بحارالانوار · المجلد الحادي عشر
11 باب أحوال أصحابه وأهل زمانه صلوات الله عليه
ج ۴۷، ص ۳۶۲–۳۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
77 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد، معنعنا عن سفيان قال: قال لي أبو عبد الله جعفر ابن محمد عليه السلام: يا سفيان لا تذهبن بك المذاهب، عليك بالقصد، وعليك أن تتبع الهدى، قلت: يا ابن رسول الله، وما اتباع الهدى؟ قال: كتاب الله، ولزوم هذا الرجل، فقال لي: يا سفيان أنت لا تدري من هو؟ قلت: لا والله ما أدري من هو؟ قال: فقال لي: والله لكنك آثرت الدنيا على الآخرة، ومن آثر الدنيا على الآخرة حشره الله يوم القيامة أعمى، قال: قلت يا ابن رسول الله أخبرني عن هذا الرجل، لعل الله ينفعني به قال: يا سفيان هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، من اتبعه فقد أعطي ما لم يعط أحد ومن لم يتبعه فقد خسر خسرانا مبينا، هو، والله جدنا علي بن أبي طالب عليه السلام، يا سفيان إن أردت العروة الوثقى فعليك بعلي فإنه والله ينجيك من العذاب، يا سفيان لا تتبع هواك فتضل عن سواء السبيل.
78 - رجال الكشي: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم القرشي قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: كان المعلى بن خنيس رحمه الله إذا كان يوم العيد خرج إلى الصحراء شعثا مغبرا في زي ملهوف، فإذا صعد الخطيب المنبر مد يده نحو السماء ثم قال:
اللهم هذا مقام خلفائك وأصفيائك، ومواضع امنائك الذين خصصتهم، ابتزوها و أنت المقدر للأشياء، لا يغالب قضاؤك، ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك، كيف شئت وأنى شئت، علمك في إرادتك كعلمك في خلقك، حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا، وفرائضك محرفة عن جهات شرائعك، وسنين نبيك صلواتك عليه وآله متروكة، اللهم العن أعداءهم من الأولين والآخرين، والغادين والرائحين، والماضين والغابرين، اللهم والعن جبابرة زماننا، وأشياعهم وأتباعهم، وأحزابهم، وأعوانهم، إنك على كل شئ قدير،
79 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الوليد ابن صبيح قال: قال لي شهاب بن عبد ربه اقرأ أبا عبد الله عليه السلام عني السلام وأعلمه أنه يصيبني فزع في منامي قال: فقلت له: إن شهابا يقرئك السلام ويقول لك:
إنه يصيبني فزع في منامي قال: قل له فليزك ماله قال: فأبلغت شهابا ذلك فقال لي: فتبلغه عني؟ فقلت: نعم فقال: قل له: إن الصبيان فضلا عن الرجال ليعلمون أني أزكي مالي، قال: قال: فأبلغته فقال أبو عبد الله عليه السلام: قل له:
إنك تخرجها ولا تضعها في مواضعها.
80 - الكافي: علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عمن ذكره، عن الوليد بن أبي العلا عن معتب قال: دخل محمد بن بشر الوشاء على أبي عبد الله يسائله أن يكلم شهابا أن يخفف عنه، حتى ينقضي الموسم، وكان له عليه ألف دينار، فأرسل إليه فأتاه فقال له: قد عرفت حال محمد وانقطاعه إلينا، وقد ذكر أن لك عليه ألف دينار، ولم يذهب في بطن ولا فرج، وإنما ذهبت دينا على الرجال، ووضايع وضعها، وأنا أحب أن تجعله في حل فقال: لعلك ممن يزعم أنه يقتص من حسناته فيعطاها؟ فقال: كذلك في أيدينا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الله أكرم وأعدل من أن يتقرب إليه عبده، فيقوم في الليلة القرة أو يصوم في اليوم الحار أو يطوف بهذا البيت، ثم يسلبه ذلك فيعطاه، ولكن لله فضل كثير يكافي المؤمن فقال: فهو في حل.
81 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، ومحمد ابن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال جميعا، عن أبي جميلة عن خالد بن عمار، عن سدير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وهو داخل وأنا خارج، وأخذ بيدي ثم استقبل البيت، فقال: يا سدير إنما امر الناس أن
يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيعلمونا ولا يتهم لنا، وهو قول الله " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " - ثم أومأ بيده إلى صدره - إلى ولايتنا، ثم قال: يا سدير أفأريك الصادين عن دين الله؟ ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان، وهم حلق في المسجد فقال:
هؤلاء الصادون عن دين الله، بلا هدى من الله، ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى، و عن رسوله صلى الله عليه وآله، حتى يأتونا، فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله.
82 - الكافي: محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن الحكم ابن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد عليه السلام قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الخيف، قال:
دعني حتى أذهب في حاجتي، فإني قد ركبت، فإذا جئت حدثتك فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله لما حدثتني قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته، فدعا به.
ثم قال: اكتب بسم الله الرحمان الرحيم خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الخيف: نصر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه، يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حالم فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فان دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم، فكتبه ثم عرضه عليه، وركب أبو عبد الله عليه السلام وجئت أنا وسفيان فلما كنا في بعض الطريق فقال
لي: كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث فقلت له: قد والله ألزم أبو عبد الله عليه السلام رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال: وأي شئ ذلك؟ فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله، قد عرفناه، والنصيحة لائمة المسلمين من هؤلاء الأئمة الذين تجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم؟!! وكل من لا تجوز شهادته عندنا ولا تجوز الصلاة خلفهم!!؟.
وقوله: واللزوم لجماعتهم، فأي الجماعة؟ مرجئ يقول: من لم يصل، و لم يصم ولم يغتسل من جنابة، وهدم الكعبة، ونكح أمه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل!!؟ أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عز وجل، ويكون ما شاءه إبليس؟
أو حروري يبرأ من علي بن أبي طالب، وشهد عليه بالكفر؟ أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده ليس الايمان شئ غيرها!!؟ قال: ويحك وأي شئ يقولون؟
فقلت: يقولون: إن علي بن أبي طالب والله الامام الذي يجب علينا نصيحته، ولزوم جماعة أهل بيته، قال: فأخذ الكتاب فخرقه ثم قال: لا تخبر بها أحدا.
