پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

1 باب جوامع ما يحل وما يحرم من المأكولات والمشروبات وحكم المشتبه بالحرام

ج ۶۲، ص ۱۲۰–۱۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۲

العذاب، والهاء في قوله: " فإنه " عائد إلى ما تقدم ذكره انتهى.

وقيل: الضمير راجع إلى الخنزير أو لحمه وقذارته لتعوده أكل النجاسة.

" أو فسقا " قال البيضاوي: عطف على لحم خنزير، وما بينهما اعتراض للتعليل " أهل لغير الله به " صفة له موضحة، وإنما سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله في الفسق ويجوز أن يكون " فسقا " مفعولا له من " أهل " وهو عطف على " يكون " والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في " يكون ".

" وعلى الذين هادوا " أي على اليهود في أيام موسى عليه السلام " حرمنا كل ذي ظفر " في المجمع: اختلف في معناه فقيل هو كل ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والإوز والبط عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما، وقيل: هو الإبل فقط وقيل يدخل فيه كل السباع والكلاب والسنانير وما يصطاد بظفره وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب " ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما " من الثرب وشحم الكلى وغير ذلك " إلا ما حملت ظهورهما " من الشحم وهو اللحم السمين فإنه لم يحرم عليهم " أو الحوايا " أي ما حملته الحوايا من الشحم، والحوايا هي المباعر، وقيل: هي بنات اللبن وقيل: هي الأمعاء التي عليها الشحوم.

وقال البيضاوي: هي جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حوية كسفينة وسفائن، وقيل: هو عطف على " شحومهما " و " أو " بمعنى الواو. " أو ما اختلط بعظم " في الكشاف وغيره: هو شحم الالية لاتصالها بالعصعص وقيل: المخ، وفي الكنز: هو شحم الجنب والالية لأنها مركبة على العصعص، ودخول شحم الجنب فيما حملت الظهور أظهر، وقيل: وفي الآية دلالة على حل هذه الأشياء في شريعتنا، وإلا لما كان لتخصيص اليهود بالتحريم معنى، ويدل أيضا على التخصيص قوله سبحانه: " ذلك جزيناهم ببغيهم " مع معاونة قرائن لا تخفى. " وإنا لصادقون " في المجمع: أي في الاخبار عن التحريم وعن بغيهم وفي كل شئ وفي أن ذلك التحريم عقوبة لأوائلهم ومصلحة لما بعدهم إلى وقت النسخ. وقال رحمه الله في قوله: " ولقد مكناكم في الأرض ": أي مكناكم من التصرف فيهما وملكناكموها وجعلناها لكم قرارا " وجعلنا لكم فيها معايش " أي ما تعيشون به من أنواع الرزق ووجوه النعم والمنافع، وقيل: يريد المكاسب والاقدار عليها بالعلم والقدرة والآلات " قليلا ما تشكرون " أي أنتم مع هذه النعم التي أنعمناها عليكم لتشكروا قد قل شكركم " وكلوا واشربوا " صورته صورة الامر والمراد به الإباحة وهو عام في جميع المباحات " ولا تسرفوا " أي ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، قال مجاهد: لو أنفقت مثل أحد في طاعة الله لم تكن مسرفا، ولو أنفقت درهما أو مدا في معصية الله لكان إسرافا، وقيل: معناه لا تخرجوا عن حد الاستواء في زيادة المقدار

وقد حكي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شئ؟ والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله: " كلوا و اشربوا ولا تسرفوا " وجمع نبينا صلى الله عليه وآله الطب في قوله: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته " فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.

وقيل: معناه لا تأكلوا محرما ولا باطلا على وجه لا يحل، وأكل الحرام وإن قل إسراف ومجاوزة الحد وما استقبحه العقلاء وعاد بالضرر عليكم فهو إسراف أيضا لا يحل كمن يطبخ القدر بماء الورد ويطرح فيها المسك، وكمن لا يملك إلا دينارا فاشترى به طيبا وتطيب به وترك عياله محتاجين " إنه لا يحب المسرفين " أي يبغضهم.

ولما حث سبحانه على تناول الزينة عند كل مسجد وندب إليه وأباح الأكل والشرب ونهى عن الاسراف وكان قوم من العرب يحرمون كثيرا من هذا الجنس، حتى أنهم كانوا يحرمون السمون والألبان في الاحرام وكانوا يحرمون السوائب والبحائر أنكر عز اسمه ذلك عليهم فقال:

" قل " يا محمد: " من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " أي من حرم الثياب التي يتزين بها الناس مما أخرجها الله من الأرض لعباده " والطيبات من الرزق " قيل: هي المستلذات من الرزق، وقيل: هي المحللات والأول أظهر لخلوصها يوم القيمة للمؤمنين " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " قال ابن عباس: يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا فأكلوا من طيبات طعامهم ولبسوا من جياد ثيابهم ونكحوا من صالح نسائهم ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شئ، وقيل:

معناه قل: هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة

وهي خالصة يوم القيامة عن ذلك " كذلك نفصل الآيات " أي كما نميز لكم الآيات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات " لقوم يعلمون " انتهى.

وأقول: يمكن أن يكون تقدير الآية: هي للذين آمنوا مخصوصة بهم وخلقناها لهم حال كونها خالصة لهم يوم القيامة أي يشركهم الكفار والمخالفون في الدنيا غصبا وخالصة لهم في القيامة لا يشركونهم فيها، فيؤيد ما ذكرنا في قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا " الآية وكأنه يومي إلى هذا ما ذكره أمير المؤمنين في كتابه إلى أهل مصر: واعلموا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا على دنياهم ولم يشاركهم أهل الآخرة في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم، قال الله عز اسمه: " قل من حرم زينة الله " الآية. قال الرازي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم لان المشركين شركاؤهم فيها، خالصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد، فإن قيل: هلا قيل: للذين آمنوا ولغيرهم؟ قلنا:

للتنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة وأن الكفرة تبع لهم كقوله " ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار " ثم قال: قرأ نافع: خالصة بالرفع والباقون بالنصب، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر، والمعنى قل: هي ثابتة للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.

قال أبو علي: يجوز أن يكون " خالصة " خبر المبتدا، وقوله: " للذين آمنوا " متعلقا بخالصة، والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وأما النصب فعلى الحال، والمعنى أنها ثابته للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة انتهى.

