ف ج 1 ص 66 "
115 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي، عن غالب بن عثمان، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقبر كلاما في كل يوم، يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. " ف ج 1 ص 66 "
116 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن حماد، عن عمرو بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني سمعتك وأنت تقول: كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم، قال صدقتك، كلهم والله في الجنة، قال:
قلت: جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبائر، فقال: أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي، ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة. " ف ج 1 ص 66 "
117 - الكافي: علي بن محمد، عن علي بن الحسن، عن الحسين بن راشد، عن المرتجل بن
معمر، عن ذريح المحاربي، عن عباية الأسدي، عن حبة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولا، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال: قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك؟ قال: نعم ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون، فقلت أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن. " ف ج 1 ص
66 - 67 "
118 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن عمر رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن أخي ببغداد وأخاف أن يموت بها، فقال: ما تبالي حيثما مات، أما إنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلا حشره الله روحه إلى وادي السلام، فقلت له: وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون. " ف ج 1 ص 67 "
119 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش، فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم. " ف ج 1 ص 67 "
120 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن مثنى الحناط عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأولنا. " ف ج 1 ص 67 "
121 - الكافي: سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن درست بن أبي منصور، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تعارف وتسائل، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها فإنها قد أفلتت من هول عظيم، ثم يسألونها: ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم، تركته حيا ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك قالوا: قد هوى هوى. " ف ج 1 ص 67 "
122 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أرواح المؤمنين فقال:
في حجرات في الجنة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأولنا. " ف ج 1 ص 67 " الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن أبي عمير، عن علي، عن أبي بصير مثله.
123 - الكافي: علي، عن أبيه، عن محسن بن أحمد، عن محمد بن حماد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا مات الميت اجتمعوا عنده يسألونه عمن مضى و عمن بقي فإن كان مات ولم يرد عليهم قالوا: قد هوى هوى، ويقول بعضهم لبعض:
دعوه حتى يسكن مما مر عليه من الموت. " ف ج 1 ص 67 "
124 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد، عن الحسين بن أحمد، عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟ فقلت: يقولون: تكون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله! المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، يا يونس إذا كان ذلك أتاه محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة و الحسن والحسين والملائكة المقربون عليهم السلام فإذا قبضه الله عز وجل صير تلك الروح
في قالب كقالبه في الدنيا ، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. " ف ج 1 ص 67 " الحسين بن سعيد أو النوادر: القاسم مثله.
125 - الكافي: محمد بن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نتحدث عن أرواح المؤمنين أنها في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوى إلى قناديل تحت العرش، فقال: لا، إذا ما هي في حواصل الطير، قلت: فأين هي؟ قال: في روضة كهيئة الأجساد في الجنة. " ف ج 1 ص 67 "
126 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أرواح المشركين، فقال: في النار يعذبون، يقولون:
ربنا لا تقم لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا، ولا تلحق آخرنا بأولنا. " ف ج 1 ص 67 " الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن أبي عمير: عن علي، عن أبي بصير مثله.
127 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن مثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها يقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا، ولا تلحق آخرنا بأولنا. " ف ج 1 ص 67 "
128 - دعوات الراوندي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ليس بيننا وبين الجنة أو النار إلا الموت.