83 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب عن عبد العزيز بن نافع قال طلبنا الاذن على أبي عبد الله عليه السلام، وأرسلنا إليه فأرسل إلينا ادخلوا اثنين اثنين، فدخلت أنا ورجل معي فقلت للرجل: أحب أن تسأل المسألة فقال: نعم فقال له: جعلت فداك إن أبي كان ممن سباه بنو أمية، وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم أن يحرموا، ولا يحللوا، ولم يكن لهم مما في أيديهم قليل ولا كثير، وإنما ذلك لكم، فإذا ذكرت الذي كنت فيه، دخلني من ذلك ما يكاد يفسد علي عقلي ما أنا فيه، فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك، وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك، قال فقمنا، وخرجنا، فسبقنا معتب إلى النفر القعود الذين ينتظرون إذن أبي عبد الله عليه السلام فقال لهم: قد ظفر
عبد العزيز بن نافع بشئ ما ظفر بمثله أحد قط، قيل له: وما ذاك؟ ففسره لهم فقام اثنان فدخلا على أبي عبد الله عليه السلام فقال أحدهما: جعلت فداك إن أبي كان من سبايا بني أمية، وقد علمت أن بني أمية لم يكن لهم من ذلك قليل ولا كثير وأنا أحب أن تجعلني من ذلك في حل فقال: ما ذلك إلينا، ما لنا أن نحل ولا أن نحرم فخرج الرجلان وغضب أبو عبد الله عليه السلام، فلم يدخل عليه أحد في تلك الليلة إلا بدأه أبو عبد الله عليه السلام، فقال: ألا تعجبون من فلان يجيئني فيستحلني مما صنعت بنو أمية كأنه يرى أن ذلك لنا، ولم ينتفع أحد في تلك الليلة بقليل ولا كثير إلا الأولين، فإنهما غنيا بحاجتهما.
84 - التهذيب: أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن صباح الحذاء عن أبي الطيار قال: قلت لأبي عبد الله، إنه كان في يدي شئ فتفرق وضقت به ضيقا شديدا فقال لي: ألك حانوت في السوق؟ فقلت: نعم، وقد تركته فقال: إذا رجعت إلى الكوفة فاقعد في حانوتك، واكنسه، وإذا أردت أن تخرج إلى سوقك فصل ركعتين أو أربع ركعات، ثم قل في دبر صلاتك " توجهت بلا حول مني ولا قوة ولكن بحولك يا رب وقوتك، وأبرء من الحول والقوة إلا بك، فأنت حولي ومنك قوتي اللهم فارزقني من فضلك الواسع رزقا كثيرا طيبا وأنا خافض في عافيتك فإنه لا يملكها أحد غيرك " قال: ففعلت ذلك، وكنت أخرج إلى دكاني حتى خفت أن يأخذني الجابي بأجرة دكاني وما عندي شئ قال: فجاء جالب بمتاع فقال لي: تكريني نصف بيتك فأكريته نصف بيتي بكرى البيت كله قال:
وعرض متاعه فأعطي به شيئا لم يبعه فقلت له: هل لك إلى خير تبيعني عدلا من متاعك هذا أبيعه، وآخذ فضله، وأدفع إليك ثمنه قال: فكيف لي بذلك؟ قال:
قلت له: لك الله علي بذلك قال: فخذ عدلا منها قال: فأخذته ورقمته، وجاء برد شديد، فبعت من يومي، ودفعت إليه الثمن. فأخذت الفضل، فما زلت آخذ عدلا وأبيعه وآخذ فضله، وأرد عليه رأس المال، حتى ركبت الدواب، واشتريت الرقيق، وبنيت الدور.
85 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن رجلا استشارني في الحج، وكان ضعيف الحال فأشرت عليه أن لا يحج فقال: ما أخلقك أن تمرض سنة فمرضت سنة.
86 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن الحسين بن الحسن بن يزيد، عن بدر عن أبيه قال: حدثني سلام أبو علي الخراساني، عن سلام بن سعيد المخزومي قال:
بينا أنا جالس عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه عباد بن كثير عابد أهل البصرة، و ابن شريح فقيه أهل مكة، وعند أبي عبد الله عليه السلام ميمون القداح مولى أبي جعفر عليه السلام فسأله عباد بن كثير فقال: يا أبا عبد الله في كم ثوب كفن رسول الله؟
فقال: في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين وثوب حبرة وكان في البرد قلة فكأنما أزور عباد بن كثير من ذلك فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن نخلة مريم عليها السلام إنما كانت عجوة ونزلت من السماء، فما نبت من أصلها كان عجوة، وما كان
من لقاط فهو لون فلما خرجوا من عنده قال عباد بن كثير لابن شريح:
والله ما أدري ما هذا المثل الذي ضربه لي أبو عبد الله عليه السلام؟ فقال ابن شريح: هذا الغلام يخبرك فإنه منهم - يعني ميمون - فسأله فقال ميمون: أما تعلم ما قال لك؟
قال: لا والله قال: إنه ضرب لك مثل نفسه فأخبرك أنه ولد من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلم رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم، فما جاء من عندهم فهو صواب، وما جاء من عند غيرهم فهو لقاط.
87 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، وابن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت أطوف، وسفيان الثوري قريب مني فقال:
يا أبا عبد الله كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله بالحجر ، إذا انتهى إليه؟ فقلت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستلمه في كل طواف، فريضة ونافلة قال: فتخلف عني قليلا فلما انتهيت إلى الحجر، جزت ومشيت فلم أستلمه، فلحقني فقال: يا أبا عبد الله ألم تخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستلم الحجر في كل طواف، فريضة و نافلة؟ قلت: بلى قال: فقد مررت به فلم تستلم!؟ فقلت: إن الناس كانوا يرون لرسول الله صلى الله عليه وآله ما لا يرون لي، وكان إذا انتهى إلى الحجر أفرجوا له حتى يستلمه، وإني أكره الزحام.
