پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم

ج ۵۶، ص ۲۰۶–۲۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۶

وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه: أحدها أنهم رسل الله " جاعل الملائكة

رسلا - وقوله - الله يصطفي من الملائكة رسلا " وثانيها قربهم من الله بالشرف وهو المراد من قوله سبحانه " ومن عنده لا يستكبرون " وقوله " بل عباد مكرمون " وثالثها وصف طاعاتهم، وذلك من وجوه: الأول قوله تعالى حكاية عنهم " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " وقولهم " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون " والله تعالى ما كذبهم في ذلك. الثاني مبادرتهم إلى امتثال أمر الله، وهو قوله " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " الثالث: أنهم لا يفعلون إلا بوحيه وأمره وهو قوله تعالى " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ".

ورابعها: وصف قدرتهم وذلك بوجوه: الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السماوات السبع لقوله تعالى " وسع كرسيه السماوات والأرض " والثاني أن علو العرش شئ لا يحيط به الوهم، ويدل عليه قوله تعالى " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة الثالث: قوله تعالى " ونفخ في الصور - الآية " - فصاحب الصور بلغ في القوة إلى حيث إن بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات والأرض، وبالثانية

منه يعودون أحياءا الرابع أن جبرئيل بلغ من قوته أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة.

وخامسها: وصف خوفهم ويدل عليه بوجوه، الأول: أنهم مع كثرة عبادتهم وعدم إقدامهم على الزلات يكونون خائفين وجلين حتى كأن عباداتهم معاصي قال تعالى: " يخافون ربهم من فوقهم " وقال " وهم من خشيته مشفقون ".

الثاني: قوله تعالى " حتى إذا فزع عن قلوبهم - الآية " - روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات مثل صوت السلسلة على الصفوان، ففزعوا، فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير.

الثالث: روى البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبرئيل عليه السلام إذ انشق أفق السماء فأقبل جبرئيل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض إلى آخر ما سيأتي برواية السيوطي في الباب الآتي (انتهى).

وأقول: وإن قال في أول كلامه إن أكثر المسلمين قالوا بتجسم الملائكة لكن يظهر من آخر كلامه أن المخالف في ذلك ليس إلا النصارى والفلاسفة الذين لم يؤمنوا بشريعة، وتكلموا في جميع أمورهم على آرائهم السخيفة، وعقولهم الضعيفة.

وأقول: سئل المرتضى: نزول جبرئيل بالوحي في صورة دحية الكلبي كيف

كان يتصور بغير صورته؟ هو القادر عليها أو القديم تعالى يشكل صورة وليست صورة جبرئيل؟ فإن كان الذي يسمع من القرآن من صورة غير جبرئيل ففيه ما فيه، و إن كان من جبرئيل فكيف يتصور بصورة للبشر؟ وهذه القدرة قد رويت أن إبليس يتصور وكذلك الجن، أريد أن توضح أمر ذلك، وما كان يسمعه جبرئيل من الوحي من البارئ تعالى أو من حجاب وكيف كان يبلغه؟ وهل جبرئيل يعلم من صفات البارئ أكثر مما نعلمه أو مثله؟ وأين محله من السماء؟ وهل القديم إذا خطر ببال جبرئيل يكون متحيرا فيه مثلنا، ويكون سبحانه لا تدركه الأوهام أو ميزه علينا وجميع الملائكة أيضا.

فأجاب - رحمه الله - بأن نزول جبرئيل بصورة دحية كان بمسألة من النبي صلى الله عليه وآله لله تعالى في ذلك، فأما تصوره فليس بقدرته، بل الله يصوره كذلك صورة حقيقة لا تشكيل، والذي كان يسمعه النبي صلى الله عليه وآله من القرآن كان من جبرئيل في الحقيقة، وأما إبليس والجن فليس يقدرون على التصور، وكل قادر بقدرة فحكمهم سواء في أنهم لا يصح أن يصوروا نفوسهم، بل إن اقتضت المصلحة أن يتصور بعضهم بصورة صوره الله للمصلحة، فأما جبرئيل عليه السلام وسماعه الوحي فيجوز أن يكلمه الله بكلام يسمعه فيتعلمه، ويجوز أن يقرأه من اللوح المحفوظ فأما ما يعلم جبرئيل من صفات الله فطريقه الدليل، وهو والعلماء فيه واحد، فأما محله من السماء فقد روي أنه في السماء الرابعة، فأما ما يخطر بباله فلا يجوز أن يتحير فيه، لأن جبرئيل معصوم لا يصح أن يفعل قبيحا (انتهى) وفي بعض ما أفاده نظر لا يخفى على المتأمل.

وسئل - رحمه الله - أيضا: إذا حصل أهل الجنة في الجنة ما حكم الملائكة؟

هل يكونون في جنة بني آدم أو غيرها؟ وهل يراهم البشر؟ وهم يأكلون ويشربون مثل البشر أو تسبيح وتقديس؟ وهل يسقط عنهم التكليف؟ وكذلك الجن.

فأجاب - رحمه الله - أنه يجوز أن يكونوا في الجنة مع بني آدم، ويجوز أن يكونوا في جنة سواها، فإن الجنان كثيرة جنة الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وغير ذلك مما لم يذكره الله تعالى. فأما رؤية البشر لهم فلا يصلح إلا على أحد وجهين: إما أن يقوي الله تعالى شعاع بصر البشر، أو يكثف الملائكة. فأما الأكل والشرب فتجوز، والله تعالى يثيبهم بما فيه لذتهم، فإن جعل لذتهم في الأكل والشرب جاز. وأما التكليف فإنه يسقط عنهم، لأنه لا يصح أن يكونوا مكلفين مثابين في حالة واحدة. والكلام في الجن يجري هذا المجرى.

وقال الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب المقالات: القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام وإن كانوا لا يرون منهم الاشخاص. وأقول بجواز هذا من جهة العقل، وأنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال، وقد جاءت بصحته وكونه في الأئمة عليهم السلام وكذا سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة والبرهان. وهو مذهب فقهاء الإمامية وأصحاب الآثار منهم، وقد أباه بنو نوبخت وجماعة من أهل الإمامة لا معرفة لهم بالاخبار، ولم يمعنوا النظر، ولا سلكوا طريق الصواب.

وقال - رحمه الله - في رؤية المحتضر الملائكة جائز من أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة.

وقال: القول في نزول الملكين على أصحاب القبور ومساءلتهما الاعتقاد:

وأقول: إن ذلك صحيح وعليه إجماع الشيعة وأصحاب الحديث. وتفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت ملكين اسمهما مبشر، وبشير فيسألانه عن ربه جلت عظمته وعن نبيه ووليه عليهما السلام فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده والصواب، ويكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما

يستحقه من النعيم، فيجد لذتها منه في الجواب. وينزل جل جلاله على من يريد تعذيبه في البرزخ ملكين اسمهما ناكر، ونكير، فيوكلهما بعذابه. ويكون الغرض في مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من العقاب بما يظهر في جوابه من التلجلج عن الحق، أو الخبر عن سوء الاعتقاد، أو ابلاسه وعجزه عن الجواب.

وليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على ما ذكرناه.

وأما ما ذكره السيد الداماد - رحمه الله - تبعا للفلاسفة حيث قال: من الدائر على الألسن أن وصف القرآن بالنزول التي لا يتصف به إلا المتحيز بالذات دون الاعراض وسيما غير القارات كالأصوات إنما هو بتبعية محله، سواء اخذ حروفا ملفوظة، أو معاني محفوظة، وهو الملك الذي يتلقف الكلام من جناب الملك العلام تلقفا سماعيا، أو يتلقاه تلقيا روحانيا، أو يتحفظه من اللوح المحفوظ ثم ينزل به على الرسول، ولا يتمشى هذا النمط إلا على القول بتجسم الملائكة. وإنما الخارجون عن دائرة التحصيل ممشاهم ذلك، فأما ما هو صريح الحق وعليه الحكماء الإلهيون والمحصلون من أهل الاسلام أن الملائكة على قبائل سفلية وعلوية أرضية وسماوية، جسمانية وقدسانية، وفي القبائل شعوب وطبقات، كالقوى المنطبعة، والطبائع الجوهرية، وأرباب الأنواع، والنفوس المفارقة السماوية والجواهر العقلية القادسية بطبقات أنواعها وأنوارها، ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواح أولي القوة القدسية بإذن الله سبحانه " وما يعلم جنود ربك إلا هو " وفي الحديث عنه عليه السلام " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع " فالامر غير خفي، اللهم إلا أن يسمى ظهورهم العقلاني لنفوس الأنبياء عليهم السلام نزولا، تشبيها للهيولى العقلي و الاعتلاق الروحاني بالنزول الحسي والاتصال المكاني، فيكون قولنا نزول الملك

استعارة تبعية، وقولنا نزل الفرقان مجازا مرسلا بتبعية تلك الاستعارة التبعية.

قلت: لا يطمئن مني أحد من الناس أن أستصح ذلك بجهة من الجهات، وإن فيه شقا لعصا الأمة بفرقها المفترقة، وأحاديثها المتواترة، وخرقا للقوانين العقلية الفلسفية، ونسخا للضوابط المقررة البيانية، فالأمة مطبقة على أن النبي صلى الله عليه وآله يرى جبرئيل عليه السلام وملائكة الله المقربين ببصره الجسماني، ويسمع كلام الله الكريم على لسانهم القدسي بسمعه الجسماني، وقوائم الحكمة قائمة بالقسط أنه إنما ملاك الرؤية البشرية والابصار الحسي انطباع الصورة في الحس المشترك و إنما المبصر المرئي بالحقيقة من الشئ الماثل بين يدي الحس الصورة الذهنية المنطبعة، وأما ذو الصورة بهويته العينية ومادته الخارجية فمبصر بالعرض، مرئي بالمجاز، وإن كان مثوله العيني شرط الابصار، والجليديتان هما مسلكا التأدية لا لوحا الانطباع، وعلى هذه السنة شاكلة السمع أيضا، والإفاضة مطلقا من تلقاء واهب الصور فإذا كانت النفس واغلة الهمة في الجنبة الجسدانية، طفيفة الانجذاب إلى صقع الحق وعالم القدس لم يكن لنبطاسياها سبيل إلى التطبع بالصورة من تلقاء واهب الصور إلا من مسلك الحاسة الظاهرة، ومثول المادة الخارجية بين يديها، فأما إذا كانت قدسية الفطرة، مستنيرة الغريزة في جوهر جبلتها المفطورة ثم في سجيتها المكسوبة، صارت نقية الجوهر، طاهرة الذات، أكيدة العلاقة بعالم العقل، شديدة الاستحقاق لعالم الحس قاهرة الملكة، قوية المنة على خلع البدن ورفض الحواس، والانصراف إلى صقع القدس حيث شاءت ومتى شاءت بإذن ربها، وقوتها المتخيلة أيضا قليلة الانغماس في جانب الظاهر، قوية التلقي من عالم الغيب، فإنها تخلص من شركة الطبيعة، وتعزل اللحظ عن الجسد في اليقظة فترجع إلى عالمها، وتتصل بروح القدس، وبمن شاء الله من الملائكة المقربين، و تستفيد من هنالك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح كمرآة مجلوة حوذي بها شطر الشمس، ولكن حيث إنها يومئذ في دار غريبتها بعد بالطبع، ولم تنسلخ عن علاقتها

الطبيعية بتدبر جيوشها الجسدية، وأمورها البدنية، تكون مثالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك الدرجة تحول الملك لها على صورة مادية متمثلة في شبح بشري ينطبق بكلمات إلهية مسموعة منظومة، كما قال عز من قال " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " وأعني بذلك ارتسام الصورة في لوح الانطباع لا من سبيل الظاهر والاخذ عن مادة خارجية، بل بالانحدار إليه من الباطن، والحصول عن صقع الإفاضة، فإذن في السماع والابصار المشهورين يرتفع المسموع و المبصر من المواد الخارجية إلى لوح الانطباع، ثم منه إلى الخيال والمتخيلة ثم يصعد الامر إلى النفس العاقلة، وفي إبصار الملك وسماع الوحي وهما الابصار والسماع الصريحان ينعكس الشأن، فينزل الفيض إلى النفس من عالم الامر، فهي تطالع شيئا من الملكوت مجردة غير مستصحبة لقوة خيالية أو وهمية أو غيرهما ثم يفيض عن النفس إلى القوة الخيالية، فتخيله مفصلا منضما بعبارة منظومة مسموعة، فتمثل لها الصورة في الخيال من صقع الرحمة وعالم الإفاضة، ثم تنحدر الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة من الخيال والمتخيلة إلى لوح الانطباع، وهو الحس المشترك، فتسمع الكلام، وتبصر الصورة، فهذا أفضل ضروب الوحي و الايحاء، ويقال إنه مخاطبة العقل الفعال للنفس بألفاظ مسموعة مفصلة، وله أنحاء مختلفة، ومراتب متفاصلة، بحسب درجات للنفس متفاوتة، وقد يكون في بعض درجاته لا يتخصص المسموع والمبصر بجهة من جهات العالم بخصوصها، بل الامر يعم الجهات بأسرها في حالة واحدة. وفي الحديث أن الحارث بن هشام سأل رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يمثل إلي الملك رجلا فيكلمني، فأعي ما يقول.

