پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث

باب 23 علل الشرايع والأحكام الآيات، المائدة 5 ما يريد الله

ج ۶، ص ۵۷–۸۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶

الأعراف " 7 " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء 28.

حمسعق " 42 " الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان 17.

الرحمن " 55 " والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان

7 - 8.

تفسير: قد فسر جماعة من المفسرين الميزان في الآيتين بالشرع، وبعضهم بالعدل وبعضهم بالميزان المعروف. وأما الاخبار ففيها ثلاثة فصول:

الفصل الأول العلل التي رواها الفضل بن شاذان.

1 - عيون أخبار الرضا (ع)، علل الشرائع: حدثني عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار بنيسابور في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان، وحدثنا الحاكم أبو جعفر محمد بن نعيم بن شاذان رحمه الله، عن عمه أبي عبد الله محمد بن شاذان قال: قال الفضل بن شاذان النيسابوري: إن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز أن يكلف الحكيم عبده فعلا من الأفاعيل لغير علة ولا معنى؟ قيل له: لا يجوز ذلك لأنه حكيم غير عابث ولا جاهل.

فإن قال: فأخبرني لم كلف الخلق؟ قيل: لعلل.

فإن قال: فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة؟

قيل: بل هي معروفة وموجودة عند أهلها.

فإن قال: أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟ قيل لهم: منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه.

فإن قال: فما أول الفرائض؟ قيل: الاقرار بالله عز وجل (وبرسوله و حجته ع) وبما جاء من عند الله عز وجل.

فإن قال: لم أمر الله الخلق بالاقرار بالله وبرسله وحججه وبما جاء من عند الله عز وجل؟ قيل: لعلل كثيرة: منها أن من لم يقر بالله عز وجل لم يجتنب معاصيه ولم ينته عن ارتكاب الكبائر، ولم يراقب أحدا فيما يشتهي ويستلذ من الفساد و الظلم، فإذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لاحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين، ووثوب بعضهم على بعض، فغصبوا الفروج والأموال وأباحوا الدماء والنساء (والسبي ع) وقتل بعضهم بعضا من غير حق ولا جرم، فيكون في ذلك خراب الدنيا، وهلاك الخلق، وفساد الحرث والنسل.

ومنها أن الله عز وجل حكيم، ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد، ويأمر بالصلاح، ويزجر عن الظلم، وينهى عن الفواحش، ولا يكون حظر الفساد والامر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلا بعد الاقرار بالله عز وجل ومعرفة الآمر والناهي، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفته لم يثبت أمر بصلاح، ولا نهي عن فساد إذ لا آمر ولا ناهي.

ومنها أنا وجدنا الخلق قد يفسدون بأمور باطنة، مستورة عن الخلق، فلولا الاقرار بالله عز وجل وخشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحدا في ترك معصية، وانتهاك حرمة، وارتكاب كبيرة، إذا كان فعله ذلك مستورا عن الخلق، غير مراقب لاحد، وكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين، فلم يكن قوام الخلق و صلاحهم إلا بالاقرار منهم بعليم خبير، يعلم السر وأخفى، آمر بالصلاح، ناه عن الفساد، لا تخفى عليه خافية، ليكون في ذلك انزجار لهم عما يخلون به من أنواع الفساد.

فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والاقرار بهم والاذعان لهم بالطاعة؟

قيل: لأنه لما لم يكن في خلقهم وقولهم وقواهم ما يكملون لمصالحهم، وكان

الصانع متعاليا عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا لم يكن بد من رسول بينه وبينهم، معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويقفهم على ما يكون به إحراز منافعهم ودفع مضارهم، إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجئ الرسول منفعة ولا سد حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثا لغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شئ.

فإن قال: فلم جعل اولي الامر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة:

منها أن الخلق لما وقعوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد (تلك الحدود ع) لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم و رئيس لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابد لهم منه ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة، وذهب الدين، وغيرت السنة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين،

غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله لفسدوا على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع و السنن والأحكام والايمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين.

فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل: لعلل:

منها أن الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتفق فعلهما وتدبيرهما، و ذلك أنا لم نجد اثنين إلا مختلفي الهم والإرادة، فإذا كانا اثنين ثم اختلف همهما وإرادتهما وتدبيرهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه، فكان يكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد، ثم لا يكون أحد مطيعا لأحدهما إلا وهو عاص للآخر فتعم المعصية أهل الأرض، ثم لا يكون لهم مع ذلك السبيل إلى الطاعة والايمان، ويكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع الذي وضع لهم باب الاختلاف والتشاجر إذ أمرهم باتباع المختلفين.

ومنها أنه لو كانا إمامين كان لكل من الخصمين أن يدعو إلى غير ما يدعو إليه صاحبه في الحكومة، ثم لا يكون أحدهما أولى بأن يتبع من صاحبه فتبطل الحقوق والأحكام والحدود.

ومنها أنه لا يكون واحد من الحجتين أولى بالنطق والحكم والأمر والنهي من الآخر، فإذا كان هذا كذلك وجب عليهما أن يبتدئا بالكلام، وليس لأحدهما أن يسبق صاحبه بشئ إذا كانا في الإمامة شرعا واحدا، فإن جاز لأحدهما السكوت جاز السكوت للآخر مثل ذلك، وإذا جاز لهما السكوت بطلت الحقوق والأحكام وعطلت الحدود، وصارت الناس كأنهم لا إمام لهم.

فإن قال: فلم لا يجوز أن يكون الامام من غير جنس الرسول عليه السلام؟ قيل: لعلل:

منها أنه لما كان الامام مفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه ويتميز بها من غيره، وهي القرابة المشهورة، والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه.

ومنها أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل إذ جعل أولاد الرسل أتباعا لأولاد أعدائه، كأبي جهل وابن أبي معيط، لأنه قد يجوز بزعمه أن ينتقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين، فيصير أولاد الرسول تابعين، وأولاد أعداء الله وأعداء رسوله متبوعين، وكان الرسول أولى بهذه الفضيلة من غيره وأحق.

ومنها أن الخلق إذا أقروا للرسول بالرسالة وأذعنوا له بالطاعة لم يتكبر أحد منهم عن أن يتبع ولده ويطيع ذريته ولم يتعاظم ذلك في أنفس الناس، وإذا كان في غير جنس الرسول كان كل واحد منهم في نفسه أنه أولى به من غيره، ودخلهم من ذلك الكبر، ولم تسخ أنفسهم بالطاعة لمن هو عندهم دونهم، فكان يكون في ذلك داعية لهم إلى الفساد والنفاق والاختلاف.

فإن قال: فلم وجب عليهم الاقرار والمعرفة بأن الله تعالى واحد أحد؟ قيل:

لعلل: منها أنه لو لم يجب عليهم الاقرار والمعرفة لجاز أن يتوهموا مدبرين أو أكثر من ذلك، وإذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره لان كل إنسان منهم كان لا يدري لعله إنما يعبد غير الذي خلقه، ويطيع غير الذي أمره، فلا يكونون على حقيقة من صانعهم وخالقهم، ولا يثبت عندهم أمر آمر ولا نهي ناه، إذ لا يعرف الآمر بعينه ولا الناهي من غيره.

