بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
1 باب جوامع ما يحل وما يحرم من المأكولات والمشروبات وحكم المشتبه بالحرام
ج ۶۲، ص ۹۱–۱۲۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
وقال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا 29.
وقال تعالى: كلوا واشربوا من رزق الله 60.
وقال تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين 168.
وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم 172 و 173.
آل عمران 3: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون 93 و 94.
المائدة 5: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم 1.
وقال تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق - إلى قوله تعالى: - فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم * يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات 3 و 4.
وقال: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم 5.
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 87 و 88.
وقال تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين 93.
وقال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون 100.
الانعام: ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين 119.
هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا
حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المغز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * قل لا أحد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم * وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون 141 - 146.
الأعراف 7: ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون 10.
وقال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 31 و 32.
وقال تعالى : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث 157.
يونس 10: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات 93.
إبراهيم 14: فأخرج به من الثمرات رزقا لكم - إلى قوله: - وسخر لكم الأنهار 32.
الحجر 15: وجعل لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين 20.
النحل 16: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون 5.
وقال تعالى: وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا
ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون 66 و 67.
وقال تعالى: ورزقكم من الطيبات 72.
وقال تعالى: فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم * ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وحرام لتفتروا على الله الكذب 114 - 116.
طه 20: فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم 53 و 54.
وقال تعالى: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي 81.
المؤمنون 23: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون * وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين * وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون 18 - 21.
لقمان 31: ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة 20.
التنزيل 32: أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون 27.
فاطر 35: ومن كل تأكلون لحما طريا 12.
يس 36: وأخرجنا منه حبا فمنه يأكلون - إلى قوله تعالى: - ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون 33 - 35.
المؤمن 40: الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون 79 و 80.
عبس 80: فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم 27 - 32.
تفسير: " الذي جعل لكم الأرض فراشا " يدل على جواز الانتفاع بالأرض على أي وجه كان من السكنى والزراعة والعمارة وحفر الأنهار وإجراء القنوات و غيرها من وجوه الانتفاعات إلا ما أخرجه الدليل.
وقوله: " رزقا لكم " يدل على حلية جميع الثمرات وبيعها وسائر الانتفاعات " ولكم " صفة " رزقا " إن أريد به المرزوق، ومفعول له إن أريد به المصدر، كأنه قال: رزقه إياكم، ويدل تتمة الآية على وجوب شكر المنعم " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " أمتن سبحانه على عباده بخلق جميع ما في الأرض لهم، وهذا يدل على صحة انتفاعهم بكل ما فيها من وجوه المصالح إذا خلا عن المفسدة، ومنه يستدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة إذ هي مباحة لمن خلقت له، وقيل: الامتنان بخلق الجميع يقتضي حل الجميع، وأن لكل شئ منها فائدة ونفعا، وما يقال: من أن ما لا نفع به كالسم والعقرب وبعض الحشرات خارج عن ذلك ففيه نظر، وإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ووجود ضرر في شئ لا يدل على انتفاء النفع فيه، ألا ترى أن المأكولات الطيبة تضر المريض غاية المضرة؟ ومن تأمل في حكمته تعالى لم يتجاسر بمثل هذا المقال، فلعل المراد أن ليس في الخلق ما هو ضرر محض خال عن النفع، بل إنما فيه من جهة ضررا، وجهة خلا من ذلك الوجه من المنفعة لا يقع به امتنان من تلك الجهة بل الامتنان من جهة النفع مع الخلو عن الضرر و " الطيب " في بعض الآيات إشارة إلى ذلك كما فسره الطبرسي أن المراد الطاهر من كل شبهة خبث وضرر والله أعلم انتهى.
وقال البيضاوي: معنى " لكم " لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط، أو دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، فهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة ، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل
واحد لكل واحد و " ما " يعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو و " جميعا " حال من الموصول الثاني " كلوا واشربوا " ظاهر الخطاب لبني إسرائيل فالمراد ما رزقهم الله من المن والسلوى والعيون، و يمكن الاستدلال على العموم بوجه لا يخلو من تكلف.
" يا أيها الناس كلوا مما في الأرض " قال الطبرسي رحمه الله: عن ابن عباس أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج لما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة والسائبة والوصيلة.
وقال قدس سره: اختلف الناس في المآكل والمنافع لا ضرر على أحد فيها، فمنهم من ذهب إلى أنها على الحظر، ومنهم من ذهب إلى أنها على الإباحة، و اختاره المرتضى - رحمه الله - ومنهم من وقف بين الامرين وجوز كل واحد منهما وهذه الآية دالة على إباحة المآكل إلا ما دل الدليل على حظره فجاءت مؤكدة لما في العقل انتهى.
والمراد بالاكل إما خصوص الاكل اللغوي أو مطلق الانتفاع فإنه مجاز شائع والحلال هو الجائز من أفعال العباد ونظيره المباح، والطيب يقال: لمعان: الأول ما حلله الشارع الثاني ما كان طاهرا.
الثالث ما خلا عن الأذى في النفس والبدن. الرابع ما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه. الخامس ما لم يكن فيه جهة قبح توجب المنع عنه كما نفهم من أكثر موارد استعماله، وستعرفه، والخطاب هنا عام لجميع المكلفين من بني آدم
والامر في " كلوا " للإباحة ولما كان في المأكول ما يحرم وما يحل بين ما يجب أن يكون عليه من الصفة فقال: " حلالا " وقيل: الامر للوجوب نظرا إلى مراعاة القيد " طيبا " قيل: هو الحلال أيضا، جمع بينهما لاختلاف اللفظين تأكيدا، وقيل: ما تستطيبونه وتلذونه في العاجل والآجل وفي الكشاف والجوامع: طاهرا من كل شبهة، قيل:
ولا يبعد على تقدير مفعولية " حلالا " وحاليته أن يراد بالحلال ما خلا من جهة الحظر بحسب ذاته وأحواله الغالبة والطيب ما خلا من جهة الحظر من كل وجه.
