بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم
ج ۵۶، ص ۲۳۳–۲۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
فيقول: قلمك إصبعك، ومدادك ريقك، اكتب. فيقول: على أي شئ أكتبه و ليس معي صحيفة؟ قال: فيمزق قطعة من كفنه فيقول: اكتب فيها، فيكتب ما عمل في الدنيا من حسنة، فإذا بلغ سيئة استحيى منه، فيقول له الملك: يا خاطئ أفلا كنت تستحيي من خالقك حيث عملتها في الدنيا والآن تستحيي مني؟ فيكتب فيها جميع حسناته وسيئاته، ثم يأمره أن يطويه ويختمه، فيقول: بأي شئ أختمه و ليس معي خاتم؟ فيقول: أختمها بظفرك، ويعلقها في عنقه إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى " وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه - الآية - " ثم يدخل بعد ذلك منكر ونكير.
وروى شاذان بن جبرئيل - رحمه الله - في كتاب الفضائل عن أصبغ بن نباته قال: إن سلمان - رضي الله عنه - قال لي: اذهب بي إلى المقبرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا سلمان! سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك. فلما ذهبت به إليها ونادى الموتى أجابه واحد منهم، فسأله سلمان عما أرى من الموت وما بعده فأجابه بقصص طويلة، وأهوال جليلة وردت عليه - إلى أن قال -: لما ودعني أهلي وأرادوا الانصراف من قبري أخذت في الندم فقلت: يا ليتني كنت من الراجعين!
فأجابني مجيب من جانب القبر: كلا! إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون . فقلت له: من أنت؟ قال: أنا منبه أنا ملك وكلني الله عز وجل بجميع خلقه لأنبههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي الله عز وجل، ثم إنه جذبني وأجلسني وقال لي: اكتب عملك، فقلت: إني لا أحصيه. فقال لي: أما سمعت قول ربك " أحصاه الله ونسوه " ثم قال لي: أكتب وأنا أملي عليك فقلت:
أين البياض؟ فجذب جانبا من كفني، فإذا هو ورق فقال: هذه صحيفتك، فقلت:
من أين القلم؟ فقال: سبابتك، قلت: من أين المداد؟ قال: ريقك، ثم أملى علي ما فعلته في دار الدنيا، فلم يبق من أعمالي صغيرة ولا كبيرة إلا أملاها كما قال تعالى " ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوقه في عنقي فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طوقوها في عنقي فقلت له: يا منبه!
ولم تفعل بي كذا؟ قال: ألم تسمع قول ربك " وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " فهذا تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وكتابك بين عينيك منشورا تشهد فيه على نفسك. ثم انصرف عني - تمام الخبر -.
وفي رواية ابن شاذان " ومنكر ورومان فتان القبور " وسائر الفقرات فيها بالرفع على سياقة صدر الدعاء " والطائفين بالبيت المعمور " قد مر وصف البيت وطائفية " ومالك والخزنة " أي خزان النار من الملائكة الموكلين بها وبتعذيب أهلها ومالك رئيسهم. ورضوان بالكسر وفي بعض النسخ بالضم وهو اسم رئيس خزنة الجنان وخدمتها، والمشهور في الاسم الكسر والمصدر، وجاء بهما في القرآن و اللغة. " وسدنة الجنان " أي خدمتها، في القاموس: سدن سدنا وسدانة: خدم الكعبة أو بيت الصنم وعمل الحجابة، فهو سادن والجمع سدنة.
" والذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " عطف تفسير لقوله " مالك والخزنة " إشارة إلى قوله سبحانه " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ". " والذين يقولون " عطف تفسير لقوله " رضوان وسدنة الجنان " فالنشر على ترتيب اللف، ويحتمل أن يكون هذا حال بعض سدنة الجنان، فيكون تخصيصا بعد التعميم، كذكر الزبانية بعد خزنة النيران. وتقديم أحوال أهل النار فيهما لان الخوف أصلح بالنسبة إلى غالب الناس من الرجاء لغلبة الشهوات الداعية إلى ارتكاب السيئات عليهم " سلام عليكم " إشارة إلى قوله تعالى في وصف أهل الجنة " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " وقال البيضاوي: " سلام عليكم " بشارة بدوام السلامة " بما صبرتم " متعلق بعليكم أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، لا بسلام فإن الخبر فاصل. والباء للسببية أو البدلية.