فذلكة: اعلم أن الذي ظهر من الآيات لكثيرة والأخبار المستفيضة والبراهين القاطعة هو أن النفس باقية بعد الموت، إما معذبة إن كان ممن محض الكفر، أو منعمة إن كان ممن محض الايمان، أو يلهى عنه إن كان من المستضعفين، ويرد إليه الحياة في القبر إما كاملا أو إلى بعض بدنه كما مر في بعض الأخبار، ويسأل بعضهم عن بعض العقائد وبعض الاعمال، ويثاب ويعاقب بحسب ذلك، وتضغط أجساد بعضهم، وإنما السؤال والضغطة في الأجساد الأصلية، وقد يرتفعان عن بعض المؤمنين كمن لقن كما سيأتي، أو مات في ليلة الجمعة أو يومها أو غير ذلك مما مر وسيأتي في تضاعيف أخبار
هذا الكتاب، ثم تتعلق الروح بالأجساد المثالية اللطيفة الشبيهة بأجسام الجن و الملائكة، المضاهية في الصورة للأبدان الأصلية فينعم ويعذب فيها، ولا يبعد أن يصل إليه الآلام ببعض ما يقع على الأبدان الأصلية لسبق تعلقه بها، وبذلك يستقيم جميع ما ورد في ثواب القبر وعذابه واتساع القبر وضيقه، وحركة الروح وطيرانه في الهواء وزيارته لأهله، ورؤية الأئمة عليهم السلام بأشكالهم، ومشاهدة أعدائهم معذبين، وسائر ما ورد في أمثال ذلك مما مر وسيأتي، فالمراد بالقبر في أكثر الاخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ، وهذا يتم على تجسم الروح وتجرده، وإن كان يمكن تصحيح بعض الأخبار بالقول بتجسم الروح أيضا بدون الأجساد المثالية، لكن مع ورود الأجساد المثالية في الأخبار المعتبرة المؤيدة بالأخبار المستفيضة لا محيص عن القول بها، وليس هذا من التناسخ الباطل في شئ، إذ التناسخ لم يتم دليل عقلي على امتناعه إذ أكثرها عليلة مدخولة ولو تمت لا تجري أكثرها فيما نحن فيه كما لا يخفى على من تدبر فيها، والعمدة في نفيه ضرورة الدين وإجماع المسلمين، وظاهر أن هذا غير داخل فيما انعقد الاجماع والضرورة على نفيه، كيف وقد قال به كثير من المسلمين كشيخنا المفيد قدس الله روحه وغيره من علمائنا المتكلمين والمحدثين؟ بل لا يبعد القول بتعلق الروح بالأجساد المثالية عند النوم أيضا كما يشهد به ما يرى في المنام، وقد وقع في الاخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها كما مر، بل يمكن أن يكون للنفوس القوية العالية أجساد مثالية كثيرة كأئمتنا صلوات الله عليهم حتى لا نحتاج إلى بعض التأويلات والتوجيهات في حضورهم عند كل ميت، وسائر ما سيأتي في كتاب الإمامة في غرائب أحوالهم من عروجهم إلى السماوات كل ليلة جمعة وغير ذلك.
ثم اعلم أن عذاب البرزخ وثوابه مما اتفقت عليه الأمة سلفا وخلقا، وقال به
أكثر أهل الملل ولم ينكره من المسلمين إلا شرذمة قليلة لا عبرة بهم، وقد انعقد الاجماع على خلافهم سابقا ولاحقا، والأحاديث الواردة فيه من طرق العامة والخاصة متواترة المضمون، وكذا بقاء النفوس بعد خراب الأبدان مذهب أكثر العقلاء من المليين و الفلاسفة، ولم ينكره إلا فرقة قليلة كالقائلين بأن النفس هي المزاج وأمثاله ممن لا يعبأ بهم ولا بكلامهم، وقد عرفت ما يدل عليه من الاخبار الجلية وقد أقيمت عليه البراهين العقلية، ولنذكر بعض كلمات علماء الفريقين في المقامين.
قال نصير الملة والدين قدس الله روحه في التجريد: عذاب القبر واقع لامكانه وتواتر السمع بوقوعه.
وقال العلامة الحلي نور الله ضريحه في شرحه: نقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر، والاجماع على خلافه.
وقال الشيخ المفيد رحمه الله في أجوبة المسائل السروية - حيث سئل: ما قوله أدام الله تأييده في عذاب القبر وكيفيته؟ ومتى يكون؟ وهل ترد الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا؟ وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين؟ - الجواب:
الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل.
وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: ليس يعذب في القبر كل ميت، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر محضا، ولا ينعم كل ماض لسبيله، وإنما ينعم منهم من محض الايمان محضا، فأما ما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم، وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه، فأما عذاب الكافر في قبره ونعيم المؤمنين فيه فإن الخبر أيضا قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته ينعمه فيها إلى يوم الساعة، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف، وأمر به إلى جنة الخلد، فلا يزال منعما ببقاء الله عز وجل غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا، بل تعدل طباعه ، وتحسن صورته، فلا يهرم مع تعديل الطباع، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب، والكافر يجعل
في قالب كقالبه في الدنيا في محل عذاب يعاقب به، ونار يعذب بها حتى الساعة، ثم أنشئ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد، ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه، وقد قال الله عز وجل اسمه: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " وقال في قصة الشهداء: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " فدل على أن العذاب والثواب يكونان قبل يوم القيامة وبعدها، والخبر وارد بأنه يكون مع فراق الروح الجسد من الدنيا، والروح ههنا عبارة عن الفعال الجوهر البسيط، وليس بعبارة عن الحياة التي يصح معها العلم والقدرة لأن هذه الحياة عرض لا يبقى ولا يصح الإعادة فيه فهذا ما عول عليه بالنقل وجاء به الخبر على ما بيناه.
ثم سئل رحمه الله: ما قوله أدام الله تمكينه في معنى قول الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " أهم أحياء في الحقيقة على ما تقتضيه الآية أم الآية مجاز؟ وأن أجسادهم الآن في قبورهم أم في الجنة؟ فإن المعتزلة من أصحاب أبي هاشم يقولون: إن ا لله تعالى ينزع من جسد كل واحد منهم أجزاءا قدر ما يتعلق به الروح، وأنه تعالى يرزقهم على ما نطقت به الآية، وما سوى هذا من أجزاء أبدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى.
الجواب: هذا المحكي عن أصحاب أبي هاشم لان المحفوظ عنه الانسان المخاطب المأمور المنهي هو البنية التي لا تصح الحياة إلا بها وما سوى ذلك من الجسد ليس بإنسان ولا يتوجه إليه أمر ولا نهي ولا تكليف، وإن كان القوم يزعمون أن تلك البنية لا تفارق ما جاورها من الجسد فيعذب أو ينعم فهو مقال يستمر على أن البنية التي ذكروها هو المكلف المأمور المنهي، وباقي جسده في القبر، إلا أنهم لم يذكروا كيف يعذب من عذب ويثاب من أثيب؟ أفي دار غير الدنيا أم فيها؟ وهل يحيى بعد الموت أو تفارق الجملة في الدنيا فلا يلحقه موت؟ ثم لم يحك عنهم في أي محل يعذبون ويثابون؟
وفيما قالوه من ذلك فليس به أثر ولا يدل عليه العقل، وإنما هو يخرج منهم على الظن والحساب، ومن بنى مذهبه على الظن في مثل هذا الباب كان بمقالته مفتريا، ثم الذي
يفسد قولهم من بعد ما دل على أن الانسان المأمور المنهي هو الجوهر البسيط، وأن الاجزاء المؤلفة لا يصح أن تكون فعالة، ودلائل ذلك يطول بإثباتها الكتاب، وفيما أومأنا إليه منها كفاية فيما تعلق به السؤال وبالله التوفيق.
وسئل عنه قدس الله روحه في المسائل العكبرية عن قول الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله " الآية، هل يكون الرزق لغير جسم؟ وما صورة هذه الحياة؟
فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئا، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن والكافر؟ فأجاب رحمه الله بأن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان، والحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات أخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد، وتعذر عليهم كثير من الافعال إلا بها، فإن اغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا يحصل لهم به اللذات، وإن افتقروا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء، فأما قوله:
ما صورة هذه الحياة؟ فالحياة لا صورة لها لأنها عرض من الاعراض وهي تقوم بالذات الفعالة دون الأجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم والقدرة ونحوهما من الاعراض، وقوله: إنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئا فليس ذلك كما ظن، ولو كان كما توهم لم يمتنع أن توجد الحياة لبعض الجواهر وترفع عن بعض، كما توجد حياة النمو لبعض الأجساد وترفع من بعض بالاتفاق، ولو قلنا:
إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار تعم أهل الكفر والايمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين، فكانت الحياة لأهل الايمان شرطا في وصول اللذات إليهم، والحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب انتهى.