ومنها أنه لو جاز أن يكون اثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يعبد ويطاع من الآخر، وفي إجازة أن يطاع ذلك الشريك إجازة أن لا يطاع الله، وفي أن لا يطاع

الله عز وجل الكفر بالله وبجميع كتبه ورسله، وإثبات كل باطل، وترك كل حق، وتحليل كل حرام، وتحريم كل حلال، والدخول في كل معصية، والخروج من كل طاعة، وإباحة كل فساد، وإبطال لكل حق. ومنها أنه لو جاز أن يكون أكثر من واحد لجاز لإبليس أن يدعي أنه ذلك الآخر، حتى يضاد الله تعالى في جميع حكمه، ويصرف العباد إلى نفسه، فيكون في ذلك أعظم الكفر وأشد النفاق.

فإن قال: فلم وجب عليهم الاقرار لله بأنه ليس كمثله شئ؟ قيل: لعلل:

منها أن يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره، غير مشتبه عليهم أمر ربهم وصانعهم ورازقهم. ومنها أنهم لو لم يعلموا أنه ليس كمثله شئ لم يدروا لعل ربهم وصانعهم هذه الأصنام التي نصبتها لهم آباؤهم والشمس والقمر والنيران إذا كان جائزا أن يكون عليهم مشبهة، وكان يكون في ذلك الفساد، وترك طاعاته كلها، وارتكاب معاصيه كلها، على قدر ما يتناهي إليهم من أخبار هذه الأرباب وأمرها ونهيها.

ومنها أنه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شئ لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والتغيير والزوال والفناء والكذب و الاعتداء، ومن جازت عليه هذه الأشياء لم يؤمن فناؤه ولم يوثق بعدله، ولم يحقق قوله وأمره ونهيه، ووعده وعيده وثوابه وعقابه، وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبية .

فإن قال: لم أمر الله تعالى العباد ونهاهم؟ قيل: لأنه لا يكون بقاؤهم وصلاحهم إلا بالأمر والنهي والمنع عن الفساد والتغاصب.

فإن قال: فلم تعبدهم؟ قيل: لئلا يكونوا ناسين لذكره، ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذ كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تركوا بغير تعبد لطال عليهم الأمد فقست قلوبهم.

فإن قال: فلم أمروا بالصلاة؟ قيل: لان في الصلاة الاقرار بالربوبية، وهو صلاح عام لان فيه خلع الأنداد، والقيام بين يدي الجبار بالذل والاستكانة والخضوع، والاعتراف وطلب الإقالة من سالف الذنوب، ووضع الجبهة على الأرض كل يوم وليلة، ليكون العبد ذاكرا لله تعالى غير ناس له، ويكون خاشعا، وجلا، متذللا، طالبا، راغبا في الزيادة للدين والدنيا، مع ما فيه من الانزجار عن الفساد، وصار ذلك عليه في كل يوم وليلة لئلا ينسى العبد مدبره وخالقه فيبطر ويطغى، وليكون في ذكر خالقه والقيام بين يدي ربه زاجرا له عن المعاصي، وحاجزا ومانعا عن أنواع الفساد.

فإن قال: فلم أمروا بالوضوء وبدئ به؟ قيل: لان يكون العبد طاهر إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه، مطيعا له فيما أمره، نقيا من الأدناس و النجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار.

فإن قال: لم وجب ذلك على الوجه واليدين والرأس والرجلين؟ قيل: لان العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوضوء، وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب (ويرهب ويتبتل ع) وينسك، وبرأسه يستقبل في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد.

فإن قال: فلم وجب الغسل على الوجه واليدين، وجعل المسح على الرأس و الرجلين، ولم يجعل ذلك غسلا كله أو مسحا كله؟ قيل: لعلل شتى: منها أن العبادة العظمى إنما هي الركوع والسجود، وإنما يكون الركوع والسجود بالوجه واليدين لا بالرأس والرجلين.

ومنها أن الخلق لا يطيقون في كل وقت غسل الرأس والرجلين ويشتد ذلك عليهم في البرد والسفر والمرض وأوقات من الليل والنهار ، وغسل الوجه واليدين أخف من غسل الرأس والرجلين، وإنما وضعت الفرائض على قدر أقل الناس طاقة من أهل الصحة ثم عم فيها القوي والضعيف.

ومنها أن الرأس والرجلين ليسا هما في كل وقت باديين ظاهرين كالوجه و اليدين، لموضع العمامة والخفين وغير ذلك.

فإن قال: فلم وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الأشياء؟ قيل: لان الطرفين هما طريق النجاسة، وليس للانسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه إلا منهما، فامروا بالطهارة عندما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم، وأما النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه (واسترخى ع) وكان أغلب الأشياء عليه في الخروج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلة.

فإن قال: فلم لم يؤمروا بالغسل من هذه النجاسة كما أمروا بالغسل من الجنابة؟

قيل: لان هذا شئ دائم غير ممكن للخلق الاغتسال منه كلما يصيب ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والجنابة ليس هي أمرا دائما، إنما هي شهوة يصيبها إذا أراد، ويمكنه تعجيلها وتأخيرها الأيام الثلاثة والأقل والأكثر، وليس ذلك هكذا.

فإن قال: فلم أمروا بالغسل من الجنابة ولم يؤمروا بالغسل من الخلاء وهو أنجس من الجنابة وأقذر؟ قيل: من أجل أن الجنابة من نفس الانسان وهو شئ يخرج من جميع جسده، والخلاء ليس هو من نفس الانسان إنما هو غذاء يدخل من باب و يخرج من باب.

أقول: في بعض نسخ علل الشرائع زيادة هي هذه: فإن قال: فلم صار الاستنجاء فرضا؟ قيل: لأنه لا يجوز للعبد أن يقوم بين يدي الجبار وشئ من ثيابه وجسده نجس قال مصنف هذا الكتاب: غلط الفضل وذلك لان الاستنجاء به ليس بفرض، و إنما هو سنة. رجعنا إلى كلام الفضل انتهى.

ولنرجع إلى المشترك بين الكتابين: فإن قال: أخبرني عن الاذان لم أمروا به؟

قيل: لعلل كثيرة: منها أن يكون تذكيرا للساهي، وتنبيها للغافل، وتعريفا لمن جهل الوقت واشتغل عن الصلاة، وليكون ذلك داعيا إلى عبادة الخالق، مرغبا فيها، مقرا له بالتوحيد، مجاهرا بالايمان، معلنا بالاسلام، مؤذنا لمن نسيها، وإنما يقال:

مؤذن، لأنه يؤذن بالصلاة.