روى الكليني باسناده عن يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت

لأبي عبد الله عليه السلام: مالكم من هذه الأرض؟ فتبسم ثم قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها سيحان وجيحون وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدونا منها شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه، يعني بين السماء والأرض ثم تلا هذه الآية: " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " المغصوبين عليها " خالصة " لهم " يوم القيامة " بلا غصب.

ثم قال الطبرسي رحمه الله: في هذه الآية دلالة على جواز لبس الثياب الفاخرة وأكل الأطعمة الطيبة من الحلال.

وروى العياشي باسناده عن الحسين بن زيد عن عمه عمر بن علي عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يشتري كساء بخمسين دينارا، فإذا أصاف تصدق به لا يرى بذلك بأسا، ويقول: قل من حرم زينة الله الآية.

وباسناده عن يوسف بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعليه جبة خز وطيلسان خز فنظر إلي فقلت: جعلت فداك هذا خز ما تقول فيه؟ فقال: وما بأس بالخز، قلت: وسداه إبريسم، قال: لا بأس به فقد أصيب الحسين عليه السلام وعليه جبة خز، ثم قال: إن عبد الله بن عباس لما بعثه أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أفضل مراكبه فخرج إليهم فواقفهم.

قالوا: يا بن عباس بينا أنت خير الناس إذا أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم؟

فتلا هذه الآية: " قل من حرم زينة الله " إلى آخرها: فالبس وتجمل فان الله جميل ويحب الجمال وليكن من الحلال.

وفي هذه الآية أيضا دلالة على أن الأشياء على الإباحة لقوله تعالى: " من

حرم " فالسمع ورد مؤكدا لما في العقل انتهى.

ثم حصر سبحانه المحرمات بقوله: " قل حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وكأنه إشارة إلى أن أكل الطيبات والتمتع بالمستلذات المحللة ليس بحرام، بل الحكم بكونه حراما حرام لأنه قول على الله بغير علم.

وقيل: الفواحش جميع القبائح والكبائر ما علن منها وما خفي، وقيل: هي الزنا، وقيل: الطواف عاريا، وقيل: الاثم الذنوب والمعاصي، وقيل: ما دون الحد وقيل: الخمر والبغي الظلم والفساد، وقوله: " بغير الحق " تأكيد.

قوله سبحانه: " ويحل لهم الطيبات " في مجمع البيان: معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة ويحرم عليهم القبائح وما تعافه الأنفس، وقيل: يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، وقيل: يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم وأحبارهم وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب، ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها انتهى.

وأقول: استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء التي تستقذرها طباع أكثر الخلق بهذه الآية، وفيه نظر إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبي صلى الله عليه وآله وشريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه، وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه، كالطعام اللذيذ الذي عمل من مال السرقة تستلذه الطباع وهو خبيث واقعا، وأكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة والنكارة وتستقذرها الطباع ولم أر قائلا بتحريمها فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الامامية من الحسن والقبح العقليين أولى من الحمل على معنى يحتاج إلى تخصيصات كثيرة، بل ما يخرج عنهما أكثر مما يدخل فيهما

كما لا يخفى على من تتبع مواردهما، ويمكن أن يقال: هذه الآية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين ولم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم.

وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في المسالك: والطيب يطلق على الحلال قال تعالى: " كلوا من طيبات ما رزقناكم " أي من الحلال وعلى الطاهر قال تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " أي طاهرا، وعلى ما لا أذى فيه كالزمان الذي لا حر فيه ولا برد يقال: هذا زمان طيب، وما تستطيبه النفس ولا تنفر منه كقوله تعالى: " يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " إذ ليس المراد منها هنا الحلال لعدم الفائدة في الجواب على تقديره لأنهم سألوه أن يبين لهم لهم الحلال، فلا يقول في الجواب: الحلال، ولا الطاهر لأنه إنما يعرف من الشرع توقيفا، ولا ما لا أذى فيه لان المأكول لا يوصف به، فتعين المراد ردهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه لردهم إلى عادتهم وما هو مقرر في طباعهم، ولان ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفا، وفي الاخبار ما ينبه عليه، والمراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي وذوي الاضطرار من جفاة العرب فإنهم يستطيبون ما دب ودرج كما سئل بعضهم مما يأكلون، فقال: كل ما دب ودرج إلا أم جنين. فقال بعضهم: ليهن أم جنين العافية لكونها أمنت أن تؤكل، هذا خلاصة ما قرره الشيخ في المبسوط وغيره إلا أنه فصل أولا المحلل إلى حيوان وغيره وقسم الحيوان إلى حي وغيره، وقال: ما كان من الحيوان حيا فهو حرام حيث لم يرد به الشرع، محتجا بأن ذبح الحيوان محظور، وما كان من الحيوان غير حي أو من غيره فهو على أصل الإباحة وفي استثناء الحيوان الحي من ذلك نظر لعموم الأدلة والاستناد إلى تحريم ذبحه بدون الشرع في حيز المنع، فهذا هو الأصل الذي يرجع إليه في باب الأطعمة انتهى.

وأقول: قد عرفت ضعف بعض هذا الكلام فيما مضى، ونقول أيضا: قوله:

" ليس المراد الحلال " في محل المنع لاحتمال أن يكون اللام للعهد، أي ما بينا لكم حله، ثم ذكر سائر المحللات بعده، وذكره لعنوان الطيبات لبيان أن ما أحللناه لكم هو الطيب واقعا فكذا ما أحللناه لكم، وقوله: " لأنه إنما يعرف من الشرع " لا يصلح دليلا لعدم حمل الجواب عليه بعد بيان الله في كتابه وعلى لسان نبيه النجاسات فيفيد أن غير النجاسات المنصوص عليها حلال وما خرج عنها بدليل، ثم قوله:

" لان المأكول لا يوصف به " في محل المنع لان كثيرا من المأكولات والمشروبات تفسد العقل أو البدن، وأيضا حصر معنى الطيب فيما ذكره ممنوع إذ يحتمل أن يكون المراد بالطيب ما لم يكن فيه خبث معنوي وقبح واقعي لتضمنه ضررا دينيا أو دنيويا وإن أمكن إرجاعه إلى ما لا أذى فيه.

" ورزقناهم من الطيبات " يحتمل بعض الوجوه المتقدمة " فأخرج لكم من الثمرات رزقا لكم " إنما قال: " من الثمرات " لان جميعها لا تصلح لذلك، ويحتمل البيان.