وقال شارح المقاصد: اتفق الاسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه، ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة، قال بعض المتأخرين منهم: حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو، وإنما نسب إلى المعتزلة - وهم برآء منه - لمخالطة ضرار إياهم، وتبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحق و نحوه، قال في المواقف: وقال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية: عذاب القبر للمؤمن والفاسق والكافر حق لقوله تعالى: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا "
الآية، وقوله: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ولقوله صلى الله عليه وآله: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، فيقال: هذا مقعدك حتى نبعثك يوم القيامة. وقوله صلى الله عليه وآله: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. وقوله صلى الله عليه وآله: القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. ونقل العلامة التفتازاني عن السيد أبي الشجاع أن الصبيان يسألون وكذا الأنبياء عليهم السلام. وقيل: إن الأنبياء لا يسألون لان السؤال على ما ورد في الحديث عن ربه وعن دينه وعن نبيه، ولا يعقل السؤال عن النبي صلى الله عليه وآله من نفس النبي، وأنت خبير بأنه لا يدل على عدم السؤال مطلقا بل عدم السؤال عن نبيه فقط، وذلك أيضا في الذي لا يكون على ملة نبي آخر. واختلف الناس في عذاب القبر فأنكره قوم بالكلية وأثبته آخرون، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من أثبت التعذيب وأنكر الاحياء وهو خلاف العقل، وبعضهم لم يثبت العذاب بالفعل بل قال: تجتمع الآلام في جسده فإذا حشر أحس بها دفعة، وهذا إنكار لعذاب القبر حقيقة، ومنهم من قال بإحيائه لكن من غير إعادة الروح، ومنهم من قال بالاحياء وإعادة الروح ولا يلزم أن يرى أثر الحياة فيه حتى أن المأكول في بطن الحيوانات يحيى ويسأل وينعم ويعذب ولا ينبغي أن ينكر لان من أخفى النار في الشجر الأخضر قادر على إخفاء العذاب والنعيم. قال الامام الغزالي في الاحياء:
اعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا:
أحدها - وهو الأظهر والأصح - أن تصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ولكنا لا نشاهد ذلك، فإن ذلك العين لا يصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتية، و كل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل عليه السلام، وما كانوا يشاهدونه، ويؤمنون أنه صلى الله عليه وآله يشاهده؟ فإن كنت لا تؤمن بهذا، فتصحيح الايمان بالملائكة والوحي عليك أوجب، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي صلى الله عليه وآله ما لا تشاهده الأمة فيكف لا تجوز هذا في الميت؟.
المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم فإنه يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم
بذلك حتى يرى في نومه يصيح ويعرق جبينه، وقد ينزعج من مكانه، كل ذلك يدرك من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى في حواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل، ولكنه في حقك غير مشاهد، و إن كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد.
المقام الثالث أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم ثم السم ليس هو الألم، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك من غير سم فكان ذلك العذاب قد توفر، وقد لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة، والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود الحيات.
فإن قلت: ما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من لم يثبت إلا الثالث، وإنما الحق الذي انكشف لنا من طريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الامكان، وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله وعجائب تدبيره منكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ولم يألفه، وذلك جهل وقصور، بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكن، والتصديق بها واجب، ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع الثلاثة، هذا هو الحق فصدق به.
ثم قال: وسؤال منكر ونكير حق لقوله صلى الله عليه وآله: إذا أقبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: منكر، وللآخر: نكير، يقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح في قبره سبعين ذراعا في سبعين ذراعا، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله، حتى يبعثه الله من مضجعة ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله، لا أدري!
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيه معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وأنكر الجبائي وابنه و
البلخي تسمية الملكين منكرا ونكيرا، وقالوا: إنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل، والنكير إنما هو تقريع الكافر، وهو خلاف ظاهر الحديث، والأحاديث الصحيحة الدالة على عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين أكثر من أن تحصر بحيث يبلغ قدره المشترك حد التواتر وإن كان كل منها خبر الآحاد، واتفق عليه السلف الصالح قبل ظهور المخالف، وأنكره مطلقا ضرار بن عمرو وأكثر متأخري المعتزلة، وبعض الروافض متمسكين بأن الميت جماد فلا يعذب، وما سبق حجة عليهم، ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذا، فإن للنفس نشأت، وفي كل نشأة تشاهد صورا تقتضيها تلك النشأة، فكما أنها تشاهد في المنام أمورا لم تكن تشاهد في اليقظة فكذا تشاهد في حال الانخلاع عن البدن أمورا لم تكن تشاهد في الحياة، وإلى هذا يشير من قال: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
انتهى كلامه.
