پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب 10 النحل والنمل وسائر ما نهى عن قتله من الحيوانات، وما يحل

ج ۶۱، ص ۲۲۸–۲۵۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۱

النحل 16: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 68 و 69.

النمل 27: حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها - إلى قوله تعالى - وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين الآيات 18 - 21.

تفسير: قد مرت قصة الغراب الذي علم قابيل كيف يواري جسد هابيل عليه السلام حين قتله قوله تعالى: " وأوحى ربك " قال الرازي يقال: وحى وأوحى وهو الالهام، و المراد من الالهام أنه تعالى قرر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول أنها تبنى البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار، والثاني أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة ما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء تلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية و الدقيقة اللطيفة من الأعاجيب.

والثالث: أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضا من الأعاجيب.

والرابع أنها إذا ذهبت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقي، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذه أيضا حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ليس إلا على سبيل الالهام وهو حالة شبيهة بالوحي، لاجرم قال تعالى في حقها: " وأوحى ربك إلى النحل " واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " وفي الأولياء أيضا قال تعالى: " وإذا أوحيت إلى الحواريين " وبمعنى الالهام في حق البشر " وأوحينا إلى أم موسى " وفي حق سائر الحيوان خاص وقال الزجاج: يجوز أن يقال: سمى هذا الحيوان نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين الواحدة إلا الهاء " أن اتخذي " أن مفسرة لان في الايحاء معنى القول " ومما يعرشون " أي يبنون ويسقفون، وقرء بضم الراء وكسرها.

واعلم أن النحل نوعان: أحدهما ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس، والنوع الثاني التي يسكن بيوت الناس ويكون في تعهدات الناس فالأول هو المراد بقوله: " أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر " والثاني هو المراد بقوله: " ومما يعرشون " وإنما قال: " من الجبال ومن الشجر " لئلا تبنى بيوتها في كل جبل وشجر بل في مساكن يوافق مصالحها ويليق بها، واختلفوا في

هذا الامر:

فمن الناس من يقول: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول وأن يتوجه عليها من الله أمر ونهي، وقال آخرون: ليس الامر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبايع توجب هذه الأحوال " ثم كلي من كل الثمرات " من للتبعيض أو لابتداء الغاية، رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي، ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة الصور متفرقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة، أما القسم الثاني فإنه مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وذلك محسوس، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل تلتقط تلك الذرات من الأزهار و أوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء ثم تذهب بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شئ كثير فذاك هو العسل.

ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بطنه عسلا، ثم إنها تقئ مرة أخرى فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء فان طبيعة الترنجبين قريبة إلى العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار، فكذا هاهنا، وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما تغتذي بالعسل، ولذلك فانا إذا أخرجنا العسل من بيوت النحل تركنا لها بقية من ذلك العسل لأجل أن تغتذي بها، فعلمنا أنها تغتذي بالعسل، و أنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الاجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: " كلى من كل الثمرات " كلمة " من " ها هنا تكون لابتداء الغاية ولا تكون للتبعيض على هذا القول " فاسلكي

سبل ربك أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك، وفي قوله: " ذللا " قولان: الأول أنه حال من السبل لان الله تعالى ذللها لها ووطئها وسهلها كقوله: " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ".

الثاني أنه حال من الضمير في قوله " فاسلكي " أي وائتي يا أيتها النحل ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة " يخرج من بطونها " هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة، والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الانسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلى، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الانسان وقال: إنما ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، ثم إنا ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: " يخرج من بطونها " أي من أفواهها ، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنا، ألا ترى أنهم يقولون: " بطون الدماغ " وعنوا بها تجاويف الدماغ فكذا ههنا " يخرج من بطونها " أي أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر وهو أن النحل تأكل الأوراق والثمرات ثم تقئ فذلك هو العسل فالكلام ظاهر، ثم وصف العسل بكونه شرابا لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة، وبأنه مختلف ألوانه والمقصود منه إبطال القول بالطبع لهذا الجسم مع كونه متشابه الطبيعة، لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل

إيجاب الطبيعة، وبأن فيه شفاء للناس وفيه قولان: الأول وهو الصحيح أنه صفة للعسل.

فان قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل: إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء في الجملة، إنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله يحصل بالعجن بالعسل وأيضا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع.

والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد أن القرآن فيه شفاء للناس، و على هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: " مختلف ألوانه " ثم ابتدأ وقال: " فيه شفاء للناس " أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة مثل هذا الذي مر في قصة النحل، وعن ابن مسعود أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن فيه شفاء لما في الصدور. واعلم أن هذا القول ضعيف من وجهين الأول أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: " شراب مختلف ألوانه " وأما الحكم بعوده إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. الثاني ما روى أبو سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلا، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم تغن عنه فقال عليه السلام: " اذهب فاسقه عسلا " وقال: " صدق الله وكذب بطن أخيك " فسقاه فبرأ كأنما نشط من عقال.