وربما تكون النفس المتنورة صقالتها في بعض الأحايين أتم، وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانية والشواغل الهيولانية أعظم، فيكون عند الانصراف عن عالم

الحس والاتصال بروح القدس استئناسها بجوهر ذاته المجردة منه بالشبح المتمثل فتشاهده ببصر ذاته العاقلة، ويستفيد منه وهو في صورته القدسية كما ورد في الحديث أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله مرة في صورته الخاصة كأنه طبق الخافقين. ثم دون هذه الضروب لسائر درجاته ما يتفق له من القوة القدسية نصيب مرتبة النبوة أن يرى ملائكة الله ويسمع كلام الله ولكن في النوم لا في اليقظة. وسبيل القول فيه أيضا ما دريت، إلا أن الامر هناك ينتهي إلى القوة المتخيلة ويقف عندها بمحاكاتها وتنظيمها وتفصيلها لما قد طالعته النفس من عالم الملكوت، من دون انحدار الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة منها إلى الحس المشترك. فأما الرؤيا الصالحة لنفوس العرفاء والصالحين فواقعة في هذا الطريق، غير واصلة إلى درجة النبوة وبلوغ الغاية. وفي الحديث أنها جزء من ستة وأربعين أو سبعين جزء من النبوة، على اختلافات الروايات. وقصاراها في مرتبة الكمال وأقصاها للمحدثين - بالفتح على البناء للمفعول من التحديث - وهم الذين يرفضون عالم الشهادة ويصعدون إلى عالم الغيب، فربما يسمعون الصوت في اليقظة عن سبيل الباطن، ولكنهم لا يعاينون شخصا متشبحا. وفي كتاب الحجة من كتاب الكافي لشيخ الدين أبي جعفر الكليني - رضي الله عنه - باب في الفرق بين الرسول والنبي صلى الله عليه وآله والمحدث، وأن الأئمة عليهم السلام محدثون مفهمون. وإذ قد انصرح لك من المسألة من سبيلها فقد استبان أن قولنا " نزل الملك " مجاز عقلي مستعمل طرفاه في معنييهما الحقيقيين والتجوز فيه في الاسناد، إذ النزول حقيقة منسوب إلى الصورة المتشبحة المتمثلة وقد أسند بالعرض إلى الجوهر المجرد القدسي وهو الملك، وليس هو من الاستعارة في شئ أصلا، كما قولنا " تحرك جالس السفينة " وقولنا: " أنا متحرك " و " أنا ساكن " وقولنا " رأيت زيدا " إذا عنينا به شخصه الموجود في الخارج بهويته العينية لا صورته الذهنية المرئية المنطبعة في الحس المشترك وسائر المقولات في وجود الاتصافات بالعرض كلها على هذه الشاكلة. وأما. " نزل الفرقان " فمجاز مرسل

لاتباعه استعارة تبعية، بل من حيث إن النازل على الحقيقة محله وهو تلك الصورة البشرية المتشبحة النازلة أو تجوز عقلي لا في شئ من الطرفين بل في الاسناد، على أن الأصوات والحروف والألفاظ ليست أعراضا حالة في لسان المتكلم، بل هي تقطيعات عارضة للهواء من تلقاء حركة اللسان.

إن قلت: بنيت الامر فيما أفدت على القول بالانطباع في باب الرؤية، فما سبيل القول هنالك على المذهبين الآخرين وهما خروج الشعاع أي في فيضانه من المبدأ الفياض منبثا في الهواء المتوسط بين الجليدية وسطح المرئي على هيئة المخروط وحصول الإضافة الاشراقية للنفس المستوجبة للانكشاف الابصاري ما دامت المقابلة بين المرئي والجليدية على تلك الهيئة.

قلت: لست أكترث لذلك، إذ إنما يسمى ذلك الخلاف وتثليث القول في المواد الخارجية والرؤية من مسلك الجليدية، ومن مذهب الظاهر، لا في الابصار من سبيل الباطن ومذهب الغيب من دون الاخذ من مادة خارجية. ثم الآراء الثلاثة متحاذية الاقدام في تطابق اللوازم واتحاد الاحكام، حذو القذة بالقذة.

والسواد الأعظم على مسلك الانطباع، ويشبه أن يكون الحق لا يتعداه، وما يتجشمه فرق من فرق الإضافة الاشراقية من إثبات صور معلقة خيالية في عالم معلق مثالي ليستتب الامر في صور المرايا والصور الخيالية وأمور الايحاءات ومواعيد النبوات. قلت: لا أجد لاتجاه البرهان إليه مساقا، بل أجده بتماثيل الصوفية أشبه منه بقوانين الحكماء، وحق القول الفصل فيه على ذمة كتبنا البرهانية (انتهى).

فلعله - رحمه الله - حاول تحقيق الامر على مذاق المتفلسفين، ومزج رحيق الحق بمموهات آراء المنحرفين عن طرق الشرع المبين، مع تباين السبيلين، و وضوح الحق من البين، وقد اتضح بما أسلفنا صريح الامر لذي عينين، وسنذكر ما يكشف أغشية الشبه رأسا عن العين.

85 - أقول: روينا باسنادنا عن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن أشناس البزاز

عن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، عن جعفر بن محمد بن جعفر العلوي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب الزيات، عن خاله علي بن نعمان الأعلم، عن عمير بن المتوكل الثقفي البلخي، عن أبيه المتوكل بن هارون، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام عن أبيه الباقر، عن جده، علي بن الحسين عليهم السلام. وباسنادنا عن محمد بن أحمد بن [علي بن] الحسن بن شاذان عن أحمد بن محمد بن عياش الجوهري عن الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن المعروف بابن أبي طاهر العلوي، عن محمد بن مطهر الكاتب، [عن أبيه] عن محمد بن شلقان المصري، عن علي بن النعمان - إلى آخر السند المتقدم - قال: وكان من دعائه عليه السلام في الصلاة على حملة العرش وكل ملك مقرب: اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك، ولا يسأمون من تقديسك، ولا يستحسرون عن عبادتك، ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك، ولا يغفلون عن الوله إليك وإسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الاذن، وحلول الامر، فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور، وميكائيل ذو الجاه عندك، والمكان الرفيع من طاعتك وجبريل الأمين على وحيك، المطاع في أهل سماواتك، الملكين لديك، المقرب عندك، والروح الذي هو على ملائكة الحجب، والروح الذي هو من أمرك.