قال البيضاوي: رزقا لكم تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس وهو مفعول " أخرج " و " من الثمرات " بيان أو حال منه، ويحتمل عكس ذلك، ويجوز أن يراد به المصدر فينصب بالعلة أو المصدر لان " أخرج " في معنى " رزق ".

" وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره " أي بمشيته إلى حيث توجهتم " وسخر لكم الأنهار " فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم، وقيل: تسخيرها هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها.

وأقول: الآية تدل على حل ثمرات ما يخرج من الأرض وجواز الانتفاع بها أكلا وشربا ولبسا، وعلى جواز اتخاذ الفلك وركوبها، وعلى جواز الشرب من الأنهار والوضوء والغسل وسائر الانتفاعات بها إلا ما أخرجه الدليل، وكذا سقي الزروع والأشجار ورشها على الأرض وغير ذلك من الانتفاعات التي لم يرد نهي عنها

وجعلنا لكم قبلها والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون. وجعلنا لكم فيها معايش " تعيشون بها، وفي المجمع: أي خلقنا لكم في الأرض معايش من زرع أو نبات، وقيل: معناه أي مطاعم ومشارب تعيشون بها، وقيل: هي التصرف في أسباب الرزق في مدة الحياة " ومن لستم له برازقين " يعني العبيد و الدواب يرزقهم الله تعالى ولا ترزقونهم.

وقال البيضاوي: عطف على " معايش " أو محل " لكم ".

" فأسقيناكموه " أي جعلناه لكم سقيا " وما أنتم له بخازنين " أي بحافظين و لا محرزين بل الله يحفظه ثم يرسله من السماء ثم يحفظه في الأرض ثم يخرجه من العيون بقدر الحاجة. " وإن لكم في الانعام لعبرة " قال البيضاوي: أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم " نسقيكم مما في بطونه " استيناف لبيان العبرة وإنما ذكر الضمير ووحده هنا للفظه وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى، فان الانعام اسم جمع، ومن قال: إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فان اللبن لبعضها دون جميعها، أو الواحدة أوله على المعنى فان المراد به الجنس وقرأ جماعة بالفتح " من بين فرث ودم لبنا " فإنه يخلق من بعض الاجزاء الدم المتولد من الاجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش، وعن ابن عباس أن البهيمة إذا انعلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، ولعله إن صح فالمراد أو وسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن، لأنهما لا يتكونان في الكرش ويبقى ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا فيحدث أخلاط أربعة معها مائية فيميز القوة المميزة تلك المائية مما زاد على قدر الحاجة من المريتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بتجبنها فيجري

إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرودة والرطوبة على مزاجها فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع فيبيض بمجاورة لحومها البيض فيصير لبنا، ومن تدبر صنع الله في إحداث الاخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق اضطر إلى الاقرار بكمال حكمته وسبوغ رحمته، و " من " الأولى تبعيضية لان اللبن بعض ما في بطنها، والثانية ابتدائية كقولك: " سقيت من الحوض " لان بين الفرث والدم المحل الذي يبتدئ منه الاستسقاء وهي متعلقة " بنسقيكم " أو حال من " لبنا " قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة " خالصا " صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما يصحبه من الاجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه " سائغا للشاربين " سهل المرور في حلقهم انتهى.

وقال الرازي في تأويل الآية: المراد أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الاجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، فهذا اللبن متولد من الاجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيا، وصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبنا موافقا لبدن الطفل انتهى.

" ومن ثمرات النخيل والأعناب " قيل: متعلق بمحذوف، أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب من عصيرهما، وقيل: أي ولكم عبرة فيما أخرج الله لكم من ثمرات النخيل والأعناب، وقيل: معناه من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا، والعرب تضمر ما الموصولة كثيرا، والأعناب عطف على الثمرات، والسكر

اختلف المفسرون في معناه فقيل: السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والزبيب والدبس والسيلان والخل، وقيل: " سكرا " مفعول " تتخذون " على جهة الاستفهام وعامل " رزقا " مقدر، والتقدير: تتخذون منه سكرا وقد رزقناكم منه رزقا حسنا؟

فيكون فيه جمع بين المعاتبة والمنة، ولذلك أسند الاتخاذ إليهم، وقيل: السكر:

الخل، والرزق الحسن: ما هو خير منه، وقيل: السكر: كل ما حرم الله من ثمارها خمرا كان أو غيره كالنبيذ والفقاع وما أشبههما، والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمارهما وقيل: السكر: ما يشبع ويسد الجوع.

وقال علي بن إبراهيم: السكر: الخل، وروي عن الصادق عليه السلام أنها نزلت قبل آية التحريم فنسخت بها.

وفيه دلالة على أن المراد به الخمر، وقد جاء بالمعنيين جميعا، قيل: وعلى إرادة الخمر لا يستلزم حلها في وقت لجواز أن يكون عتابا ومنة قبل بيان تحريمها، ومعنى النسخ نسخ السكوت عن التحريم، فلا ينافي ما جاء في أنها لم تكن حلالا قط، وفي مقابلتها بالرزق الحسن تنبيه على قبحها " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات.

" ورزقكم من الطيبات " قال البيضاوي: أي من اللذائذ والحلالات، و " من " للتبعيض فان المرزوق في الدنيا أنموذج منها " أفبالباطل يؤمنون " وهو أن الأصنام ينفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم عليهم كالسوائب والبحائر " وبنعمة الله يكفرون " حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام أو حرموا ما أحل الله لهم " فكلوا مما رزقكم الله " قال: أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد ما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه ثم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: " ولا تقولوا لما تصف به ألسنتكم " كما قالوا: " ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا " الآية، وسياق الكلام وتصدير الجملة بأنما يفيد حصر المحرمات

في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل كالسباع، وانتصاب " الكذب " " بلا تقولوا " و " هذا حلال وهذا حرام " مفعول " لا تقولوا " أو " الكذب " منتصب " بتصف " و " ما " مصدرية، أي لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، كما أن حقيقة الكذب كانت مجهولة، وألسنتهم تصفها و تعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم: " وجهها يصف الجمال، وعينها يصف السحر ".