88 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عمن ذكره، عن ابن بكير عن عمر بن يزيد قال: حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة، وكان ميعاد جمالنا، وإبان مقامنا وخروجنا قبل أن تطهر، ولم تقرب المسجد، ولا القبر، ولا المنبر، فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام فقال: مرها فلتغتسل، ولتأت مقام جبرئيل عليه السلام، فان
جبرئيل عليه السلام كان يجئ فيستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان على حال لا ينبغي أن يأذن له، قام في مكانه حتى يخرج إليه، وإن أذن له دخل عليه فقلت: وأين المكان؟ قال حيال الميزاب، الذي إذا خرجت من الباب يقال له باب فاطمة عليها السلام بحذاء القبر، إذا رفعت رأسك بحذاء الميزاب، والميزاب فوق رأسك، والباب من وراء ظهرك، وتجلس في ذلك الموضع، وتجلس معها نساء، ولتدع ربها ولتؤمن على دعائها قال: فقلت: وأي شئ تقول؟ قال: تقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي ليس كمثلك شئ، أن تفعل بي كذا وكذا، قال: فصنعت صاحبتي الذي أمرني، فطهرت ودخلت المسجد، قال: وكانت لنا خادم أيضا فحاضت، فقالت:
يا سيدي ألا أذهب أنا زاده، فأصنع كما صنعت سيدتي؟ فقلت: بلى، فذهبت فصنعت مثل ما صنعت مولاتها، فطهرت ودخلت المسجد.
بيان: قيل زادة اسم الجارية، فيكون بدلا أو عطف بيان لضمير المتكلم ويحتمل أن يكون مهموزا بكسر الهمزة يقال: زاده كمنعه أفرغه، وفي التهذيب زيادة أي زيادة على ما فعلت سيدتي والأظهر أن زاده بمعنى أيضا وهو وإن لم يكن مذكورا في كتب اللغة، لكنه شايع متداول بين العرب الآن حتى أنه قل ما يخلو كلام منهم عنه، يقولون أنا زاد أفعل، أو أنا عاد أفعل أي أنا أيضا أفعل، فالتاء إما للتأنيث، أو زيدت من النساخ، وأما اليوم فلا يلحقون التاء.
89 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن السياري، عن محمد بن جمهور قال: كان النجاشي وهو رجل من الدهاقين عاملا على الأهواز وفارس فقال بعض أهل عمله لأبي عبد الله عليه السلام: إن في ديوان النجاشي علي خراجا، وهو مؤمن يدين بطاعتك، فإن رأيت أن تكتب إليه كتابا؟ قال: فكتب إليه أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمان الرحيم سر أخاك، يسرك الله، قال: فلما ورد الكتاب عليه، دخل عليه وهو في مجلسه، فلما خلا ناوله الكتاب وقال: هذا
كتاب أبي عبد الله عليه السلام، فقبله ووضعه على عينيه، وقال له: ما حاجتك؟ قال:
خراج علي في ديوانك فقال له: وكم هو؟ قال: عشرة آلاف درهم فدعا كاتبه وأمره بأدائها عنه، ثم أخرجه منها، وأمر أن يثبتها له لقابل، ثم قال له: سررتك؟ فقال:
نعم جعلت فداك، ثم أمر بركب وجارية وغلام، وأمر له بتخت ثياب في كل ذلك يقول: هل سررتك؟ فيقول: نعم جعلت فداك، فكلما قال: نعم زاده حتى فرغ، ثم قال له: احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إلي كتاب مولاي الذي ناولتني فيه، وارفع إلي حوائجك قال: ففعل، وخرج الرجل فصار إلى أبي عبد الله عليه السلام بعد ذلك، فحدثه بالحديث على جهته، فجعل يسر بما فعل، فقال الرجل: يا ابن رسول الله كأنه قد سرك ما فعل بي؟ فقال: إي والله، لقد سر الله ورسوله.
90 - الاختصاص: السياري، عن ابن جمهور مثله.
91 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال لي إبراهيم بن ميمون: كنت جالسا عند أبي حنيفة فجاءه رجل فسأله فقال: ما ترى في رجل قد حج حجة الاسلام، أيحج أفضل أم يعتق رقبة؟ قال: لا بل عتق رقبة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كذب والله وأثم، الحجة أفضل من عتق رقبة ورقبة حتى عد عشرا، ثم قال: ويحه في أي رقبة طواف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، وحلق الرأس، ورمي الجمار؟ لو كان كما قال: لعطل الناس الحج، ولو فعلوا كان ينبغي للامام أن يجبرهم على الحج إن شاؤوا وإن أبوا، فإن هذا البيت إنما وضع للحج.
92 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الأعلى
قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنه ليست من احتمال أمرنا التصديق له والقبول، فقط، من احتمال أمرنا ستره، وصيانته من غير أهله، فأقرئهم السلام وقل لهم: رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون، ثم قال: والله ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها فان قبل منكم وإلا فتحملوا عليه بمن يثقل عليه، ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فان هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا إنه يقول ويقول، فان ذلك يحمل علي وعليكم، أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمت كتاب الله، وفيه تبيان كل شئ: بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض، وأمر الأولين، وأمر الآخرين وأمر ما كان وما يكون، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني.
93 - الكافي: محمد بن الحسن، وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن سدير الصيرفي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: والله ما يسعك القعود قال: ولم يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك والله لو كان لأمير المؤمنين ما لك من الشيعة والأنصار والموالي، ما طمع فيه تيم ولا عدي فقال: يا سدير وكم عسى أن تكونوا؟ قلت: مائة ألف قال: مائة ألف؟ قلت: نعم، ومائتي ألف؟ فقال: ومائتي ألف؟ قلت: نعم ونصف الدنيا قال:
فسكت عني ثم قال: يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلت: نعم، فأمر بحمار وبغل أن يسرجا، فبادرت، فركبت الحمار فقال: يا سدير ترى أن تؤثرني بالحمار؟ قلت: البغل أزين وأنبل قال: الحمار أرفق بي، فنزل فركب الحمار
وركبت البغل، فمضينا فحانت الصلاة فقال: يا سدير انزل بنا نصلي، ثم قال:
هذه أرض سبخة لا يجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداءا فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء، ما وسعني القعود، ونزلنا وصلينا، فلما فرغنا من الصلاة عطفت إلى الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر.
94 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار ابن مروان، عن سماعة بن مهران قال: قال لي عبد صالح عليه السلام: يا سماعة أمنوا على فرشهم، وأخافوني، أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله، و لو كان معه غيره لأضافه الله عز وجل إليه حيث يقول: " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين " فصبر بذلك ما شاء الله، ثم إن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة أما والله إن المؤمن لقليل، وإن أهل الكفر كثير، أتدري لم ذاك؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك فقال: صيروا انسا للمؤمنين يبثون إليهم ما في صدورهم، فيستريحون إلى ذلك، ويسكنون إليه.