" فنعم عقبى الدار " العقبى: الجزاء، أي نعم العقبى عقبى الدار لكم خاصة أيها المؤمنون، وروى الكليني وعلي بن إبراهيم بأسانيد معتبرة عن أبي جعفر
عليه السلام في وصف حال المتقين في القيامة وبعد دخولهم الجنة قال: ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه الحوراء. قا: فينتهون إلى أول باب من جنانه، فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه: استأذن لنا على ولي الله، فإن الله بعثنا إليه نهنئه. فيقول لهم الملك: حتى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم، قال: فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين ليهنئوا ولي الله وقد سألوا أن آذن لهم عليه، فيقول الحاجب: إنه ليعظم علي أن أستأذن لاحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء. قال:
وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان، قال: فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنؤون ولي الله فاستأذن، فيقدم القيم إلى الخدام فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه بمكانهم، قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب، وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به، فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به قال: فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة، قال: فيبلغونه رسالة الجبار جل وعز، وذلك قول الله عز وجل " و
الملائكة يدخلون عليهم من كل باب " [أي] من أبواب الغرفة " سلام عليكم " - إلى آخر الآية " قال: وذلك قوله عز وجل " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا " يعني بذلك ولي الله، وما هو فيه من الكرامة والنعيم، والملك العظيم الكبير أن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون عليه فلا يدخلون عليه إلا بأذنه، فذلك الملك العظيم الكبير - الخبر -.
" والزبانية الذين إذا قيل لهم خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه " الزبانية هم الملائكة التعسة عشر الموكلون بالنار، وهم الغلاظ الشداد، قال الجوهري:
الزبانية عند العرب الشرط وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها، قال الأخفش: قال بعضهم: واحدها زباني، وقال بعضهم: زابن، وقال بعضهم: زبنية مثال عفرية، وقال: والعرب لا تكاد تعرف هذا وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل وعباديد. وقال: صليت اللحم وغيره أصليه صليا مثل رميته رميا إذا شويته. وفي الحديث " إنه أتي بشاة مصلية " أي مشوية. ويقال أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحراق قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية. وقرئ " ويصلى سعيرا " ومن خفف فهو من قولهم صلى فلان النار - بالكسر - يصلى صليا: احترق. ويقال أيضا صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته. " ابتدروه سراعا " أي حال كونهم مسرعين جمع سريع " ولم ينظروه " أي لم يمهلوه " ومن أوهمنا ذكره " أي الملائكة الذين تركنا ذكرهم على الخصوص وإن كانوا داخلين في العموم. قال الجوهري:
أو همت الشئ تركته كله، يقال أو هم من الحساب مائة أي أسقط، وأوهم من صلاته ركعة. " ولم نعلم مكانه منك " أي منزلته عندك أو نسبته إلى عرشك " وبأي أمر وكلته " عطف على قوله " مكانه " والظرف متعلق بوكلته قدم عليه لمزيد الاهتمام، لان
المجهول هذا القيد لا أصل التوكيل، والمعنى: ولم نعمل توكيلك إياه بأي أمر من أمورك. وفيه بعض المنافاة لما يظهر من أكثر الاخبار من سعة علمهم عليهم السلام، و اطلاعهم على جمع العوالم أو المخلوقات، وأن الله أراهم ملكوت الأرضين والسماوات إلا أن يقال إنه عليه السلام قال ذلك على سبيل التواضع والتذلل، أو المعنى لا نعلمهم من ظاهر الكتاب والسنة وإن علمنا من جهة أخرى لا مصلحة في إظهارها، أو لا - نعلم في هذا الوقت خصوص مكانه وعمله، فإنه لا استبعاد في عدم علمهم عليهم السلام ببعض تلك الخصوصيات الحادثة، أو قال عليه السلام ذلك بلسان غيره ممن يتلو الدعاء، فإنه عليه السلام جمع الأدعية وأملاها لذلك، بل هو من أعظم نعمهم على شيعتهم صلوات الله عليهم.