" لتفتروا " تعليل لا يتضمن الغرض " أزواجا " أي أصنافا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض " من نبات " بيان أو صفة لازواجا وكذلك " شتى " ويحتمل أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث أنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى، أي متفرقات في الصور والاعراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم، فلذلك قال: " كلوا وارعوا أنعامكم " وهو حال من ضمير " فأخرجنا " على إرادة القول، أي أخرجنا أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا، والمعنى معد بها لانتفاعكم بالاكل والعلف آذنين فيه.

" كلوا من طيبات ما رزقناكم " في المجمع: صورته الامر والمراد به الإباحة " ولا تطغوا فيه " أي ولا تتعدوا فيه فتأكلوه على الوجه المحرم عليكم، وقيل:

أي لا تتجاوزوا عن الحلال إلى الحرام أو لا تتناولوا من الحلال للاستعانة به على المعصية " فيحل عليكم غضبي " أي فيجب عليكم عقوبتي، ومن ضم الحاء فالمعنى فتنزل عليكم عقوبتي " ماء بقدر " قيل: بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره أو بمقدار ما علمناه من صلاحهم " فأسكناه " فجعلناه ثابتا مستقرا في الأرض " وإنا على ذهاب به " أي على إزالته بالافساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه " لقادرون " كما كنا قادرين على إنزاله " فأنشأنا لكم به " أي بالماء " لكم فيها " في الجنات " فواكه كثيرة " تتفكهون بها " ومنها " أي ومن الجنات ثمارها وزروعها " تأكلون " تغذيا أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم: فلان يأكل من حرفته

ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب، أي لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه " وشجرة " عطف على جنات " تخرج من طور سيناء " جبل موسى بين مصر وايله، وقيل:

بفلسطين " تنبت بالدهن " أي متلبسا بالدهن مستصحبا له، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية لتنبت كما في قولك: ذهبت بزيد. " وصبغ للآكلين " عطف على الدهن جار على إعرابه، عطف أحد وصفي الشئ على الآخر، أي تنبت بالشئ الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج به، وكونه إداما يصبغ به الخبز أي يغمس به للائتدام " سخر لكم ما في السماوات " بأن جعله أسبابا، محصلة لمنافعكم " وما في الأرض " بأن مكنكم من الانتفاع به أو بوسط أو بغير وسط " ظاهرة وباطنة " أي محسوسة ومعقولة أو ما تعرفونه وما لا تعرفونه " إلى الأرض الجرز " أي التي جرز نباتها، أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله: " فنخرج به زرعا " وقيل: اسم موضع باليمن " تأكل منها " أي من الزرع " أنعامهم " كالتبن والورق " وأنفسهم " كالحب والثمر " أفلا يبصرون " فيستدلون به على كمال قدرته وفضله " وأخرجنا منها حبا " جنس الحب " فمنه يأكلون " قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به " ليأكلوا من ثمره " أي ثمر ما ذكروا هو الحبات، وقيل: الضمير لله على طريقة الالتفات والإضافة إليه لان الثمر بخلقه " وما عملته أيديهم " عطف على الثمر والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل: " ما " نافية، والمراد أن التمر بخلق الله لا بفعلهم " أفلا يشكرون " أمر بالشكر لأنه إنكار لتركه " خلق الأزواج كلها " أي الأنواع والأصناف " مما تنبت الأرض " من النبات والشجر " ومن أنفسهم " الذكر والأنثى " ومما لا يعلمون " وأزواجا ومما لم يطلعهم الله عليه

ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته " فأنبتنا فيها حبا " كالحنطة والشعير " وعنبا وقضبا " يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه: إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى " وحدائق غلبا " أي عظاما، وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأنها ذات أشجار غلاظ، مستعار من وصف الرقاب " وفاكهة وأبا " أي مرعى من أب:

إذا أم لأنه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا: إذا تهيأ له لأنه مهيأ للرعي، أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء " متاعا لكم ولأنعامكم " فان الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه القاسم بن محمد عن المنقري عن حفص ابن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها. الخبر.

2 - المحاسن: عن محمد بن علي عن محمد بن أسلم عن عبد الرحمن بن سالم عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني جعلت فداك لم حرم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم، ولا زهد فيما أحل لهم، ولكنه عز وجل خلق الخلق وعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله لهم وأباحه تفضلا منه عليهم به تبارك وتعالى لمصلحتهم، وعلى عز وجل ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر وأباحه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثم قال: أما الميتة فلا يدمنها أحد

إلا ضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة، وأما الدم فإنه يورث أكله الماء الأصفر ويبخر الفم ويسئ الخلق ويورث الكلب والقسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من يصحبه.

وأما لحم الخنزير فان الله تبارك وتعالى مسخ قوما في صور شتى شبه الخنزير والدب والقرد وما كان من الأمساخ، ثم نهى عن أكل المثلة نسلها لكيلا ينتفع الناس بها ولا يستخف بعقوبته.

وأما الخمر فإنه حرمها لفعلها وفسادها وقال: مد من الخمر يورثه الارتعاش ويذهب بنوره ويهدم مروءته ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه ولا يعقل ذلك، والخمر لا تزيد شاربها إلا كل شر.

الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن عمرو ابن عثمان عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام وعدة من أصحابنا أيضا عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن أسلم عن عبد الرحمن بن سالم عن مفضل ابن عمر مثله.

بيان: يظهر من سند المحاسن أنه سقط: " عن محمد بن علي " قبل " عن محمد

ابن أسلم " في نسخ الكافي.

وفي القاموس: البلغة بالضم: ما يتبلغ به من العيش، وقال: الكلب بالتحريك العطش والحرص والشدة والاكل الكثير بلا شبع، وصياح من عضه الكلب الكلب وجنون الكلاب المعترى من أكل لحم الانسان وشبه جنونها المعترى للانسان من عضها انتهى وكأن المراد إما العطش أو الحرص في الاكل أو جنون يشبه حالة من عضه الكلب.

وفي القاموس: مثل بفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا، وهي المثلة بضم الثاء وسكونها، والوثوب: كناية عن الجماع، والحرم بضم الحاء وفتح الراء:

اللواتي تحريم نكاحهن، ويحتمل أن يراد بالوثوب القتل، وبالحرمة نساؤه كما في القاموس.

3 - معاني الأخبار: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الذي يخرج على الامام، والعادي: الذي يقطع الطريق، لا يحل لهما الميتة.