اللهم فصل عليهم وعلى الملائكة الذين من دونهم، من سكان سماواتك، وأهل الأمانة على رسالاتك، والذين لا يدخلهم سأمة من دؤوب، ولا إعياء من لغوب، ولا فتور، ولا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات، ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات الخشع الابصار فلا يرومون النظر إليك، النواكس الأعناق الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك، المستهترون بذكر آلائك، والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك، والذين يقولون إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فصل عليهم وعلى الروحانيين من ملائكتك، وأهل الزلفة عندك، وحملة الغيب إلى رسلك، والمؤتمنين على وحيك، وقبائل الملائكة

الذين اختصصتهم لنفسك، وأغنيتهم عن الطعام والشراب بتقديسك، وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك. والذين هم على أرجائها إذا نزل الامر بتمام وعدك، و خزان المطر، وزواجر السحاب، والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود، و إذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، ومشيعي الثلج والبرد، و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل، والقوام على خزائن الرياح، والموكلين بالجبال فلا تزول، والذين عرفتهم مثاقيل المياه، وكيل ما تحويه لواعج الأمطار وعوالجها ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء، ومحبوب الرخاء والسفرة الكرام البررة، والحفظة الكرام الكاتبين، وملك الموت وأعوانه، و منكر ونكير، ومبشر وبشير ورومان فتان القبور، والطائفين بالبيت المعمور ومالك والخزنة، ورضوان وسدنة الجنان والذين لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، والذين يقولون " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " والزبانية الذين إذا قيل لهم " خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه " ابتدروه سراعا ولم ينظروه، ومن أوهمنا ذكره ولم نعلم مكانه منك وبأي أمر وكلته، وسكان الهواء والأرض والماء، ومن منهم على الخلق، فصل عليهم يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وصل عليهم صلاة تزيدهم كرامة على كرامتهم، وطهارة على طهارتهم. اللهم وإذا صليت على ملائكتك ورسلك وبلغتهم صلواتنا عليهم فصل علينا بما فتحت لنا من حسن القول فيهم، إنك جواد كريم.

تبيان: أقول: الدعاء مروية برواية الحسني أيضا في الصحيفة الشريفة الكاملة المشهورة، ورواية الشيخ ورواية المطهري كما فصلناه في آخر المجلدات ولنوضحه بعض الايضاح وإن استقصينا الكلام في شرحه في الفرائد الطريفة.

" اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك " وفي رواية الحسني " عن

تسبيحك " والواو في قوله " وحملة " للعطف على الجمل المتقدمة في الدعاء السابق أو من قبيل عطف القصة على القصة. وقيل: زائدة، وقيل: استئنافية و قيل: عطف بحسب المعنى على قوله " اللهم " فإنه أيضا جملة لأنه بتأويل " أدعوك " ولا يخفى بعد ما سوى الأولين، وقوله " وحملة " مبتدأ، وخبره مقدر، أي " هم مستحقون لان نصلي عليهم " ويحتمل أن يكون " فصل عليهم " خبرا بتأويل مقول في حقه، فدخول الفاء إما على مذهب الأخفش حيث جوز دخول الفاء على الخبر مطلقا، أو بتقدير " أما أو باعتبار الاكتفاء بكون صفة المبتدأ موصولا، ويحتمل أن يكون الموصول خبرا لا صفة، وكذا " صاحب " في الثاني و " ذو الجاه " في الثالث " والأمين " في الرابع. وكذا الموصول في الأخيرين، أو يقدر فيهما بقرينة ما سبقهما " هما مقربان عندك " وقد مضى الكلام في معاني العرش وحملته وإن كان الأظهر هنا كون المراد بالعرش الجسم العظيم وبحملته الملائكة الذين يحملونه والفتور الانكسار والضعف. " ولا يسأمون من تقديسك " سئم من الشئ - كعلم - مل أي لا يحصل لهم من التسبيح والتقديس سأمة وملال، بل يتقوون بهما كما مر، و التسبيح والتقديس كلاهما بمعنى التنزيه عن العيوب والنقائص. ويمكن حمل الأول على تنزيه الذات والثاني على تنزيه الصفات والأفعال، ويحتمل وجوها أخر. " ولا يستحسرون عن عبادتك " الاستحسار استفعال من " حسر " إذا أعيا وتعب، وعدم ملالهم لشدة شوقهم، وكون خلقتهم خلقة لا يحصل بها لهم الملال بكثرة الاعمال. " ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك " الإيثار الاختيار والجد - بالكسر -: الاجتهاد والسعي " ولا يغفلون عن الوله إليك " الوله - محركة - الحزن، أو ذهاب العقل حزنا، والحيرة والخوف. ولعل المراد هنا التحير في غرائب خلقه سبحانه، أو لشدة حبهم له تعالى، أو للخوف منه جل وعلا، والأوسط لعله أظهر.

وإسرافيل هو ملك موكل بنفخ الصور، والصور هو قرنه الذي ينفخ فيه كما قال سبحانه " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله

ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " وقال تعالى " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون " وقد مر تفصيله في كتاب المعاد.

" الشاخص الذي ينتظر منك الاذن " أي شخص ببصره، لا يطرف من يوم خلقته انتظارا لما سوف يؤمر به بعد انقضاء أمر الدنيا، والمرتفع الماد عنقه لذلك أو الرفيع الشأن والأول أظهر. قال الفيروزآبادي: شخص - كمنع - شخوصا:

ارتفع، وبصره: فتح عينيه وجعل لا يطرف، وبصره: رفعه. والاذن في النفخ والامر أيضا فيه، أو المراد أمر القيامة " فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور " في القاموس: الصرع: الطرح على الأرض، وكأمير: المصروع، والجمع صرعى (انتهى) والصريع يطلق على الميت، وعلى المقتول، لأنهما يطرحان على الأرض وفي القاموس: الرهن : ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، وكل ما احتسب به شئ فرهينة، وراهن الميت القبر ضمنه إياه والرهينة كسفينة واحد الرهائن.

أقول: يمكن أن يكون المراد برهائن القبور مودعاتها أي الذين أقاموهم فيها إلى يوم البعث، أو من ارتهن بعمله في القبر كما قال تعالى: " كل نفس بما كسبت رهينة " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم. ومثله في الاخبار كثير، فيكون من قبيل الإضافة إلى الظرف لا إلى المفعول كقولهم " يا سارق الليلة أهل الدار " وكما قيل في " مالك يوم الدين " أي مالك الأشياء يوم الدين. ثم اعلم أن أكثر نسخ الصحيفة متفقة على نصب " الرهائن " فهو إما بدل عن " صرعى " أو حال أو بيان أو صفة، لان الإضافة لفظية. وفي رواية " ابن أشناس " بالجر بالإضافة، والأول أصوب، ثم إنه عليه السلام اقتصر على ذكر النفخة الثانية لأنه أشد وأفظع لاتصالها بالقيامة واحتمال كون الكلام مشتملا عليهما بأن يكون في الاذن والامر إشارة إلى الأولى

وقوله " فينبه " إلى الثانية في غاية البعد.

وميكائيل هو من عظماء الملائكة، وروي أنه رئيس الملائكة الموكلين بأرزاق الخلق كملائكة السحب والرعود والبروق والرياح والأمطار وغير ذلك وفي اسمه لغات قال الزمخشري: قرئ " ميكال " بوزن قنطار، و " ميكائيل " بوزن " ميكاعيل " [و " ميكئيل " كميكعيل و " ميكائل " كميكاعل] و " ميكئل " كميكعل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالعجمي خلطت فيه (انتهى) والجاه: القدر والمنزلة " والمكان الرفيع من طاعتك " لعل المراد بالمكان المكانة والمنزلة، وبالرفعة العلو المعنوي و " من " ابتدائية أي رفعة مكانه بسبب إطاعتك، أو تبعيضية أي له من درجات طاعتك منزلة رفيعة.