فإن قال: فلم بدئ فيه بالتكبير قبل التسبيح والتهليل والتحميد؟ قيل: لأنه أراد أن يبدأ بذكره واسمه لان اسم الله تعالى في التكبير في أول الحرف، وفي التسبيح والتهليل والتحميد اسم الله في آخر الحرف فبدئ بالحرف الذي اسم الله في أوله لا في آخره.

فإن قال: فلم جعل مثنى مثنى؟ قيل: لان يكون مكررا في آذان المستمعين، مؤكدا عليهم، إن سها أحد عن الأول لم يسه عن الثاني، ولان الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جعل الاذان مثنى مثنى.

فإن قال: فلم جعل التكبير في أول الاذان أربعا؟ قيل: لان أول الاذان إنما يبدو غفلة، وليس قبله كلام يتنبه المستمع له فجعل ذلك تنبيها للمستمعين لما بعده في الاذان.

فإن قال: فلم جعل بعد التكبير شهادتين؟ قيل: لان أول الايمان التوحيد والاقرار بالله عز وجل بالوحدانية، والثاني الاقرار بالرسول بالرسالة، وأن طاعتهما

ومعرفتهما مقرونتان، وأن أصل الايمان إنما هو الشهادة، فجعل شهادتين في الاذان كما جعل في سائر الحقوق شهادتين، فإذا أقر لله بالوحدانية وأقر للرسول بالرسالة فقد أقر بجملة الايمان، لان أصل الايمان إنما هو الاقرار بالله وبرسوله.

فإن قال: فلم جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة؟ قيل: لان الاذان إنما وضع لموضع الصلاة وإنما هو نداء إلى الصلاة، فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الاذان فقدم المؤذن قبلها أربعا: التكبيرتين والشهادتين، وأخر بعدها أربعا يدعو إلى الفلاح حثا على البر والصلاة، ثم دعا إلى خير العمل، مرغبا فيها وفي عملها وفي أدائها، ثم نادى بالتكبير والتهليل ليتم بعدها أربعا، كما أتم قبلها أربعا، وليختم كلامه بذكر الله تعالى كما فتحه بذكر الله تعالى. فإن قال: فلم جعل آخرها التهليل ولم يجعل آخرها التكبير كما جعل في أولها التكبير؟ قيل: لان التهليل اسم الله في آخره فأحب الله تعالى أن يختم الكلام باسمه كما فتحه باسمه.

فإن قال: فلم لم يجعل بدل التهليل التسبيح أو التحميد واسم الله في آخرهما؟ قيل: لان التهليل هو إقرار لله تعالى بالتوحيد وخلع الأنداد من دون الله، وهو أول الايمان وأعظم التسبيح والتحميد.

فإن قال: فلم بدئ في الاستفتاح والركوع والسجود والقيام والقعود بالتكبير؟

قيل: للعلة التي ذكرناها في الاذان.

فإن قال: فلم جعل الدعاء في الركعة الأولى قبل القراءة؟ ولم جعل في الركعة الثانية القنوت بعد القراءة؟ قيل: لأنه أحب أن يفتح قيامه لربه وعبادته بالتحميد والتقديس والرغبة والرهبة، ويختمه بمثل ذلك، ليكون في القيام عند القنوت طول

فأحرى أن يدرك المدرك الركوع فلا تفوته الركعة في الجماعة.

فإن قال: فلم أمروا بالقراءة في الصلاة؟ قيل: لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا، وليكون محفوظا فلا يضمحل ولا يجهل.

فإن قال: فلم بدئ بالحمد في كل قراءة دون سائر السور؟ قيل: لأنه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد، وذلك أن قوله: " الحمد لله " إنما هو أداء لما أوجب الله تعالى على خلقه من الشكر، وشكر لما وفق عبده للخير " رب العالمين " تمجيد له وتحميد وإقرار بأنه هو الخالق المالك لا غيره " الرحمن الرحيم " استعطاف وذكر لآلائه ونعمائه على جميع خلقه، " مالك يوم الدين " إقرار بالبعث والحساب والمجازاة، وإيجاب له ملك الآخرة كما أوجب له ملك الدنيا، " إياك نعبد " رغبة وتقرب إلى الله عز وجل وإخلاص بالعمل له دون غيره " وإياك نستعين " استزادة من توفيقه وعبادته واستدامة لما أنعم عليه ونصره، " اهدنا الصراط المستقيم " استرشاد لأدبه واعتصام بحبله واستزادة في المعرفة بربه وبعظمته وكبريائه " صراط الذين أنعمت عليهم " توكيد في السؤال والرغبة، وذكر لما قد تقدم من نعمه على أوليائه، ورغبة في ذلك النعم " غير المغضوب عليهم " استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين، المستخفين به وبأمره ونهيه " ولا الضالين " اعتصام من أن يكون من الضالين الذين ضلوا عن سبيله من غير معرفة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فقد اجتمع فيه من جوامع الخير والحكمة في أمر الآخرة والدنيا ما لا يجمعه شئ من الأشياء.

فإن قال: فلم جعل التسبيح في الركوع والسجود؟ قيل: لعلل: منها أن يكون

العبد مع خضوعه وخشوعه وتعبده وتورعه واستكانته وتذلله وتواضعه وتقربه إلى ربه مقدسا له، ممجدا، مسبحا، معظما، شاكرا لخالقه ورازقه، وليستعمل التسبيح والتحميد كما استعمل التكبير والتهليل، وليشغل قلبه وذهنه بذكر الله فلا يذهب به الفكر والأماني إلى غير الله.

فإن قال: فلم جعل أصل الصلاة ركعتين؟ ولم زيد على بعضها ركعة وعلى بعضها ركعتان ولم يزد على بعضها شئ؟ قيل: لان أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة لان أصل العدد واحد، فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة، فعلم الله عز وجل أن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والاقبال عليها، فقرن إليها ركعة ليتم بالثانية ما نقص من الأولى، ففرض الله عز وجل أصل الصلاة ركعتين، ثم علم رسول الله صلى الله عليه وآله أن العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به وكماله فضم إلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين، ليكون فيهما تمام الركعتين الأوليين، ثم علم أن صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للانصراف إلى الأوطان (الافطار خ ل) والاكل والوضوء والتهيئة للمبيت، فزاد فيها ركعة واحدة ليكون أخف عليهم، ولان تصير ركعات الصلاة في اليوم والليلة فردا، ثم ترك الغداة على حالها لان الاشتغال في وقتها أكثر، والمبادرة إلى الحوائج فيها أعم ولان القلوب فيها أخلا من الفكر لقلة معاملات الناس بالليل، ولقلة الاخذ و الاعطاء، فالانسان فيها أقبل على صلاته منه في غيرها من الصلوات لان الفكر أقل لعدم العمل من الليل.

فإن قال: فلم جعل التكبير في الاستفتاح سبع مرات؟ قيل: لان الفرض

منها واحد، وسائرها سنة، وإنما جعل ذلك لان التكبير في الركعة الأولى التي هي الأصل كله سبع تكبيرات: تكبيرة الاستفتاح، وتكبيرة الركوع، وتكبيرتي السجود، وتكبيرة أيضا للركوع، وتكبيرتين للسجود، فإذا كبر الانسان أول الصلاة سبع تكبيرات فقد أحرز التكبير كله، فإن سها في شئ منها أو تركها لم يدخل عليه نقص في صلاته.