4 - وقد روي أن العادي اللص، والباغي الذي يبغي الصيد لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في حال الاضطرار.

5 - العياشي: عن محمد بن إسماعيل رفع إلى أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الظالم، والعادي: الغاصب.

[6 - ومنه عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر

غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق لا يحل لهما الميتة.

7 - وقد روي أن العادي: اللص، والباغي: الذي يبغي الصيد، لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في حال الاضطرار.

8 - دعائم الاسلام: عن محمد بن إسماعيل رفع إلى أبي عبد الله عليه السلام في قوله:

" فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الظالم، والعادي: الغاصب].

9 - ومنه عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال الباغي: الخارج على الامام، والعادي: اللص.

بيان: الذي يتلخص من مجموع الاخبار هو أن السفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة والصوم للمعصية والعدوان لا يحل أكل الميتة إذا اضطر فيه إليها.

10 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه ذكر ما يحل أكله وما يحرم بقول مجمل فقال: أما ما يحل للانسان أكله مما خرجت الأرض فثلاثة أصناف من الأغذية: صنف منها جميع صنوف الحب كله كالحنطة والأرز والقطنية وغيرها والثاني: صنوف الثمار كلها، والثالث: صنوف البقول والنبات، فكل شئ من هذه الأشياء فيه غذاء للانسان ومنفعة وقوة فحلال أكله، وما كان فيه المضرة فحرام أكله إلا في حال التداوي به، وأما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحم البقر والغنم والإبل، ومن لحوم الوحش كل ما ليس له ناب ولا مخلب، ومن لحوم الطير كل ما

كانت له قانصة، ومن صيد البحر كل ماله قشر، وما عدا ذلك كله من هذه الأصناف فحرام أكله، وما كان من البيض مختلف الطرفين فحلال أكله، وما يستوي طرفاه فهو من بيض ما لا يؤكل لحمه.

بيان: قال في النهاية: " فيه كان يأخذ من القطنية العشر " هي بالكسر والتشديد واحدة القطاني كالعدس والحمص واللوبيا ونحوها.

وفي القاموس: القطنية بالضم والكسر: النبات وحبوب الأرض أو ما سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو هي الحبوب التي تطبخ. الشافعي: العدس والخلر والفول والدجر والحمص، الجمع القطاني، أو هي الخلف وخضر الصيف.

11 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: المضطر يأكل الميتة وكل محرم إذا اضطر إليه.

12 - وقال جعفر بن محمد عليه السلام: إذا اضطر المضطر إلى أكل الميتة أكل حتى يشبع وإذا اضطر إلى الخمر شرب حتى يروي، وليس له أن يعود إلى ذلك حتى يضطر إليه أيضا.

13 - ومنه: عن أبي جعفر عليه السلام أنه ذكر الجبن الذي يعمله المشركون وأنهم يجعلون فيه الإنفحة من الميتة ومما لم يذكر اسم الله عليه، قال: إذا علم ذلك لم يؤكل وإن كان الجبن مجهولا لا يعلم من عمله وبيع في سوق المسلمين فكله.

14 - تفسير النعماني: بأسانيده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: وأما ما في القرآن تأويله في تنزيله فهو كل آية محكمة نزلت في تحريم شئ من الأمور المتعارفة التي كانت في أيام العرب، تأويلها في تنزيلها، فليس يحتاج فيها إلى تفسير أكثر من تأويلها، وذلك مثل قوله تعالى في التحريم: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم

وأخواتكم " إلى آخر الآية، وقوله: " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " الآية، وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " الآية إلى قوله: " أحل الله البيع وحرم الربا " وقوله تعالى:

" قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم " إلى آخر الآية، ومثل ذلك في القرآن كثير مما حرم الله سبحانه لا يحتاج المستمع له إلى مسألة عنه، وقوله عز وجل في معنى التحليل: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " وقوله:

" وإذا حللتم فاصطادوا " وقوله تعالى: " يسئلونك ماذا أحل لهم " إلى قوله:

" مما علمكم الله " وقوله: وطعامكم حل لهم " وقوله: " أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم " وقوله:

" وأحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " وقوله: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " ومثله كثير.

تفسير علي بن إبراهيم مرسلا مثله.

15 - المحاسن: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثر لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال: يقوم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد وليس له بقاء، فان جاء طالب لها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري

سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتى يعلموا.

الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي مثله.

16 - نوادر الراوندي: عن عبد الواحد بن إسماعيل الرؤياني عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الأشعث عن موسى بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: سئل علي عليه السلام عن سفرة وجدت في الطريق فيها لحم كثير وخبز كثير وبيض وفيها سكين، فقال:

يقوم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد، فإذا جاء طالبها غرم له، فقالوا له: يا أمير المؤمنين لا نعلم أسفرة ذمي هي أم مجوسي؟ فقال: هم في سعة من أكله حتى يعلموا.

ومنه بهذا الاسناد قال: سئل علي عليه السلام عن شاه مسلوخة وأخرى مذبوحة عمي على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة، فقال: يرمى بهما جميعا إلى الكلاب.

18 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن وجدت لحما ولم تعلم أنه ذكى أو ميتة فألق منه قطعة على النار فان تقبض فهو ذكي وإن استرخى على النار فهو ميت، وكل صيد إذا اصطدته في البر والبحر حلال سوى ما قد بينت لك مما جاء في الخبر بأن أكله مكروه.

توضيح وتبيين: اعلم أنه يستفاد من هذه الأخبار أحكام مهمة: الأول يستفاد من رواية السكوني والديباجي أن الأصل في اللحم المطروح التذكية ما لم يعلم أنه ميتة، كما هو الظاهر مما مر من عمومات الآيات والاخبار، ومن

حصر المحرمات في أشياء معدودة ليس هذا منها، ويمكن تقييده بما إذا كان في بلاد المسلمين، وكأنه الظاهر بل يمكن تخصيصه بما إذا دلت القرائن على أنها كانت من مسلم، ولا ينافيه قول السائل: " أو سفرة مجوسي " إذ محض الاحتمال يكفي لهذا السؤال، لكن قوله: " حتى يعلموا " يدل على أن مع الظن بكونه من كافر يجوز أكله إلا أن يحمل العلم على ما يعم الظن، والمشهور بين الأصحاب خلافه، والأصل عندهم عدم التذكية حتى يعلم بها أو يؤخذ من يد مسلم أو من سوق المسلمين، حتى بالغ بعضهم بأن جلد المصحف إذا وجد في مسجد جلده في حكم الميتة، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه يجوز التعويل على الامارات المفيدة للظن في ذلك، قال الشهيد الثاني قدس سره في التقاط النعلين والإداوة والسوط: لا يخفى أن الأغلب على النعل، أن يكون من الجلد وكذا الإداوة والسوط، وإطلاق الحكم بجواز التقاطها إما محمول على ما لا يكون منها من الجلد لان المطروح منه مجهولا ميتة لأصالة عدم التذكية، أو محمول على ظهور أمارات تدل على ذكاته، فقد ذهب بعض الأصحاب إلى جواز التعويل عليها.