" وسكان الهواء والأرض والماء " يدل على أن لكل منها سكانا من الملائكة كما روى الشيخ بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، وقال: إن للماء أهلا. وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: كره الله لامتي الغسل تحت السماء إلا بمئزر وكره دخول الأنهار إلا بمئزر، فإن فيها سكانا من الملائكة. وفي رواية أخرى رواها الصدوق في المجالس قال: في الأنهار عمار وسكان من الملائكة. وروى أيضا في العلل بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل وكل ملائكة بنبات الأرض من الشجر والنخل فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عز وجل ملك يحفظها وما كان فيها، ولولا أن معها من يمنعها لأكلها السباع وهوام الأرض إذا كان فيها ثمرها - الخبر -.
" ومن منهم على الخلق " أي الملائكة الذين هم مع الخلق أو مستولون عليهم أو موكلون بهم من جملة سائر الملائكة، وهم أصناف شتى قد مر أكثرها كالمعقبات، ومن يثني برقبة المتخلي ليعتبر بما صار إليه طعامه، والمشيعين لعائد المريض ولزائر المؤمن، ومن يأتي منهم للسؤال ابتلاء، ومن يمسح
يده على قلب المصاب ليسكنه، والموكلين بالدعاء للصائمين، والذين يمسحون وجه الصائم في شدة الحر ويبشرونه والملائكة الساكنين في حرم حائر الحسين عليه السلام يشيعون الزائرين ويعودون مرضاهم ويؤمنون على دعائهم، والذين يدفعون وساوس الشياطين عن المؤمنين وأمثال ذلك كثيرة في الاخبار. وهذا بناء على أن الخلق بمعنى المخلوق، ويمكن حمله على المعنى المصدري، فيكون إشارة إلى ما روي في أخبار كثيرة أن لله ملكين خلاقين، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمر أولئك الخلاقين فأخذوا من التربة التي قال الله تعالى في كتابه " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " فعجنوها في النطفة المسكنة في الرحم، فإذا عجنت النطفة بالتربة قالا: يا رب ما تخلق؟ قال: فيوحي الله تبارك وتعالى ما يريد من ذلك - الخبر - " فصل عليهم يوم تأتي كل نفس " " يوم " ظرف للصلاة، وربما يومئ إلى أن هذا الحكم يعم الملائكة أيضا غير السائق و الشهيد، وذكر اليوم بهذا الوصف لبيان أن الملائكة في هذا اليوم أيضا لهم أشغال عظيمة، أو لبيان أن هذا اليوم يوم الاحتياج إلى الملائكة " معها سائق وشهيد " هما ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد بعمله، وقيل: ملك واحد جامع للوصفين، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات، وقيل:
السائق نفسه، والشهيد جوارحه وأعماله، ومحل " معها " النصب على الحالية من " كل " لاضافته إلى ما هو في حكم المعرفة، ذكره البيضاوي عند قوله تعالى " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " وفي بعض النسخ " قائم " مكان السائق والسائق أوفق بالآية، ولا يتغير المعنى، إذ المراد بالقائم من يقوم بأمره و يسوقه إلى محشره، ولعل المراد أقل من يكون مع كل أحد، أو المراد بهما الجنس، إذ ورد في كثير من الاخبار أنه يشايع الأخيار آلاف من الملائكة، و مع بعض الأشرار أيضا كذلك لشدة تعذيبهم، وكذا الشهداء من الملائكة في أكثر الاخبار أكثر من واحد. " وصل عليهم " تأكيد لما سبق " صلاة تزيدهم كرامة
على كرامتهم " أي تصير سببا لمزيد قدرهم ومنزلتهم عند ربهم " وطهارة على طهارتهم " أي موجبا لمزيد عصمتهم وتقدسهم وتنزههم وإن كانت العصمة عن الكبائر والصغائر لازمة لهم. ويمكن أن يكون فائدة هذا الدعاء راجعة إلينا لا إليهم " اللهم وإذا صليت " في بعض النسخ " إذ " بدون الألف و " عليهم " مكان " علينا " فعلى الأول المعني: كل وقت صليت عليهم وبلغتهم صلواتنا عليهم فصل علينا وارحمنا بسبب أنك وفقتنا لذلك، وصرنا سببا لهذه الرحمة. وأيضا الجواد الكريم يشفع كل نعمة منه بأخرى، ولا يكتفي بواحدة منها. وعلى النسخة الأخرى المعنى: لما صليت عليهم وبلغتهم صلاتنا عليهم فصل عليهم تارة أخرى بسبب أنهم صاروا سببا لتوفيقك إيانا للصلاة عليهم، وحسن القول فيهم. وفي بعض النسخ " إذ " و " علينا " وهو أظهر. والجواد في أسمائه تعالى هو الذي لا يبخل بعطائه، ويعطي كلا ما يستحقه، والكريم فيها هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، أو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل. والكريم أيضا الصفوح.