بيان: قوله عليه السلام: صيروا انسا أي إنما جعل الله تعالى هؤلاء المنافقين في صورة المؤمنين، مختلطين بهم، لئلا يتوحش المؤمنون لقلتهم.
95 - الاختصاص: عدة من مشايخنا، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن أبي نجران، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عثمان قال: أردت الخروج إلى مكة فأتيت ابن أبي يعفور مودعا له، فقلت: لك حاجة؟ قال: نعم تقرئ أبا عبد الله عليه السلام قال: فقدمت المدينة، فدخلت عليه فسألني ثم قال: ما فعل ابن أبي يعفور؟ قلت: صالح جعلت فداك، آخر عهدي به وقد أتيته مودعا له
فسألني أن أقرئك السلام قال: وعليه السلام أقرئه السلام صلى الله عليه، وقل: كن على ما عهدتك عليه.
96 - الاختصاص: جعفر بن الحسين، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن سليمان الفراء، عن عبد الله بن أبي يعفور قال:
كان أصحابنا يدفعون إليه الزكاة يقسمها في أصحابه، فكان يقسمها فيهم وهو يبكي قال سليمان: فأقول له: ما يبكيك؟ قال: فيقول: أخاف أن يروا أنها من قبلي.
97 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن معاوية وهب، عن زكريا بن إبراهيم قال: كنت نصرانيا فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: إني كنت على النصرانية، وإني أسلمت فقال: وأي شئ رأيت في الاسلام؟ قلت: قول الله عز وجل " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء " فقال: لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده ثلاثا، سل عما شئت يا بني فقلت: إن أبي وأمي على النصرانية، وأهل بيتي وأمي مكفوفة البصر، فأكون معهم، وآكل من آنيتهم فقال: يأكلون لحم الخنزير؟
فقلت: لا ولا يمسونه فقال: لا بأس، فانظر أمك فبرها، فإذا ماتت، فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها، ولا تخبرن أحدا أنك أتيتني، حتى تأتيني بمنى إن شاء الله، قال: فأتيته بمنى والناس حوله، كأنه معلم صبيان، هذا يسأله، وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة، ألطفت لأمي، وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها، فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا، وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت، فدخلت في الحنيفية؟ فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرجل هو نبي؟ فقلت: لا ولكنه ابن نبي فقالت: يا بني هذا نبي إن هذه وصايا الأنبياء فقلت يا أم إنه ليس يكون بعد
نبينا نبي ولكنه ابنه فقالت: يا بني دينك خير دين، أعرضه علي فعرضته عليها فدخلت في الاسلام، وعلمتها فصلت الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة ثم عرض بها عارض في الليل فقالت: يا بني أعد علي ما علمتني، فأعدته عليها فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها، وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها.
بيان: أفلي ثوبها أي أنظر فيه لأستخرج قملها.
98 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط قال: اكتريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي.
فلما صرت قرب قنطرة الكوفة أخبرت أن صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل أخبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت مما بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلل منه مما صنعت وأرضيه، فبذلت خمسة عشر درهما، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليما قال: نعم بعد خمسة عشر يوما قال: فما تريد من الرجل؟ قال: أريد كرى بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما فقال: ما أرى لك حقا لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكرى فلما رد البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكرى، قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة [فأعطيته شيئا وتحللت منه
فحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بما أفتى به أبو حنيفة] فقال لي في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها قال: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: فما ترى أنت؟ قال: أرى له عليك مثل كرى بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، ومثل كرى بغل راكبا من النيل إلى بغداد، ومثل كرى بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه.
قال: فقلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ فقال: لا لأنك غاصب فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب، يوم ترده، عليه، قلت: فمن يعرف ذلك؟ قال: أنت وهو، إما أن يحلف هو على القيمة، فيلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا فيلزمك، قلت: إن كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحللني؟ فقال: إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شئ عليك بعد ذلك، قال أبو ولاد:
فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد الله عليه السلام وقلت له: قل ما شئت حتى أعطيكه؟ فقال: قد حببت إلي جعفر بن محمد عليه السلام ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حل، وإن أحببت أن أرد عليك الذي أخذته منك فعلت.
99 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي عمارة الطيار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني قد ذهب مالي وتفرق ما في يدي، و عيالي كثير، فقال له أب وعبد الله عليه السلام: إذا قدمت الكوفة فافتح باب حانوتك وابسط بساطك، وضع ميزانك، وتعرض لرزق ربك، فلما أن قدم الكوفة
فتح باب حانوته، وبسط بساطه، ووضع ميزانه، قال : فتعجب من حوله بأن ليس في بيته قليل ولا كثير من المتاع، ولا عنده شئ قال: فجاءه رجل فقال: اشتر لي ثوبا قال: فاشترى له، وأخذ ثمنه، وصار الثمن إليه، ثم جاءه آخر فقال:
اشتر لي ثوبا قال: فجلب له في السوق، ثم اشترى له ثوبا، فأخذ ثمنه فصار في يده، وكذلك يصنع التجار يأخذ بعضهم من بعض.
ثم جاءه رجل آخر فقال له: يا أبا عمارة إن عندي عدلا من كتان فهل تشتريه وأؤخرك بثمنه سنة؟ فقال: نعم، أحمله وجئ به قال: فحمله إليه فاشتراه منه بتأخير سنة قال: فقام الرجل فذهب، ثم أتاه آت من أهل السوق فقال: يا أبا عمارة ما هذا العدل؟ قال: هذا عدل اشتريته فقال: فتبيعني نصفه و أعجل لك ثمنه؟ قال: نعم فاشتراه منه وأعطاه نصف المتاع فأخذ نصف الثمن قال:
فصار في يده الباقي إلى سنة، قال: فجعل يشتري بثمنه الثوب والثوبين ويعرض ويشتري ويبيع، حتى أثرى، وعرض وجهه، وأصاب معروفا.
100 - الكافي: علي عن أبيه، عن اللؤلؤي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان رجل من أصحابنا بالمدينة فضاق ضيقا شديدا، واشتدت حاله فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اذهب فخذ حانوتا في السوق، وابسط بساطا، وليكن عندك جرة من ماء، والزم باب حانوتك قال: ففعل الرجل فمكث ما شاء الله.