وقال العلامة رحمه الله في التحرير لو وجد ذبيحة مطروحة لم يحل له أكلها ما لم يعلم أنها تذكية مسلم أو يوجد في يده.

وقال المحقق الأردبيلي نور الله ضريحه في شرح الارشاد: دليل اجتناب اللحم المطروح غير معلوم الذبح هي أن الأصل في الميتة التحريم، لان زوال الروح معلوم والتذكية مشروطة بأمور كثيرة وجودية والأصل عدمها، ولكن قد يعلم بالقرائن و لهذا يعلم الهدي إذا ذبح، ويدل عليه بعض الأخبار أيضا عموما مثل صحيحة عبد الله بن سنان من تغليب الحلال وخصوصا رواية السكوني - وذكر هذه الرواية - ثم قال:

وضعف السند لا يضر لأنها موافقة للعقل ولغيرها، وفيها أحكام كثيرة: منها طهارة اللحم المطروح والجلد كذلك، ويحمل على وجود القرينة الدالة على كونهما كانا في

يد المسلم، وكون اللحم في يد المجوسي غير ظاهر فيحل ذبيحة الكافر فافهم، وجواز التصرف بالاكل في مال الناس إذا علم الهلاك من غير إذن الحاكم مع التقويم على نفسه، وعدم اشتراط العدالة في المقوم والمتصرف، والغرامة للصاحب، وكون الجاهل معذورا حتى يعلم فتأمل وبالجملة القرينة المفيدة للظن الغالب معتبرة فكيف ما يفيد العلم والظن المتاخم له إنتهى.

ثم اعلم أنه قال المحقق رحمه الله في الشرائع: إذا وجد لحم ولا يدرى، أذكى هو أم ميت قيل: يطرح في النار فان انقبض به فهو ذكى، وإن انبسط فهو ميت.

وقال العلامة طاب ثراه في القواعد: لو وجد لحم مطروح لا يعلم ذكاته اجتنب، وقيل: يطرح في النار فان انقبض فهو ذكى، وإن انبسط فميت.

وقال الشهيد الثاني رفعت درجته في المسالك بعد إيراد كلام المحقق: هذا القول هو المشهور بين الأصحاب خصوصا المتقدمين.

قال الشهيد رحمه الله في الشرح: لم أجد أحدا خالف فيه إلا المحقق في الشرايع والفاضل فإنهما أورداها بلفظ قيل، المشعر بالضعف، مع أن المحقق وافقهم في النافع، وفي المختلف لم يذكرها في مسائل الخلاف ولعله لذلك، واستدل بعضهم عليه بالاجماع، قال الشهيد: وهو غير بعيد، ويؤيده موافقة ابن إدريس عليه فإنه لا يعتمد على أخبار الآحاد، فلو لا فهمه الاجماع لما ذهب إليه، والأصل فيه رواية محمد بن يعقوب باسناده إلى إسماعيل بن عمر عن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل دخل قرية فأصاب فيها لحما لم يدر أذكى هو أم ميت، قال: فاطرحه على النار فكل ما انقبض فهو ذكى، وكل ما انبسط فهو ميت.

ومع هذا الاشتهار فطريقها لا يخلو من ضعف فلتوقف المصنف عن موافقتهم في الحكم وجه وجيه، وظاهر الرواية أنه لا يحكم بحل اللحم وعدمه باختبار بعضه بل لابد من اختبار كل قطعة منه على حدة، ويلزم كل واحدة حكمها بدليل قوله " كل ما انقبض فهو حلال وكل ما انبسط فهو حرام " ومن هنا مال الشهيد رحمه الله في الدروس إلى تعديتها إلى اللحم المشتبه منه الذكي بغيره فيتميز بالنار كذلك انتهى.

وأقول عبارة الفقه أحسن من عبارة هذا الخبر، ويدل على الاكتفاء بالقطعة في الحكم على الكل، ومما ذكره رحمه الله من امتحان كل قطعة إن كان مراده القطعات المتصلة ففي غاية البعد، ويلزم أن نفصل حيث أمكن ونختبر بل إلى الاجزاء التي لا تتجزى مع إمكان وجودها، وإن أراد القطعات المنفصلة فإن لم تعلم كونها من حيوان واحد فلا ريب أنه كذلك ومع العلم فيه إشكال والأحوط التعدد.

ثم اعلم أنه لا تنافي بين رواية شعيب ورواية السكوني فان الأولى ظاهرة في الني غير المطبوخ، والثانية في المطبوخ، وبعد الطبخ لا يفيد الامتحان إذ الظاهر أن الانقباض في المذكى لأنه يخرج منه أكثر الدم الكائن في العروق فينجمد على النار، والميتة غالبا لا يخرج منه الدم فينجمد في العروق، فإذا مسته النار تسيل الدماء وتنبسط اللحم وبعد الطبخ تخرج منه الرطوبات ولا يبقى فيه شئ حتى يمكن امتحانه بذلك.

فان قيل: جوابه عليه السلام يشمل هذا المورد أيضا.

قلت: قوله: " هم في سعة " لا عموم فيه، ولو قيل: برجوع الضمير إلى الناس فيمكن حمل هذا الخبر على الاستحباب، أو يقال كونهم في سعة إذا لم يكن لهم طريق إلى العلم، وههنا لهم طريق إليه.