وأقول: على تقدير حالية الطيب وحمل الامر على الرجحان الأظهر أن يكون الحلال للاحتراز عن الحرام والطيب للاحتراز عن الشبهات ثم قوله: " حلالا " إما مفعول " كلوا " و " من " حينئذ ابتدائية أو بيانية وظاهر الكشاف أنها تبعيضية، ومنع منه التفتاراني لان من التبعضية في موقع المفعول أي كلوا بعض ما في الأرض.
قال: فان قيل: لم لا يجوز أن يكون حالا من حلالا؟ قلنا: لان كون " من " التبعيضية ظرفا مستقرا وكون اللغو حالا مما لا تقول به النحاة، وقيل: فيه نظر لان كون " من " التبعيضية في موضع المفعول ليس معناه أنه مفعول به من حيث الاعراب مغن عن المفعول به. بل إنما يتحد مع المفعول به انتهى.
أو حال من المفعول وهو " مما في الأرض " فيكون المراد بما في الأرض المأكولات المحللة، أو صفة مصدر محذوف أي كلوا أكلا حلالا و " من " للتبعيض أو ابتدائية أما كونه مفعولا له أو تميزا كما زعم بعضهم فغير واضح " وطيبا " مثل " حلالا " أو صفته.
أقول: هذا ما ذكره القوم والأظهر عندي أن " حلالا وطيبا " للتأكيد لا للتقييد سواء جعلا حالين مؤكدتين أو غيره، لان التقييد مع حمل الامر على الإباحة كما ذكره الأكثر يجعل الكلام خاليا عن الفائدة إذ حاصله حينئذ: أحل لكم ما أحل لكم إذ يجوز لكم الانتفاع بما أحل لكم.
فان قيل: كيف يستقيم هذا مع أنه معلوم أن ما في الأرض مشتمل على
محرمات كثيرة؟
قلنا: إذا حملنا " من " على التبعيض لا يرد ذلك، وأيضا يمكن أن يكون هذا قبل تحريم ما حرم من الأشياء فإنه يظهر من بعض الأخبار أنه لم يجب قبل الهجرة شئ سوى الشهادتين وما يتبعهما من العقائد ولم يحرم سوى الشرك وإنكار النبوة وما يلزمهما، وبعد الهجرة نزلت الواجبات والمحرمات تدريجا، على أنه يمكن أن يكون عاما مخصصا كما في سائر العمومات: فتدل على حل ما في الأرض جميعا إلا ما أخرجه الدليل.
وقيل: يظهر من عمومات الخطاب حل المحللات للكفار والفساق أيضا وجواز إعطائهم منها إلا ما دل على المنع منه دليل. " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا وساوس الشيطان في تحريم ما أحل الله، أو في ترك شكر ما أنعم الله، ويؤيد الأول قوله: " وأن تقولوا على الله " وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن خطوات الشيطان الحلف بالطلاق والنذر في المعاصي وكل يمين بغير الله.
أقول: يحتمل أن يكون المراد الحلف والنذر على تحريم المحللات بقرينة صدر الآية.
وقيل: في هذا النهي تنبيه على أن المراد بحلالا في الامر التقييد لا إطلاق حل ما في الأرض والمأكول منه أو الاكل، وهو يعم مخالفة الامر بالتعدي إلى أكل غير الحلال، وباجتناب أكل الحلال وفعل غير ذلك من المحرمات انتهى. وضعفه ظاهر مما ذكرنا " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " مضمون صدر الآية قريب مما تقدم إلا أنها خاصة باعتبار الخطاب للمؤمنين، وقيل: الامر للترغيب أو لإباحة أكل ما يستلذه المؤمنون ويستطيبونه ويعدونه طيبا لا خبيثا ينفر عنه الطبع ويجزم العقل بقبح أكله مثل الدم والبول والمني والحشرات وغيرها، فيفهم منه كونه طاهرا أيضا إذ النجس خبيث وليس مما يعدونه طيبا، فهو في الدلالة على
إباحة جميع ما يعده العقل طيبا ولا يجد فيه ضررا وخبثا مما يسمى رزقا لبني آدم، أي ينتفع به في الاكل، أصرح مما تقدم ففهم كون الأشياء على أصل الحلية منها أولى.
أقول: على سياق ما قدمنا يكون الحاصل كلوا مما لم يدل دليل شرعي على تحريمه فيما رزقناكم ومكناكم من التصرف فيه، أو مما لم يكن فيه جهة قبح واقعي فيرجع إلى الأول، لأنه يعلم ذلك ببيان الشارع أو مما لم يكن مضرا بالنفس والبدن أو مما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه، إما بناء على الغالب من أنه لا يرغب إلى غير ذلك، أو بناء على أن سياق الآية مشتمل على الامتنان وعمدة الامتنان به لا بما تتنفر الطباع عنه، أو لمرجوحية أكل الخبائث غير المحرمة بناء على أن الامر للإباحة الصرفة أو لرجحان التصرف في الطيبات وأكلها، بناء على أن الامر للاستحباب.
وبالجملة يشكل الاستدلال بأمثاله على تحريم ما تتنفر عنه عامة الطباع.
وقال الرازي: اعلم أن الاكل قد يكون واجبا وذلك عند دفع الضرر، وقد يكون مندوبا وذلك أن الضيف قد يمتنع من الاكل إذا انفرد وينبسط إذا سوعد فهذا مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشئ أن يكون خاليا عن العوارض فلا جرم كان مسمى الاكل مباحا، وإذا كان الامر كذلك كان الامر كذلك.