أقول: وفي العلل كما قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: من كبر أول صلاته سبع تكبيرات أجزأه ويجزي تكبيرة واحدة، ثم إن لم يكبر في شئ من صلاته أجزأه عنه ذلك وإنما عنى بذلك إذا تركها ساهيا أو ناسيا، قال مصنف هذا الكتاب: غلط الفضل إن تكبيرة الافتتاح فريضة وإنما هي سنة واجبة. رجعنا إلى كلام الفضل.

أقول: رجعنا إلى المشترك: فإن قال: فلم جعل ركعة وسجدتين؟ قيل:

لان الركوع من فعل القيام، والسجود من فعل القعود، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القيام، فضوعف السجود ليستوي بالركوع فلا يكون بينهما تفاوت لان الصلاة إنما هي ركوع وسجود.

فإن قال: فلم جعل التشهد بعد الركعتين؟ قيل: لأنه كما قدم قبل الركوع والسجود الاذان والدعاء والقراءة فكذلك أيضا أمر بعدها بالتشهد والتحميد والدعاء.

فإن قال: فلم جعل التسليم تحليل الصلاة ولم يجعل بدله تكبيرا أو تسبيحا، أو ضربا آخر؟ قيل: لأنه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين و التوجه إلى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها، وابتداء المخلوقين بالكلام إنما هو بالتسليم.

فإن قال: فلم جعل القراءة في الركعتين الأوليين والتسبيح في الأخريين؟ قيل:

للفرق بين ما فرضه الله عز وجل من عنده وما فرضه من عند رسوله.

فإن قال: فلم جعلت الجماعة؟ قيل: لان لا يكون الاخلاص والتوحيد والاسلام و العبادة لله إلا ظاهرا مكشوفا مشهودا، لان في إظهاره حجة على أهل الشرق والغرب لله عز وجل، وليكون المنافق المستخف مؤديا لما أقر به يظهر الاسلام والمراقبة، ولتكون شهادات الناس بالاسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى والزجر عن كثير من معاصي الله عز وجل.

فإن قال: فلم جعل الجهر في بعض الصلاة ولم يجعل في بعض؟ قيل: لان الصلوات التي يجهر فيها إنما هي صلوات تصلى في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها، لان يمر المار فيعلم أن ههنا جماعة، فإن أراد أن يصلي صلى، ولأنه إن لم ير جماعة تصلي سمع وعلم ذلك من جهة السماع، والصلاتان اللتان لا يجهر فيهما فإنهما بالنهار، وفي أوقات مضيئة فهي تدرك من جهة الرؤية، فلا يحتاج فيها إلى السماع.

فإن قال: فلم جعلت الصلوات في هذه الأوقات ولم تقدم ولم تؤخر؟ قيل:

لان الأوقات المشهورة المعلومة التي تعم أهل الأرض فيعرفها الجاهل والعالم أربعة:

غروب الشمس معروف تجب عنده المغرب، وسقوط الشفق مشهور تجب عنده العشاء الآخرة، وطلوع الفجر مشهور معلوم تجب عنده الغداة، وزوال الشمس مشهور معلوم تجب عنده الظهر، ولم يكن للعصر وقت معروف مشهور مثل هذه الأوقات الأربعة فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها، وعلة أخرى أن الله عز وجل أحب أن

يبدأ الناس في كل عمل أولا بطاعته وعبادته، فأمرهم أول النهار أن يبدؤوا بعبادته ثم ينتشروا فيما أحبوا من مرمة دنياهم، فأوجب صلاة الغداة عليهم، فإذا كان نصف النهار و تركوا ما كانوا فيه من الشغل وهو وقت يضع الناس فيه ثيابهم، ويستريحون، ويشتغلون بطعامهم وقيلولتهم، فأمرهم أن يبدؤوا أولا بذكره وعبادته فأوجب عليهم الظهر، ثم يتفرغوا لما أحبوا من ذلك، فإذا قضوا وطرهم وأرادوا الانتشار في العلم لآخر النهار بدؤوا أيضا بعبادته، ثم صاروا إلى ما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم العصر، ثم ينتشرون فيما شاؤوا من مرمة دنياهم فإذا جاء الليل ووضعوا زينتهم وعادوا إلى أوطانهم ابتدؤوا أولا بعبادة ربهم، ثم يتفرغون لما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم المغرب، فإذا جاء وقت النوم وفرغوا مما كانوا به مشتغلين أحب أن يبدؤوا أولا بعبادته وطاعته ثم يصيرون إلى ما شاؤوا أن يصيروا إليه من ذلك فيكونوا قد بدؤوا في كل عمل بطاعته وعبادته، فأوجب عليهم العتمة فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ولم يغفلوا عنه ولم تقس قلوبهم ولم تقل رغبتهم.

فإن قال: فلم إذا لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الأوقات أوجبها بين الظهر والمغرب، ولم يوجبها بين العتمة والغداة ، أو بين الغداة والظهر؟ قيل: لأنه ليس وقت على الناس أخف ولا أيسر ولا أحرى أن يعم فيه الضعيف والقوي بهذه الصلاة من هذا الوقت، وذلك أن الناس عامتهم يشتغلون في أول النهار بالتجارات والمعاملات والذهاب في الحوائج، وإقامة الأسواق، فأراد أن لا يشغلهم عن طلب معاشهم ومصلحة دنياهم وليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل ولا يشعرون به ولا ينتبهون لوقته لو كان واجبا، ولا يمكنهم ذلك فخفف الله تعالى عنهم، ولم يجعلها في أشد الأوقات عليهم، ولكن جعلها في أخف الأوقات عليهم كما قال الله عز وجل: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ".

فإن قال: فلم يرفع اليدان في التكبير؟ قيل: لان رفع اليدين هو ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع، فأوجب الله عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره متبتلا متضرعا، مبتهلا، ولان في وقت رفع اليدين احضار النية وإقبال القلب على ما قال وقصد.

أقول: في العلل: لان الفرض من الذكر إنما هو الاستفتاح وكل سنة فإنما تؤدى على جهة الفرض، فلما أن كان في الاستفتاح الذي هو الفرض رفع اليدين أحب أن يؤدوا السنة على جهة ما يؤدون الفرض. ولنرجع إلى المشترك.

فإن قال: فلم جعل صلاة السنة أربعا وثلاثين ركعة؟ قيل: لان الفريضة سبع عشر ركعة فجعلت السنة مثلي الفريضة، كمالا للفريضة.

فإن قال: فلم جعل صلاة السنة في أوقات مختلفة، ولم تجعل في وقت واحد؟

قيل: لان أفضل الأوقات ثلاثة: عند زوال الشمس، وبعد المغرب، وبالاسحار، فأحب أن يصلى له في كل هذه الأوقات الثلاثة، لأنه إذا فرقت السنة في أوقات شتى كان أداؤها أيسر وأخف من أن تجمع كلها في وقت واحد.