قال: ثم قدمت رفقة من مصر فألقوا متاعهم، كل رجل منهم عند معرفته، وعند صديقه، حتى ملؤا الحوانيت، وبقي رجل لم يصب حانوتا يلقي فيه متاعه فقال له أهل السوق: ههنا رجل ليس به بأس، وليس في حانوته متاع، فلو ألقيت متاعك في حانوته، فذهب إليه فقال له: القي متاعي في حانوتك؟ فقال له: نعم، فألقى متاعه في حانوته، وجعل يبيع متاعه، الأول فالأول، حتى إذا حضر خروج الرفقة بقي عند الرجل شئ يسير من متاعه، فكره المقام عليه، فقال لصاحبنا:
أخلف هذا المتاع عندك تبيعه وتبعث إلي بثمنه؟ قال: فقال: نعم، فخرجت الرفقة
وخرج الرجل معهم، وخلف المتاع عنده، فباعه صاحبنا، وبعث بثمنه إليه قال:
فلما أن تهيأ خروج رفقة مصر من مصر، بعث إليه ببضاعة فباعها، ورد إليه ثمنها، فلما رأى ذلك منه الرجل أقام بمصر، وجعل يبعث إليه بالمتاع ويجهز عليه قال: فأصاب وكثر ماله وأثرى.
101 - كتاب زيد النرسي: قال: لما ظهر أبو الخطاب بالكوفة وادعى في أبي عبد الله عليه السلام ما ادعاه دخلت على أبي عبد الله عليه السلام مع عبيدة بن زرارة فقلت له: جعلت فداك لقد ادعى أبو الخطاب وأصحابه فيك أمرا عظيما، إنه لبى بلبيك جعفر، لبيك معراج.
وزعم أصحابه أن أبا الخطاب أسري به إليك، فلما هبط إلى الأرض دعا إليك، ولذا لبى بك.
قال: فرأيت أبا عبد الله عليه السلام قد أرسل دمعته من حماليق عينيه وهو يقول:
يا رب برئت إليك مما ادعى في الأجدع عبد بني أسد، خشع لك شعري و بشري، عبد لك ابن عبد لك، خاضع ذليل، ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئا، ثم رفع رأسه وهو يقول: أجل أجل عبد خاضع خاشع ذليل لربه صاغر راغم من ربه خائف وجل، لي والله رب أعبده لا أشرك به شيئا، ما له أخزاه الله وأرعبه ولا آمن روعته يوم القيامة، ما كانت تلبية الأنبياء هكذا ولا تلبيتي ولا تلبية الرسل، إنما لبيت بلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، ثم قمنا من عنده فقال:
يا زيد إنما قلت لك هذا لاستقر في قبري يا زيد استر ذلك عن الأعداء.
أقول: وجدت في كتاب مزار لبعض قدماء أصحابنا، وفي كتاب مقتل لبعض
متأخريهم خبرا أحببت إيراده، واللفظ للأول:
قال: حدثنا جماعة عن الشيخ المفيد أبي علي الحسن بن علي الطوسي، وعن الشريف أبي الفضل المنتهى بن أبي زيد بن كيابكي الحسيني، وعن الشيخ الأمين أبي عبد الله محمد بن شهريار الخازن، وعن الشيخ الجليل ابن شهرآشوب، عن المقري عبد الجبار الرازي، وكلهم يروون عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي الطوسي رضي الله عنه قال:
حدثنا الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي بالمشهد المقدس بالغري على صاحبه السلام في شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضايري قال: حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله السلمي قالوا: وحدثنا الشيخ المفيد أبو علي الحسن بن محمد الطوسي والشيخ الأمين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شهريار الخازن قالا: جميعا حدثنا الشيخ أبو منصور محمد بن أحمد بن عبد العزيز العكبري المعدل بها في داره ببغداد سنة سبع وستين وأربعمائة.
قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدثنا محمد بن يزيد بن أبي الأزهر البوشنجي النحوي قال: حدثنا أبو الصباح محمد بن عبد الله بن زيد النهلي قال: أخبرني أبي قال: حدثنا الشريف زيد بن جعفر العلوي قال: حدثنا محمد بن وهبان الهناتي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري قال: حدثنا أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد العلوي قال: حدثنا محمد بن جمهور العمي، عن الهيثم بن عبد الله الناقد عن بشار المكاري قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام بالكوفة وقد قدم له طبق رطب طبرزد وهو يأكل فقال: يا بشار ادن فكل فقلت: هناك الله، وجعلني فداك، قد أخذتني الغيرة من شئ رأيته في طريقي!
أوجع قلبي، وبلغ مني فقال لي: بحقي لما دنوت فأكلت قال: فدنوت فأكلت فقال لي: حديثك قلت: رأيت جلوازا يضرب رأس امرأة، ويسوقها إلى الحبس
وهي تنادي بأعلا صوتها: المستغاث بالله ورسوله، ولا يغيثها أحد قال: ولم فعل بها ذلك؟ قال: سمعت الناس يقولون إنها عثرت فقالت: لعن الله ظالميك يا فاطمة فارتكب منها ما ارتكب.
قال: فقطع الأكل ولم يزل يبكي حتى ابتل منديله، ولحيته، وصدره بالدموع، ثم قال: يا بشار قم بنا إلى مسجد السهلة فندعو الله عز وجل و نسأله خلاص هذه المرأة قال: ووجه بعض الشيعة إلى باب السلطان، وتقدم إليه بأن لا يبرح إلى أن يأتيه رسوله فان حدث بالمرأة حدث صار إلينا حيث كنا قال: فصرنا إلى مسجد السهلة، وصلى كل واحد منا ركعتين، ثم رفع الصادق عليه السلام يده إلى السماء وقال: أنت الله - إلى آخر الدعاء - قال: فخر ساجدا لا أسمع منه إلا النفس ثم رفع رأسه: فقال: قم فقد أطلقت المرأة.