وحملوا قوله: " صدق الله " على قوله تعالى: " فيه شفاء للناس " وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل.

فان قال قائل: فما المراد من قوله عليه السلام: صدق الله وكذب بطن أخيك؟ قلنا:

العلة أنه عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان هذا جاريا مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ انتهى.

وآيات النمل قد مر تفسيرها وتدل على شرافة في الجملة للنملة وعلى بعض ما سيأتي ذكره، وكذا آيات الهدهد تدل على كرامته وبعض ما سيأتي من أحواله وقد مضت قصته وسيأتي بعضها.

وقال الدميري في حياة الحيوان: النحل: ذباب العسل، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الذباب كله في النار إلا النحل " وواحدة النحل نحلة، و قرأ يحيى بن وثاب: " وأوحى ربك إلى النحل " بفتح الحاء والجمهور بالاسكان قال الزجاج في تفسير سورة النساء: سميت نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها، إذا النحلة العطية، وكفاها شرفا قول الله عز وجل: " وأوحى ربك إلى النحل " فأوحى الله سبحانه وتعالى إليها فأثنى عليها، فعلمت مساقط الأنوار من وراء البيداء فتقع هناك على كل نورة عبقة وزهرة أنقة ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا.

قال في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر: " يوم الرحمة " إذ أوحى الله تعالى فيه إلى النحل صنعة العسل فبين سبحانه أن في النحل أعظم اعتبار، وهو حيوان فهيم ذو كيس وشجاعة ونظر في العواقب ومعرفة بفصول السنة وأوقات المطر وتدبير المراتع والمطاعم، والطاعة لكبيرة والاستكانة لاميره وقائده، وبديع الصنعة و عجيب الفطرة.

قال أرسطو: النحل تسعة أصناف: منها ستة يأوي بعضها إلى بعض وغذاؤها من الفضول الحلوة والرطوبات التي ترشح بها الزهر والورق، ويجمع ذلك كله ويدخره وهو العسل وأوعيته، ويجمع مع ذلك رطوبات دسمة يتخذ منها بيوت العسل وهي الشمع ، وهو يلقطها بخرطومه ويحملها على فخذيه وينقلها من فخذيه إلى صلبه هكذا.

قال: والقرآن يدل على أنها ترعى الزهر فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه

من أفواهها، فيجمع منه القناطير المقنطرة، قال تعالى: " ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " وقوله: " من كل الثمرات " المراد به بعضها نظيره قوله: " وأوتيت من كل شئ " يريد به البعض، واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: " جرست نحلة العرفط " حين شبهت رائحته برائحة المغافير، والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.

ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بني فيه بيتا من الشمع ثم يبني البيوت التي يأوى فيها الملوك، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل فيها شيئا والذكور أصغر جرما من الإناث، وهي تكثر المادة داخل الخلية، وهي إذا طارت تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية، والنحل تعمل الشمع أولا ثم تلقي البزر لأنه له بمنزلة العش للطائر فإذا ألقته قعدت وتحضنه كما تحضن الطير فيتكون من ذلك البزر دود ثم تنهض الدود فتغذي أنفسها ثم تطير، والنحل لا يقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد، وتملا بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك إما أن تعزله أو تقتله، وأكثر ما تقتل خارج الخلية، والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، والملك إذا عجز عن الطيران حملته وسيأتي بيان هذا في أواخرا كتاب في لفظ اليعسوب، ومن خصايص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، وأفضل ملوكها الشقر، وأسوأها الرقط بسواد والنحل تجتمع فتقسم الأعمال، فبعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يسقي الماء، و بعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدس الذي

لا ينخرق، كأنه استنبط بقياس هندسي ثم هو في دائرة مسدسة لا يوجد فيها اختلاف فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك لان الاشكال من الثلاث إلى العشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينها فروج إلا الشكل المسدس، فإنه إذا اجتمع إلى أمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة، وكل هذا بغير مقياس ولا آلة ولا فكرة، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها كما قال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " الآية.

فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها، كيف اتخذت بيوتا في هذه الأمكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس " حيث يعرشون " أي حيث يبنون العروش فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الثلاثة البتة، وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال وهي المتقدمة في الآية، ثم الأشجار وهي دون ذلك، ثم فيما يعرش الناس، وهي أقل بيوتها، فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى، وهي تتخذها أولا فإذا استقر لها بيت خرجت عنه فرعت وأكلت من كل الثمرات، ثم آوت إلى بيوتها لان ربها سبحانه وتعالى أمرها باتخاذ البيوت أولا ثم بالاكل بعد ذلك.