الثاني ذهب أكثر الأصحاب إلى أنه إذا اختلط الذكي بالميت وجب الامتناع من الجميع حتى يعلم الذكي بعينه، لكن خصوا الحكم بما إذا كان محصورا دفعا للحرج لوجوب اجتناب الميت ولا يتم إلا باجتناب الجميع، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال " ويرد عليه أن وجوب اجتناب الميتة مطلقا ممنوع، لجواز كون التحريم مخصوصا بما إذا كان عينه معلوما كما تدل عليه الأخبار الصحيحة وأما الرواية فهي عامية مخالفة للروايات المعتبرة، والأصل والعمومات وحصر المحرمات يرجح الحل، مع أنه يمكن قراءة الحرام منصوبا ليكون مفعولا وموافقا لغيرها كما ذكره المحقق الأردبيلي رحمه الله.

وقيل: يباع ممن يستحل الميتة، ذهب إليه الشيخ في النهاية وتبعه ابن حمزة والعلامة في المختلف، ومال إليه المحقق قدس الله روحه في الشرايع مع قصده لبيع المذكى، والمستند صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال سمعته يقول: إذا اختلط الذكي بالميتة باعه ممن يستحل الميتة.

وحسنة الحلبي أيضا يدل عليه، ومنع ابن إدريس من بيعه والانتفاع به

مطلقا لمخالفة الرواية لأصول المذهب، والمحقق رحمه الله وجه الرواية بما إذا قصد بيع المذكى حسب، واستشكل بأنه مع عدم التمييز يكون المبيع مجهولا، ولا يمكن إقباضه فلا يصح بيعه منفردا وأجاب في المختلف بأنه ليس بيعا حقيقيا، بل هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه فكان سائغا، وإنما اطلق عليه اسم البيع لمشابهته له في الصورة من حيث أنه بذل مال في مقابلة عوض، واعترض عليه بأن مستحل الميتة أعم ممن يباح ماله إذ لو كان ذميا كان ماله محترما فلا يصح إطلاق القول ببيعه كذلك على مستحل الميتة، فالأولى العمل بالرواية الصحيحة وترك تلك المعارضات في مقابلها، نعم رواية الراوندي ظاهرها عدم جواز البيع، لكن لا تعارض هذه الصحيحة سندا مع أنه لا تعارض بينهما حقيقة فان الظاهر أن الرمي إلى الكلاب كناية عن عدم جواز استعمالهما وأكلهما فلا ينافي جواز إعطائهما من يشبه الكلاب، وكأنه لم يقل أحد بتعين إطعامهما الكلاب كسائر الميتات.

ومال الشهيد إلى عرضه على النار واختباره بالانبساط والانقباض كما مر في اللحم المجهول، وضعف ببطلان القياس مع وجود الفارق، وهو أن اللحم المطروح يحتمل كونه بأجمعه مذكى وكونه غير مذكى فكونه ميتة غير معلوم بخلاف المتنازع فيه فإنه مشتمل على الميتة قطعا فلا يلزم من الحكم في المشتبه تحريمه كونه كذلك في المعلوم التحريم، وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: هو محل تأمل لما علم من الرواية العلة وهي حصول العلم بتعين إحداهما وهو أعم من المطروح المشتبه بالميتة على أنه ليس بفارق فان المطروح بحكم الميتة شرعا عندهم وإن كل واحد من الميتة والمشتبه يحتمل أن يكون ميتة فوجود الميتة يقينا هنا لا ينفع، فلا بد أن يمنع استقلال العلة مع الاشتباه، ومثله يرد في جميع القياسات المنصوصة العلة أو

يمنع الأصل انتهى.

الثالث: يدل الخبران الأولان على ما ذكره الأصحاب من أنه إذا التقط ما لا يبقى كالطعام فهو مخير بين أن يتملكه بالقيمة أو يبيعه ويأخذ ثمنه ثم يعرفه وبين أن يدفعه إلى الحاكم ليعمل فيه ما هو الحظ للمالك.

ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من التقط طعاما فليأكله " لكن الخبران إنما يدلان على جواز الأكل، والأول على أنه إذا جاء صاحبه غرم له الثمن، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله في محله.

الرابع قوله عليه السلام: كل صيد الخ يدل على أن الأصل في الحيوان كونه حلالا وقابلا للتذكية إلا ما أخرجه الدليل.

وقال الشهيد الثاني قدس سره: الأصل فيما يحل أكله وما يحرم أن يرجع إلى الشرع، فما أباحه فهو مباح وما حظره فهو محظور، وما لم يكن له في الشرع ذكر كان المرجع فيه إلى عادة العرب، فما استطابته فهو حلال، وما استخبثته فهو حرام، ثم استدل رحمه الله بالآيات المتقدمة وقد مر هنا الكلام فيه.

وقال المحقق الأردبيلي طاب ثراه: قد توافق دليل العقل والنقل على إباحة أكل كل شئ خال عن الضرر، وقد تبين دلالة العقل على أن الأشياء خالية عن الضرر مباحة ما لم يرد ما يخرجه عن ذلك، والآيات الشريفة في ذلك كثيرة أيضا، مثل:

" خلق لكم ما في الأرض جميعا - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " هما حالان مؤكدان لا مقيدان، وهو ظاهر، والاخبار أيضا كثيرة، والاجماع أيضا واقع، فالأشياء كلها على الإباحة بالعقل والنقل كتابا وسنة وإجماعا إلا ما ورد النص بتحريمه

إما بالعموم مثل: " وحرم عليكم الخبائث " فما علم أنه خبيث فهو حرام، ولكن معنى الخبيث غير ظاهر، إذ الشرع ما بينه واللغة غير مراد والعرف غير منضبط، فيمكن أن يقال: المراد عرف أوساط الناس وأكثرهم حال الاختبار مثل أهل المدن والدور لا أهل البادية لأنه لا خبيث عندهم بل يطيبون جميع ما يمكن أكله ولا اعتداد بهم.

وإما بالخصوص مثل: " حرمت عليكم الميتة " الآية وبالجملة الظاهر الحل حتى يعلم أنه حرام لخبثه أو لغيره لما تقدم، ولصحيحة ابن سنان، ويؤيده حصر المحرمات مثل: " قل لا أجد " الآية، فالذي يفهم من غير شك هو الحل ما لم يعلم وجه التحريم حتى في المذبوح من الحيوان وأجزاء الميتة، فما علم أنه ميتة أو ما ذبح على الوجه الشرعي فهو أيضا حرام إلا ما يستثنى، وأما المشتبه والمجهول غير المستثنى فالظاهر من كلامهم أنه حرام أيضا وفيه تأمل قد مر إليه الإشارة، هذه الضابطة على العموم من غير نظر إلى دليل خاص، وما ورد فيه دليل الخصوصية مفصلا فهو تابع لدليله تحريما وتحليلا فتأمل انتهى كلامه قدس سره، وهو في غاية المتانة.