قال: فخرجنا جميعا، فبينما نحن في بعض الطريق إذ لحق بنا الرجل الذي وجهناه إلى باب السلطان فقال له عليه السلام ما الخبر؟ قال: قد أطلق عنها قال:
كيف كان اخراجها قال: لا أدري ولكنني كنت واقفا على باب السلطان، إذ خرج حاجب فدعاها وقال لها: ما الذي تكلمت؟ قالت: عثرت فقلت: لعن الله ظالميك يا فاطمة، ففعل بي ما فعل قال: فأخرج مائتي درهم وقال: خذي هذه واجعلي الأمير في حل، فأبت أن تأخذها، فلما رأى ذلك منها دخل، وأعلم صاحبه بذلك ثم خرج فقال: انصرفي إلى بيتك فذهبت إلى منزلها.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: أبت أن تأخذ المائتي درهم؟ قال: نعم وهي والله محتاجة إليها قال: فأخرج من جيبه صرة فيها سبعة دنانير وقال: اذهب أنت بهذه إلى منزلها فأقرئها مني السلام وادفع إليها هذه الدنانير قال: فذهبنا جميعا فأقرأناها منه السلام فقالت: بالله أقرأني جعفر بن محمد السلام؟ فقلت لها: رحمك الله، والله إن جعفر بن محمد أقرأك السلام، فشقت جيبها ووقعت مغشية عليها قال: فصبرنا حتى أفاقت، وقالت: أعدها علي، فأعدناها عليها حتى فعلت ذلك ثلاثا ثم قلنا لها: خذي! هذا ما أرسل به إليك، وأبشري بذلك، فأخذته منا، وقالت:
سلوه أن يستوهب أمته من الله فما أعرف أحدا توسل به إلى الله أكثر منه ومن آبائه وأجداه عليهم السلام.
قال: فرجعنا إلى أبي عبد الله عليه السلام فجعلنا نحدثه بما كان منها، فجعل يبكي ويدعو لها، ثم قلت: ليت شعري متى أرى فرج آل محمد عليهم السلام؟ قال: يا بشار إذا توفي ولي الله وهو الرابع من ولدي في أشد البقاع بين شرار العباد، فعند ذلك يصل إلى ولد بني فلان مصيبة سواء، فإذا رأيت ذلك التقت حلق البطان ولا مرد لأمر الله.
بيان: المراد ببني فلان بني العباس، وكان ابتداء وهي دولتهم عند وفات أبي الحسن العسكري عليه السلام والبطان للقتب الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير ويقال: التقت حلقتا البطان للامر إذا اشتد.
102 - التمحيص: عن فرات بن أحنف قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من هؤلاء الملاعين فقال: والله لأسوءنه في شيعته فقال: يا أبا عبد الله أقبل إلي فلم يقبل إليه فأعاد، فلم يقبل إليه، ثم أعاد الثالثة فقال: ها أنا ذا مقبل فقل ولن تقول خيرا فقال: إن شيعتك يشربون النبيذ فقال: وما بأس بالنبيذ أخبرني أبي عن جابر بن عبد الله أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يشربون النبيذ فقال: لست أعنيك النبيذ أعنيك المسكر.
فقال: شيعتنا أزكى وأطهر من أن يجري للشيطان في أمعائهم رسيس، وإن فعل ذلك المخذول منهم، فيجد ربا رؤوفا، ونبيا بالاستغفار له عطوفا، ووليا له عند الحوض ولوفا، وتكون وأصحابك ببرهوت عطوفا، قال: فأفحم الرجل وسكت، ثم قال: لست أعنيك المسكر إنما أعنيك الخمر فقال أبو عبد الله عليه السلام سلبك الله لسانك، ما لك تؤذينا في شيعتنا منذ اليوم، أخبرني أبي، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل
عن الله تعالى أنه قال: يا محمد إنني حظرت الفردوس على جميع النبيين حتى تدخلها أنت وعلي وشيعتكما، إلا من اقترف منهم كبيرة، فاني أبلوه في ماله أو بخوف من سلطانه، حتى تلقاه الملائكة بالروح والريحان، وأنا عليه غير غضبان فهل عند أصحابك هؤلاء شئ من هذا؟!.
أقول: روى البرسي في مشارق الأنوار مثله عن أبي الحسن الثاني عليه السلام بيان: الرسيس الشئ الثابت، وابتداء الحب، ويقال: ولف البرق إذا تتابع والولوف البرق المتتابع اللمعان، ولا يبعد أن يكون بالكاف من وكف البيت أي قطر، قوله عطوفا كذا في النسخة التي عندنا، وفي مشارق الأنوار مكوفا من الكوف بمعنى الجمع وهو الصواب.
103 - الاختصاص: من أصحابه عليه السلام عبد الله بن أبي يعفور، أبان بن تغلب، بكير ابن أعين، محمد بن مسلم الثقفي، محمد بن النعمان.
104 - الكافي: العدة، عن سهل، عن العباس بن عامر، عن أبي عبد الرحمان المسعودي، عن حفص بن عمر البجلي قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام حالي، و انتشار أمري علي قال: فقال لي: إذا قدمت الكوفة فبع وسادة من بيتك بعشرة دراهم، وادع إخوانك، وأعد لهم طعاما، وسلهم يدعون الله لك، قال:
ففعلت، وما أمكنني ذلك حتى بعت وسادة، واتخذت طعاما كما أمرني، وسألتهم أن يدعوا الله لي قال: فوالله ما مكثت إلا قليلا حتى أتاني غريم لي فدق الباب علي وصالحني من مال لي كثير، كنت أحسبه نحوا من عشرة آلاف درهم قال:
ثم أقبلت الأشياء علي.
105 - الكافي: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله
ابن حماد، عن علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني أمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت له، فأذن له فلما أن دخل سلم وجلس ثم قال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، وأغمضت في مطالبه.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفئ، ويقاتل عنهم [ويشهد جماعتهم] لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل قال: فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله الجنة فأطرق الفتى طويلا، ثم قال له: قد فعلت جعلت فداك.
قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض إلا خرج منه، حتى ثيابه التي على بدنه، قال: فقسمت له قسمة، واشترينا له ثيابا، وبعثنا إليه بنفقة قال: فما أتى عليه إلا أشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده قال: فدخلت عليه يوما وهو في السوق قال: ففتح عينيه ثم قال: يا علي وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات، فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فلما نظر إلي قال: يا علي وفينا والله لصاحبك قال: فقلت له:
صدقت جعلت فداك، هكذا والله قال لي عند موته.
106 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن داود بن زربي، قال:
أخبرني مولى لعلي بن الحسين عليه السلام قال: كنت بالكوفة، فقدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة، فأتيته فقلت: جعلت فداك لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات؟ فقال: ما كنت لأفعل قال: فانصرفت إلى منزلي، فتفكرت
فقلت: ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور، والله لآتينه ولأعطينه الطلاق والعتاق والايمان المغلظة أن لا أظلم أحدا ولا أجور، ولأعدلن قال: فأتيته فقلت:
جعلت فداك إني فكرت في إبائك علي فظننت أنك إنما كرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم، وإن كل امرأة لي طالق، وكل مملوك، لي حر، وعلي وعلي إن ظلمت أحدا، أو جرت عليه، وإن لم أعدل، قال: كيف قلت؟ قال: فأعدت عليه الايمان، فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك.