وأقول: إنما أوردت هذا الدعاء الشريف هنا وأعطيت في شرحه بعض البسط لكونه فذلكة لسائر الاخبار والآيات الواردة في أصنافهم ودرجاتهم ومراتبهم مع تواتره سندا ومتانته لفظا ومعنى.
وقال النيسابوري في تفسيره: روي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوان البحر وكلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى الملائكة السماء السابعة. ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق و عرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيها فإنها كلها يكون شيئا يسيرا وقدرا قليلا، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول
العرش كالقطرة في البحر، ولا يعرف عددهم إلا الله، [ثم] مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل، والملائكة الذين هم جنود جبرائيل، وهم كلهم سامعون مطيعون، لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون.
فائدة: قال بليناس في كتاب " علل الأشياء ": إن الخالق عز وجل لما ضرب الخلقة بعضها ببعض وطال مكثها خلق الأرواح المتفكرة القادرة، فخلقهن من حرارة الريح ونور النار، فمنهم خلق خلقوا من حر الريح الباردة، ومنهم خلق خلقوا من نور النار الحارة، ومنهم خلق خلقوا من حركة الماء البارد، ومنهم خلق خلقوا من حركة الماء الحار، ومنهم خلق خلقوا من الماء المالح، فخلق الله الخلقة العلوية من هذه الثلاث طبائع وليس فيهم من طبيعة التراب شئ، ومن خلق منهم في السفل فإنها خلقت من الطبائع الثلاث التي ذكرت مفردات غير مركبات، إذ لو كانوا مركبين إذا لأدركهم الموت والافتراق، فهذه جميع أجناس المتفكرة من الملائكة والجن والشياطين وسكان الريح الباردة والبحر والأرض السود والبيض، والكواكب العلوية تشرق بنورها عليهم، فتتصل أنوارهم بنورها ولا يشغلون مكانا لأنهم نور، ولا يأخذون مكان غيرهم فهم ملؤوا الطبائع يدبرونها ويقبلون عليها، وكل طبيعة من الطبائع فيها خلق عظيم من الروحانيين، ولا يقع عليهم التفصيل والفناء، لأنهم ليسوا مركبين، وإنما هم من جوهر واحد، فلذلك صاروا أكثر شئ عددا لا يسأمون ولا ينامون ولا يملون، يعملون دائبين بالليل والنهار بما وكلوا به من حركة الفلك، وإدخال بعضها في بعض، وحركة الشمس والقمر والكواكب والأمطار والرياح والحر والبرد والاقبال والادبار في النبات والحيوان والمعادن وأفاعيل الانس والحيوان، وكلهم يعمل دائبا بالأمر الذي وكل به، وهم أجناس، جنس منهم في الفلك الأعلى، وهم قيام على أرجلهم لا يجلسون، لان طبيعتهم روحانية لطيفة، فبلطافتهم لا يقدرون أن يجلسوا، لأنها تجذبهم إلى العلو، وكلهم يسبحون للذي خلقهم منذ يوم خلقهم لا يعملون ولا يتحركون يمينا ولا شمالا، وليس لهم عمل غير التسبيح للرب، لهم غلظ وشدة