19 - الفقيه والتهذيب: عن أبي الحسين الأسدي عن سهل بن زياد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام أنه قال:

سألته عما أهل لغير الله به، قال: ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر حرم الله ذلك كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه أن يأكل الميتة، قال: فقلت له: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله متى تحل للمضطر الميتة؟ فقال:

حدثني أبي عن أبيه آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل فقيل: يا رسول الله إنا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفؤا بقلا فشأنكم بها.

قال عبد العظيم: فقلت له: يا بن رسول الله ما معنى قوله عز وجل: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال: العادي السارق، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذ اضطرا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر، فقلت: فقوله: " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " قال: المنخنقة: التي انخنقت بأخناقها حتى تموت، والموقوذة: التي مرضت ووقذها المرض حتى لم يكن بها حركة، والمتردية التي تتردى من مكان مرتفع إلى أسفل أو تتردى من جبل أو في بئر فتموت، والنطيحة: التي تنطحها بهيمة أخرى فتموت، وما أكل السبع منها فمات، وما ذبح على النصب على حجر أو صنم إلا ما أدركت زكاته فذكي، قلت: " وأن تستقسموا بالأزلام " قال: كانوا في الجاهلية يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس ويستقسمون عليه بالقداح وكانت عشرة، سبعة لها أنصباء وثلاثة لا أنصباء لها، أما التي لها أنصباء فالفذ والتوأم والنافس والحلس والمسبل والمعلى والرقيب، وأما التي لا أنصباء لها فالسفيح والمنيح والوغد، فكانوا يجيلون السهام بين عشرة، فمن خرج باسمه

سهم من التي لا أنصباء لها الزم ثلث ثمن البعير فلا يزالون كذلك حتى تقع السهام الثلاثة لا أنصباء لها إلى ثلاثة منهم فيلزمونهم ثمن البعير ثم ينحرونه ويأكله السبعة الذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا، ولم يطعموا منه الثلاثة الذين نقدوا ثمنه شيئا، فلما جاء الاسلام حرم الله تعالى ذكره ذلك فيما حرم، وقال عز وجل " وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق " يعني حراما.

تبيين: المخمصة: المجاعة: قوله عليه السلام: " ما لم تصطبحوا " هذا الخبر روته العامة أيضا عن أبي واقد عن النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في تفسيره: قال في النهاية: ومنه الحديث أنه سئل متى تحل لنا الميتة؟ فقال: " ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفؤا بها بقلا " الإصطباح ههنا: أكل الصبوح وهو الغداء، والغبوق: العشاء، وأصلهما في الشرب ثم استعملا في الاكل، أي ليس لكم أن تجمعوهما من الميتة، قال الأزهري:

قد أنكر هذا على أبي عبيد وفسر أنه أراد إذا لم تجدوا لبنية تصطبحونها أو شرابا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة، وقال:

هذا هو الصحيح.

وقال في باب الحاء مع الفاء: قال أبو سعيد الضرير: صوابه " ما لم تحتفوا بها " بغير همز من أحفى الشعر، ومن قال: " تحتفئوا " مهموزا من الحفأ وهو البرري فباطل لان البرري ليس من البقول، وقال أبو عبيد: هو من الحفأ مهموز مقصور و هو أصل البرري الأبيض الرطب منه، وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه، ويروى ما لم تحتفوا بتشديد الفاء من احتففت الشئ: إذا أخذته كله كما تحف المرأة وجهها من الشعر.

وقال في باب الجيم مع الفاء: ومنه الحديث: " متى تحل لنا الميتة؟ قال:

ما لم تجتفئوا بقلا " أي تقتلعوه وترموا به من جفأت القدر: إذا رميت بما يجتمع

على رأسها من الزبد والوسخ.

وقال في باب الخاء مع الفاء: " أو تختفوا بقلا " أي تظهرونه يقال: اختفيت الشئ: إذا أظهرته، وأخفيته: إذا سترته انتهى.

وقال الطيبي: " تحتفوا بها " أي بالأرض، فشأنكم بها: أي الزموا الميتة و " أو " بمعنى الواو، فيجب نفي الخلال الثلاث حتى تحل لنا الميتة، و " ما " للمدة أي يحل لكم مدة عدم اصطباحكم انتهى.

وأقول: في بعض نسخ الفقيه بالواو في الموضعين فلا يحتاج إلى تكلف، وعلى الحاء المهملة يحتمل أن تكون كناية عن استيصال البقل فان هذا شايع في عرفنا على التمثيل، فلعله كان في عرفهم أيضا كذلك، وفي بعض نسخ التهذيب " تحتقبوا " بالحاء المهملة والقاف والباء الموحدة فالمراد به الادخار، قال في القاموس احتقبه: ادخره وقال: الحقيبة كل ما شد في مؤخر رحل أو قتب، والظاهر أنه تصحيف.

" باخناقها " كأنه على بناء الافعال، أي بأن يخنقها غيره أو بأن يختنق في مضيق، أو بالفتح على صيغة الجمع أي بأسباب خنقها، قال الجوهري: الخنق بكسر النون مصدر قولك خنقه يخنقه وكذلك خنقه، ومنه الخناق وأخنق هو واختنقت الشاة بنفسها فهي منخنقة.

وفي القاموس: الزلم محركة: قدح لا ريش عليه، والإنصباء جمع النصيب والأسماء السبعة المذكورة في الخبر على خلاف الترتيب المشهور، ولعله من الرواة أو يقال: إنه عليه السلام لم يكن بصدد تعليمه بل أشار مجملا إلى ما كانوا يعملونه، بل يمكن أن يكون عليه السلام تعمد ذلك لئلا يكون تعليما للقمار وإن أمكن الاستدلال به على جواز تعليم القمار وتعلمه لغير العمل، قال الجوهري: سهام الميسرة عشرة:

أولها الفذ، ثم التوأم، ثم الرقيب، ثم الحلس ثم النافس ثم المسبل ثم المعلى،

وثلاثة لا أنصباء لها وهي السفيح والمنيح والوغد انتهى. مع أن بينهم أيضا خلافا في بعضها: قال الفيروزآبادي: المسبل كمحسن: السادس أو الخامس من قداح الميسر.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.