بحارالانوار · المجلد العاشر
باب أحوال المختار بن أبي
ج ۴۵، ص ۳۵۷–۳۸۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
قال: لا ولكني سمعت داعي الله عز وجل فأنا مجيبه، وطالب بدم هذا الرجل حتى أموت، فقالت: إلى من تودع بيتك هذا؟ قال: إلى الله اللهم إني أستودعك ولدي وأهلي! اللهم احفظني فيهم، وتب علي مما فرطت في نصرة ابن بنت نبيك ثم نادوا " يا آل ثأرات الحسين " في الجامع، والناس يصلون العشاء الآخرة فخرج جمع كثير إلى سليمان وكان معه ستة عشر ألفا مثبتة في ديوانه، فلم يصف منهم سوى أربعة آلاف، وعزم على المسير إلى الشام لمحاربة عبيد الله بن زياد، فقال
له عبد الله بن سعد: إن قتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورؤس الأرباع وأشراف القبائل وليس بالشام سوى عبيد الله بن زياد؟ فلم يوافق إلا على المسير فخرج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الاخر كما ذكرنا فباتوا بدير الأعور، ثم سار فنزل على أقساس بني مالك على شاطئ الفرات، ثم أصبحوا عند قبر الحسين عليه السلام فأقاموا يوما وليلة يصلون ويستغفرون ثم ضجوا ضجة واحدة بالبكاء والعويل فلم ير يوم أكثر بكاء فيه، وازدحموا عند الوداع على قبره كالزحام على الحجر الأسود، وقام في تلك الحال وهب بن زمعة الجعفي باكيا على القبر وأنشد أبيات عبيد الله بن الحر الجعفي:
تبيت النشاوى من أمية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما ضيع الاسلام إلا قبيلة * تأمر نوكاها ودام نعيمها وأضحت قناة الدين في كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة * وعيني تبكي لا يجف سجومها حياتي أو تلقى أمية خزية * يذل لها حتى الممات قرومها وكان مع الناس عبد الله بن عوف الأحمر على فرس كميت يتأكل تأكلا وهو يقول:
خرجن يلمعن بنا أرسالا * عوابسا قد تحمل الأبطالا نريد أن نلقى بها الأقيالا * الفاسقين الغدر الضلالا وقد رفضنا الأهل والأموالا * والخفرات البيض والحجالا نرجو به التحفة والنوالا * لنرضي المهيمن المفضالا فساروا حتى أتوا هيت، ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قرقيسا، وبلغهم أن
أهل الشام في عدد كثير فساروا سيرا مغذا حتى وردوا عين الوردة عن يوم وليلة ثم قام سليمان بن صرد، فوعظهم وذكرهم الدار الآخرة وقال: إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة فان أصيب المسيب فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فان أصيب فأخوه خالد بن سعد فان قتل خالد فالأمير عبد الله بن وأل، فان قتل ابن وأل فأميركم رفاعة بن شداد ثم بعث سليمان المسيب بن نجبة في أربعة آلاف فارس رائدا، وأن يشن عليهم الغارة، قال حميد بن مسلم: كنت معهم فسرنا يومنا كله وليلتنا، حتى إذا كان السحر نزلنا وهومنا ثم ركبنا وقد صلينا الصبح ففرق العسكر وبقي معه مائة فارس، فلقي أعرابيا فقال: كم بيننا وبين أدنى القوم؟ فقال: ميل - أقول والميل أربعة آلاف ذراع وكل ثلاثة أميال فرسخ - وهذا عسكر شراحيل بن ذي الكلاع من قبل عبيد الله معه أربعة آلاف، ومن ورائهم الحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، ومن ورائهم الصلت بن ناجية الغلابي في أربعة آلاف، وجمهور العسكر مع عبيد الله بن زياد بالرقة فساروا حتى أشرفوا على عسكر الشام، فقال المسيب لأصحابه: كروا عليهم، فحمل عسكر العراق فانهزموا فقتل منهم خلق كثير وغنموا منهم غنيمة عظيمة وأمرهم المسيب بالعود فرجعوا إلى سليمان بن صرد ووصل الخبر إلى عبيد الله فسرح إليهم الحصين بن نمير وأتبعه بالعساكر حتى نزل في عشرين ألفا وعسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف ومائة لا غير ثم تهيأت العساكر للحرب، فكان على ميمنة أهل الشام عبد الله بن الضحاك ابن قيس الفهري، وعلى ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنوي، وعلى الجناح شراحيل ابن ذي الكلاع الحميري، وفي القلب الحصين بن نمير السكوني، ثم جعل أهل العراق على ميمنتهم المسيب بن نجبة الفزاري، وعلى ميسرتهم عبد الله بن سعد بن
نفيل الأزدي، وعلى الجناح رفاعة بن شداد البجلي، وعلى القلب الأمير سليمان بن صرد الخزاعي ووقف العسكر فنادى أهل الشام: ادخلوا في طاعة عبد الملك بن مروان، ونادى أهل العراق: سلموا إلينا عبيد الله بن زياد وأن يخرج الناس من طاعة عبد الملك وآل الزبير، ويسلم الامر إلى أهل بيت نبينا. فأبى الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وجعل سليمان بن صرد يحرضهم على القتال ، ويبشرهم بكرامة الله، ثم كسر جفن سيفه وتقدم نحو أهل الشام، وهو يقول:
إليك ربي تبت من ذنوبي * وقد علاني في الورى مشيبي فارحم عبيدا عرما تكذيب * واغفر ذنوبي سيدي وحوبي قال حميد بن مسلم: حملت ميمنتنا على ميسرتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب فهزمناهم وظفرنا بهم، وحجز الليل بيننا وبينهم ثم قاتلناهم في الغد وبعده حتى مضت ثلاثة أيام ثم أمرهم الحصين بن نمير لأهل الشام برمي النبل فأتت السهام كالشرار المتطائر فقتل سليمان بن صرد - ره - فلقد بذل في أهل الثأر مهجته، وأخلص لله توبته وقد قلت: هذين البيتين حيث مات مبرءا من العتب والشين:
قضى سليمان نحبه فغدا * إلى جنان ورحمة الباري مضى حميدا في بذل مهجته * وأخذه للحسين بالثأر ثم أخذ الراية المسيب بن نجبة، فقاتل قتالا خرت له الأذقان، وأثر في ذلك الجيش الجم الطعان ثلاث مرات، وكان من أعظم الشجعان قتالا وأكرهم على الأعداء نكالا، وهو يقول:
قد علمت ميالة الذوائب * واضحة الخدين والترائب أني غداة الروع والتغالب * أشجع من ذي لبدة مواثب قصاع أقران مخوف الجانب فلم يزل يكر عليهم فيفرون بين يديه حتى تكاثروا فقتلوه ثم أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ثم حمل على القوم وطعن وهو يقول:
ارحم إلهي عبدك التوابا * ولا تؤاخذه فقد أنابا وفارق الأهلين والأحبابا * يرجو بذاك الفوز والثوابا فلم يزل يقاتل حتى قتل ثم تقدم أخوه خالد بن سعد بالراية، وحرضهم على القتال، ورغبهم في حميد المآل، فقاتل أشد قتال، ونكل بهم أي نكال حتى قتل وتقدم عبد الله بن وأل فأخذ الراية، وقاتل حتى قطعت يده اليسرى ثم استند إلى أصحابه ويده تشخب دما ثم كر عليهم، وهو يقول:
نفسي فداكم اذكروا الميثاقا * وصابروهم واحذروا النفاقا لا كوفة نبغي ولا عراقا * لا بل نريد الموت والعتاقا وقاتل حتى قتل، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم النجدة مع المثنى بن مخرمة العبدي من البصرة ومن المدائن مع كثير بن عمرو الحنفي فاشتدت قلوب أهل العراق بهم، واجتمعوا وكبروا واشتد القتال، فتقدم رفاعة بن شداد نحو صفوف الشام وهو يرتجز ويقول:
يا رب إني تائب إليكا * قد أنكلت سيدي عليكا قدما أرجي الخير من يديكا * فاجعل ثوابي أملي إليكا قال عبد الله بن عوف الأزدي: واشتد القتال حتى بان في أهل العراق الضعف والقلة، وتحدثوا في ترك القتال، فبعضهم يوافق، وبعضهم يقول إن ولينا ركبنا السيف، فلا نمشي فرسخا حتى لا يبقى منا واحد، وإنما نقاتل حتى يأتي الليل ونمضي، ثم تقدم عبد الله بن عوف إلى الراية فرفعها، واقتتلوا أشد قتال، فقتل جماعة من أهل العراق، وانفلت الجموع، وافترق الناس، وعاد العسكر حتى وصلوا قرقيسا من جانب البر، وجاء سعد بن حذيفة إلى هيت، فلقيه الاعراب فأخبروه بما لقي الناس، ثم عاد أهل المدائن وأهل البصرة وأهل الكوفة إلى بلادهم، والمختار محبوس وكان يقول لأصحابه " عدوا لغارتكم هذا أكثر من عشر ودون الشهر، ثم يجيئكم نبأ هتر، من طعن بتر، وضرب هبر، وقتل جم، وأمرهم
فمن لها، أنالها، لا تكذبن أنالها، وكان المختار يأخذ أفعاله بالرجز والفراسة والخدع وحسن السياسة قال المرزباني في كتاب الشعراء: كان له غلام اسمه جبرئيل، وكان يقول:
قال لي جبرئيل، وقلت لجبرئيل فيتوهم الاعراب وأهل البوادي أنه جبرئيل عليه السلام فاستحوذ عليهم بذلك حتى انتظمت له الأمور، وقام باعزاز الدين ونصره، وكسر الباطل وقصره ولما قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام، كتب إليهم المختار من الحبس أما بعد فان الله أعظم لكم الاجر، وحط عنكم الوزر، وبمفارقة القاسطين، وجهاد المحلين، إنكم لن تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم حسنة، فأبشروا فاني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق والمغرب من عدوكم بالسيف بإذن الله، فجعلتهم ركاما، وقتلتهم فذا وتوأما، فرحب الله لمن قارب واهتدى، ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى، والسلام يا أهل الهدى فلما جاء كتابه وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل وأعادوا الجواب : قرأنا كتابك ونحن حيث يسرك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا فأخبره الرسول فسر باجتماع الشيعة له، وقال: لا تفعلوا هذا فاني أخرج في أيامي هذه، وكان المختار قد بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب " أما بعد فاني حبست مظلوما وظن بي الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب في رحمك الله إلى هذين الظالمين، وهما عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد كتابا عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك ومنك والسلام عليك " فكتب إليهما ابن عمر " أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر والذي بيني وبينكما من الود فأقسمت عليكما لما خليتما سبيله، حين تنظران في كتابي هذا والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته " فلما قرأ الكتاب، طلبا من المختار كفلاء فأتاه جماعة من أشراف الكوفة، فاختارا منهم عشرة ضمنوه، وحلفاه أن
لا يخرج عليهما، فان هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه كلهم أحرار، فخرج وجاء داره قال حميد بن مسلم: سمعت المختار يقول: قاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم حيث يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه، أما حلفي بالله فإنه ينبغي إذا حلفت يمينا ورأيت ما هو أولى منها أن أتركها وأعمل الأولى وأكفر عن يميني، وخروجي خير من كفي عنهم، وأما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة، وما يهولني ثمن ألف بدنة، وأما عتق مماليكي فوالله لوددت أنه استتب لي أمري من أخذ الثأر ثم لم أملك مملوكا أبدا ولما استقر في داره، اختلفت الشيعة إليه، واجتمعت عليه، واتفقوا على الرضا به، وكان قد بويع له وهو في السجن ولم يزل يكثرون وأمرهم يقوى ويشتد حتى عزل عبد الله بن الزبير الواليين من قبله، وهما عبد الله بن زيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة المذكورين، وبعث عبد الله بن مطيع واليا على الكوفة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فدخل ابن مطيع إليها وبعث المختار إلى أصحابه فجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب على أهل الكوفة فجاء رجل من أصحابه من شبام عظيم الشرف وهو عبد الرحمن بن شريح فلقي جماعة منهم سعد بن منقذ، وسعر بن أبي سعر الحنفي، والأسود الكندي وقدامة بن مالك الجشمي، وقد اجتمعوا، فقالوا له: إن المختار يريد الخروج بنا للاخذ بالثأر وقد بايعناه، ولا نعلم أرسله إلينا محمد ابن الحنفية أم لا؟ فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا، فان رخص لنا اتبعناه وإن نهانا تركناه، فخرجوا وجاؤا إلى ابن الحنفية فسألهم عن الناس فخبروه، وقالوا: لنا إليك حاجة قال:
سر أم علانية، قلنا: بل سر، قال: رويدا إذن، ثم مكث قليلا وتنحى ودعانا فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمد الله والثناء عليه وقال: أما بعد فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة، وقد أصبتم بحسين مصيبة عمت المسلمين، وقد قدم المختار يزعم أنه جاء من قبلكم وقد دعانا
إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، فبايعناه على ذلك فان أمرتنا باتباعه اتبعناه وإن نهيتنا اجتنبناه.
فلما سمع كلامه وكلام غيره، حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وقال:
أما ما ذكرتم مما خصنا الله فان الفضل لله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأما مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم، وأما الطلب بدمائنا قال جعفر بن نما مصنف هذا الكتاب: فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه أنه قال لهم: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلما دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤوا لأجله، قال: يا عم لو أن عبدا زنجيا تعصب لنا أهل البيت، لوجب على الناس موازرته، وقد وليتك هذا الامر، فاصنع ما شئت فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: أذن لنا زين العابدين عليه السلام ومحمد ابن الحنفية.
وكان المختار علم بخروجهم إلى محمد ابن الحنفية وكان يريد النهوض بجماعة الشيعة قبل قدومهم، فلما تهيأ ذلك له، وكان يقول: إن نفيرا منكم تحيروا وارتابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا، وإن هم كبوا وهابوا واعترضوا وانجابوا فقد خسروا وخابوا، فدخل القادمون من عند محمد ابن الحنفية فقال: ما وراء كم فقد فتنتم وارتبتم؟ فقالوا: قد أمرنا بنصرتك، فقال: أنا أبو إسحاق أجمعوا إلي الشيعة فجمع من كان قريبا فقال: يا معشر الشيعة إن نفرا أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فخرجوا إلى إمام الهدى والنجيب المرتضى وابن المصطفى المجتبى - يعني زين العابدين عليه السلام - فعرفهم أني ظهيره ورسوله، وأمركم باتباعي وطاعتي.