وجبرئيل من أعاظم الملائكة، وفي سائر روايات الصحيفة " جبرئيل " بالكسر أو بالفتح، وفيه أيضا لغات، قال الزمخشري: قرئ " جبرئيل " بوزن فقشليل، و " جبرئل " بحذف الياء، و " جبريل " بحذف الهمزة و " جبريل " بوزن قنديل و " جبرال " باللام المشددة، و " جبرائيل " بوزن جبراعيل، و " جبرائل " بوزن جبراعل (انتهى) وقيل: معناه عبد الله، وقيل: صفوة عبد الله، وقيل : صفوة الله وهو عليه السلام حامل الوحي، إما على جميع الأنبياء، أو إلى أولي العزم منهم، أو إلى بعض من غير أولي العزم أيضا. " والمطاع في أهل سماواتك " أي هم جميعا يطيعونه بأمر الله، والفقرتان إشارتان إلى قوله تعالى " مطاع ثم أمين ".

" المكين لديك " المكين " ذو المكانة والمنزلة، و " لدى " ظرف مكان بمعنى " عند " كلدن، إلا أنهما أقرب مكانا من " عند " وأخص منه فإن عند يقع على مكان وغيره، تقول " لي عند فلان مال " أي في ذمته، ولا يقال ذلك فيهما.

" والروح الذي هو على ملائكة الحجب " قد مر ذكر الحجب، ويدل على أن الروح رئيس الملائكة الموكلين بالحجب والساكنين فيها، والظاهر أنه شخص واحد موكل بالجميع، ويحتمل أن يكون اسم جنس، بأن يكون لملائكة كل حجاب

رئيس يطلق عليه الروح.

" والروح الذي هو من أمرك " إشارة إلى قوله تعالى " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " وظاهر هذه الفقرة أن الروح من جنس الملائكة أو شبيه بهم ذكر بينهم تغليبا لا الروح الانساني. واختلف المفسرون فيه كما سيأتي في باب النفس والروح، فقيل: إنه روح الانسان، وقيل: إنه جبرئيل، و ظاهر الدعاء المغايرة. وقيل: إنه ملك من عظماء الملائكة وهو الذي قال تعالى " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن له سبعين ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها، يخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة، ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء أن يبلع السماوات والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل. والجواب حينئذ أنه من غرايب خلقه تعالى وقيل: خلق عظيم ليس من الملائكة وهو أعظم قدرا منها وهذا أظهر من سائر الأخبار كما رواه الكليني وعلي بن إبراهيم والصفار وغيرهم بالأسانيد الصحيحة عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مع الأئمة عليهم السلام وهو من الملكوت. وروى الكليني بإسناده أنه أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: جبرئيل من الملائكة، والروح غير جبرئيل، فكرر ذلك على الرجل، فقال له: لقد قلت عظيما من القول! ما يزعم أحد أن الروح غير جبرئيل. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله

عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله " ينزل الملائكة بالروح " والروح غير الملائكة. و قد مرت الأخبار في ذلك. فذكره عليه السلام الروح في دعاء الملائكة إما تغليبا كما عرفت، أو بزعم المخالفين تقية " وعلى الملائكة الذين من دونهم " أي بحسب المكان الظاهري، لأن السابقين كانوا حملة العرش والكرسي والساكنين فيهما، وفي الحجب وتلك فوق السماوات السبع، أو بحسب المنزلة والرتبة، أو بحسبهما معا.

" وأهل الأمانة على رسالاتك " يدل على عدم انحصار التبليغ في جبرئيل عليه السلام فيمكن أن يكون نزولهم على غير أولي العزم أو إليهم أيضا نادرا كما يدل عليه بعض الأخبار، أو المراد بهم الوسائط بينه تعالى وبين جبرئيل، كالقلم واللوح وإسرافيل وغيرهم كما مر، وفي بعض الأخبار القدسية عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم عن الله عز وجل. أو المراد بهم الرسل إلى ملائكة السحاب والمطر والعذاب و الرحمة وغيرهم من الملائكة الموكلين بأمور العباد، والملائكة الحافظين للوحين الذين أثبت فيهما جميع الكتب السماوية، أو الذين ينزلون على الأنبياء والأوصياء في ليلة القدر.

" والذين لا تدخلهم سأمة من دؤوب ولا إعياء من لغوب ولا فتور " السأمة الملالة والتضجر، والدؤوب التعب: والاعياء والعجز واللغوب أيضا الاعياء، ومنه قوله " وما مسنا من لغوب " ويمكن الفرق باختلاف مراتب التعجب والعجز، وهذه الفقرة إما تعميم بعد التخصيص، فإن هذا وما سيأتي حال جميع الملائكة، فتشمل ملائكة الأرض أيضا، بل ملائكة الحجب والعرش والكرسي، أو تخصيص بعد التعميم لذكر بعض الصفات الظاهرة الاختصاص بالبعض فيما بعد، ولا ينافي عموم هذه الصفات، لأنها كمال لهم أيضا، ومجموع الصفات مختصة بهم، أو يكون العطف

للتفسير لبيان بعض الصفات الاخر الثابتة لهم، ولذكر ما يستحقون به الصلاة من الفضائل.

" ولا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات " أي ليست لهم شهوة حتى تشغلهم " ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات " إضافة السهو إلى الغفلات من قبيل إضافة المسبب إلى السبب. أو الجزء إلى الكل، أو بيانية أي لا يمنعهم عن ذكره عظمتك أو العبادات المستلزمة لتعظيمك السهو الحاصل من الغفلات، أو السهو الذي هو من جملة الغفلات أو هو عينها " الخشع الابصار فلا يرومون النظر إليك " [في النسخ المشهورة " فلا يرومون النظر إليك "] والخشوع الخضوع، وخشوع العين: التذلل بها وعدم رفعها عن الأرض أو غمضها، والروم: الطلب ولعل المراد أنهم ينظرون إلى جهة أقدامهم حياء أو خوفا، أو إلى الجهة التي جعلها الله قبلتهم، ولا يرفعون أبصارهم إلى جهة العرش ويحتمل أن يكون المراد النظر القلبي أي لا يتفكرون في كنه ذاتك وصفاتك، و مالا يصل إليه عقولهم من معارفك " النواكس الأعناق الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك " في أكثر الروايات " النواكس الأذقان " وعلى التقديرين هو أن يطأطئ رأسه وهو أزيد تذللا من الخشوع، والمراد بما لديه الدرجات العالية المرتفعة، ويحتمل أن يكون لهم بعض اللذات غير الطعام والشراب. والظاهر أن الوصفين لطائفة مخصوصة من الملائكة كما مر في خبر المعراج، ويحتمل التعميم.