107 - الكافي: الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن كثير بن يونس عن عبد الرحمان بن سيابة قال: لما أن هلك أبي سيابة جاء رجل من إخوانه إلي فضرب الباب علي فخرجت إليه فعزاني وقال لي: هل ترك أبوك شيئا؟
فقلت له: لا، فدفع إلي كيسا فيه ألف درهم وقال لي: أحسن حفظها وكل فضلها فدخلت إلى أمي وأنا فرح فأخبرتها، فلما كان بالعشي أتيت صديقا كان لأبي فاشترى لي بضايع سابريا وجلست في حانوت، فرزق الله عز وجل فيها خيرا وحضر الحج فوقع في قلبي، فجئت إلى أمي فقلت لها: إنه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكة فقالت لي: فرد دراهم فلان عليه، فهيأتها وجئت لها إليه، فدفعتها إليه، فكأني وهبتها له، فقال: لعلك استقللتها؟ فأزيدك؟ قلت: لا ولكن وقع في قلبي الحج، وأحببت أن يكون شيئا عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي، ثم رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبد الله عليه السلام، وكان يأذن إذنا عاما فجلست في مواخير الناس، وكنت حدثا فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم.
فلما خف الناس عنه أشار إلي فدنوت إليه فقال لي: ألك حاجة؟ فقلت له:
جعلت فداك أنا عبد الرحمان بن سيابة فقال: ما فعل أبوك؟ فقلت: هلك قال:
فتوجع وترحم قال: ثم قال لي: أفترك شيئا؟ قلت: لا قال: فمن أين حججت
قال: فابتدأت فحدثته بقصة الرجل قال: فما تركني أفرغ منها حتى قال لي:
فما فعلت الألف؟ قال: قلت: رددتها على صاحبها قال: فقال لي: قد أحسنت وقال لي: ألا أوصيك؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: عليك بصدق الحديث، وأداء الأمانة، تشرك الناس في أموالهم، هكذا، وجمع بين أصابعه قال: فحفظت ذلك عنه، فزكيت ثلاثمائة ألف درهم.
108 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة، عن سعيد ابن عمرو الجعفي قال: خرجت إلى مكة وأنا من أشد الناس حالا، فشكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام فلما خرجت من عنده وجدت على بابه كيسا فيه سبع مائة دينار فرجعت إليه من فوري ذلك فأخبرته فقال: يا سعيد اتق الله وعرفه في المشاهد وكنت رجوت أن يرخص لي فيه، فخرجت وأنا مغتم فأتيت منى فتنحيت عن الناس وتقصيت حتى أتيت الماروقة. فنزلت في بيت متنحيا من الناس ثم قلت: من يعرف الكيس قال: فأول صوت صوته إذا رجل على رأسي يقول: أنا صاحب الكيس قال: فقلت في نفسي: أنت فلا كنت، قلت: ما علامة الكيس؟ فأخبرني بعلامته فدفعته إليه قال: فتنحى ناحية فعدها فإذا الدنانير على حالها، ثم عد منها سبعين دينارا فقال: خذها حلالا خير من سبعمائة حراما فأخذتها ثم دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته كيف تنحيت، وكيف صنعت، فقال: أما إنك حين شكوت إلي أمرنا لك بثلاثين دينارا، يا جارية هاتها، فأخذتها وأنا من أحسن قومي
حالا.
109 - الكافي: الحسين، عن أحمد بن هلال، عن زرعة، عن سماعة قال:
تعرض رجل من ولد عمر بن بن الخطاب بجارية رجل عقيلي فقالت له: إن هذا العمري قد آذاني فقال لها: عديه، وأدخليه الدهليز، فأدخلته فشد عليه فقتله وألقاه في الطريق، فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصاحبنا كفو، لن نقتل به إلا جعفر بن محمد، وما قتل صاحبنا غيره، وكان أبو عبد الله عليه السلام قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه فقال: دعهم قال: فلما جاء ورأوه وثبوا عليه، وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك، وما نقتل به أحدا غيرك.
فقال: لتكلمني منكم جماعة، فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم، فأدخلهم المسجد، فخرجوا وهم يقولون شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد، معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا، ولا يأمر به انصرفوا.
قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخط!؟ قال:
نعم دعوتهم فقلت: أمسكوا وإلا أخرجت الصحيفة فقلت: وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟ فقال: أم الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب فسطر بها نفيل فأحبلها فطلبه الزبير، فخرج هاربا إلى الطائف، فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف فقالوا: يا أبا عبد الله ما تعمل ههنا؟ قال: جاريتي سطر بها نفيلكم، فخرج منه إلى الشام، وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام، فدخل على ملك الدومة فقال له: يا أبا عبد الله لي إليك حاجة قال: وما حاجتك أيها الملك؟ فقال: رجل
من أهلك قد أخذت ولده، فأحب أن ترده عليه قال: ليظهر لي حتى أعرفه، فلما أن كان من الغد دخل إلى الملك، فلما رآه الملك ضحك فقال: ما يضحكك أيها الملك قال: ما أظن هذا الرجل ولدته عربية، لما رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط فقال: أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل ببطون قريش كلها أن يدفع إليه ابنه فأبى ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال:
ما بيني وبينه عمل أما علمتم ما فعل في ابني فلان، ولكن امضوا أنتم إليه فقصدوه وكلموه، فقال لهم الزبير: إن الشيطان له دولة، وإن ابن هذا ابن الشيطان ولست آمن أن يترأس علينا، ولكن أدخلوه من باب المسجد علي على أن أحمي له حديدة، وأخط في وجهه خطوطا، وأكتب عليه وعلى ابنه، أن لا يتصدر في مجلس ولا يتأمر على أولادنا ولا يضرب معنا بسهم، قال: ففعلوا وخط وجهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب، وذلك الكتاب عندنا، فقلت لهم: إن أمسكتم وإلا أخرجت الكتاب، ففيه فضيحتكم فأمسكوا.