فإن قال: فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الامام ركعتين، وإذا كانت بغير إمام ركعتين وركعتين؟ قيل: لعلل شتى:

منها أن الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد، فأحب الله عز وجل أن يخفف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه.

ومنها أن الامام يحبسهم للخطبة وهم منتظرون للصلاة ، ومن انتظر الصلاة فهو في صلاة في حكم التمام.

ومنها أن الصلاة مع الامام أتم وأكمل لعلمه وفقهه وعدله وفضله.

ومنها أن الجمعة عيد وصلاة العيد ركعتان، ولم تقصر لمكان الخطبتين.

فإن قال: فلم جعلت الخطبة؟ قيل: لان الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون الامام سببا لموعظتهم (للأمير سبب إلى موعظتهم خ ل) وترغيبهم في الطاعة، وترهيبهم من

المعصية، وتوفيقهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفات ومن الأهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة. فإن قال: فلم جعلت خطبتين؟ قيل: لان يكون واحدة للثناء والتمجيد و والتقديس لله عز وجل، والأخرى للحوائج والاعذار والانذار والدعاء، وما يريد أن يعلمهم من أمره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد.

فإن قال: فلم جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة، وجعلت في العيدين بعد الصلاة؟ قيل: لان الجمعة أمر دائم، وتكون في الشهر مرارا وفي السنة كثيرا، فإذا كثر ذلك على الناس ملوا وتركوا ولم يقيموا عليه وتفرقوا عنه فجعلت قبل الصلاة ليحتبسوا على الصلاة ولا يتفرقوا ولا يذهبوا، وأما العيدين فإنما هو في السنة مرتين وهو أعظم من الجمعة والزحام فيه أكثر، والناس فيه أرغب، فإن تفرق بعض الناس بقي عامتهم، وليس هو بكثير فيملوا ويستخفوا به.

قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: جاء هذا الخبر هكذا: والخطبتان في الجمعة والعيدين بعد الصلاة، لأنهما بمنزلة الركعتين الأخراوين، وأول من قدم الخطبتين عثمان بن عفان لأنه لما أحدث ما أحدث لم يكن الناس يقفون على خطبته، ويقولون:

ما نصنع بمواعظه وقد أحدث ما أحدث؟ فقدم الخطبتين ليقف الناس انتظارا للصلاة فلا يتفرقوا عنه.

فإن قال: فلم وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك؟

قيل: لان ما يقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا وجائيا، والبريد أربعة فراسخ فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير، وذلك أنه يجئ فرسخين ويذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ وهو نصف طريق المسافر.

فإن قال : فلم زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات؟ قيل: تعظيما لذلك اليوم وتفرقة بينه وبين سائر الأيام.

فإن قال: فلم قصرت الصلاة في السفر؟ قيل: لان الصلاة المفروضة أولا إنما هي عشر ركعات، والسبع إنما زيدت فيها بعد، فخفف الله عنه تلك الزيادة لموضع سفره وتعبه ونصبه، واشتغاله بأمر نفسه وظعنه وإقامته، لئلا يشتغل عما لابد له من معيشته، رحمة من الله تعالى وتعطفا عليه، إلا صلاة المغرب فإنها لم تقصر لأنها صلاة مقصرة في الأصل.

فإن قال: فلم يجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر؟ قيل:

لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والأثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم.

فإن قال: فلم وجب التقصير في مسيرة يوم؟ قيل: لأنه لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة سنة، وذلك أن كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما.

فإن قال: قد يختلف السير فلم جعلت أنت مسيرة يوم ثمانية فراسخ؟ قيل:

لان ثمانية فراسخ هي مسير الجمال والقوافل وهو السير الذي يسيره الجمالون والمكارون.

فإن قال: فلم ترك تطوع النهار ولا يترك تطوع الليل؟ قيل: لان كل صلاة لا تقصير فيها فلا تقصير في تطوعها، وذلك أن المغرب لا تقصير فيها فلا تقصير فيما بعدها من التطوع، وكذلك الغداة لا تقصير فيما قبلها من التطوع.

فإن قال: فما بال العتمة مقصرة وليس تترك ركعتاها؟ قيل: إن تلك الركعتين ليستا من الخمسين، وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من النوافل. فإن قال: فلم جاز للمسافر والمريض أن يصليا صلاة الليل في أول الليل؟ قيل لاشتغاله وضعفه ليحرز صلاته، فيستريح المريض في وقت راحته، ويشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره.

فإن قال: فلم أمروا بالصلاة على الميت؟ قيل: ليشفعوا له ويدعوا له بالمغفرة لأنه لم يكن في وقت من الأوقات أحوج إلى الشفاعة فيه والطلب والاستغفار من تلك الساعة.

فإن قال: فلم جعلت خمس تكبيرات دون أن يكبر أربعا أو ستا؟ قيل: إن الخمس إنما اخذت من الخمس الصلوات في اليوم والليلة.

أقول: في العلل: وذلك أنه ليس في الصلاة تكبيرة مفروضة إلا تكبيرة الافتتاح فجمعت التكبيرات المفروضات في اليوم والليلة فجعلت صلاة على الميت. ولنرجع على المشترك.

فإن قال: فلم لم يكن فيها ركوع وسجود؟ قيل: لأنه إنما يريد بهذه الصلاة الشفاعة لهذا العبد الذي قد تخلى مما خلف واحتاج إلى ما قدم.

فإن قال: فلم أمر بغسل الميت؟ قيل: لأنه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة والآفة والأذى، فأحب أن يكون طاهرا إذا باشر أهل الطهارة من الملائكة الذين يلونه ويماسونه فيما بينهم نظيفا، موجها به إلى الله عز وجل، وليس من ميت يموت إلا خرجت منه الجنابة، فلذلك أيضا وجب الغسل.

فإن قال: فلم أمروا بكفن الميت؟ قيل: ليلقى ربه عز وجل طاهر الجسد، ولئلا تبدو عورته لمن يحمله ويدفنه، ولئلا يظهر الناس على بعض حاله وقبح منظره ولئلا يقسو القلب من كثرة النظر إلى مثل ذلك للعاهة والفساد، وليكون أطيب لأنفس الاحياء، ولئلا يبغضه حميم فيلقي ذكره ومودته فلا يحفظه فيما خلف وأوصاه وأمره به وأحب فإن قال: فلم أمروا بدفنه؟ قيل: لئلا يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره وتغير ريحه ولا يتأذى به الاحياء بريحه وبما يدخل عليه من الآفة والفساد، وليكون مستورا عن الأولياء والأعداء فلا يشمت عدو ولا يحزن صديق. فإن قال: فلم أمر من يغسله بالغسل؟ قيل: لعلة الطهارة مما أصابه من نضح الميت لان الميت إذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته. فإن قال فلم لم يجب الغسل على من مس شيئا من الأموات غير الانسان كالطير والبهائم والسباع وغير ذلك؟ قيل: لأن هذه الأشياء كلها ملبسة ريشا وصوفا وشعرا ووبرا وهذا كله ذكي ولا يموت، وإنما يماس منه الشئ الذي هو ذكي من الحي والميت .