ولا يخفى على أحد أن ما نسبه هو وغيره إلى الشيعة في هذا الباب فرية بلا مرية، ولا يوجد من ذلك في كتبهم عين ولا أثر، وقد سمعت بعض كلماتهم في ذلك، ولعله رأى ذلك في بعض كتب الملاحدة من الإسماعيلية وغيرهم الملصقين بهذه الفرقة المحقة فنسب ذلك إليهم مجملا، وهذا تدليس قبيح ولا سيما من الفضلاء.
ثم اعلم أنه روى العامة في كتبهم عن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا مات أحدكم وسويتم عليه التراب فليقم أحدكم عند قبره ثم ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة - الثانية - فيستوي قاعدا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ فقال: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء.
وقال الشيخ البهائي قدس الله روحه: قد يتوهم أن القول بتعلق الأرواح بعد
مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح اخر كما دلت عليه الأحاديث قول بالتناسخ، وهذا توهم سخيف لان التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الأرواح بعد خراب أجسادها بأجسام اخر في هذا العالم، إما عنصرية كما يزعم بعضهم ويقسمه إلى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ، أو فلكية ابتداءا أو بعد ترددها في الأبدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلها، وأما القول بتعلقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدة البرزخ إلى أن تقوم قيامتها الكبرى فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها إما بجمع إجزائها المتشتتة أو بإيجادها من كتم العدم كما أنشأها أول مرة فليس من التناسخ في شئ، وإن سميته تناسخا فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمى، وليس إنكارنا على التناسخية وحكمنا بتكفيرهم بمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر، فإن المعاد الجسماني كذلك عند كثير من أهل الاسلام، بل بقولهم بقدم النفوس وترددها في أجسام هذا العالم وإنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الأخروية.
قال الفخر الرازي في نهاية العقول: إن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح و ردها إلى الأبدان لا في هذا العالم، والتناسخية يقولون بقدمها وردها إليها في هذا العالم، وينكرون الآخرة والجنة والنار، وإنما كفروا من أجل هذا الانكار انتهى كلامه ملخصا. فقد ظهر البون البعيد بين القولين، انتهى كلامه زاد الله في إكرامه.
ثم اعلم أن مقتضى قواعد العدلية وظواهر النصوص الماضية والآتية أنه إنما يسأل في القبر المكلفون الكاملون لا الأطفال والمجانين والمستضعفون، وأما الأنبياء والأئمة عليهم السلام وإن كان المفهوم من فحوى عدم سؤال من لقن وأمثالهم وما مر أنه يسأل وهو مضغوط على بعض محتملاته وغيره مما يدل على رفعة شأنهم عدم السؤال عنهم، لكن لما لم نر فيه نصا صريحا فالأولى عدم التعرض له نفيا وإثباتا، ولذا لم يتعرض له علماؤنا رضوان الله عليهم.
قال صاحب المحجة البيضاء في مذهب آل العباء: اختلف أهل السنة في أن الأنبياء عليهم السلام هل يسألون في القبر أم لا؟ وكذا في الأطفال، فقيل: الأصح أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون. وقال الصفار: ليس في هذا نص ولا خبر ولا دليل فانتفي ذلك عنهم، وما روي عنه صلى الله عليه وآله من الاستعاذة عن عذاب القبر فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى الله
تعالى، وقيل: هو تحكم محض لجواز أن يقال: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه فكما جاز أن يسأل المؤمن عما آمن به فيقال: من ربك وما دينك؟ فكذا الرسول يسأل عما آمن به، فعلم أن حمل الاستعاذة على المبالغة تحكم بغير دليل، ولان النبي صلى الله عليه وآله صاحب عهدة عظيمة لأنه إنما بعث لبيان الشرائع وصرف القلوب إلى الله تعالى فلم لا يجوز أن يسأل عما كان في عهدته؟ حتى قيل: وسؤالهما الأنبياء بهذه العبارة: على ماذا تركتم أمتكم؟ والحق أن الأئمة كالأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين في هذه الأمور كلها، ولم أر في كتب الامامية هذه المسألة لا نفيا ولا إثباتا، والذي يطمئن إليه قلبي أنهم مع الأئمة سلام الله عليهم مستثنون من هذه الأحكام. انتهى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.