ثم قال: احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله: " من طيبات ما رزقناكم " بأن الطيب هو الحلال، فلو كان رزق حلالا لكان المعنى كلوا من محللات ما حللنا لكم فيكون تكرارا، وهو خلاف الأصل، وأجابوا عنه بأن الطيب في اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائد ما أحللنا لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى انتهى.
ومضمون باقي الآية تعليق وجوب الشكر لله على عبادتهم إياه، وتلخيصه أن العبادة له إن كانت واجبة عليكم لأنه إلهكم فالشكر له أيضا واجب عليكم فإنه منعم محسن إليكم كذا ذكره الطبرسي - رحمه الله - وقال الرازي: فيه وجوه: أحدها:
واشكروا الله إن كنتم عارفين بالله ونعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته اطلاقا لاسم الأثر على المؤثر.
وثانيها: معناه إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه فان الشكر رئيس العبادات.
وثالثها: واشكروا الله الذي رزقكم هذه النعمة إن كنتم إياه تعبدون، أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه هو سبحانه إلهكم لا غير انتهى.
وأقول: يحتمل أن يكون الغرض أن شكركم إنما يصح ويستقيم بترك الشرك وإخلاص العبادة له تعالى.
" إنما حرم عليكم الميتة " كأن هذه الآية كالاستثناء عن عموم ما تقدم أو أنه سبحانه لما أمر في الآية بأكل الطيبات بين في هذه الآية الخبائث ليعلم أن ما سواها من الطيبات، و " إنما " على المشهور بين أهل العربية والأصوليين للحصر فيدل على حصر المحرمات من المأكولات في هذه الأشياء، فهي حجة في حل ما سواها إلا ما أخرجه الدليل.
وقال البيضاوي: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها انتهى.
ويمكن أن يكون التحريم في هذا الوقت مقصورا على ما ذكر فحرم بعد ذلك غيرها كما مر، والأول من المحرمات في تلك الآية الميتة، وهي على المشهور ما فارقه
الروح لاعلى وجه التذكية الشرعية. وفي المجمع: هي كل ماله نفس سائلة من دواب البر وطيره مما أباح الله أكله إنسيهما ووحشيهما فارقه روحه من غير تذكية، وقيل: الميتة كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سمى الجراد والسمك ميتا، فقال ميتتان مباحتان: الجراد والسمك انتهى.
ولا يبعد أن يكون إطلاق الميتة على السمك والجراد على المجاز فان إخراج الأول من الماء وقبض الثاني تذكيتهما.
واستدل بهذه الآية وأمثالها على حرمة جميع انتفاعات الميتة إلا ما أخرجه الدليل، لان الحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفا حرمة التصرف فيها مطلقا، وقيل: الحرمة المضافة إلى كل عين تفيد تحريم الانتفاع المتعارف الغالب فيه، فان المتبادر في تحريم الميتة الاكل لا سيما مع ذكرها مع الدم ولحم الخنزير، وفي تحريم الأمهات الوطئ وهكذا، وكان هذا أقوى، وحملوا الميتة عليها وعلى أجزائها التي تحل فيها الحياة فلا تحرم ما لا تحل فيه الحياة منها إلا ما كان خبيثا على المشهور لا لذلك بل لكونه خبيثا على رأيهم وحمل عليه كل ما أبين من حي مما حلت فيه الحياة.
والثاني الدم وقيد بالمسفوح لتقييده به في الآية الأخرى، والمطلق محمول على المقيد والمسفوح هو الذي يخرج بقوة عند قطع عرق الحيوان أو ذبحه، من سفحت الماء: إذا صببته أي المصبوب، واحترز به عما يخرج من الحيوان بتثاقل كدم السمك فلا يكون نجسا. واختلفوا في حرمته فقيل: هو حرام لا طلاق هذه الآية وقد عرفت جوابه، ولأنه من الخبائث وقد منع ذلك، وستسمع الكلام في الخبائث وحرمتها.
وأما الدم المتخلف في الذبيحة في الحيوان مأكول اللحم فلا أعرف خلافا بين
الأصحاب في كونه حلالا، ونقل العلامة الاجماع عليه، وما يجذبه النفس إلى باطن الذبيحة ليس في حكم المتخلف في الحل والطهارة، وفي تحريم المتخلف في الكبد والقلب وجهان ولا يبعد ترجيح عدم التحريم لظاهر الآية إلا أن يثبت كونه خبيثا، وحرمة مطلق الخبيث والدم المتخلف في حيوان غير مأكول اللحم تابع لذلك الحيوان، وظاهر الأصحاب الحكم بنجاسته، ونقل عن بعض المتأخرين التوقف فيها، وما عدا المذكورات من الدماء التي لم تخرج بقوة من عرق ولا لها كثرة انصباب لكنه مما له نفس فظاهر الأصحاب الاتفاق على نجاسته، وظاهر الفاضلين دعوى الاجماع عليه ويستفاد من بعض الأخبار أيضا، فيلزم التحريم أيضا، وأما دم غير السمك مما لا نفس له فقد نقل جماعة من الأصحاب الاجماع على طهارته، والكلام في حله وحرمته كالكلام في دم السمك.
الثالث لحم الخنزير قيل: خص اللحم وإن كان كل أجزائه محرما لأنه هو المقصود بالاكل، وغيره تابع، ولشدة حرص الكفرة ومزيد اعتقادهم بحسنه وبركته فخصه ردا عليهم.
الرابع ما أهل به لغير الله أي ما رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله كالصنم والمسيح وغيرهما، والاهلال أصله رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير إذا رئي سمي ذلك إهلالا، ثم قيل: لرفع الصوت وإن كان لغيره، وقال في موضع آخر: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " قيل: فهذا مطلق والأول مقيد فيحمل الثاني على الأول أو بينهما عموم وخصوص من وجه فجمع بينهما بمقتضى الروايات المعتبرة، وسيأتي أحكام التسمية إن شاء الله.