وقال كلاما يرغبهم إلى الطاعة والاستنفار معه وأن يعلم الحاضر الغائب.
وعرفه قوم أن جماعة من أشراف الكوفة، مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، ومتى جاء معنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله تعالى القوة على عدونا فله عشيرة، فقال: القوة وعرفوا الاذن لنا في الطلب بدم الحسين وأهل بيته فعرفوه فقال: قد أجبتكم على أن تولوني الامر فقالوا له: أنت أهل ولكن ليس
إليه سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل إمام الهدى ومن نائبه محمد ابن الحنفية وهو المأذون له في القتال، فلم يجب فانصرفوا وعرفوه المختار فبقي ثلاثا ثم إنه دعا جماعة من وجوه أصحابه قال عامر الشعبي: وأنا وأبي فيهم، فسار المختار وهو أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة، لا يدرى أين يريد حتى وقف على باب إبراهيم، فأذن له وألقيت الوسائد فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه، وقال: هذا كتاب محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام يأمرك أن تنصرنا فان فعلت اغتبطت، وإن امتنعت فهذا الكتاب حجة عليك وسيغني الله محمدا وأهل بيته عنك وكان المختار قد سلم الكتاب إلى الشعبي فلما تم كلامه قال:، ارفع الكتاب إليه ففض ختمه وهو كتاب طويل فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المهدي إلى إبراهيم بن الأشتر سلام عليك قد بعثت إليك المختار ومن ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي، والطلب بدماء أهل بيتي فامض معه بنفسك وعشيرتك، وتمام الكتاب بما يرغب إبراهيم في ذلك فلما قرأ الكتاب قال: ما زال يكتب إلى اسمه واسم أبيه فما باله ويقول في هذا الكتاب المهدي؟ قال المختار: ذاك زمان، قال إبراهيم: من يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي؟ قال يزيد بن أنس وأحمر بن سقيط وعبد الله بن كامل وغيرهم: نحن نعلم ونشهد أنه كتاب محمد إليك، قال الشعبي: إلا أنا وأبي لا نعلم، فعند ذلك تأخر إبراهيم عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وقال:
ابسط يدك فبسط يده فبايعه، ودعا بفاكهة وشراب من عسل فأصبنا منه فأخرجنا معنا إبراهيم إلى أن دخل المختار داره.
فلما رجع أخذ بيدي وقال: يا شعبي علمت أنك لا تشهد ولا أبوك أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قلت: شهدوا على ما رأيت وفيهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، وما يقول مثل هؤلاء إلا حقا.
وكان إبراهيم رحمه الله ظاهر الشجاعة، واري زناد الشهامة، نافذ حد الصرامة
مشمرا في محبة أهل البيت عن ساقيه، متلقيا راية النصح لهم بكلتا يديه، فجمع عشيرته وإخوانه وأهل مودته وأعوانه، وكان يتردد بهم إلى المختار عامة الليل، ومعه حميد بن مسلم الأزدي حتى تصوب النجوم، وتنقض الرجوم، وأجمع رأيهم أن يخرجوا يوم الخميس لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وكان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبد الله بن مطيع أمير الكوفة، فقال له: إن المختار خارج عليك لا محالة، فخذ حذرك ثم خرج إياس مع الحرس، وبعث ولده راشدا إلى الكناسة، وجاء هو إلى السوق وأنفذ ابن مطيع إلى الجبانات من شحنها بالرجال يحرسها من أهل الريبة، وخرج إبراهيم بعد المغرب إلى المختار ومعه جماعة عليهم الدروع وفوقها الأقبية وقد أحاط الشرط بالسوق والقصر، لقي إياس بن مضارب أصحاب إبراهيم وهم متسلحون، فقال: ما هذا الجمع؟ إن أمرك لمريب، ولا أتركك حتى آتي بك إلى الأمير، فامتنع إبراهيم ووقع التشاجر بينهم، ومع إياس رجل من همدان اسمه أبا قطن قال له إبراهيم: ادن مني لأنه صديقه فظن أنه يريد أن يجعله شفيعه في تخلية القوم وبيد أبي قطن رمح طويل فأخذه إبراهيم منه وطعن إياس بن مضارب في نحره فصرعه وأمرهم فاجتزوا رأسه وانهزم أصحابه وأقبل إبراهيم إلى المختار وعرفه ذلك فاستبشر وتفاءل بالنصر والظفر، ثم أمر باشعال النار في هرادي القصب وبالنداء " يا آل ثأرات الحسين " ولبس درعه وسلاحه، وهو يقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل إني غداة الروع مقدام بطل * لا عاجز فيها ولا وغد فشل فأقبل الناس من كل ناحية وجاء عبيد الله بن الحر الجعفي في قومه وتقاتلوا قتالا عظيما، وشرد الناس ومن كان في الطرق والجبانات من أصحاب السلاح واستشعروا الحذر، وتفرقوا في الأزقة خوفا من إبراهيم وأشار شبث بن ربعي على الأمير ابن مطيع بالقتال، فعلم المختار فخرج في أصحابه حتى نزل دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة، ثم جاء أبو عثمان النهدي في جماعة أصحابه إلى
الكوفة، ونادوا " يا آل ثأرات الحسين يا منصور أمت - وهذه علامة بينهم - يا أيها الحي المهتدون، ألا إن أمين آل محمد قد خرج فنزل دير هند وبعثني إليكم داعيا ومبشرا فاخرجوا إليه رحمكم الله " فخرجوا من الدور يتداعون وفي هذا المعنى قلت هذه الأبيات متأسفا على ما فات، كيف لم أكن من أصحاب الحسين عليه السلام في نصرته ولا من أصحاب المختار وجماعته.
ولما دعا المختار للثأر أقبلت * كتائب من أشياع آل محمد وقد لبسوا فوق الدروع قلوبهم * وخاضوا بحار الموت في كل مشهد هم نصروا سبط النبي ورهطه * ودانوا بأخذ الثار من كل ملحد ففازوا بجنات النعيم وطيبها * وذلك خير من لجين وعسجد ولو أنني يوم الهياج لدى الوغى * لأعملت حد المشرفي المهند فوا أسفا إذ لم أكن من حماته * فأقتل فيهم كل باغ ومعتد المرتبة الثالثة في وصف الوقعة مع ابن مطيع قال الوالبي، وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجعد: خرجنا مع المختار فوالله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبية عسكره، فلما أصبح تقدم وصلى بنا الغداة فقرأ " والنازعات وعبس " فوالله ما سمعنا إماما أفصح لهجة منه ، ونادى ابن مطيع في أصحابه، فلما جاؤوا بعث شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف، وراشد بن إياس في أربعة آلاف، وحجار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف، وعكرمة بن ربعي وشداد ابن أبجر، وعبد الرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف، وتتابعت العساكر نحوا من عشرين ألفا، فسمع المختار أصواتا مرتفعة، وضجة ما بين بني سليم وسكة البريد فأمر باستعلام ذلك فإذا هو شبث بن ربعي ومعه خيل عظيمة وأتاه في الحال سعر بن أبي سعر الحنفي وهو ممن بايع المختار يركض من قبل مراد، فلقي راشد بن إياس فأخبر المختار فأرسل إبراهيم بن الأشتر في تسعمائة فارس وستمائة راجل
ونعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة فقاتلوهم حتى أدخلوهم البيوت وقتل من الفريقين جمع، وقتل نعيم بن هبيرة، وجاء إبراهيم فلقي راشد بن إياس، ومعه أربعة آلاف فارس فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرتهم، فلرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين.
فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد وحمل عليه فطعنه فقتله ثم نادى خزيمة: قتلت راشدا ورب الكعبة، فانهزم القوم، وانكسروا وأجفلوا إجفال النعام، وأطلوا عليهم كقطع الغمام، واستبشر أصحاب المختار، وحملوا على خيل الكوفة، فجعلوا صفو حياتهم كدرا، وساقوهم حتى أوصلوهم إلى الموت زمرا، حتى أوصلوهم السكك، وأدخلوهم الجامع، وحصروا الأمير ابن مطيع ثلاثا في القصر، ونزل المختار بعد هذه الوقعة جانب السوق، وولى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر.
فلما ضاق عليه وعلى أصحابه الحصار وعلموا أنه لا تعويل لهم على مكر ولا سبيل إلى مفر، أشاروا عليه أن يخرج ليلا في زي امرأة، ويستتر في بعض دور الكوفة، ففعل وخرج حتى صار إلى دار أبي موسى الأشعري فآووه، وأما هم فإنهم طلبوا الأمان فآمنهم، وخرجوا وبايعوه وصار يمنيهم ويستجر مودتهم ويحسن السيرة فيهم.
ولما خرج أصحاب ابن مطيع من القصر سكنه المختار، ثم خرج إلى الجامع وأمر بالنداء " الصلاة جامعة " فاجتمع الناس ورقى المنبر ثم قال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وعدا مأتيا وأمرا مفعولا، وقد خاب من افترى أيها الناس،! مدت لنا غاية، ورفعت لنا راية، فقيل في الراية ارفعوها ولا تضيعوها وفي الغاية خذوها ولا تدعوها، فسمعنا دعوة الداعي، وقبلنا قول الراعي، فكم من باغ وباغية، وقتلى في الراعية، ألا فبعدا لمن طغى وبغى وجحد ولغى وكذب وتولى ألا فهلموا عباد الله إلى بيعة الهدى، ومجاهدة الأعداء، والذب عن الضعفاء من آل محمد المصطفى، وأنا المسلط على المحلين، المطالب بدم ابن نبي رب العالمين، أما
ومنشئ السحاب، الشديد العقاب، لأنبشن قبر ابن شهاب المفتري الكذاب المجرم المرتاب، ولأنفين الأحزاب إلى بلاد الاعراب، ثم ورب العالمين لأقتلن أعوان الظالمين، وبقايا القاسطين ثم قعد على المنبر ووثب قائما وقال: أما والذي جعلني بصيرا ونور قلبي تنويرا لأحرقن بالمصر دورا ولأنبشن بها قبورا، ولأشفين بها صدورا، ولأقتلن بها جبارا كفورا، ملعونا غدورا، وعن قليل ورب الحرم، والبيت المحرم، وحق النون والقلم، ليرفعن لي علم من الكوفة إلى أضم، إلى أكناف ذي سلم، من العرب والعجم، ثم لاتخذن من بني تميم أكثر الخدم.
ثم نزل ودخل قصر الامارة، وانعكف عليه الناس للبيعة، فلم يزل باسطا يده حتى بايعه خلق من العرب والسادات والموالي، ووجد في بيت المال بالكوفة تسعة آلاف ألف، فأعطى كل واحد من أصحابه الذين قاتل بهم في حصر ابن مطيع وهم ثلاث آلاف وثمان مائة رجل كل واحد منهم خمسمائة درهم، وستة آلاف رجل من الذين أتوه من بعد حصار القصر مائتين مائتين.
ولما علم أن ابن مطيع في دار أبي موسى الأشعري، دعا عبد الله بن كامل الشاكري ودفع إليه عشرة آلاف درهم، وأمره بحملها إليه، وأن يقول له: استعن بها على سفرك فاني أعلم أنه ما منعك إلا ضيق يدك.
فأخذها ومضى إلى البصرة، ولم يمش إلى عبد الله بن الزبير حياء مما جرى عليه من المختار، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة وعقد لعبد الله بن الحارث أخي الأشتر لامه على أرمينية ولمحمد بن عطارد على آذربيجان ولعبد الرحمان بن سعد بن قيس على الموصل ولسعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان ولعمر بن السائب على الري وهمدان وفرق العمال بالجبال والبلاد، وكان يحكم بين الخصوم حتى إذا شغلته أموره فولى شريحا قاضيا، فلما سمع المختار أن عليا عليه السلام عزله أراد عزله فتمارض هو فعزله وولاه عبد الله بن عتبة بن مسعود فمرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك
الطائي قاضيا.
وكان مروان بن الحكم لما استقامت له الشام بالطاعة، بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز، والآخر إلى العراق مع عبيد الله بن زياد لينهب الكوفة إذا ظفر بها ثلاثة أيام، فاجتاز بالجزيرة عرض له أمر منعه من السير وعاملها من قبل ابن الزبير قيس عيلان، فلم يزل عبيد الله مشغولا بذلك عن العراق، ثم قدم الموصل وعامل المختار عليها عبد الرحمان بن سعيد بن قيس، فوجه عبيد الله إليه خيله ورجله فانحاز عبد الرحمان إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعرفه ذلك فكتب الجواب يصوب رأيه، ويحمد مشورته وأن لا يفارق مكانه حتى يأتيه أمره إنشاء الله.