قال في الاحياء: انظر إلى النحلة كيف أوحى الله إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها من النجاسات و الأقذار وطاعتها لواحد من جملتها وهو أكثرها شخصا وهو أميرها، ثم ما سخر الله سبحانه وتعالى أميرها من العدل والانصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل

ما وقع منها على نجاسة لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا على نفسك، وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك، ثم دع عنك جميع ذلك فانظر إلى بنيانها بيتها من الشمع واختيارها من جميع الاشكال المسدس فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فيه فهم المهندس وهو أن أوسع الاشكال وأحوالها المسدس وما يقرب منه فان المربع يخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا يبقى الزوايا فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فان الاشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الاشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه، ليتهيأ عيشه، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه.

وفي طبعه أنه يهرب بعضه عن بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك الملسوع، وإذا هلك منها شئ داخل الخلايا أخرجته الاحياء إلى الخارج، وفي طبعه أيضا النظافة فلذلك يخرج رجيعه من الخلية لأنه منتن الريح، وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله في الربيع أجود والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان عذبا صافيا يطلبه حيث كان ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر خوفا على نفسه من نفاده لأنه إذا نفد أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك.

قال حكيم من اليونانيين لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا أبعدته وأقصته عن الخلية لأنه يضيق المكان ويفنى العسل، ويعلم النشيط الكسل.

والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة، ويضره السوس، ودواؤه أن يطرح في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة و يدخن بأخثاء البقر.

وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه، وأهل مصر يحولون أبواب الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا فتخرج النحل منها و يرعى يومه أجمع فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة مكانها من الخلية لا تتخطاه.

وروى أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا وقعت فلم تكسر ولم تفسد. وفي شعب البيهقي عن مجاهد قال: صاحبت عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا هذا الحديث: إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك وإن شاورته نفعك وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع وكذلك النحلة كل شأنها منافع.

قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته وقلة أذاه وحقارته ومنفعته وقنوعه وسعيه في النهار وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، و أنه لا يأكل من كسب غيره ونحوله، وطاعته لاميره، وللنحل آفات تقطعه عن عمله، منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات

تفتره عن عمله، منها ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وماء السعة ونار الهوى.

وفي مستدرك الدارمي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، وخالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزائلوهم بأعمالكم وقلوبكم فان للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.

وفيه أيضا عن ابن عباس أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة و يكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافئ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون يحمدون الله تعالى في كل سراء وضراء، يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوسطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.

وذكر ابن خلكان في ترجمة عبد المؤمن بن علي ملك المغرب أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وإنه كان في صغره نائما في دار أبيه وأبوه يعمل الطين، فسمع أبوه دويا في السماء فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم فغطته وأقامت عليه مدة ثم ارتفعت عنه وما تألم منها، وكان بالقرب منه رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك أهل المغرب، فكان كذلك، وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الاعلى والأدنى.

وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال تحقيرا للدنيا: " أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة، وأشرف

شرابه فيها رجيع نحلة " وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية، والمعروف أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح و مشموم، فأشرف المطعوم العسل وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس و عليه تقتل الرجال، وأشرف المنكوح المرأة وهو مبال في مبال، وأشرف المشموم المسك وهو دم حيوان.

والتحقيق أن العسل يخرج من بطونها لكن لا ندري أمن فمها أم من غيره، ولا يتم صلاحه إلا بحمو أنفاسها وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره، وروينا في تفسير الكواشي الأوسط أن العسل ينزل من السماء فينبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض الناس من أن العسل من فضلات الغذاء وإنه قد استحال في المعدة عسلا هذه عبارته والله أعلم.

توضيح: عبق به الطيب: لصق، والرضاب كغراب: الريق المرشوف، جرست أي أكلت، والجرس اللحس باللسان، والعرفط: شجر الطلح وله صمغ كريه الرائحة والخلي: ما تعسل فيه النحل، والسوس: دود يقع في الصوف، والاخثاء جمع الخثى بالكسر وهو فضلة البقر.

1 - تفسير علي بن إبراهيم قال الصادق عليه السلام: إن لله واديا ينبت الذهب والفضة وقد حماه الله بأضعف خلقه وهو النمل، لو رامته البخاتي ما قدرت عليه.

2 - حياة الحيوان: النمل معروف، الواحدة نملة والجمع نمال، وأرض نملة

ذات نمل، وطعام منمول، أصابه النمل، والنملة بالضم: النميمة، يقال: رجل نمل أي نمام، وما أحسن قول الأول:

اقنع فما تبقى بلا بلغة * فليس ينسى ربنا النملة إن أقبل الدهر فقم قائما * وإن تولى مدبرا فنم له وسميت نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها، والنمل لا يتزاوج ولا يتلاقح إنما يسقط منه شئ حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيضا، ثم يتكون منه والبيض كله بالضاد المعجمة إلا بيض النمل فإنه بالظاء المشالة، والنمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئا أنذر الباقين يأتون إليه وقيل: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها.