" فمن اضطر " أي إلى أكل هذه الأشياء قال الطبرسي رحمه الله: ضرورة مجاعة عن أكثر المفسرين، وقيل: ضرورة إكراه عن مجاهد، وتقديره: فمن خاف على النفس من الجوع ولا يجد مأكولا يسد به الرمق، وقوله: " غير باغ ولا عاد " فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: غير باغ لذة ولا عاد سد الجوعة.
وثانيها: غير باغ في الافراط ولا عاد في التقصير.
وثالثها: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليه بالمعصية وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انتهى.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق، لا تحل لهما الميتة.
وفي التهذيب: الباغي: باغي الصيد. والعادي: السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما.
وفي الفقيه عن الجواد عليه السلام: قال: العادي: السارق، والباغي: الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر.
وقال البيضاوي: وغير باغ بالإستيثار على مضطر آخر، ولا عاد سد الرمق والجوعة، وقيل: غير باغ على الوالي، ولا عاد بقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح على العاصي بالسفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد.
" فلا إثم عليه " قال الطبرسي رحمه الله: أي لا حرج عليه، وإنما ذكر هذا اللفظ لتبيين أنه ليس بمباح في الأصل، وإنما رفع الحرج للضرورة " إن الله غفور رحيم " إنما ذكر المغفرة لأجل أمرين: إما لتبيين أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يؤاخذ فيما رخص فيه، واما لأنه وعد بالمغفرة عند الإنابة إلى الطاعة مما كانوا عليه من تحريم ما لم يحرمه الله من السائبة وغيرها انتهى.
وأقول: وإن كان ظاهر بعض الأخبار اختصاص الحكم بالاضطرار في المخمصة لكن لفظ الآية شامل لكل اضطرار من مجاعة أو خوف قتل أو ضرر عظيم لا يتحمل عادة.
" كل الطعام " في المجمع: كل المأكولات " كان حلا " أي حلالا " لبني إسرائيل " وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: ان يعقوب عليه السلام أخذه وجع العرق الذي يقال له: عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الإبل وهو أحب الطعام إليه عن ابن عباس وغيره، وقيل:
حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله وسأل الله أن يجيز له فحرم الله تعالى ذلك على ولده، عن الحسن، وقيل: حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما حملته الظهور عن عكرمة، واختلف في أنه كيف حرمه على نفسه؟
فقيل: بالاجتهاد، وقيل: بالنذر، وقيل: بنص ورد عليه، وقيل: حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه " من قبل أن تنزل التوراة " أي كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة على موسى فإنها تضمنت تحريم ما كان حلالا لبني إسرائيل، واختلفوا فيما حرم عليهم وحالها بعد نزول التوراة.
فقيل: إنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب عن السدي.
وقيل: لم يحرمه الله عليهم في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا وصب عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ".
وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى فاحتج عليهم بالتوراة وأمرهم بالاتيان بها وبأن يقرأوا ما فيها فإنه كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه فلم يجسروا على إتيانها لعلمهم بصدقه صلى الله عليه وآله وكذبهم وكان ذلك دليلا على صحة نبوته " من بعد ذلك " أي بعد قيام الحجة " فأولئك هم الظالمون " لأنفسهم.
وأقول: ظاهره على بعض الوجوه تحليل ما حرموه على أنفسهم فتأمل.
" أحلت لكم بهيمة الأنعام " قد مر تفسيره في باب الانعام. " إلا ما يتلى عليكم " قيل: أي إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله: " حرمت عليكم الميتة " أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه " غير محلي الصيد " حال من الضمير في " لكم " وقيل: من واو " أوفوا " وقيل: استثناء، وهو تعسف، والصيد يحتمل المصدر والمفعول " وأنتم حرم " حال عما استكن في " محلي " والحرم جمع حرام وهو المحرم، وسيأتي تفسير الآيات في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
" والمنخنقة " قال الطبرسي رحمه الله تعالى: هي التي تدخل رأسها بين شعبين من شجر فتختنق وتموت عن السدي، وقيل: هي التي تخنق بحبل الصائد وتموت
عن الضحاك وقتادة، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقونها فيأكلونها " والموقوذة " هي التي تضرب حتى تموت عن ابن عباس، والسدي، والوقذ: شدة الضرب يقال: وقذتها أقذها وقذا وأوقذتها إيقاذا: إذا أثخنتها ضربا.
" والمتردية " وهي التي تقع من جبل أو موضع عال أو تقع في بئر فتموت عن ابن عباس وغيره، ومتى وقع في بئر ولا يقدر على تذكيته جاز أن يطعن ويضرب في غير المذبح حتى يبرد ثم يؤكل.
" والنطيحة " وهي التي تنطحها غيرها فتموت، وإنما تثبت فيها الهاء، وإن كان فعيل بمعنى المفعول لا تثبت فيها الهاء، مثل لحية دهين وعين كحيل وكف خضيب لأنها أدخلت في حيز الأسماء، وقال بعض الكوفيين: إنما تحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها مثل كف خضيب وعين كحيل، فأما إذا حذف الكف والعين وما يكون فعيل نعتا له واجتزؤا بفعيل أثبتوا فيه ها التأنيث ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة لمؤنث فيقال: رأينا كحيلة وخضيبة.
" وما أكل السبع " أي وحرم عليكم ما أكله السبع بمعنى قتله السبع، وهو فريسة السبع عن ابن عباس وغيره.
" إلا ما ذكيتم " يعني الا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه من هذه الأشياء، وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام أن أدنى ما تدرك به الذكاة أن تدركه يتحرك اذنه أو ذنبه أو يطرف عينه.