أقول: في العلل: الذي قد ألبسه وعلاه، فإن قال: فلم جوزتم الصلاة على الميت بغير وضوء؟ قيل لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء ومسألة، وقد يجوز أن تدعو الله عز وجل وتسأله على أي حال كنت، وإنما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع وسجود. ولنرجع إلى المشترك.

فإن قال: فلم جوزتم الصلاة عليه قبل المغرب وبعد الفجر؟ قيل: لأن هذه الصلاة إنما تجب في وقت الحضور والعلة، وليست هي موقتة كسائر الصلوات، وإنما هي صلاة تجب في وقت حدوث الحدث ليس للانسان فيه اختيار، وإنما هو حق يؤدى وجائز أن يؤدى الحقوق في أي وقت كان، إذا لم يكن الحق موقتا.

فإن قال: فلم جعلت للكسوف صلاة؟ قيل: لأنه آية من آيات الله عز وجل لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب؟ فأحب النبي صلى الله عليه وآله أن تفزع أمته إلى خالقها و راحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكروهها، كما صرف عن قوم يونس حين تضرعوا إلى الله عز وجل.

فإن قال: فلم جعلت عشر ركعات؟ قيل: لان الصلاة التي نزل فرضها من السماء إلى الأرض أولا في اليوم والليلة فإنما هي عشر ركعات فجمعت تلك الركعات ههنا، وإنما جعل فيها السجود لأنه لا يكون صلاة فيها ركوع إلا وفيها سجود، ولان يختموا صلاتهم أيضا بالسجود والخضوع، وإنما جعلت أربع سجدات لان كل صلاة نقص سجودها من أربع سجدات لا تكون صلاة لان أقل الفرض من السجود في الصلاة لا يكون إلا على أربع سجدات.

فان قال: فلم لم يجعل بدل الركوع سجودا؟ قيل: لان الصلاة قائما أفضل من الصلاة قاعدا، ولان القائم يرى الكسوف والانجلاء والساجد لا يرى.

فإن قال: فلم غيرت عن أصل الصلاة التي افترضها الله؟ قيل: لأنه صلى لعلة

تغير أمر من الأمور وهو الكسوف، فلما تغيرت العلة تغير المعلول.

فإن قال: فلم جعل يوم الفطر العيد؟ قيل: لان يكون للمسلمين مجمعا يجتمعون فيه، ويبرزون إلى الله عز وجل فيحمدونه على ما من عليهم، فيكون يوم عيد، ويوم اجتماع، ويوم فطر، ويوم زكاة، ويوم رغبة، ويوم تضرع، ولأنه أول يوم من السنة يحل فيه الأكل والشرب، لان أول شهور السنة عند أهل الحق شهر رمضان فأحب الله عز وجل أن يكون لهم في ذلك اليوم مجمع يحمدونه فيه ويقدسونه.

فإن قال: فلم جعل التكبير فيها أكثر منه في غيرها من الصلوات؟ قيل: لان التكبير إنما هو تعظيم لله وتمجيد على ما هدى وعافا، كما قال الله عز وجل: " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون ".

فإن قال: فلم جعل فيها اثنا عشر تكبيرة؟ قيل: لأنه يكون في ركعتين اثنا عشر تكبيرة، فلذلك جعل فيها اثنا عشر تكبيرة.

فإن قال: فلم جعل سبع في الأولى وخمس في الآخرة ولم يسو بينهما؟

قيل: لان السنة في صلاة الفريضة أن يستفتح بسبع تكبيرات فلذلك بدئ ههنا بسبع تكبيرات، وجعل في الثانية خمس تكبيرات لان التحريم من التكبير في اليوم والليلة خمس تكبيرات، وليكون التكبير في الركعتين جميعا وترا وترا.

فإن قال: فلم أمروا بالصوم؟ قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش فيستدلوا على فقر الآخرة، وليكون الصائم خاشعا، ذليلا، مستكينا، مأجورا، محتسبا، عارفا، صابرا لما أصابه من الجوع والعطش، فيستوجب الثواب مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات، وليكون ذلك واعظا لهم في العاجل، ورائضا لهم على أداء

ما كلفهم ودليلا في الآجل، وليعرفوا شدة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا فيؤدوا إليهم ما افترض الله تعالى لهم في أموالهم.

فإن قال: لم جعل الصوم في شهر رمضان خاصة دون سائر الشهور، قيل: لان شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن، وفيه فرق بين الحق والباطل، كما قال الله تعالى: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " وفيه نبئ محمد صلى الله عليه وآله، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها يفرق كل أمر حكيم، وهي رأس السنة، يقدر فيها ما يكون في السنة من خير، أو شر، أو مضرة، أو منفعة، أو رزق، أو أجل، ولذلك سميت ليلة القدر فإن قال: فلم أمروا بصوم شهر رمضان لا أقل من ذلك ولا أكثر؟ قيل: لأنه قوة العباد التي يعم فيها القوي والضعيف، وإنما أوجب الله تعالى الفرائض على أغلب الأشياء وأعم القوى، ثم رخص لأهل الضعف ورغب أهل القوة في الفضل، ولو كانوا يصلحون على أقل من ذلك لنقصهم، ولو احتاجوا إلى أكثر من ذلك لزادهم.

فإن قال: فلم إذا حاضت المرأة لا تصوم ولا تصلي؟ قيل: لأنها في حد النجاسة فأحب أن لا تعبد إلا طاهرا، ولأنه لا صوم لمن لا صلاة له.

فإن قال: فلم صارت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ قيل: لعلل شتى:

فمنها أن الصيام لا يمنعها من خدمة نفسها وخدمة زوجها، وإصلاح بيتها والقيام بأمورها، والاشتغال بمرمة معيشتها، والصلاة تمنعها من ذلك كله، لان الصلاة تكون في اليوم والليلة مرارا فلا تقوى على ذلك، والصوم ليس كذلك.

ومنها أن الصلاة فيها عناء وتعب واشتغال الأركان، وليس في الصوم شئ من ذلك، وإنما هو الامساك عن الطعام والشراب وليس فيه اشتغال الأركان.

ومنها أنه ليس من وقت يجئ إلا تجب عليها فيه صلاة جديدة في يومها وليلتها وليس الصوم كذلك، لأنه ليس كلما حدث يوم وجب عليها الصوم، وكلما حدث وقت الصلاة وجب عليها الصلاة.