ومن طبعه أنه يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمته نصفين ما خلا الكسفرة فإنه يقسمها أرباعا لما الهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في ضوء القمر، ويقال: إن حياته ليست من قبل ما يأكله ولأقوامه، وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب في استنشاق ريحه فقط وذلك يكفيه و قد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شئ يخبأ قوته إلا الانسان والعقعق والنمل والفأر، وبه جزم في الاحياء في باب التوكل، وعن بعضهم أن البلبل يحتكر.

ويقال: إن للعقعق مخابي إلا أنه ينساها، والنمل شديد الشم، ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لأنها تصيدها في حال طيرانها وقد أشار إلى ذلك أبو العتاهية بقوله:

وإذا استوت للنمل أجنحة * حتى تطير فقد دنا عطبه وكان الرشيد يتمثل بذلك كثيرا عند نكبة البرامكة .

وهو يحفر قرية بقوائمه وهي ست فإذا حفرها جعل فيها تعاويج لئلا يجرى إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلبل.

قال البيهقي في الشعب: وكان عدي بن حاتم الطائي يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار.

وسيأتي في الوحش عن الفتح بن خرشف الزاهد أنه كان يفت الخبز لهن في كل يوم فإذا كان يوم عاشورا لم تأكله.

وليس في الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره، على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف حتى أنه تتكلف حمل نوى التمر وهو لا ينتفع به، وإنما يحمله على حمله الحرص والشره وهو يجمع غذاء سنين لو عاش ولا يكون عمره أكثر من سنة، و من عجايبه اتخاذ القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات يملاها حبوبا وذخائر للشتاء.

ومنها ما يسمي الفارسي وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل، ومنها ما يسمي نمل الأسد، سمي بذلك لان مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه النمل، وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: نزل نبي من الأنبياء عليهم السلام تحت شجرة فلذعته نملة فأمر

بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله تعالى إليه: فهلا نملة واحدة؟! قال أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول: لم يعاتبه على تحريقها، و إنما عاتبه لكونه أخذ البرئ بغير البرئ، وهذا النبي هو موسى بن عمران عليه السلام وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع؟ وكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها وعنده قرية نمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لذعته نملة فدلكهن بقدمه فأهلكهن وأحرق مسكنهن فأراه تعالى الآية في ذلك عبرة لما لذعته نملة، كيف أصيب الباقون بعقوبتها، يريد أن ينبهه على أن العقوبة من الله تعالى تعم الطايع والعاصي فتصير رحمة وطهارة و بركة على المطيع، وشرا ونقمة وعدوانا على العاصي، وعلى هذا ليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل، فان من أذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله تعالى أعظم حرمة من المؤمن وقد أبيح لك دفعه عن نفسك بضرب أو قتل على ماله من المقدار فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت للمؤمن وسلط عليها فإذا آذته أبيح له قتلها.

وقوله: " فهلا نملة واحدة " دليل على أن الذي يؤذي يقتل وكل قتل كان لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء، ولم يخص تلك النملة التي لذعت من غيرها لأنه ليس المراد القصاص لأنه لو أراد لقال: فهلا نملتك التي لذعتك، ولكن قال: " فهلا نملة " فكأن نملة تعم البرى والجاني وذلك ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألة ربه في عذاب أهل قرية فيهم المطيع والعاصي.

وقد قيل: إن في شرع هذا النبي عليه الصلاة والسلام كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير لا في أصل

الاحراق، ألا ترى قوله: " فهلا نملة واحدة "؟ وهو بخلاف شرعنا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن تعذيب الحيوان بالنار وقال: " لا يعذب بالنار إلا الله تعالى " فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالاحراق فلوارثه الاقتصاص بالاحراق للجاني.

وأما قتل النملة فمذهبنا لا يجوز لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط الشيخين، والمراد النمل الكبير السليماني كما قاله الخطابي والبغوي في شرح السنة، أما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، وأطلق ابن أبي زيد جواز قتل النمل إذا آذت، وقيل: إنما عاتب الله تعالى هذا النبي لانتقامه لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منهم، وكان الأولى به الصفح والصبر، ولكن وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبيعي لم يعاتب، فعوتب على التشفي بذلك والله أعلم.

وروى الطبراني في معجمه الأوسط والدار قطني أنه قال: لما كلم الله موسى عليه السلام كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ.

وروى الترمذي الحكيم في نوادره عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشرك فقال: هو أخفي فيكم من دبيب النمل وسأدلك على شئ إذا فعلته أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره، تقول:

" اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم " تقولها ثلاث مرات.

وروي أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان أحدهما

عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال: إن الله تعالى وملائكته وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وسمعت أبا عثمان الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: عالم معلم يدعي كبيرا في ملكوت السماوات.

وروي أن النملة التي خاطبت سليمان عليه السلام أهدت إليه نبقة فوضعها عليه الصلاة والسلام في كفه فقالت:

ألم ترنا نهدي إلى الله ماله * وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره * لقصر عنه البحر حين يساحله ولكننا نهدى إلى من نحبه * فيرضى به عنا ويشكر فاعله وما ذاك إلا من كريم فعاله * وإلا فما في ملكنا ما يشاكله فقال سليمان عليه السلام: بارك الله فيكم، فهو بتلك الدعوة أكثر خلق الله تعالى.