واختلف في الاستثناء إلى ماذا يرجع؟ فقيل: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل من الخنزير والدم عن علي عليه السلام وابن عباس.
وقيل: هو استثناء من التحريم لا من المحرمات لان الميتة لا ذكاة لها وللخنزير فمعناه حرمت عليكم سائر ما ذكر الا ما ذكيتم مما أحله الله لكم بالتذكية فإنه
حلال لكم انتهى.
وقيل: الاستثناء راجع إلى الأخير فقط.
ثم قال رحمه الله: ومتى قيل ما وجه التكرار في قوله: " والمنخنقة والموقوذة " إلى آخر ما عدد تحريمه مع أنه افتتح الآية بقوله: " حرمت عليكم الميتة " وهي تعم جميع ذلك، وان اختلفت أسباب الموت من خنق أو ترد أو نطح أو إهلال لغير الله به أو أكل سبع.
فالجواب: أن الفائدة في ذلك أنهم كانوا لا يعدون الميتة الا ما مات حتف أنفه من دون شئ من هذه الأسباب، فأعلمهم الله سبحانه أن حكم الجميع واحد، وأن وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط. قال السدي: إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميتا: إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع.
" وما ذبح على النصب " أي الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الأوثان يعني حرم عليكم ما ذبح على اسم الأوثان، وقيل: معناه ما ذبح للأوثان تقربا إليها واللام وعلى يتعاقبان، ألا ترى إلى قوله سبحانه: " فسلام لك من أصحاب اليمين " بمعنى عليك، وكانوا يقربون ويلطخون الأوثان بدمائها، قال ابن جريح: ليست النصب أصناما إنما الأصنام ما يصور وينقش، بل كانت حجارة منصوبة حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين حجرا، وقيل: كانت ثلاثمائة منها لخزاعة، وكانوا إذا ما ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا الدم وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون:
يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق بتعظيمه فأنزل الله
سبحانه: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ".
" وأن تستقسموا بالأزلام " موضعه رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ومعناه طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفألون بها في أسفارهم وابتداء أمورهم وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها : أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي وبعضها غفل لم يكتب عليها شئ فإذا أرادوا سفرا أو أمرا يهتمون به ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه: " أمرني ربي " مضى الرجل لحاجته، وإن خرج الذي عليه " نهاني ربي " لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شئ أعادوها، فبين الله تعالى أن العمل بذلك حرام عن الحسن وجماعة من المفسرين، ثم ذكر ما سيأتي عن علي بن إبراهيم، ثم قال: وقيل: هي كعاب فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها عن مجاهد، وقيل: الشطرنج عن سفيان بن وكيع " ذلكم فسق " معناه أن جميع ما سبق ذكره فسق، أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله إلى معصيته عن ابن عباس، وقيل:
إن " ذلكم " إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أي أن ذلك الاستقسام فسق وهو الأظهر انتهى.
وقيل على الأول: وسبب التحريم أنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه، وافتراء على الله إن أريد بربي الله، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم، وعلى هذا يفهم منه تحريم الاستخارة المشهورة التي قال الأكثر بجوازها بل باستحبابها وتدل عليه الروايات: فلا يكون سبب التحريم ما ذكر بل مجرد النص المخصوص و تكون الاستخارة خارجة عنه بالنص، فان الظاهر أن خصوص ما كانوا يفعلونه من اقتراح أنفسهم لا طريق إليه شرعا، والروايات طرق شرعية وحجة بالغة، وليس هذا مثل ذلك كذا ذكره بعض المحققين.
وأقول: يظهر من بعض الأخبار أيضا أنهم كانوا يضربون بالقداح عند آلهتهم ويتوسلون في ذلك إليهم فيمكن أن يكون كونه فسقا من هذه الجهة أيضا.
ثم إن الآيات المعترضة بين تلك الآيات وبين قوله: " فمن اضطر " اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والاسلام المرضي.
وأقول: لا يبعد تغيير نظم الآيات عن الترتيب المنزل لدلالة الروايات المتواترة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام التي نزلت يوم الغدير، فلعلهم تعمدوا ذلك تبعيدا للأذهان عن فهم المراد .
" فمن اضطر في مخمصة " في المجمع معناه فمن دعته الضرورة في مجاعة حتى لا يمكنه الامتناع من أكله عن ابن عباس وغيره " غير متجانف لاثم " أي غير مائل إلى إثم، وهو نصب على الحال، يعني فمن اضطر إلى أكل الميتة وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد لذلك ولا مختار له ولا مستحل فان الله سبحانه أباح تناول ذلك له قدر ما يمسك به رمقه بلا زيادة عليه عن ابن عباس وغيره، وبه قال أهل العراق، وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة، وقيل: إن معنى قوله: " غير متجانف لاثم " غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية عن قتادة.
" فان الله غفور رحيم " في الكلام محذوف دل ما ذكر عليه، والمعنى فمن اضطر إلى ما حرمت عليه غير متجانف لاثم فأكله فان الله غفور لذنوبه ساتر عليه أكله لا يؤاخذه به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك الاكل ولا يستحق العقاب على فعل المباح، وهو رحيم أي رفيق بعباده، ومن رحمته أباح لهم ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس. " يسألونك " يا محمد " ماذا أحل لهم " معناه أي
شئ أحل لهم؟ أي يستخبرك المؤمنون ماذا أحل لهم من المطاعم والمآكل؟ وقيل:
من الصيد والذبائح " قل أحل لكم الطيبات " منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من المأكولات والذبائح والصيد عن الجبائي وأبي مسلم، وقيل: مما لم يرد بتحريمه كتاب ولا سنة، وهذا أولى لما ورد أن الأشياء كلها على الاطلاق والإباحة حتى يرد الشرع بالتحريم، وقال البلخي: الطيبات ما يستلذ.