فإن قال: فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يفق من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول وسقط القضاء، فإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟ قيل: لان ذلك الصوم إنما وجب عليه في تلك السنة في ذلك الشهر، فأما الذي لم يفق فإنه لما أن مر عليه السنة كلها وقد غلب الله عليه فلم يجعل له السبيل إلى أدائه سقط عنه، و كذلك كلما غلب الله تعالى عليه مثل المغمى الذي يغمى عليه يوما وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلاة كما قال الصادق عليه السلام: كلما غلب الله على العبد فهو أعذر له، لأنه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا سنته للمرض الذي كان فيه، ووجب عليه الفداء لأنه بمنزلة من وجب عليه صوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء، كما قال الله عز وجل: " فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " وكما قال الله عز وجل: " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه.

فإن قال: فإن لم يستطيع إذ ذاك فهو الآن يستطيع. قيل له: لأنه لما أن دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للماضي، لأنه كان بمنزلة من وجب عليه صوم في كفارة فلم يستطعه فوجب عليه الفداء، وإذا وجب الفداء سقط الصوم، والصوم ساقط والفداء لازم، فإن أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه والصوم لاستطاعته.

فإن قال: فلم جعل صوم السنة؟ قيل: ليكمل به صوم الفرض.

فإن قال: فلم جعل في كل شهر ثلاثة أيام، وفي كل عشرة أيام يوما؟ قيل:

لان الله تبارك وتعالى يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " فمن صام في كل

عشرة أيام يوما فكأنما صام الدهر كله كما قال سلمان الفارسي رحمة الله عليه: " صوم ثلاثة أيام في الشهر صوم الدهر كله فمن وجد شيئا غير الدهر فليصمه ".

فإن قال: فلم جعل أول خميس من العشر الأول، وآخر خميس من العشر الآخر، وأربعاء في العشر الأوسط؟ قيل: أما الخميس فإنه قال الصادق عليه السلام:

" يعرض كل خميس أعمال العباد إلى الله " فأحب أن يعرض عمل العبد على الله تعالى وهو صائم.

فإن قال: فلم جعل آخر خميس؟ قيل: لأنه إذا عرض عمل ثمانية أيام والعبد صائم كان أشرف وأفضل من أن يعرض عمل يومين وهو صائم، وإنما جعل أربعاء في العشر الأوسط لان الصادق عليه السلام أخبر أن الله عز وجل خلق النار في ذلك اليوم وفيه أهلك الله القرون الأولى، وهو يوم نحس مستمر، فأحب أن يدفع العبد عن نفسه نحس ذلك اليوم بصومه.

فإن قال: فلم وجب في الكفارة على من لم يجد تحرير رقبة الصيام دون الحج والصلاة وغيرهما؟ قيل: لان الصلاة والحج وسائر الفرائض مانعة للانسان من التقلب في أمر دنياه ومصلحة معيشته، مع تلك العلل التي ذكرناها في الحائض التي تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة.

فإن قال: فلم وجب عليه صوم شهرين متتابعين، دون أن يجب عليه شهر واحد أو ثلاثة أشهر؟ قيل: لان الفرض الذي فرضه الله عز وجل على الخلق هو شهر واحد فضوعف هذا الشهر في الكفارة توكيدا وتغليظا عليه.

فإن قال: فلم جعلت متتابعين؟ قيل: لئلا يهون عليه الأداء فيستخف به، لأنه إذا قضاه متفرقا عليه القضاء.

فإن قال: فلم امر بالحج؟ قيل: لعلة الوفادة إلى الله عز وجل، وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف العبد تائبا مما مضى، مستأنفا لما يستقبل، مع

ما فيه من إخراج الأموال وتعب الأبدان، والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر الأنفس عن اللذات، شاخصا في الحر والبرد، ثابتا ذلك عليه، دائما مع الخضوع والاستكانة والتذلل، مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع.

أقول: في العلل: كل ذلك لطلب الرغبة إلى الله والرهبة منه، وترك قساوة القلب وخسارة الأنفس، ونسيان الذكر، وانقطاع الرجاء والأمل، وتجديد الحقوق، وحظر الأنفس عن الفساد، مع ما في ذلك من المنافع لجميع من " المشترك " في شرق الأرض و غربها ومن في البر والبحر ممن يحج وممن لا يحج: من بين تاجر، وجالب، وبائع ومشتري، وكاسب، ومسكين، ومكاري، وفقير، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها، مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة عليهم السلام إلى كل صقع وناحية، كما قال الله عز وجل: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وليشهدوا منافع لهم ".

فإن قال: فلم أمروا بحجة واحدة لا أكثر من ذلك؟ قيل: لان الله عز وجل وضع الفرائض على أدنى القوم قوة، كما قال عز وجل: " فما استيسر من الهدي " يعني شاة ليسع له القوي والضعيف، وكذلك سائر الفرائض إنما وضعت على أدنى القوم قوة، وكان من تلك الفرائض الحج المفروض واحدا، ثم رغب بعد أهل القوة بقدر طاقتهم.

فإن قال: فلم أمروا بالتمتع إلى الحج؟ قيل: ذلك تخفيف من ربكم و رحمة لان يسلم الناس من إحرامهم ولا يطول ذلك عليهم فيدخل عليهم الفساد وأن يكون الحج والعمرة واجبين جميعا فلا تعطل العمرة ولا تبطل، ولا يكون الحج مفردا من العمرة ويكون بينهما فصل وتمييز، وقال النبي صلى الله عليه وآله: " دخلت العمرة في الحج

إلى يوم القيامة " ولولا أنه صلى الله عليه وآله كان ساق الهدي ولم يكن له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله لفعل كما أمر الناس، ولذلك قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، وليس لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله " فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله نخرج حجاجا ورؤوسنا تقطر من ماء الجنابة، فقال:

إنك لن تؤمن بهذا أبدا.

أقول: ليس في العلل قوله: وقال النبي صلى الله عليه وآله إلى قوله: لن تؤمن بهذا، وهو موجود في العيون، وفي العلل مكانه زيادة ليست فيه وهي هذه: ويكون بينهما فصل و تمييز، وأن لا يكون الطواف بالبيت محظورا لان المحرم إذا طاف بالبيت قد أحل إلا لعلة، فلولا التمتع لم يكن للحاج أن يطوف لأنه إن طاف أحل وفسد إحرامه ويخرج منه قبل أداء الحج، ولان يجب على الناس الهدي والكفارة فيذبحون وينحرون و يتقربون إلى الله جل جلاله فلا تبطل هراقة الدماء والصدقة على المسلمين. ولنرجع إلى المشترك بين الكتابين:

فإن قال: فلم جعل وقتها عشر ذي الحجة؟ قيل: لان الله تعالى أحب أن يعبد بهذه العبادة في أيام التشريق فكان أول ما حجت إليه الملائكة وطافت به في هذا الوقت فجعله سنة ووقتا إلى يوم القيامة، فإما النبيون آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وغيرهم من الأنبياء إنما حجوا في هذا الوقت فجعلت سنة في أولادهم إلى يوم القيامة.