" المستهترون " بصيغة المفعول قال الجوهري: فلان مستهتر بالشراب أي مولع به لا يبالي ما قيل فيه. والآلاء: النعم واحدها " إلى " بالفتح وقد يكسر مثل معي وأمعاء، أي هم ملتذذون حريصون في ذكر نعمائك الظاهرة والباطنة عليهم وعلى غيرهم " والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك " التواضع: التذلل، و " دون " معناه أدنى مكان من الشئ، ثم استعمل بمعنى قدام الشئ وعنده وبين يديه مستعارا من معناه الحقيقي وهو ظرف لغو متعلق بمتواضعون، والجلال والكبرياء: العظمة والعطف والإضافة للتأكيد والمبالغة، ويمكن أن يخص العظمة بالذات والكبرياء بالصفات " والذين يقولون إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك " قال

الجوهري: الزفير اغتراق النفس للشدة، والزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره. وقال الفيروزآبادي: زفر يزفر زفرا وزفيرا: أخرج نفسه بعد مده إياه، و النار سمع لتوقدها صوت (انتهى) أي إذا سمعوا زفير جهنم على العاصين خافوا من أن يكونوا مقصرين في العبادة، فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، أي تنزهك تنزيها عن كون عباداتنا لائقة بجنابك. فإنهم لما رأوا شدة عقوباته تعالى نظروا إلى أنفسهم وأعمالهم وإلى عظمته وجلاله فوجدوا أعمالهم قاصرة عما يستحقه سبحانه ففزعوا إليه واعترفوا بالتقصير، ولجؤوا إلى رحمته وعفوه وكرمه، أو أنه لما طرأ عليهم الخوف عند سماع صوت العذاب وكان ذلك مظنة أن يكون خوفهم من أن يعاقبهم ظلما من غير استحقاق لعصمتهم نزهوه تعالى عن أن يكون الخوف منه عن تلك الجهة، وعللوا الخوف بالتقصير فيما يستحقه من العبادة.

وقال الوالد - رحمه الله -: يمكن أن يكون قولهم ذلك للتعجب من مخالفتهم حتى استحقوا العذاب، أو من الصوت المهول على خلاف العادة، فهذا توبة لهم من المكروه. ويمكن أن يكون ذلك على سبيل الشفاعة لهم بأن ضموا أنفسهم مع العاصين، فكأنهم يقولون: نحن وهم مقصرون في عبادتك فارحمنا وإياهم.

" فصل عليهم " يمكن أن يكون خبرا أو كالخبر لقوله عليه السلام " والذين لا تدخلهم " مع ما عطف عليه، وأن يكون الموصول في محل الجر عطفا على " سكان سماواتك " ويكون قوله " فصل " تأكيدا للسابق وتمهيدا لأن يعطف عليهم غيرهم وعلى هذا يكون قوله " الخشع " و " المستهترون " مرفوعين على المدح.

" وعلى الروحانيين من ملائكتك " قال في النهاية: الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها، كأنه نسب إلى الروح والروح، وهو نسيم الريح، و الألف والنون من زيادات النسب. ويريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر (انتهى) وما قيل من أنهم الجواهر المجردة العقلية والنفسية فهو رجم بالغيب وإنما المعلوم أنهم نوع من الملائكة. " وأهل الزلفة عندك " قال الجوهري:

الزلفة والزلفى القرب والمنزلة (انتهى) وهو إما صفة أخرى للروحانيين، أو

طائفة أخرى غيرهم. " وحملة الغيب إلى رسلك والمؤتمنين على وحيك " في أكثر النسخ " وحمال الغيب ": والحمال جمع الحامل، والغيب يطلق على الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بديهة العقل، وهو قسمان: القسم الأول لا دليل عليه وهو المعني بقوله " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله كذا ذكره البيضاوي. والمراد هنا إما الأعم أو الأول، " والمؤتمنين " إما تأكيد أو عطف تفسير لسابقه، أو المراد بهم طائفة أخرى شأنهم تبليغ الأحكام والشرائع فقط، أو مع الثاني إن حملنا الأولى على الأول، والظاهر أن هاتين الفقرتين مؤكدتان لما سبق من قوله " وأهل الأمانة على رسالتك " ويمكن تخصيص ما سبق ببعض المعاني التي ذكرناها هنا وهاتان بالبعض الآخر، إذ يمكن أن يكون لحمل الغيب طائفة مخصوصة كملائكة ليلة القدر وغيرهم، والأول أظهر، وتكرير المطلب الواحد بعبارات مختلفة في مقام الدعاء والخطب والمواعظ مما يؤكد البلاغة.

" وقبائل الملائكة الذين اختصصتهم لنفسك " القبائل جمع القبيلة وهي الشعوب المختلفة، والكلام في التأكيد والتأسيس كما مر، والمراد بالاختصاص به تعالى أنهم مشغولون بعبادته بخلاف ما سيأتي ممن له شغل في النزول والعروج وسائر الأمور، وإن كان هذه الأمور أيضا عبادة لهم، أو أنه سبحانه يطلعهم على أسرار لم يطلع عليها غيرهم من الملائكة.

" وأغنيتهم عن الطعام والشراب بتقديسك " أي خلقتهم خلقة لا يحتاجون في بقائهم إلى الغذاء، وكما أنا نتقوى بالغذاء فهم يتقوون بتسبيحه وتقديسه وعبادته.

" وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك " الاطباق جمع طبق، يقال: السماوات أطباق وطباق، أي بعضها فوق بعض. قال الراغب: المطابقة هو أن يجعل الشئ

فوق آخر بقدره، ومنه: طابقت النعل، ثم يستعمل الطباق في الشئ الذي يكون فوق الآخر تارة وفي ما يوافق غيره تارة كسائر الأشياء الموضوعة لمعنيين ثم يستعمل في أحدهما دون الآخر كالكأس والراوية ونحوهما، قال الله تعالى " سبع سماوات طباقا " أي بعضها فوق بعض (انتهى) ويدل على الفرجة بين السماوات، وكونها مساكن الملائكة كما مر.

" والذين هم على أرجائها إذا نزل الامر بتمام وعدك " إشارة إلى قوله سبحانه " وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية " قال الطبرسي - رحمه الله - " على أرجائها " معناه على أطرافها و نواحيها والملك اسم يقع على الواحد والجمع، والسماء مكان الملائكة، فإذا وهت صارت في نواحيها. وقيل: إن الملائكة على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار من السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والتكرمة فيها (انتهى) وقيل: إنه تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها، ولفظة " إذا " ظرفية للمستقبل، والباء صلة للامر، و يحتمل السببية. وتمام الوعد تمام مدة الدنيا وانقضاؤه وحلول القيامة، أو المراد إتمام ما وعده الله من الثواب والعقاب للمطيعين والعاصين، وكلمة " هم " ليست في الروايات المشهورة.