" اليوم أحل لكم الطيبات " قال رحمه الله: هذا يقتضي تحليل كل مستطاب من الأطعمة إلا ما قام الدليل على تحريمه.
أقول: سيأتي تفسير الآية في باب ذبائح الكفار إن شاء الله.
" لا تحرموا " قال في المجمع: هو يحتمل وجوها:
منها: أن يريد لا تعتقدوا تحريمها.
ومنها: أن يريد لا تظهروا تحريمها.
ومنها: أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم.
ومنها: أن لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب.
ومنها: أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه، والطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب وقد يقال: الطيب بمعنى الحلال كما يقال: يطيب له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضع.
أقول: فيه نظر وقد مضى الكلام منا فيه، ويحتمل أن يكون المراد بالطيب ما لم يكن فيه جهة قبح وخبث معنوي، وكل ما أحله الله فهو كذلك فذكره لتعليل الحكم، فكأنه قال: لا تحرموا ما أحل الله لكم فان كل ما أحله لكم ليس فيه قبح وخباثة، فلم تحرمونها على أنفسكم؟
" وكلوا مما رزقكم الله " قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: أي لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم ورزقكم ولا تجتنبوا منه تنزها بل كلوا فان جميع ما رزقكم الله حلال طيب، فحلالا حال مبينة لا مقيدة وكذلك طيبا، ويحتمل التقييد ويكون سبب التقييد ما تقدم فيما قبل من قوله: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " حيث نهى هناك عن تحريم طيبات ما أحل الله، أي ما طاب ولذ منه، فإنه قيل: الظاهر أن قيد طيبات ما أحل الله للوقوع وأنه محل للتحريم وإلا جعل جميع ما أحل الله حراما منهيا، ويحتمل أن يكون الإضافة بيانية أيضا، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه وصف القيامة لأصحابه يوما وبالغ في إنذارهم فرقوا فاجتمعت جماعة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين وأن لا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش ولا يقربوا النساء والطيب ويرفضوا لذات الدنيا ويلبسوا المسوح، أي الصوف، ويسيحوا في الأرض أي يسيروا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال: إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فاني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، فمن رغب عن سنتي فليس مني والرواية مشهورة.
أو لان النفس إليه أميل فهو مظنة التحريم فلا دلالة في الآية على أن الرزق قد يكون حلالا وقد يكون حراما، فالحرام أيضا يكون رزقا كما هو معتقد الجهال والعوام الذين يأكلون أموال الناس ويقولون: هذا رزقنا الله إياه، وهو مقتضى مذهب الأشاعرة وأشار إليه البيضاوي بأنه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة، وهو خيال باطل إذ ما يحتاج ذكر كل شئ إلى فائدة زائدة مع وجودها، وهي هنا الإشارة إلى عدم معقولية المنع بأن ذلك حلال رزقكم الله فلا معنى للتحريم والمنع.
وبالجملة القيد قد يكون للكشف والبيان، وقد يكون للإشارة إلى عدم معقولية الاجتناب، وأن ذلك الوصف هو الباعث لمذمة التارك، وقد يكون لغير ذلك، وهنا يكفي الأولان فالآية دلت على عدم جواز التجاوز عن حدود الله والتشريع
وعدم حسن الاجتناب عما أحل الله، ويحتمل أن يكون باعتقاد التحريم أو المرجوحية فلا ينافي الترك للتزهد ولئلا يصير سببا للنوم والكسل وقساوة القلب، ولهذا نقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أكل خبز الحنطة ولا شبع من خبز الشعير، وزهد أمير المؤمنين عليه السلام مشهور، ولكن ينبغي أن يكون ذلك باعتقاد التأسي إلا أنه إذا اجتنب لبعض الفوائد مثل كونه سببا لقلة النوم وإصلاح النفس وتذليلها فالظاهر أنه لا بأس به مع اعتقاد الحلية انتهى. وقال في المجمع: روي أن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نزلت في علي عليه السلام و بلال وعثمان بن مظعون، فاما علي فإنه حلف أن لا ينام الليل أبدا إلا ما شاء الله، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا.
وقال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق اللحم وغيره.
" واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فتكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم وفي جميع معاصيه من به تؤمنون وهو الله سبحانه، وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال:
إن المؤمن حلو يحب الحلاوة، وقال: إن في بطن المؤمن زاوية لا يملاها إلا الحلواء. " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " في المجمع أي إثم وحرج " فيما طعموا " من الخمر والميسر قبل نزول التحريم. وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام:
" فيما طعموا من الحلال " وهذه اللفظة صالحة للاكل والشرب جميعا، روي عن ابن
وأنس وابن عازب ومجاهد وقتادة والضحاك أنه لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة: يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فأنزلت هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات " إذا ما اتقوا " شربها بعد التحريم " وآمنوا " بالله " وعملوا الصالحات " أي الطاعات " ثم اتقوا " أي داموا على الاتقاء " وآمنوا " أي داموا على الايمان " ثم اتقوا " بفعل الفرائض " وأحسنوا " بفعل النوافل، وعلى هذا يكون الاتقاء الأول اتقاء الشرب بعد التحريم والاتقاء الثاني هو الدوام على ذلك، والاتقاء الثالث اتقاء جميع المعاصي وضم الاحسان إليه، وقيل: إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي يختص المكلف ولا يتعداه، والايمان الأول الايمان بالله تعالى، وبما أوجب الله الايمان به والايمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنبها، والاتقاء الثاني هو الاتقاء عن المعاصي السمعية والايمان بقبحها ووجوب اجتنابها، والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد، وربما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد.