وروي أن رجلا استوقف المأمون ليستمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استوقف سليمان بن داود عليه السلام لنملة ليستمع منها وما أنا عند الله تعالى بأحقر من نملة، وما أنت عند الله بأعظم من سليمان عليه السلام فقال المأمون: صدقت و وقف وسمع كلامه وقضى حاجته.

وقال فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم " الآية، وادي النمل بالشام كثير النمل فان قيل: لم أتى بعلى قلت: لوجهين.

أحدهما أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء.

التأني أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشئ إذا

بلغ آخره، تكلمت النملة بذلك، وهذا غير مستبعد فان حصول العلم والنطق لها ممكن في نفسه، والله تعالى قادر على الممكنات، وحكي عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا وهو يومئذ غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان عليه الصلاة والسلام أكانت ذكر أم أنثى؟ فأفحم فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: من قوله تعالى:

" قالت نملة " ولو كانت ذكرا لقال: " قال نملة " لان النمل مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى.

ورأيت في بعض الكتب المعتمدة أن تلك النملة إنما أمر رعيتها بالدخول في مساكنهم لئلا ترى النعم فتقع في كفران نعم الله تعالى عليها، وفي هذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا مخطورة.

روي أن سليمان قال لها: لم قلت للنمل: ادخلوا مساكنكم؟ أخفت عليها مني ظلما؟ قالت: لا ولكني خشيت أن يفتنوا بما يروا من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة الله تعالى.

قال الثعلبي وغيره: إنها كانت مثل الذئب في العظم وكانت عرجاء ذات جناحين وذكر عن مقاتل أن سليمان عليه السلام سمع كلامها من ثلاثة أميال، وقال بعض أهل العلم إنها تكلمت لعشرة أنواع من البديع: قولها: " يا " نادت " أيها " نبهت " النمل " سمت " ادخلوا " أمرت " مساكنكم " نعتت " لا يحطمنكم " حذرت " سليمان " خصت " وجنوده " عمت " وهم " أشارت " لا يشعرون " اعتذرت.

والمشهور أنه النمل الصغار، واختلف في اسمها فقيل: كان اسمها طاغية، وقيل: كان اسمها خرمى، قيل: كان نمل الوادي، كالذئاب قيل: كالبخاتي.

وروي الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقتلوا النملة فان سليمان عليه السلام خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين، واسقنا مطرا تنبت لنا به شجرا وتطعمنا به ثمرا " فقال سليمان عليه السلام لقومه: ارجعوا فقد كفينا وسقيتم بغيركم.

3 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله فإن لم يردك فلا ترده.

4 - ومنه: عن علي عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير وصفوان عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أحرمت فاتق الله قتل الدواب كلها إلا الأفعى والعقرب والفأرة فإنها توهي السقاء وتخرق على أهل البيت، وأما العقرب فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مد يده إلى الحجر فلسعته عقرب فقال: لعنك الله لا برا تدعين ولا فاجرا، والحية إذا أرادتك فاقتلها، فإن لم تردك فلا تردها، والكلب العقور والسبع إذا أراداك، فإن لم يريداك فلا تردهما، والأسود الغدر فاقتله على كل حال، وارم الغراب رميا، والحدأة على ظهر بعيرك.

بيان: قوله عليه السلام: توهي السقاء الوهي: الشق في الشئ وتخرقه استرخاء رباطه، أي تشق القربة أو تأكل رباطها فيهراق ماؤها، وتحرق على أهل البيت لأنها تجر الفتيلة فتحرق ما في البيت، وفي القاموس، الأسود: الحية العظيمة، والأسودان:

الحية والعقرب، والوصف بالغدر كأنه لغدره وأخذه بغتة، وقال صاحب المنتقى:

قال في القاموس: غدر الليل كفرح : أظلم: فهي غدرة كفرحة، فكأنه استعير منه

الغدر لشديد السواد من الحية، والسبع تعميم بعد التخصيص، أو أراد به أكمل أفراده وهو الأسد، وقيل: المراد به الذئب.

5 - قرب الإسناد: عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليه السلام قال: يقتل المحرم ما عدا عليه من سبع أو غيره، ويقتل الزنبور والعقرب والحية والنسر والذئب والأسد وما خاف أن يعدو عليه من السباع و الكلب العقور.

6 - الكافي: عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقتل في الحرم والاحرام الأفعى والأسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفأرة وهي الفويسقة وترجم الغراب والحدأة رجما، فان عرض لك لصوص امتنعت منهم.

7 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: يقتل المحرم الزنبور والنسر والأسود الغدر والذئب وما خاف أن يعدو عليه، وقال الكلب العقور هو الذئب.