وتوفي مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يخلف وارثا، فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله عليه السلام وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة، فجلس لهم فقال داود ابن علي: الولاء لنا وقال أبو عبد الله عليه السلام: بل الولاء لي، فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية فقال: إن كان أبي قاتل معاوية، فقد كان حظ أبيك فيه الأوفر ثم فر بجنايته وقال: والله لأطوقنك غدا طوق الحمامة، فقال له داود بن
علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الأزرق فقال: أما إنه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حق قال: فقال هشام: إذا كان غدا جلست لكم، فلما أن كان من الغد خرج أبو عبد الله عليه السلام ومعه كتاب في كرباسة، وجلس لهم هشام، فوضع أبو عبد الله عليه السلام الكتاب بين يديه، فلما قرأه قال: ادعوا إلي جندل الخزاعي وعكاشة الضميري، وكانا شيخين، قد أدركا الجاهلية، فرمى الكتاب إليهما فقال :
تعرفان هذه الخطوط؟ قالا: نعم هذا خط العاص بن أمية، وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش، وهذا خط حرب بن أمية فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم؟ فقال: نعم، قال: قد قضيت بالولاء لك قال: فخرج وهو يقول:
إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة
قال: فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك؟ قال: فان نثيلة كانت أمة لام الزبير ولأبي طالب وعبد الله، فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من امنا، وابنك هذا عبد لنا، فتحمل عليه ببطون قريش قال:
فقال: قد أجبتك على خلة، على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس، ولا يضرب معنا بسهم، فكتب عليه كتابا وأشهد عليه، فهو هذا الكتاب.
أقول: قد مضى شرح الخبر في كتاب الفتن، وسيأتي أحوال هشام بن الحكم في باب مفرد، وقد مضى أحوال الهشامين في باب نفي الجسم والصورة، وأحوال جماعة من أصحابه في باب مكارم أخلاقه عليه السلام.
110 - الاختصاص: ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير أن هشام بن سالم قال له: ما اختلفت أنا وزرارة قط فأتينا محمد بن مسلم فسألناه عن ذلك إلا قال لنا: قال أبو جعفر عليه السلام فيها كذا وكذا وقال أبو عبد الله عليه السلام فيها: كذا وكذا.
111 - الاختصاص: ابن قولويه عن جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه قال: سألت عبد الله بن محمد بن خالد، عن محمد بن مسلم قال: كان رجلا شريفا موسرا فقال له أبو جعفر: تواضع يا محمد، فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوسرة من تمر مع الميزان وجلس على باب مسجد الجامع، وجعل ينادي عليه، فأتاه قومه فقالوا له: فضحتنا فقال: إن مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه، ولن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوسرة، فقال له قومه: أما إذ أبيت إلا أن تشتغل ببيع وشرى فاقعد في الطحانين
فقعد في الطحانين فهيأ رحى وجملا وجعل يطحن ، وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن خالد البرقي: أنه كان مشهورا في العبادة، وكان من العباد في زمانه.
112 - الاختصاص: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أحد أحيى ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير المرادي، ومحمد بن مسلم، و بريد بن معاوية، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هدى، هؤلاء حفاظ الدين و امناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا وفي الآخرة.
112 - الاختصاص: ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي.
114 - الاختصاص: ابن الوليد، عن ابن متيل، عن النهاوندي، عن أحمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن أبي بصير قال: أتيت أبا عبد الله عليه السلام بعد أن كبرت سني ودق عظمي واقترب أجلي، مع أني لست أرى ما أصبر إليه في آخرتي.
فقال: يا أبا محمد إنك لتقول هذا القول؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا أقوله؟!
فقال: أما علمت أن الله تبارك وتعالى يكرم الشباب منكم، ويستحيي من الكهول.
قلت: جعلت فداك كيف يكرم الشباب منا ويستحيي من الكهول؟ قال:
يكرم الشباب منكم أن يعذبهم، ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم، فهل سررتك؟
قال: قلت جعلت فداك زدني فإنا قد نبزنا نبزا انكسرت له ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلت به الولاة دماءنا في حديث رواه فقهاؤهم هؤلاء، قال: فقال:
الرافضة؟ قلت: نعم.
قال: فقال: والله ما هم سموكم بل الله سماكم، أما علمت أنه كان مع فرعون سبعون رجلا من بني إسرائيل يدينون بدينه، فلما استبان لهم ضلال فرعون وهدى موسى، رفضوا فرعون ولحقوا موسى، وكانوا في عسكر موسى أشد أهل ذلك العسكر عبادة وأشدهم اجتهادا إلا أنهم رفضوا فرعون، فأوحى الله إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوارة، فإني قد نحلتهم، ثم ذخر الله هذا الاسم حتى سماكم به إذ رفضتم فرعون وهامان وجنودهما واتبعتم محمدا وآل محمد. يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني.
فقال: افترق الناس كل فرقة واستشيعوا كل شيعة، فاستشيعتم مع أهل بيت نبيكم، فذهبتم حيث ذهب الله، واخترتم ما اختار الله، وأحببتم من أحب الله وأردتم من أراد الله، فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا، فأنتم والله المرحومون، المتقبل من محسنكم، والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يلق الله بمثل ما أنتم عليه لم يتقبل الله منه حسنة، ولم يتجاوز عنه سيئة، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت جعلت فداك زدني.
فقال: إن الله وملائكته يسقطون الذنوب من ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق عن الشجر في أوان سقوطه، وذلك قول الله " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض " فاستغفارهم والله لكم دون هذا العالم، فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني.
فقال: لقد ذكركم الله في كتابه فقال " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " والله ما عنى غيركم إذ وفيتم بما أخذ عليكم ميثاقكم من ولايتنا إذ لم تبدلوا بنا غيرنا، ولو فعلتم لعيركم الله كما عير غيركم في كتابه إذ يقول " وما وجدنا لأكثرهم من
عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " فهل سررتك؟ قال: قلت جعلت فداك زدني.
قال: لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " فالخلق والله أعداء غيرنا وشيعتنا، وما عنى بالمتقين غيرنا وغير شيعتنا، فهل سررتك يا أبا محمد؟.
قال: قلت: جعلت فداك زدني فقال: لقد ذكركم الله في كتابه فقال " ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " فمحمد صلى الله عليه وآله النبيين و، ونحن الصديقين و الشهداء، وأنتم الصالحون، فتسموا بالصلاح كما سماكم الله، فوالله ما عنى غيركم فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.