وقال أبو علي الجبائي: إن الشرط الأول يتعلق بالزمان الماضي والشرط الثاني يتعلق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، ثم استدل على أن هذه الاتقاء يختص بالمظالم بقوله: " وأحسنوا " فان الاحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون المعاصي التي أمروا باتقائها قبله أيضا متعدية وهذا ضعيف لأنه لا تصريح في الآية بأن المراد به الاحسان المتعدي ولا يمتنع أن يريد بالاحسان فعل الحسن والمبالغة فيه وإن اختص الفاعل ولا يتعداه، كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن: أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن المراد به الاحسان المتعدي فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى؟ ولو صرح سبحانه وقال: واتقوا القبائح كلها وأحسنوا إلى غيرهم لم يمتنع، ولعل أبا علي إنما عدل في الشرط
الثالث عن ذكر الأحوال لما ظن أنه لا يمكن فيه ما أمكن في الأول والثاني، و هذا ممكن غير ممتنع بأن يحمل الشرط الأول على الماضي، والثاني على الحال والثالث على المنتظر المستقبل، ومتى قيل: إن المتكلمين عندهم لا واسطة بين الماضي والمستقبل، فان الفعل إما أن يكون موجودا فيكون ماضيا، وإما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، وإنما ذكر الأحوال الثلاث النحويون، فجوابه أن الصحيح أنه لا واسطة في الوجود كما ذكرت غير أن الموجود في أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، ونفرق بينه وبين الغابر السالف والغابر المنتظر انتهى. وقال بعض المحققين: للايمان درجات ومنازل كما دلت عليه الأخبار الكثيرة وأوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه على اختلاف مراتبها ويمكن معها الشرك " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " وعنها يعبر بالاسلام في الأكثر " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة " الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " وأكثر إطلاق الايمان عليها خاصة " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ".
وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه وشوق تام إلى حضرته المقدسة " يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء " وعنها العبارة تارة بالاحسان " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وأخرى بالايقان " وبالآخرة هم يوقنون " وإلى المراتب الثلاثة الإشارة بقوله عز وجل: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذ ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " وإلى مقابلاته التي هي مراتب الكفر الإشارة بقوله جل وعز:
" إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ". أقول: وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الايمان والكفر.
وقال الرازي: فان قيل: لم شرط رفع الجناح على تناول المطعومات بشرط الايمان والتقوى مع أن من المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول شيئا من المباحات فإنه لا جناح عليه في ذلك التناول، بلى عليه جناح في ترك الايمان و في ترك التقوى؟ قلنا: ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم. وقال الطبرسي: والأجل المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه ذكر في بعض مسائله أن المفسرين تشاغلوا بايضاح الوجه في التكرار الذي تضمنه هذه الآية وظنوا أنه المشكل فيها وتركوا ما هو أشد إشكالا من التكرار وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والايمان وعمل الصالحات والايمان وعمل الصالحات ليس بشرط في نفي الجناح، فان المباح إذا وقع من الكافر فلا إثم عليه ولا وزر.
وقال: ولنا في حل هذه الشبهة طريقان: أحدهما أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما شرط فيكون تقدير الآية: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات لان الشرط في نفي الجناح لابد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح، وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو الشرط الذي لا زيادة عليه، ولما ولي ذكر الاتقاء الايمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما في نفي الجناح علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط ويطابق المشروط، لان من اتقى الحرام فيما لا يطعم لا جناح عليه فيما يطعمه، ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخل به من واجب أو ضيعه من فرض، فإذا شرطنا أنه وقع اتقاء القبيح ممن آمن بالله وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كل وجه، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى ويكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به، ومثله قول الشاعر:
تراه كأن الله يجدع أنفه * وعينيه ان مولاه بات له وفر لما كان الجدع لا يليق بالعين وكانت معطوفة على الانف الذي يليق الجدع به أضمر ما يليق بالعين من الفقوء وما جرى مجراه.
والطريق الثاني: هو أن يجعل الايمان وعمل الصالحات هنا ليس بشرط حقيقي وإن كان معطوفا على الشرط، فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الايمان وعمل الصالحات عطفه على ما هو واجب من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب، وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم، وهذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل استحسانا واستغرابا انتهى كلامه رحمه الله.
وقد قيل أيضا في الجواب في ذلك: إن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه والكافر مستحق للعقاب مغمور فلا يطلق عليه هذا اللفظ، وأيضا فان الكافر قد سد
على نفسه طريق معرفة التحليل والتحريم فلذلك خص المؤمن بالذكر، وقوله " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم وإجلالهم واكرامهم وتجليلهم، ويروى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر بن الخطاب فأراد أن يقيم عليه الحد فقال:
" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " الآية، فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد فقال علي عليه السلام أديروه على الصحابة فإن لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم فادرأوا عنه الحد، وإن كان قد سمع فاستتيبوه وأقيموا عليه الحد فإن لم يتب وجب عليه القتل.
وأقول: يمكن أن يقال في جواب الشبهة التي أوردها السيد رضي الله عنه:
لا نسلم أن المباح على الكافر مباح، ويمكن أن تكون الإباحة مشروطة بالايمان كما أن صحة العبادات مشروطة به كما يظهر من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر وغيره من الاخبار أن الله لا يحاسب المؤمن على لذات الدنيا و يحاسب غيره عليها، وإنما أباحها للمؤمنين، فالمراد بعمل الصالحات ولاية الأئمة عليهم والسلام وبالتقوى ترك الأطعمة المحرمة فيستفاد من الآية عدم الجناح على المؤمنين في أي شئ أكلوا وشربوا إذا اجتنبوا المأكولات والمشروبات المحرمة، وثبوت الجناح على المؤمنين إذا أكلوا وشربوا الحرام، وعلى غيرهم مطلقا لعدم حصول شرط الإباحة فيهم ويحتمل على وجه بعيد أن يكون المراد أن صرف المستلذات لا يضر لمن كمل إيمانه وإنما يضر الناقصين الذين يصير ذلك سببا لطغيان نفوسهم وغلبة الشهوات المحرمة عليهم، فالرياضات البدنية مستحبة مطلوبة لأمثال هؤلاء لتكميل نفوسهم وإخراج الشهوات وحب اللذات عن قلوبهم.