بيان: كأنه تفسير الكلب العقور الذي وقع في كلام النبي صلى الله عليه وآله وستأتي الاخبار فيما رخص في قتله وما لم يرخص فيه في كتاب الحج إنشاء الله تعالى.

وقال الدميري: الأفعي الأنثى من الحيات، والذكر الأفعوان بضم الهمزة والعين، قال الزبيدي: الأفعى حية رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس، وربما كانت ذات قرنين، ومن عجائب أمرها ما حكاه ابن شبرمة أن أفعى نهشت غلاما في رجله فانصدعت جبهته.

وقال القزويني هي حية قصيرة الذنب من أخبث الحيات إذا فقئت عينها

تعود ولا تغمض حدقتها البتة، تختفي في التراب أربعة أشهر في البرد ثم تخرج وقد أظلمت عيناها قتقصد شجر الرازيانج فتحك عينها به فترجع إليها ضوؤها.

وقال الزمخشري: يحكى أن الأفعى إذ أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح العين بورق الرازيانج الرطب يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية وبينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها فتحك بها عينها فترجع باصرة بإذن الله تعالى.

وإذا قطع ذنبها عاد كما كان وإذا قلع نابها طلع بعد ثلاثة أيام، وإن شجت تبقى تتحرك ثلاثة أيام، وهي أعدى عدو للانسان وبقر الوحش يأكلها أكلا ذريعا، وإذا مرضت أكلت ورق الزيتون فتشفي، ومن الأفاعي ما تتسافد بأفواهها، وإذا وطي الذكر الأنثى وقع مغشيا عليه فتعمد الأنثى إلى موضع مذاكيره فتقطعها نهشا فيموت من ساعته.

وقال: الأسود السالخ من الأفعوان شديد السواد سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة:

العقرب والحية.

وروى البيهقي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد الحاجة أبعد فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه قال: ولبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسلت منه أسود سالخ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذه كرامة أكرمني الله تعالى بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع، ومن شر من يمشي على بطنه.

وقال: العقرب: دويبة من الهوام تكون للذكر والأنثى بلفظ واحد، واحده العقارب وقد يقال للأنثى: عقربة وعقرباء ممدودا، ومنها السود والخضر والصفر وهن قواتل، وأشدها بلاء الخضر، وهي مائية الطباع كثيرة الولد، وعامة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها في ولادتها، لان أولادها إذا استوى خلقها يأكلون بطنها ويخرجون فتموت الام، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول:

قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها وهي على قدر القمل كثيرة العدد، والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب، والعقرب أشر ما تكون إذا كانت حاملا ولها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها، ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك بشئ من بدنه، فإنها عند ذلك تضربه، وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها وربما لسعت الأفعى فتموت، وهي تلسع بعضها فتموت قاله الجاحظ.

ومن شأنها أنها إذا لسعت الانسان فرت فرار من يخشى العقارب، ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها، ومن نوع العقارب الطيارة، قالوا:

وهذا النوع يقتل غالبا، وقيل: يصح بيع النمل بنصيبين لأنه تعالج به العقارب الطيارة.

وروي عن عائشة قالت: دخل علي بن أبي طالب عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فقام إلى جنبه يصلي بصلاته فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تركته وذهبت نحو علي عليه السلام فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتلها بأسا.

وروى ابن ماجة عن ابن رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل عقربا وهو يصلي.

وفيه عن عائشة قالت: لذعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقرب وهو في الصلاة فقال: لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غير المصلي اقتلوها في الحل والحرم.

وروى أبو نعيم والمستغفري والبيهقي عن علي عليه السلام أنه قال: لذعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال: لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا نبيا و لا غيره إلا لذعته، وتناول نعله فقتلها بها ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقر أقل هو الله أحد والمعوذتين.

وقال: الغراب معروف سمي بذلك لسواده، وهو أصناف: الغداف والزاغ والأكحل وغراب الزرع والأورق، وهذا الصنف يحكى جميع ما يسمعه، والغراب الأعصم عزيز الوجود، قالت العرب أعز من الغراب الأعصم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم في مائة غراب.

وفي رواية: قيل: يا رسول الله! وما الغراب الأعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه بيضاء.

وقال في الاحياء: الأعصم: أبيض البطن، وقيل: أبيض الجناحين، وقيل: أبيض الرجلين.

وغراب الليل قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغراب وتشبه بأخلاق البوم فهو من طير الليل.

وقال أرسطاطاليس: الغربان أربعة أجناس: أسود حالك، وأبلق، ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاوسي براق الريش ورجلاه كلون المرجان يعرف بالزاغ.

قال صاحب المنطق: الغراب من لئام الطير وليس من كرامها ولا من أحرارها، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في الناس الزنج فإنهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا، والغراب الأبقع أكثر معرفة منه، وغراب البين: الأبقع. قال الجوهري: وهو الذي فيه سواد وبياض.