" وخزان المطر " أي الملائكة الموكلين بالبحر الذي ينزل منه المطر كما يظهر من بعض الأخبار، أو الموكلين بتقديرات الأمطار، أو الذين يهيجون السحاب

بأمره تعالى، ولو كان من بخارات الأرض والبحار كما هو المشهور، فيكون قوله " وزواجر السحاب " عطف تفسير له، أي سائقتها من " زجر البعير " إذا ساق، و به فسر قوله تعالى " والزاجرات زجرا " كما مر، والسحاب: جمع السحابة، و هي الغيم. " والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود " قال في النهاية: في حديث الملائكة " لهم زجل بالتسبيح " أي صوت رفيع عال. وفي القاموس: الرعد صوت السحاب، أو اسم ملك يسوقه كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (انتهى) والرعد هنا يحتمل الوجهين، وإن كان كونه اسما للملك أظهر، وسيأتي تحقيق الرعد و البرق والسحاب في الأبواب الآتية. وصيغة الجمع هنا تدل على أن الرعد اسم لنوع هذا الملك إن كان اسما له، وإضافة الزجل إلى الرعود بيانية إن أريد به الصوت، ولامية إن أريد به الملك.

" وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق " أقول: النسخ مختلفة في هذه الفقرة اختلافا فاحشا، ففي بعضها " سبحت بتشديد " الباء ، وفي بعضها بتخفيفها، و " حفيفة " في بعضها بالحاء المهملة والفائين، وفي بعضها بالخاء المعجمة ثم الفاء ثم القاف وفي بعضها بالمهملة ثم الفاء ثم القاف. والسبح الجري والعوم. والخفيف أنسب، وعلى التشديد يحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى " هو الذي يسبح الرعد بحمده " قال الفيروزآبادي: سبح بالنهر وفيه كمنع سبحا وسباحة بالكسر عام، وأسبحه عومه. وسبحان الله تنزيها له عن الصاحبة والولد، ونصبه على المصدر، أي أبرئ الله من السوء براءة. أو معناه السرعة إليه والخفة في طاعته. وقال: حف الفرس حفيفا سمع عند ركضه صوت، وكذلك الطائر والشجرة إذا صوتت. وقال:

الخفق صوت النعل، وخفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا - محركة -:

اضطربت وتحركت، وخفق فلان: حرك رأسه إذا نعس، والطائر: طار، و الخفقان - محركة -: اضطراب القلب. وأخفق الطائر: ضرب بجناحيه. وفي النهاية: خفق النعال صوتها. وأما المهملة ثم الفاء ثم القاف كما كان في نسخة ابن إدريس - رحمه الله - بخطه فلم أجد له معنى فيما عندنا من كتب اللغة، ولعله من

طغيان القلم. وفي الصحاح: لمع البرق لمعا ولمعانا أي أضاء، والتمع مثله.

ولا يخفى أن هذه الفقرة من تتمة الكلام السابق، وليس وصف الملك الآخر، و ضمير " به " إما راجع إلى الملك، أو إلى زجره، أو إلى الزجل والباء للمصاحبة أو للسببية، وإضافة الخفيفة إلى السحاب على التقادير من إضافة الصفة إلى الموصوف والتأنيث باعتبار جمعية السحاب، وإذا حمل على المصدر فإسناد السبح إليه مجازي أو هو مؤول بذات الخفيفة. وعلى المعجمة والفائين أي السحاب الخفيفة سريعة السير، والحاصل على التقادير: إذا زجرت بسبب الملك أو زجره، أو صوته السحاب ذات الصوت أو الاضطراب أو السرعة أضاءت الصواعق التي هي من جنس البروق وأشدها، فالإضافة من قبيل " خاتم حديد " وربما يقال هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي البروق المهلكة. قال الجزري: الصاعقة: الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب، والمحراق الذي بيد الملك سائق السحاب، ولا يأتي على شئ إلا أحرقه، أو نار تسقط من السماء. وصعقتهم السماء كمنع صاعقة مصدرا كالراعية أصابتهم بها (انتهى) وفي رواية ابن شاذان: وإذا ساق به متراكم السحاب التمعت صواعق البروق.

" ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل " أي إذا نزل المطر إلى الأرض لا عند نزوله إلى السحاب، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى كل من الثلج والبرد والمطر لكنه بعيد وقال الوالد: الظاهر أنه عليه السلام أراد بقوله " إذا نزل " العموم، أي كلما نزل، ليفيد فائدة يعتد بها، وتغيير العبارة في التشييع والهبوط إما لمحض التفنن، أو لان الغالب في الثلج والبرد في أكثر البلاد أنهما للضرر، فلم ينسب الضرر إليهم صريحا بخلاف المطر.

وأقول: يمكن على ما سيأتي في الخبر أن البرد ينزل من السماء إلى السحاب فتذيبه حتى تصير مطرا، أن يكون إشارة إلى ذلك، فإن الثلج والبرد يشايعونهما

من أول الأمر بخلاف المطر، فإنهم يهبطون معه بعد الذوبان، أو يقال: النكتة إسناد الخير إلى الله والضرر إليهم، لان في التشييع نوع معاونة بخلاف الهبوط.

أقول: قد مر وسيأتي الاخبار في تفاصيل تلك الأمور.

" والقوام على خزائن الرياح " القوام جمع قائم ككفار وكافر، أي الحافظين لها في خزائنها المرسلين لها قدر الحاجة بأمره تعالى ويمكن أن يكون كناية عن كون أسبابها بيدهم، وقيل: كل ما ورد في الكتاب الكريم الرياح بلفظ الجمع فهو في الخير كقوله تعالى " ويرسل الرياح مبشرات " وكلما كان بلفظ المفرد فهو للشر كقوله سبحانه " وأرسلنا عليهم الريح العقيم ". وأقول: إذا اطردت القاعدة في تلك العبارة فالنكتة في تخصيص الخير بالذكر ظاهرة، وستأتي الاخبار في أنواع ج 54؟؟؟ وأساميها وصفاتها في الباب المختص بها.

" فلا تزول أي الجبال بسبب حفظ الموكلين لها، أو هم دائما فيها لا يزولون عنها، والأول أظهر. " والذين عرفتهم مثاقيل المياه " المياه جمع الماء، وأصلها " ماه " وقيل " موه " ولهذا يرد إلى أصله في الجمع والتصغير، فيقال " مياه " و " مويه " و " أمواه " وربما قالوا " أمواء " بالهمزة، وماهت الركية كثر ماؤها " وكيل ما تحويه " أي مقدار ما تجمعه وتحيط به " لواعج الأمطار " أي شدائدها ومضراتها " وما تحرق النبات وتخرب الأبنية " كما أفيد " وعوالجها " أي متراكماتها، قال السيد الداماد - رحمه الله -: اللواعج جمع لاعجة أي مشتداتها القوية يقال: لاعجه الامر إذا اشتد عليه، والتعج من لاعج الشوق ولواعجه ارتمض و احترق، وضرب لاعج أي شديد يلعج الجلد أي يحرقه. وكذلك " عوالجها " جمع عالج يعني متلاطماتها ومتراكماتها، وفي الحديث: إن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. يعني أن الدعاء في صعوده يلقى البلاء في نزوله فيعتلجان

قال في الفائق: أي يصطرعان ويتدافعان وفي النهاية في حديث الدعاء: ما تحويه عوالج الرمال. هي جمع عالج وهو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض.