فإن قال: فلم أمروا بالاحرام؟ قيل: لان يخشعوا قبل دخول حرم الله عز وجل وأمنه، ولئلا يلهوا ويشتغلوا بشئ من أمر الدنيا وزينتها ولذاتها، ويكونوا جادين فيما فيه، قاصدين نحوه، مقبلين عليه بكليتهم، مع ما فيه من التعظيم لله عز وجل ولنبيه والتذلل لأنفسهم عند قصدهم إلى الله عز وجل ووفادتهم إليه، راجين ثوابه

راهبين من عقابه، ماضين نحوه، مقبلين إليه بالذل والاستكانة والخضوع، والله الموفق وصلى الله على محمد وآله وسلم. "

248 -

264 - ص

94 - 101 " علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، قال: قلت للفضل بن شاذان - لما سمعت منه هذه العلل -: أخبرني عن هذه العلل، أذكرتها عن الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل، أو هي مما سمعته ورويته؟ فقال لي: ما كنت لاعلم مراد الله عز وجل بما فرض، ولا مراد رسول الله صلى الله عليه وآله بما شرع وسن، ولا علل ذلك من ذات نفسي، بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام المرة بعد المرة والشئ بعد الشئ فجمعتها. فقلت: فأحدث بها عنك عن الرضا عليه السلام؟ قال: نعم " ص 101، ص 264 " عيون أخبار الرضا (ع): وحدثنا الحاكم أبو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري رضي الله عنه، عن عمه أبي عبد الله محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان أنه قال: سمعت هذه العلل من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام متفرقة فجمعتها وألفتها. " 264 " بيان: قوله: منها أن من لم يقر أقول: لعل الفرق بين الوجه الأول والثاني هو أن المحذور في الوجه الأول عدم تحقق الأفعال الحسنة، وعدم ترك الافعال القبيحة وفي ذلك فساد الخلق وعدم بقائهم واختلال نظامهم، وفي الثاني المحذور عدم تحقق الأمر والنهي للذين هما مقتضى حكمة الحكيم، فلو فرض الاتيان بالافعال الحسنة والانتهاء عن الاعمال الفاحشة بدون أمر الله تعالى ونهيه أيضا لتم الوجه الثاني بدون الأول، و الفرق بين الأول والثالث هو أن الأول جار في الأمور الظاهرة بخلاف الثالث، فإنه مختص بالأمور الباطنة، فلو فرض أن يكون للناس حياء يردعهم عن إظهار الفواحش والظلم والفساد لتم الوجه الثالث أيضا بخلاف الأول.

قوله: فلو لم يجب عليهم معرفته أي الرسول. قوله ثم اختلف همهما، أقول:

لعل المقصود نفي امامة من كان في عصر الأئمة عليهم السلام من أئمة الضلال إذ كانت آراؤهم مخالفة لآراء أئمتنا، وأفعالهم مناقضة لأفعالهم. ويحتمل أن يكون إلزاما على المخالفين

إذ هم قائلون باجتهاد النبي والامام في الاحكام، والاجتهاد مظنة الاختلاف كما يقولون في أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية. ثم اعلم أن المراد بالامامين الأميران على طائفة واحدة أو اللذان تكون لهما الرئاسة العامة وإلا فينتقض باجتماع الأنبياء الكثيرين في عصر واحد في زمن بني إسرائيل. قوله: منها أن يكونوا قاصدين أقول: لعل المنظور في الوجه الأول عدم تعيين شئ للعبادة، لأنه يحتمل أن يكون كل شئ ربهم حتى الأشياء التي لم يعبدها أحد، وفي الثاني إضلال الناس بعبادة الأصنام وأشباهها باحتمال أن تكون هي ربهم، ويحتمل أن يكون المراد بالوجه الأول هو أنه لابد لهم من معرفة ربهم لتصح العبادة له ولا يمكنهم المعرفة بالكنه، وأقرب الوجوه التي تصل إليها عقول الخلق هو معرفته تعالى بأنه لا يشبه شيئا من الأشياء في ذاته وصفاته، ويحتمل إن يكون غرض السائل من الاقرار بأنه ليس كمثله شئ الاقرار بجميع الصفات الثبوتية والسلبية فإن جميعها راجعة إليه، داخلة فيه إجمالا، ولعل هذا أظهر.

قوله: لان في الصلاة الاقرار بالربوبية أقول: إما لأنها مشتملة على الاقرار بالربوبية في رب العالمين، وعلى التوحيد في التشهد، وعلى الاخلاص في إياك نعبد و إياك نستعين، وإما لان أصل عبادته تعالى دون غيره خلع للأنداد وإقرار بالربوبية، وأما الزجر عن الفساد فلان من خواص الصلاة أنها تصلح صاحبها وتزجره عن الفساد، كما قال تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ولا أقل إنه في حال الصلاة ينزجر عن المعاصي وبعدها يستحيي عن ارتكاب كثير منها. واسم كان الضمير الراجع إلى المصلي، وخبره الظرف، وزاجرا وحاجزا منصوبان بالحالية. قوله عليه السلام: ليسا هما في كل وقت باديين أي لا يحصل فيهما الكثافة والقذارة مثل ما يحصل في الوجه واليدين. قوله: وذلك لان الاستنجاء به ليس بفرض أقول:

لم يقد الفضل الاستنجاء بالماء حتى يرد عليه إيراد الصدوق، مع أنه يمكن تخصيصه

بالمتعدي، أو يقال: إن مراده الأعم من الوجوب التخييري، ويمكن توجيه كلامه بأن الفرض في عرف الحديث ما ثبت وجوبه بالقرآن، والاستنجاء لم يثبت وجوبه بنص القرآن حتى يكون فرضا، ويرد عليه: أن استعمال الفرض في الوجوب بالمعنى الأعم أيضا شائع، غاية الأمر أن يكون مجازا في عرفهم وارتكابه لتوجيه الكلام مجوز.

قوله: وتعريفا لمن جهل الوقت يمكن تخصيصه بمن لا يمكنه العلم بدخول الوقت ويحتمل أن يكون المراد أنه يتنبه لاحتمال دخول الوقت فيحصل العلم به، مع أنه سيأتي كثير من الأخبار الدالة على جواز الاعتماد على المؤذنين في دخول الوقت.

قوله: مجاهرا بالايمان أي الصلاة كما قال الله تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أو للتكلم بالكلمتين. قوله: فجعل الأولين، يفهم منه أن التكبيرتين الأوليين ليستأمن الاذان، وإنما هما من المقدمات الخارجة عنه، وبه يمكن الجمع بين الاخبار المختلفة في ذلك. قوله: ليكون لعل الأظهر: وليكون.

قوله: إنما هو أداء أي علمهم طريق الشكر أو حمد نفسه بدلا عن خلقه. وقوله:

وشكر تخصيص بعد التعميم. قوله: وإقرار بأنه هو الخالق لان المراد بالعالم ما يعلم به الصانع وهو كل ما سوى الله، وجمع ليدل على جميع أنواعه فإذا كان تعالى خالق الجميع ومدبرهم فيكون هو الواجب تعالى وغيره آثاره.

قوله عليه السلام: استعطاف لان ذكره تعالى بالرحمانية والرحيمية نوع من طلب الرحمة بل أكمل أفراده.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.