وقال صاحب المنطق: الغربان من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرم من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس لما يتعاطاه من الفساد الذي هو من شأن إبليس، واشتق ذلك أيضا لكل شئ اشتد أذاه، وأصل الفسق الخروج عن الشئ وفي الشرع الخروج عن الطاعة.

وقال الجاحظ: غراب البين نوعان: غراب صغير معروف باللؤم والضعف، و

أما الآخر فإنه ينزل في دور الناس ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها وبانوا فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلا عند مباينتهم عن منازلهم اشتقوا له هذا الاسم من البينونة.

وقال المقدسي: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب وينعق ببين الخلان والأحباب إذا رأي شملا مجتمعا أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعا عامرا بشر بخرابه ودرس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن، ويحذر الآكل غصة المآكل ويبشر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين كما يصيح المعلن بالتأذين.

وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى المصلي عن نقرة الغراب وافتراش السبع.

يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيها إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.

وروى الدارقطني عن أبي أمامة قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخفيه ليلبسهما فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ورمى به فخرجت منه حية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما.

وفي طبع الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه، والأنثى تبيض أربع بيضات أو خمسا، وإذا

خرجت الفراخ من البيض طردتها لأنها تخرج قبيحة المنظر جد إذ تكون صغار الاجرام عظام الرؤوس والمناقير جرد اللون متفاوتات الأعضاء، فالأبوان ينكران الفراخ ويطيران لذلك ويتركانه فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه فيعود إليه أبواه، وعلى الأنثى الحضن، والذكران يأتيها بالطعم، وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة أكلها وإلا مات جوعا أو يتقمقم كما يتقمقم صغار الطير، وفيه حذر شديد وتنافر والغداف يقاتل البوم و يخطف بيضها ويأكله، ومن عجيب أمره أن الانسان إذا أراد أن يأخذ فراخه تحتمل الأنثى والذكر في أرجلهما حجارة ويتحلقان في الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه، والعرب تتشأم بالغراب، وغراب البين: الأبقع، وهو الذي فيه سواد وبياض وقال صاحب المجالسة: سمي بذلك لأنه بان عن نوح عليه السلام لما وجهه لينظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشأموا به، وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا لذلك أيضا.

ويقال: إذا صاح الغراب مرتين فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات فهو خير على قدر عدد الحروف.

وكان ابن عباس إذا نعق الغراب يقول: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك.

ويقال: إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدرة منقاره، وروي أن قابيل حمل أخاه ومشى به حتى أروح فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر.

ثم بحث في الأرض بمنقاره ودفن أخاه، فاقتدى به قابيل، فلما رجع آدم من مكة قال: أين هابيل؟ قال: لا أدري، فقال: " اللهم العن أرضا شربت دمه " فمن ذلك الوقت ما شربت الأرض دما.

قال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير، والوحش وشاكت الأشجار وحمضت الفواكه وملحت المياه واغبرت الأرض.

ويحرم أكل الغراب الأبقع الفاسق، وأما الأسود الكبير الجبلي فهو حرام أيضا على الأصح وغراب الزرع حلال على الأصح.

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خمس من الدواب ليس على قاتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأرة والحية والكلب العقور.

وفي سنن ابن ماجة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحية فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق.

وقال: الفأر بالهمز جمع فأرة وهي أصناف: الجرذ والفأر المعروفان، ومنها اليرابيع والزباب والخلد، فالزباب صم، والخلد أعمى، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وذات النطاق، فأما فأرة البيت فهي الفويسقة التي أمر النبي صلى الله عليه وآله بقتلها في الحل والحرم، وإنما سميت فواسق لخبثهن، وقيل:

لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال، وقيل: سميت بذلك لأنها عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها.

وروى الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سال أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة فويسقة؟ قال: استيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت، فقام صلى الله عليه وآله وسلم إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال و المحرم.

وروى الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فذهبت الجارية فزجرتها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: دعيها، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها موضع درهم، فقال صلى الله عليه وآله: إذا نمتم فأطفؤا سرجكم فان الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم.

والخمرة السجادة التي يصلي عليها المصلي، سميت بذلك لأنها تخمر الوجه أي تغطيه.

وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بإطفاء النار عند النوم، وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا.

والفأر نوعان جرذان وفئران، وكلاهما له حاسة السمع والبصر، وليس في الحيوانات أفسد من الفأر، ولا أعظم أذى منه، ومن شأنه أنه يأتي القارورة الضيقة الرأس فيحتال حتى يدخل فيها ذنبه، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع فيها شيئا، ولا يخفى ما بين الفأر والهر من العداوة، والسبب في ذلك أن نوحا عليه السلام لما حمل في السفينة من كل زوجين اثنين شكا أهل السفينة الفأرة وأنها تفسد طعامهم ومتاعهم فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها.