لحدة طبائعهم، لأنهم خلقوا من حر النار: وعلى فلك المشتري خلق عظيم من الروحانيين كذلك، وهم خلق معتدل ساكن لأنهم خلقوا من روح الماء، ليس لهم قسوة وفظاظة، يدبرون فلك المشتري، ويقبلون ويتحركون مع حركته ويمجدون الذي خلقهم، وفي فلك المريخ خلق عظيم من النورانيين، وهم غلاظ شداد، لأنهم خلقوا من نور النار اليابسة، فلذلك لا رأفة لهم ولا رحمة، يدبرون ويقبلون مع المريخ في دوران الفلك لم يملكوا غير ذلك، لأنهم لا رحمة لهم، و لذلك لم يوكلوا بشئ من أعمال الناس، وفي فلك الشمس خلق من الكروبيين لهم قسوة وفظاظة لشدة طبائعهم، لأنهم خلقوا من الريح والروح، ولهم أناة و نور، فهم موكلون بأعمال بني آدم على الحرث والنسل، وهم الذين يحركون الشمس، وبحركتها يخرج البخار والدخان، فيرفعون ذلك البخار إلى القمر ثم إلى الشمس، ثم يصدونه إلى الكواكب العالية، فيكون لهم غذاء، وهم على الثمار والزروع وولادة الحيوان، وهم المسلطون على جميع الروحانيين من تحتهم يعملون بأمرهم، وهم لطاف نورانيون يدورون مع فلك الشمس، ويعملون معها ويعملون في إصلاح العالم وتوالد المواليد، وهم الذين يحفظون شيعة الشيطان و ولده عن فساد العالم وخرابه، وحفظ الحيوان منهم. وإنما سموا ملائكة لأنهم ملكوا زمام الشيطان لئلا يخربوا العالم، وفي فلك الزهرة أيضا خلق من الروحانيين لهم اعتدال وصلاح، فهم أحسنهم وجوها، ولهم ريح طيب وبشر حسن، يحبون الانس وجميع ما تحتهم من الحيوان حبا شديدا، ولهم بهم رأفة ورحمة ورقة، و هم الذين يسعون في تأليف الذكران والإناث من كل شئ لمكان النسل والولادة وبذلك وكلوا. وفي فلك عطارد روحانيون خلقوا من حر الريح الحارة، فاتصلوا بالروحانيين الذين خلقوا من النور، وهم بين أيديهم مثل العبيد لا يغيبون عن أعينهم طرفة عين، يسارعون في خدمة ملائكة فلك الشمس، ويعملون بمسرتهم فهم لهم شبيه الوزراء، وهم الموكلون بالنبات واصلاحه، وحفظ النبت إذا طلع
عن وجه الأرض حتى يتم بتمامه، وهم أيضا موكلون بصغار الحيوان، والحفظ لهم عن مردة الشياطين، وإن القمر جرمه من الشمس وضوؤه من نورها، وهما دائبان يعملان في الليل والنهار، وفلك القمر مملو من الملائكة، وهم ملائكة الرحمن مستبشر الوجوه، لهم جمال وحسن صور، وليس فيهم غضب ولا شدة ولا قسوة على ولد آدم لقربهم منهم، وهم أشبه الروحانيين بالآدميين، وهم متعطفون على الحيوان، مصلحون للنبات، دائبون في مسيرة بني آدم فلاتصالهم بهم ربما ظهروا لهم وكلموهم، وهم مسلطون على السماء، يحرسون السماء من شيطانك وولده أن يسترقوا السمع من الملائكة الأعلى المتصلين بفلك الشمس، وهم الموكلون أيضا بالحب المبذور في الأرض، يحفظونه لئلا تعرض له الشياطين ليفسدونه فإن شيطانك وولده لهم قوة عظيمة في العالم والحرث والنسل، وكلما لطفت خلقة من الروحانيين ورقت كان أكثر أجنحة، ومنهم من له ستة أجنحة، و منهم من له خمسة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة، وكذلك إلى جناح واحد وأما المفكرة التي في الطبائع حين ظهرت لحقوا بالطبائع، فهم مستجنون في الماء والتراب والريح، لأنهم خلقوا من حر الماء المالح والريح العاصف والتراب المنتن، وهم يسمون شيطائيل وولده، وهم عصاة جفاة مفسدون في الأرض، لهم خبث عظيم، وقوة شديدة، ومنظر قبيح، ووجوه سمجة، وأرواحهم قذرة، وهم على الفساد والطغيان، وفي خراب العالم، والخلقة العليا مسلطة عليهم، يمنعونهم من خراب العالم وفساده (انتهى).
وأقول: إنما أوردت ملخصا من كلامه لتعلم أن أكثر كلمات قدماء الحكماء الذين أخذوا العلوم من الأنبياء موافقة لما ورد في لسان الشرع، وإنما أحدث المتأخرون منهم ما أحدثوا بآرائهم العليلة الفاسدة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.