" قل لا يستوي الخبيث والطيب " قال في المجمع: لما بين سبحانه الحلال و الحرام بين أنهما لا يستويان، فقال سبحانه: " قل " يا محمد: " لا يستوى " أي لا يتساوى " الخبيث والطيب " أي الحرام والحلال عن الحسن والجبائي، وقيل: الكافر والمؤمن
عن السدي " ولو أعجبك " أيها السامع أو أيها الانسان " كثرة الخبيث " أي كثرة ما تراه من الحرام لأنه لا يكون في الكثير من الحرام بركة، ويكون في القليل من الحلال بركة، وقيل: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد أمته " فاتقوا الله " أي فاجتنبوا ما حرم الله عليكم " يا أولي الألباب " يا ذوي العقول " لعلكم تفلحون " أي لتفلحوا و تفوزوا بالثواب العظيم والنعيم المقيم انتهى.
وأقول: يمكن تعميم الطيب والخبيث بحيث يشمل كل ما فيه جهة خبث ورداءة واقعية سواء كان إنسانا أو مالا أو مأكولا أو مشروبا، فإنه لا يستوي مع الطيب الطاهر من ذلك الجنس وإن كان الخبيث أكثر ، أي ليس مدار القبول والكمال على الكثرة بل على الحسن والطيب الواقعيين، ولا يخفى أنه لا يدخل فيهما الخبيث والطيب اللذين اصطلح عليها الأصحاب من كون الشئ مرغوبا للناس أو عدمه " ما حرم عليكم أي بقوله: " حرمت عليكم الميتة ".
" إلا ما اضطررتم إليه " مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة " وإن كثيرا ليضلون " بتحليل الحرام وتحريم الحلال " بأهوائهم بغير علم " أي بتشهيهم بغير تعلق بدليل يفيد العلم " إن ربك هو أعلم بالمعتدين " أي المتجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام.
أقول: ويدل على أن الأصل في المأكولات لا سيما في الذبايح الحل ولا يجوز الحكم بالتحريم إلا بدليل، وأنه تحل المحرمات عند الضرورة أي ضرورة كانت.
" هو الذي أنشأ " في المجمع: أي خلق وابتدأ على مثال: " جنات " أي بساتين فيها الأشجار المختلفة " معروشات " مرفوعات بالدعائم، قيل: هو ما عرشه من الكروم ونحوها عن ابن عباس، وقيل: عرشها أن يجعل لها حظائر كالحيطان " وغير معروشات " يعني ما خرج من قبل نفسه في البراري والجبال من أنواع الأشجار عن ابن عباس، وقيل: غير مرفوعات بل قائمة على أصولها مستغنية عن التعريش " والنخل
والزرع " أي أنشأ النخل والزرع " مختلفا اكله " أي طعمه، وقيل: ثمره، وقيل: هذا وصف للنخل والزرع جميعا فخلق سبحانه بعضها مختلف اللون والطعم والرائحة والصورة، وبعضها مختلفا في الصورة متفقا في الطعم، وبعضها مختلفا في الطعم متفقا في الصورة، وكل ذلك يدل على توحيده وعلى أنه قادر على ما يشاء عالم بكل شئ " والزيتون والرمان متشابها " في الطعم واللون والصورة " وغير متشابه " إذا أثمر فيها، وإنما قرن الزيتون إلى الرمان لأنهما متشابهان باكتنان الأوراق في أغصانها " كلوا من ثمره إذا أثمر " المراد به الإباحة وإن كان بلفظ الامر، قال الجبائي وجماعة: هذا يدل على جواز الأكل من الثمر وإن كان فيه حق الفقراء انتهى.
وأقول: الضمير في " ثمره " راجع إلى كل من المذكورات فيدل على إباحة الجميع مع أن ذكرها في مقام الامتنان أيضا يدل على ذلك: " وآتوا حقه يوم حصاده " قيل:
هي الزكاة، وفي أخبارنا أنه غير الزكاة، وسيأتي إنشاء الله في محله " ولا تسرفوا " أي في الاتيان والصدقة أو في الاكل قبل الحصاد أو مطلقا، وقيل: أي لا تنفقوا في المعصية وقد مر تفسير سائر الآيات في باب الانعام إلى قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " أي طعاما محرما على آكل يأكله، والمراد بالوحي ما في القرآن أو الأعم، وفيه تنبيه على أن لا تحريم إلا بوحي لا بغيره فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " إلا " أن يكون الطعام " ميتة أو دما مسفوحا ".
قال الطبرسي - رحمه الله - أي مصبوبا وإنما خص المصبوب بالذكر لان ما يختلط باللحم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو مباح " أو لحم خنزير " إنما خص الأشياء الثلاثة هنا بذكر التحريم مع أن غيرها محرم فإنه سبحانه ذكر في المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وغيرها، لان جميع ذلك
يقع عليه اسم الميتة فيكون في حكمها فأجمل ههنا وفصل هناك وأجود من هذا أن يقال: خص هذه الأشياء بالتحريم تعظيما لحرمتها، وبين تحريم ما عداها في مواضع اخر: إما بنص القرآن أو بوحي غير القرآن وأيضا فان هذه السورة مكية والمائدة مدنية فيجوز أن يكون غير ما في الآية من المحرمات إنما حرم فيما بعد. والميتة عبارة عما كان فيه حياة ففقدت من غير تذكية شرعية " فإنه رجس " أي نجس، والرجس: اسم لكل شئ مستقذر منفور عنه، والرجس أيضا:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.