والزباب جمع الزبابة بالفتح: الفأرة البرية تسرق كل ما تحتاج إليه وتستغني

عنه، وقيل: هي فأرة عمياء صماء، ويشبه بها الرجل الجاهل.

والخلد بالضم وقد يفتح ويكسر هي دويبة عمياء صماء لا تعرف ما بين يديها إلا بالشم وقيل فأر أعمى لا يدرك إلا بالشم، وقال أرسطو: كل حيوان له عينان إلا الخلد، وإنما خلق كذلك لأنها ترابي جعل الله له الأرض كالماء للسمك، وغذاؤه من بطنها، وليس له في ظاهرها قوة ولا نشاط، ولما لم يكن له بصر عوضه الله تعالى حدة السمع فتدرك الوطئ الخفي من مسافة بعيدة، فإذا أحس بذلك يختفي في الأرض، وقيل: إن سمعه مقدار بصر غيره.

واليربوع حيوان طويل اليدين جدا وله ذنب كذنب الجرذ يرفعه صعدا لونه كلون الغزال، وهو يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها له مقام الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره البخار أبدا، يتخذ حجرة في نشز من الأرض ثم يحفر بيته في مهب الرياح الأربع ويتخذ فيه كوى، ويسمى النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء وإن طلب من النافقا خرج من القاصعاء.

وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر وبه سمى المنافق، قال القزويني: هو من نوع الفأر وهو من الحيوان الذي له رئيس مطاع

ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر إلى الطريق من كل ناحية، فان رأى ما يخافه ضرب بأسنانه وصوت، فإذا سمعته انصرفت إلى حجرتها، فان قصر الرئيس حتى أدركهم أحد وصاد منهم شيئا اجتمعوا على الرئيس فقتلوه وولوا غيره - وإذا خرجت لطلب المعاش خرج الرئيس أولا يشرف فإن لم ير شيئا يخافه مر إليها يصوت ويضرب بأسنانه فتخرج واليا.

وروى الزمخشري عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس من الحيوان شئ يخبأ قوته إلا الانسان والنمل والفأر والعقعق.

والعقعق: طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب ويقال له: القعقع أيضا، وهو لا يأوي تحت السقف ولا يستظل به بل يهيئ وكره في المواضع المشرفة، وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك.

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها الا الفأر، ألا تراها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاة شربته.

قال النووي وغيره: ومعنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل على أن امتناع الفارة من لبن الإبل دون لبن الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل.

وأما فأرة البيش بالكسر وهو السم فدويبة تشبه الفأرة وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمى، وتكون في الرياض والغياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم لتأكلها ولا

تضرها، وكثيرا ما تطلب البيش.

وأما ذات النطاق فهي فأرة منقطة ببياض وأعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصتين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الاعلى على الأسفل قاله القزويني أيضا.

وأما فأرة المسك مهموزة كفأرة الحيوان، قال: ويجوز ترك الهمزة كما في نظائره، وقال الجوهري وابن مكي: ليست مهموزة وهو شذوذ منهما، قال الجاحظ:

فأرة المسك نوعان:

الأول منهما دويبة تكون في بلاد التبت تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدت بعصائب وهي متدلية فيجتمع فيها دمها فإذا احكم ذلك ذبحت وما أكثر من يأكلها عندنا، فهي غير مهموزة لأنها من فار يفور وهي النافجة كذا قاله القزويني وفي التحرير فارة المسك.

والثاني جرذان سود تكون في البيوت ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة و رائحته كرائحة المسك إلا أنه لا يوجد منه المسك، وأما فأرة الإبل فقال في الصحاح:

هي أن يفوح منها رائحة طيبة إذا رعت العشب وزهره ثم شربت وصدرت عن الماء ففاحت منها رائحة طيبة ويقال لتلك الرائحة: فأرة الإبل، ويحرم أكل جميع الفأر إلا اليربوع ويكره أكل سؤر الفأر.

العياشي: عن محمد بن يوسف عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وأوحى ربك إلى النحل " قال: إلهام.

9 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان عن أبي الخطاب عن عبد صالح عليه السلام قال: إن الناس أصابهم قحط شديد على عهد سليمان بن داود عليه السلام فشكوا ذلك إليه وطلبوا إليه أن يستسقي لهم، قال: فقال لهم: إذا صليت الغداة مضيت، فلما صلى الغداة مضى ومضوا، فلما أن كان في بعض الطريق إذا هو بنملة رافعة يدها إلى السماء واضعة قدميها على الأرض وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم " قال: فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم: فسقوا في ذلك العام ولم يسقوا مثله قط.

10 - الخرائج: عن سليمان الجعفري عن الرضا عليه السلام إن عصفورا وقع بين يديه وجعل يصيح ويضطرب، فقال: أتدري ما يقول؟ فقلت: لا، قال: قال لي: إن حية تريد أن تأكل فراخي في البيت، فقم وخذ تلك النسعة وادخل البيت واقتل الحية، فقمت وأخذت النسعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.