" ورسلك " جمع الرسول " من الملائكة " بيان للرسل أو من للتبعيض، وقيل إن الملك اسم مكان، والميم فيه غير أصلية بل زائدة، فالأصل " ملئك " ولذلك يجمع على الملائك والملائكة، نقلت حركة الهمزة إلى اللام، ثم حذفت لكثرة الاستعمال فقيل ملك، وقال بعضهم: أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة الرسالة فقلبت الهمزة مكانا ثم حذفت في كثرة الاستعمال للتخفيف فقيل ملك، وجمع على الملائكة، وقد يحذف الهاء فيقال ملائك. " إلى أهل الأرض " متعلق برسلك بمكروه ما ينزل " الباء للملابسة أو السببية، أي بالذي ينزل، وهو مكروه للطباع.

" من البلاء " بيان للمكروه والنازل، وإنما سمي المكروه النازل على العباد بلاء لابتلاء الله تعالى العباد وامتحانهم به هل يصبرون أم لا، وإن كان على المجاز " ومحبوب الرخاء " عطف على مكروه، وهو أيضا من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الرخاء المحبوب. وقيل: الإضافة بيانية. والرخاء: النعمة، يقال:

رجل رخي البال، أي واسع الحال، والمراد إما نزولهم لأصل حصول البلاء والرخاء وتسبب أسبابهما، أو للاخبار بهما في ليلة القدر وغيرها " والسفرة الكرام البررة " السفرة: كالكتبة لفظا ومعنى، جمع " سافر " والسفر الكتاب، قال الجوهري:

السفرة: الكتبة قال الله تعالى " بأيدي سفرة " وقد يظن أنه جمع سفير، وهو المصلح بين الناس لكن الغالب في جمع السفير السفراء. والكرام: ضد اللئام وقيل:

الكرام على الله الأعزاء عليه، وقيل : الأسخياء الباذلين الاستغفار للعباد مع تماديهم في العصيان. والبررة: الأتقياء، وقد مر الكلام فيها، والمراد هنا الملائكة الكاتبون للوحي، المؤدون إلى غيرهم، أو الموكلون باللوح المحفوظ. وقيل: هم

الكاتبون لاعمال العباد، وما بعده تأكيد له، ولا يخلو من بعد، إذ التأسيس أولى من التأكيد. وأيضا الظاهر أنه إشارة إلى ما ورد في الآية، وهو في سياق وصف القرآن كما عرفت سابقا. ينفي هذا الدعاء ما مر من الأقوال في الآية سوى القول بأنهم الملائكة.

" والحفظة الكرام الكاتبين " إشارة إلى قوله سبحانه " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون " وقال الطبرسي - رحمه الله -: وإن عليكم لحافظين من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملون من الطاعات والمعاصي، ثم وصف الحفظة فقال: كراما على ربهم كاتبين يكتبون أعمال بني آدم (انتهى) ويدل على تعددهم لكل انسان قوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ويدل كثير من الاخبار على أن ملائكة الليل غير ملائكة النهار، كما ورد في تفسير قوله تعالى " إن قرآن الفجر كان مشهودا " أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، والحكمة في خلقهم وتوكيلهم على العباد مع كونه سبحانه أعلم بهم منهم كثيرة قد مر بعضها في بعض الأخبار.

" وملك الموت وأعوانه " اسم ملك الموت " عزرائيل " ويدل على أن له أعوانا كما دلت عليه الآيات والاخبار، فإنه تعالى قال " الله يتوفى الأنفس حين موتها " وقال سبحانه: " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " وقال جل وعلا: " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " وقال عز وجل " الذين تتوفاهم

الملائكة طيبين " وقال " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " وروى الصدوق في التوحيد أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في جواب الزنديق المدعي للتناقض في القرآن المجيد حيث سأل عن هذه الآيات: إن الله يدبر الأمور كيف يشاء ويوكل من خلقه من يشاء بما يشاء، أما ملك الموت فإن الله عز وجل يوكله بخاصة من يشاء من خلقه، ويوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه [تبارك وتعالى والملائكة الذين سماهم الله عز وجل يوكلهم بخاصة من يشاء من خلقه] والله تعالى يدبر الأمور كيف يشاء. وروى الطبرسي - رحمه الله - هذا الخبر في الاحتجاج: والجواب فيه هكذا: هو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة النقمة يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت وفعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء، ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب على يد من يشاء وإن فعل أمنائه فعله كما قال " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ".

وروى الصدوق في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه قال في ذلك: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الانس يبعثهم في حوائجه، فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت عن الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاهم الله عز وجل عن ملك الموت.

" ومنكر ونكير، ومبشر وبشير " الأخيران لم يكونا في أكثر الروايات، و قد مر في كتاب المعاد أن الأسماء لملكين أو لنوعين من الملائكة يأتيان الميت في في قبره للسؤال عن العقائد، أو عن بعض الاعمال أيضا، فإن كان مؤمنا أتياه في أحسن صورة فيسميان مبشرا وبشيرا، وإن كان كافرا أو مخالفا أتياه في أقبح صورة فيسميان منكرا ونكيرا. ويحتمل مغايرة هذين النوعين للأولين، لكن ظاهر أكثر الاخبار الاتحاد، ويؤيده ترك الآخرين هنا في أكثر الروايات، بل في أكثر الاخبار عبر عنهما بمنكر ونكير للمؤمن وغيره، وقد مضت الاخبار في ذلك.

وتحقيق القول فيه فيمن يسأل وفيما يسأل عنه وكيفية الاحياء والسؤال قد مر في المجلد الثالث فلا نعيدها حذرا من التكرار.

" ورومان فتان القبور " أي ممتحن القبور والمختبر فيها في المسألة، ولم أر ذكر هذا الملك في أخبارنا المعتبرة سوى هذا الدعاء، وهو مذكور في أخبار المخالفين روى مؤلف كتاب زهرة الرياض عن عبد الله بن سلام أنه قال: سألت رسول الله عن أول ملك يدخل في القبر على الميت قبل منكر ونكير، قال صلى الله عليه وآله: يا ابن سلام يدخل على الميت ملك قبل أن يدخل نكير ومنكر يتلألأ وجهه كالشمس اسمه " رومان " فيدخل على الميت، فيدخل روحه ثم يقعده فيقول [له]: اكتب ما عملت من حسنة وسيئة. فيقول: بأن شئ أكتب؟ أين قلمي؟ وأين دواتي؟

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.