ثم دعا المختار يزيد بن أنس وعرفه جلية الحال، ورغبه في النهوض بالخيل والرجال، وحكمه في تخيير من شاء من الابطال، فتخير ثلاثة آلاف فارس، ثم خرج من الكوفة وشيعه المختار إلى دير أبي موسى، وأوصاه بشئ من أدوات الحرب، وإن احتاج إلى مدد عرفه، فقال: أريد لا تمدني إلا بدعائك كفى به مددا ثم كتب المختار إلى عبد الرحمان بن سعيد بن قيس " أما بعد فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله والسلام عليك " فسار حتى بلغ أرض الموصل،: فنزل بموضع يقال له: بافكي وبلغ خبره إلى عبيد الله بن زياد وعرف عدتهم، فقال: أرسل إلى كل ألف ألفين وبعث ستة آلاف فارس فجاؤوا ويزيد بن أنس مريض مدنف فأركبوه حمارا مصريا والرجالة يمسكونه يمينا وشمالا فيقف على الأرباع، ويحثهم على القتال، ويرغبهم في حميد المآل، وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي فان هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري فان هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي ووقع القتال بينهم في ذي الحجة يوم عرفة، سنة ست وستين، قبل شروق الشمس فلا يرتفع
الضحى حتى هزمهم عسكر العراق، وأزالهم عن مأزق الحرب زوال السراب وقشعوهم انقشاع الضباب وأتوا يزيد بثلاثمائة أسير وقد أشفى على الموت فأشار بيده أن اضربوا رقابهم فقتلوا جميعا، ثم مات يزيد بن أنس فصلى عليه ورقاء بن عازب الأسدي ودفنه واغتم عسكر العراق لموته فعزاهم ورقاء فيه، وعرفهم أن عبيد الله بن زياد في جمع كثير ولا طاقة لكم به، فقالوا: الرأي أن ننصرف في جوف الليل قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه: كان مع عبيد الله ثمانون ألفا من أهل الشام ثم اتصل بالمختار وأهل الكوفة إرجاف الناس بيزيد بن أنس فظنوا أنه قتل ولم يعلموا كيف هالك؟ واستطلع المختار ذلك من عامله على المدائن، فأخبره بموته وأن العسكر انصرف من غير هزيمة، ولا كسرة، فطاب قلب المختار ثم ندب الناس قال المرزباني: وأمر إبراهيم بن الأشتر بالمسير إلى عبيد الله، فخرج في ألفين من مذحج وأسد، وألفين من تميم وهمدان، وألف وخمسمائة من قبائل المدينة وألف وأربعمائة من كندة وربيعة، وألفين من الحمراء، وقيل خرج في اثني عشر ألفا أربعة آلاف من القبائل وثمانية آلاف من الحمراء، وشيع إبراهيم ماشيا فقال:
اركب رحمك الله فقال المختار: إني لأحتسب الاجر في خطاي معك، وأحب أن تتغبر قدماي في نصر آل محمد، والطلب بدم الحسين عليه السلام ثم ودعه وانصرف وبات إبراهيم بموضع يقال له: حمام أعين، ثم رحل حتى وافى ساباط المدائن فحينئذ توسم أهل الكوفة في المختار القلة والضعف، فخرج أهل الكوفة عليه، وجاهروه بالعداوة، ولم يبق أحد ممن شرك في قتل الحسين، وكان مختفيا إلا وظهر ونقضوا بيعته، وسلوا عليه سيفا واحدا، واجتمعت القبائل عليه من بجيلة والأزد وكندة وشمر بن ذي الجوشن فبعث المختار من ساعته رسولا إلى إبراهيم وهو بساباط " لا تضع كتابي حتى تعود بجميع من معك إلى " فلما جاءهم كتابه نادى بالرجوع فوصلوا السير بالسرى، وأرخوا الأعنة وجذبوا البرئ، والمختار
يشغل أهل الكوفة بالتسويف والملاطفة حتى يرجع إبراهيم بعسكره فيكف عاديتهم ويقمع شرتهم، ويحصد شوكتهم، وكان مع المختار أربعة آلاف فبغى عليه أهل الكوفة وبدؤوه بالحرب، فحاربه يومهم أجمع وباتوا على ذلك فوافاهم إبراهيم في اليوم الثاني بخيله ورجله، ومعه أهل النجدة والقوة، فلما علموا قدومه افترقوا فرقتين ربيعة ومضر علا حدة، واليمن علا حدة، فخير المختار إبراهيم إلى أي الفرقتين تسير، فقال: إلى أيهما أحببت، وكان المختار ذا عقل وافر، ورأي حاضر فأمره بالسير إلى مضر بالكناسة، وسار هو إلى اليمن إلى جبانة السبيع، فبدأ بالقتال رفاعة بن شداد فقاتل قتال الشديد البأس، القوي المراس، حتى قتل وقاتل حميد بن مسلم وهو يقول:
لأضربن عن أبي حكيم * مفارق الأعبد والحميم ثم انكسروا كسرة هائلة، وجاء البشير إلى المختار أنهم ولوا مدبرين، فمنهم من اختفى في بيته، ومنهم من لحق بمصعب بن الزبير، ومنهم من خرج إلى البادية ثم وضعت الحرب أوزارها، وحلت أزرارها، ومحص القتل شرارها فأحصوا القتلى منهم، فكانوا ستمائة وأربعين رجلا ثم استخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير كما ذكر الطبري وغيره، فجاؤوا بهم إلى المختار، فعرضوهم عليه، فقال: كل من حضر منهم قتل الحسين فأعلموني به فلا يؤتي بمن حضر قتله إلا قيل هذا فيضرب عنقه حتى قتل منهم مائتين وثمانية وأربعين رجلا وقتل أصحاب المختار جمعا كثيرا بغير علمه، وأطلق الباقين، ثم علم المختار أن شمر بن ذي الجوشن خرج هاربا ومعه نفر ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام فأمر عبدا له أسود يقال له رزين وقيل زربي، ومعه عشرة - وكان شجاعا - يتبعه فيأتيه برأسه قال مسلم بن عبد الله الضبابي: كنت مع شمر حين هزمنا المختار فدنا منا العبد قال شمر: اركضوا وتباعدوا لعل العبد يطمع في فأمعنا في التباعد عنه، حتى لحقه العبد فحمل عليه فقتله، ومشى فنزل في جانب قرية اسمها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل ثم أخذ من القرية علجا فضربه ودفع إليه كتابا وقال: عجل به إلى مصعب بن
الزبير وكان عنوانه للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن فمشى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمر ومعه خمسمائة فارس قرء الكتاب رجل من أصحابه وقرأ عنوانه فسأل عن شمر وأين هو؟ فأخبره أن بينهم وبينه ثلاثة فراسخ قال مسلم بن عبد الله: قلت لشمر: لو ارتحلت من هذا المكان فانا نتخوف عليك، فقال: ويلكم أكل هذا الجزع من الكذاب؟ والله لا برحت فيه ثلاثة أيام، فبينما نحن في أول النوم أشرفت علينا الخيل من التل وأحاطوا بنا، وهو عريان مؤتزرا بمنديل، فانهزمنا وتركناه، فأخذ سيفه ودنا منهم، وهو يقول:
نبهتموا ليثا هزبرا باسلا * جهما محياه يدق الكاهلا لم يك يوما من عدو ناكلا * إلا كذا مقاتلا أو قاتلا فلم يك بأسرع أن سمعنا: قتل الخبيث، قتله أبو عمرة، وقتل أصحابه ثم جيئ بالرؤس إلى المختار، خر ساجدا، ونصبت الرؤس في رحبة الحذائين حذاء الجامع وأنا الآن أذكر من قتله المختار من قتلة الحسين عليه السلام ذكر الطبري في تاريخه أن المختار تجرد لقتلة الحسين وأهل بيته، وقال:
اطلبوهم فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب، حتى أطهر الأرض منهم قال موسى بن عامر: فأول من بدء به الذين وطئوا الحسين بخيلهم، وأنا مهم على ظهورهم، وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم وحرقهم بالنار، ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه كانا في الجبانة فضرب أعناقهما ثم أحرقهما بالنار، ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق، وبعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي وهو حامل رأس الحسين عليه السلام إلى عبيد الله، فخرجت امرأته إليهم وهي النوار ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه، وقيل اسمها العيوف، وكانت محبة لأهل البيت قالت:
لا أدري أين هو؟ وأشارت بيدها إلى بيت الخلا، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة فأخذوه وقتلوه ثم أمر بحرقه وبعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي وكان قد أخذ سلب العباس، ورماه بسهم فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوه هدفا ورموه بالسهام، وبعث إلى قاتل علي بن الحسين وهو مرة بن منقذ العبدي وكان شيخا فأحاطوا بداره فخرج وبيده الرمح، وهو على فرس جواد فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي فصرعه، ولم تضره الطعنة، وضربه ابن كامل بالسيف فاتقاها بيده اليسرى فأشرع فيها السيف وتمطرت به الفرس، فأفلت، ولحق بمصعب وشلت يده بعد ذلك، وأحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبل والحجارة وأحرقه، وهرب سنان بن أنس إلى البصرة فهدم داره ثم خرج من البصرة نحو القادسية وكان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب والقادسية، فقطع أنامله ثم يديه ورجليه، وأغلى زيتا في قدر ورماه فيها وهرب عبد الله بن عقبة الغنوي إلى الجزيرة، فهدم داره وفيه وفي حرملة ابن الكاهل قتل واحدا من أصحاب الحسين عليه السلام قال الشاعر:
وعند غني قطرة من دمائنا * وفي أسد أخرى تعد وتذكر حدث المنهال بن عمرو قال: دخلت على زين العابدين عليه السلام أودعه، وأنا أريد الانصراف من مكة، فقال:، يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل، وكان معي بشر بن غالب الأسدي فقال: ذلك من بني الحريش أحد بني موقد النار، وهو حي بالكوفة فرفع يديه، وقال: اللهم أذقه حر النار، اللهم أذقه حر الحديد قال المنهال: وقدمت الكوفة والمختار بها فركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال:
يا منهال لم تشركنا في ولايتنا هذه؟ فعرفته أني كنت بمكة، فمشى حتى أتى الكناس، ووقف كأنه ينتظر شيئا، فلم يلبث أن جاء قوم قالوا: أبشر أيها الأمير
فقد اخذ حرملة فجيئ به، فقال: لعنك الله الحمد لله الذي أمكنني منك، الجزار الجزار، فاتي بجزار فأمره بقطع يديه ورجليه، ثم قال: النار النار، فاتي بنار وقصب فأحرق فقلت: سبحان الله سبحان الله! فقال: إن التسبيح لحسن، لم سبحت؟
فأخبرته دعاء زين العابدين عليه السلام فنزل عن دابته وصلى ركعتين، وأطال السجود وركب وسار فحاذى داري، فعزمت عليه بالنزول والتحرم بطعامي، فقال: إن علي بن الحسين دعا بدعوات فأجابها الله على يدي ثم تدعوني إلى الطعام؟ هذا يوم صوم شكر الله تعالى، فقلت: أحسن الله توفيقك وانهزم عبد الله بن عروة الخثعمي إلى مصعب فهدم داره وطلب عمرو بن صبيح الصيداوي فأتوه وهو على سطحه، بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه فأخذوه وسيفه، فقال: قبحك الله من سيف ما أبعدك على قربك، فجيئ به إلى المختار، فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح، حتى مات، وأنفذ إلى محمد بن الأشعث بن قيس وقد انهزم إلى قصر له في قرية إلى جنب القادسية فقال: انطلق فإنك تجده لاهيا متصديا أو قائما متبلدا، أو خائفا متلددا، أو كامنا متعمدا، فأتني برأسه فأحاطوا بالقصر، وله بابان، فخرج ومشى إلى مصعب، فهدم القصر وداره، وأخذ ما كان فيها. قال المرزباني: وأتوه بعبد الله بن أسيد الجهني ومالك بن الهشيم البدائي وحمل بن مالك المحاربي من القادسية فقال: يا أعداء الله أين الحسين بن علي؟
قالوا: أكرهنا على الخروج، قال: فألا مننتم عليه وسقيتموه من الماء؟ وقال:
للبدائي أنت آخذ برنسه؟ قال: لا، قال: بلى وأمر بقطع يديه ورجليه والآخران ضرب أعناقهما وأتوه ببجدل بن سليم الكلبي وعرفوا أنه أخذ خاتمه، وقطع إصبعه، فأمر بقطع يديه ورجليه، فلم يزل ينزف حتى مات، وأتوه برقاد بن مالك وعمر بن خالد وعبد الرحمان البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني فقال: يا قتلة الحسين لقد أخذتم الورس في يوم نحس، وكان في رحل الحسين ورس فاقتسموه وقت نهب رحله
فأخرجهم إلى السوق وكان أسماء بن خارجة الفزاري ممن سعى في قتل مسلم بن عقيل رحمه الله فقال المختار: أما ورب السماء ورب الضياء والظلماء، لتنزلن نار من السماء دهماء حمراء سحماء، تحرق دار أسماء، فبلغ كلامه إليه فقال: سجع أبو إسحاق، وليس ههنا مقام بعد هذا، وخرج من داره هاربا إلى البادية فهدم داره ودور بني عمه وكان الشمر بن ذي الجوشن قد أخذ من الإبل التي كانت تحت رحل الحسين عليه السلام فنحرها وقسم لحمها على قوم من أهل الكوفة فأمر المختار فأحصوا كل دار دخلها ذلك اللحم، فقتل أهلها وهدمها، ولم يزل المختار يتبع قتلة الحسين عليه السلام حتى قتل خلقا كثيرا، وهزم الباقين، فهدم دورهم وأنزلهم من المعاقل والحصون إلى المفاوز والصحون، قال: وقتلت العبيد مواليها وجاؤا إلى المختار فعتقهم، وكان العبد يسعى بمولاه فيقتله المختار حتى أن العبد يقول لسيد: احملني على عنقك فيحمله، ويدلي رجليه على صدره إهانة له ولخوفه من سعايته به إلى المختار فيالها منقبة حازها، ومثوبة أحرزها فقد سر النبي بفعله، وإدخاله الفرح على عترته وأهله، وقد قلت هذه الأبيات مع كلال الخاطر، وقذى الناظر:
سر النبي بأخذ الثأر من عصب * باؤوا بقتل الحسين الطاهر الشيم قوم غذوا بلبان البغض ويحهم * للمرتضى وبنيه سادة الأمم حاز الفخار الفتى المختار إذ قعدت * عن نصره سائر الاعراب والعجم جادته من رحمة الجبار سارية * تهمي على قبره منهلة الديم المرتبة الرابعة في ذكر مقتل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد ومن تابعه وكيفية قتالهم والنصر عليهم فلما خلا خاطره، وانجلى ناظره، اهتم بعمر بن سعد وابنه حفص، حدث عمر بن الهيثم قال: كنت جالسا عن يمين المختار والهيثم بن الأسود عن يساره فقال: والله لأقتلن رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، يهمر
برجله الأرض، يرضي قتله أهل السماء والأرض، فسمع الهيثم قوله ووقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد، فبعث ولده العريان فعرفه قول المختار وكان عبد الله ابن جعدة بن هبيرة أعز الناس على المختار، قد أخذ لعمر أمانا حيث اختفى، فيه:
" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان المختار بن أبي عبيد الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص إنك آمن بأمان الله على نفسك وأهلك ومالك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك، إلا أن تحدث حدثا، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد عليهم السلام فلا يعرض له إلا بسبيل خير والسلام " ثم شهد فيه جماعة قال الباقر عليه السلام: إنما قصد المختار " أن يحدث حدثا " هو أن يدخل بيت الخلاء، ويحدث، فظهر عمر إلى المختار فكان يدنيه ويكرمه ويجلسه معه على سريره وعلم أن قول المختار عنه، فعزم على الخروج من الكوفة فأحضر رجلا من بني تيم اللات اسمه مالك وكان شجاعا وأعطاه أربعمائة دينار وقال: هذه معك لحوائجنا وخرجا، فلما كان عند حمام عمر أو نهر عبد الرحمان وقف وقال: أتدري لم خرجت؟ قال: لا، قال: خفت المختار، فقال ابن دومة يعني المختار: أضيق استا من أن يقتلك وإن هربت هدم دارك، وانتهب عيالك ومالك، وخرب ضياعك وأنت أعز العرب، فاغتر بكلامه فرجعا على الروحاء فدخلا الكوفة مع الغداة:
هذا قول المرزباني وقال غيره: إن المختار علم خروجه من الكوفة، فقال:
وفينا له وغدر، وفي عنقه سلسلة لو جهد أن ينطلق ما استطاع، فنام عمر على الناقة فرجعت وهو لا يدري حتى ردته إلى الكوفة، فأرسل عمر ابنه إلى المختار قال له: أين أبوك؟ قال: في المنزل ولم يكونا يجتمعان عند المختار، وإذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفا أن يجتمعا فيقتلهما، فقال حفص: أبي يقول: أتفي لنا بالأمان؟ قال: اجلس وطلب المختار أبا عمرة، وهو كيسان التمار فأسر إليه أن اقتل عمر بن سعد وإذا دخلت ورأيته يقول: يا غلام علي بطيلساني فإنه يريد السيف فبادره
واقتله، فلم يلبث أن جاء ومعه رأسه فقال حفص: إنا لله وأنا إليه راجعون، فقال له: أتعرف هذا الرأس؟ قال: نعم، ولا خير في العيش بعده، فقال: إنك لا تعيش بعده، فقال: وأمر بقتله وقال المختار: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين ولا سواء، والله لأقتلن سبعين ألفا كما قتل بيحيى بن زكريا عليه السلام وقيل: إنه قال: لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه السلام وكان محمد ابن الحنفية يعتب على المختار لمجالسة عمر بن سعد وتأخير قتله فحمل الرأسين إلى مكة مع مسافر بن سعد الهمداني وظبيان بن عمارة التميمي فبينا محمد ابن الحنفية جالسا في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار، فما تم كلامه إلا والرأسان عنده فخر ساجدا، وبسط كفيه، وقال: اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار! وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب فلما قضى المختار من أعداء الله وطره وحاجته، وبلغ فيهم أمنيته، قال:
لم يبق على أعظم من عبيد الله بن زياد، فأحضر إبراهيم بن الأشتر وأمره بالمسير إلى عبيد الله، فقال: إني خارج ولكني أكره خروج عبيد الله بن الحر معي وأخاف أن يغدر بي وقت الحاجة، فقال له: أحسن إليه واملأ عينه بالمال، وأخاف إن أمرته بالقعود عنك فلا يطيب له، فخرج إبراهيم من الكوفة ومعه عشرة آلاف فارس، وخرج المختار في تشييعه وقال: اللهم انصر من صبر، واخذل من كفر ومن عصى وفجر، وبايع وغدر، وعلا وتجبر، فصار إلى سقر، لا تبقي ولا تذر، ليذوق العذاب الأكبر، ثم رجع ومضى إبراهيم وهو يرتجز ويقول:
أنا وحق المرسلات عرفا * حقا وحق العاصفات عصفا لنعسفن من بغانا عسفا * حتى يسوم القوم منا خسفا زحفا إليهم لا نمل الرجفا * حتى نلاقي بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألفا * نكشفهم لدى الهياج كشفا فسار إلى المدائن فأقام بها ثلاثا، وسار إلى تكريت، فنزلها، وأمر بجباية
خراجها، ففرقه وبعث إلى عبيد الله بن الحر بخمسة آلاف درهم فغضب فقال:
أنت أخذت لنفسك عشرة آلاف درهم، وما كان الحر دون مالك فحلف إبراهيم إني ما أخذت زيادة عليك ثم حمل إليه ما أخذه لنفسه فلم يرض، وخرج على المختار ونقض عهده، وأغار على سواد الكوفة، فنهب القرى، وقتل العمال ، وأخذ الأموال ومضى إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير فلما علم المختار أرسل عبد الله بن كامل إلى داره فهدمها وإلى زوجته سلمى بنت خالد الجعفية حبسها، ثم ورد كتاب المختار إلى إبراهيم يحثه على تعجيل القتال، فطوى المراحل حتى نزل على نهر الخازر على أربعة فراسخ من الموصل وعبيد الله بن زياد بها، قال عبد الله بن أبي عقب الديلمي: حدثني خليلي أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر، فيكشفونا حتى نقول هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فأبشروا واصبروا فإنكم لهم قاهرون، فعلم عبيد الله بقدوم إبراهيم فرحل في ثلاثة وثمانين ألفا حتى نزل قريبا من عسكر العراق وطلبهم أشد طلب، وجاءهم في جحفل لجب، وكان مع ابن الأشتر أقل من عشرين ألفا، و كان في عسكر الشام من أشراف بني سليم عمير بن الحباب، فراسله إبراهيم، و وعده بالحباء والاكرام، فجاء ومعه ألف فارس من بني عمه وأقاربه، فصار مع عسكر العراق فأشار عليهم بتعجيل القتال وترك المطاولة، فلما كان في السحر صلوا بغلس، وعبأ إبراهيم أصحابه فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد الأزدي وعلى ميسرته علي بن مالك الجشمي وعلى الخيل الطفيل بن لقيط النخعي وعلى الرجالة مزاحم بن مالك السكوني، ثم زحفوا حتى أشرفوا على أهل الشام ولم يظنوا أنهم يقدمون عليهم لكثرتهم، فبادروا إلى تعبئة عسكرهم فجعل عبيد الله على ميمنته شراحيل بن ذي الكلاع، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي وعلى جناح ميسرته جميل بن عبد الله الغنمي وفي القلب الحصين بن نمير ووقف العسكران، والتقى الجمعان، فخرج ابن ضبعان الكلبي ونادى: يا شيعة المختار الكذاب، يا شيعة ابن الأشتر المرتاب -:
أنا ابن ضبعان الكريم المفضل * من عصبة يبرون من دين علي كذاك كانوا في الزمان الأول فخرج إليه الأحوص بن شداد الهمداني وهو يقول:
أنا ابن شداد على دين علي * لست لعثمان بن أروى بولي لأصلين القوم فيمن يصطلي * بحر نار الحرب حتى تنجلي فقال للشامي: ما اسمك؟ قال : منازل الابطال، قال له الأحوص: وأنا مقرب الآجال، ثم حمل عليه وضربه فسقط قتيلا ثم نادى هل من مبارز؟ فخرج إليه داود الدمشقي وهو يقول:
أنا ابن من قاتل في صفينا * قتال قرن لم يكن غبينا بل كان فيها بطلا جرونا * مجربا لدى الوغى كمينا فأجابه الأحوص يقول:
يا ابن الذي قاتل في صفينا * ولم يكن في دينه غبينا كذبت قد كان بها مغبونا * مذبذبا في أمره مفتونا لا يعرف الحق ولا اليقينا * بؤسا له لقد مضى ملعونا ثم التقيا فضربه الأحوص فقتله، ثم عاد إلى صفه وخرج الحصين بن نمير السكوني وهو يقول:
يا قادة الكوفة أهل المنكر * وشيعة المختار وابن الأشتر هل فيكم قوم كريم العنصر * مهذب في قومه بمفخر يبرز نحوي قاصدا لا يمتري فخرج إليه شريك بن خزيم التغلبي وهو يقول:
يا قاتل الشيخ الكريم الأزهر * بكربلا يوم التقاء العسكر أعني حسينا ذا الثنا والمفخر * وابن النبي الطاهر المطهر
وابن علي البطل المظفر * هذا فخذها من هزبر قسور ضربة قوم ربعي مضري فالتقيا بضربتين فجدله التغلبي صريعا فدخل على أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم ثم تقدم إبراهيم ونادى: ألا يا شرطة الله ألا يا شيعة الحق ألا يا أنصار الدين قاتلوا المحلين وأولاد القاسطين لا تطلبوا أثرا بعد عين، هذا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، ثم حمل على أهل الشام، وضرب فيهم بسيفه، وهو يقول:
قد علمت مذحج علما لا خطل * أني إذا القرن لقيني لا وكل ولا جزوع عندها ولا نكل * أروع مقداما إذا النكس فشل أضرب في القوم إذا جاء الاجل * وأعتلي رأس الطرماح البطل بالذكر البتار حتى ينجدل وحمل أهل العراق معه واختلطوا، وتقدمت رأيتهم وشبت فيهم نار الحرب ودهمهم العسكر بجناحيه والقلب، إلى أن صلوا بالايماء والتكبير صلاة الظهر واشتغلوا بالقتال إلى أن تحلى صدر الدجي بالأنجم الأزهر، وزحف عليهم عسكر العراق فرحا بالمصاع، وحرصا على القراع، ووثوقا بما وعدهم الله به من النصر وحسن الدفاع، وانقضوا عليهم انقضاض العقبان على الرخم، وجالوا فيهم جولان السرحان على الغنم، وعركوهم عرك الأديم، ودحوا بهم إلى عذاب الجحيم وأذاقوهم أسنة الرماح النازعة للمهج والأرواح، فلم تزل الحرب قائمة، والسيوف لأجسادهم منتهبة، فولى عسكر الشام مكسورا، على ذلة الخائب الخجل، وارتياع الخائف الوجل، وعسكر العراق منصورا وعلى وجههم مسحة المسرور الثمل وتبعوهم إلى متون النجاد، وبطون الوهاد والنبل ينزل عليهم كصيب العهاد ثم انجلت الحرب، وقد قتل أعيان أهل الشام، مثل الحصين، بن نمير وشراحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب، وغالب الباهلي وأبي أشرس بن عبد الله الذي كان على خراسان وحاز إبراهيم - ره - فضيلة هذا الفتح، وعاقبة هذا المنح، الذي انتشر في الأقطار، ودام دوام الاعصار، ولقد أحسن عبد الله بن الزبير
الأسدي يمدح إبراهيم الأشتر فقال:
الله أعطاك المهابة والتقى * وأحل بيتك في العديد الأكثر وأقر عينك يوم وقعة خازر * والخيل تعثر في القنا المتكسر من ظالمين كفتهم أيامهم * تركوا لحاجلة وطير أعثر ما كان أجرأهم جزاهم ربهم * يوم الحساب على ارتكاب المنكر قال الرواة: رأينا إبراهيم بعد ما انكسر العسكر، وانكشف العثير، قوما منهم ثبتوا وصبروا وقاتلوا فلقطهم من صهوات الخيل، وقذفهم في لهوات الليل حتى صبغت الأرض من دمائهم ثيابا حمرا، وملا الفجاج ببأسه ذعرا، وتساقطت النسور على النسور، وأهوت العقبان على أجسادهم وهي كالعقيق المنثور، واصطلح على أكل لحمهم الذئب والسبع، والسيد والضبع قال إبراهيم: وأقبل رجل أحمر في كبكبة يغري الناس كأنه بغل أقمر لا يدنو منه فارس إلا صرعه، ولا كمي إلا قطعه، فدنا مني فضربت يده فأبنتها وسقط على شاطئ الخازر، فشرقت يداه، وغربت رجلاه فقتلته، ووجدت رائحة المسك تفوح منه، وجاء رجل نزع خفيه، وظنوا أنه ابن زياد من غير تحقيق، فطلبوه فإذا هو على ما وصف إبراهيم فاجتزوا رأسه، واحتفظوا طول الليل بجسده، فلما أصبحوا عرفه مهران مولى زياد، فلما رآه إبراهيم قال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي، وقتل في صفر، وقال قوم من أصحاب الحديث: يوم عاشورا، وعمره دون الأربعين، وقيل تسعة وثلاثون سنة، وأصبح الناس فحووا ما كان، وغنموا غنيمة عظيمة، ولقد أجاد أبوا السفاح الزبيدي بمدحته إبراهيم وهجائه ابن زياد فقال:
أتاكم غلام من عرانين مذحج * جرئ على الأعداء غير نكول أتاه عبيد الله في شر عصبة * من الشام لما أرضيوا بقليل فلما التقى الجمعان في حومة الوغى * وللموت فيهم ثم جر ذيول فأصبحت قد ودعت هندا وأصبحت * مولهة ما وجدها بقليل وأخلق بهند أن تساق سبية * لها من أبي إسحاق سر حليل
تولى عبيد الله خوفا من الردى * وخشية ماضي الشفرتين صقيل جزى الله خيرا شرطة الله إنهم * شفوا بعبيد الله كل غليل يعني بقوله هند بنت أسماء بن خارجة زوجة عبيد الله لما قتل حملها عتبة أخوها إلى الكوفة، وبقوله أبي إسحاق هو المختار وهرب غلام لعبيد الله إلى الشام فسأله عبد الملك بن مروان عنه، قال: لما جال الناس تقدم فقاتل ثم قال: ائتني بجرة فيها ماء، فأتيته فشرب وصب الماء بين درعه وجسده، وصب على ناصية فرسه، ثم حمل فهذا آخر عهدي به قال يزيد بن مفرغ يهجو ابن زياد:
إن المنايا إذا حاولن طاغية * هتكن عنه ستورا بعد أبواب إن الذي عاش غدارا بذمته * ومات هزلا قتيل الله بالزاب ما شق جيب ولا ناحتك ناحية * ولا بكتك جياد عند أسلاب هلا جموع نزار إذ لقيتهم * كنت امرء من نزار غير مرتاب أو حمير كنت قيلا من ذوي يمن * إن المقاويل في ملك وأحباب وكان المختار قد سار من الكوفة يتطلع أحوال إبراهيم، واستخلف في الكوفة السائب بن مالك، فنزل ساباط ثم دخل المدائن ورقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بالجد في النهوض إلى إبراهيم، قال الشعبي: كنت معه فأتته البشرى بقتل عبيد الله وأصحابه، فكاد يطير فرحا، ورجع إلى الكوفة في الحال مسرورا بالظفر وذكر أبو السائب عن أحمد بن بشير، عن مجالد، عن عامر أنه قال: الشيعة يتهموني ببغض علي عليه السلام ولقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين عليه السلام كأن
رجالا نزلوا من السماء، عليهم ثياب خضر، معهم حراب يتبعون قتلة الحسين عليه السلام فلما لبثت أن خرج المختار فقتلهم وذكر عمر بن شبة قال: حدثني أبو أحمد الزبيري، عن عمه قال: قال أبو عمر البزاز: كنت مع إبراهيم بن الأشتر لما لقي عبيد الله بن زياد بالخازر فعددنا القتلى بالقصب لكثرتهم، قيل كانوا سبعين ألفا، قال: وصلبه إبراهيم منكسا فكأني أنظر إلى خصييه كأنهما جعلان وعن الشعبي أنه لم يقتل قط من أهل الشام بعد صفين مثل هذه الوقعة بالخازر، وقال الشعبي: كانت يوم عاشورا سنة سبع و ستين، وبعث إبراهيم برأس عبيد الله بن زياد ورؤس الرؤساء من أهل الشام وفي آذانهم رقاع أسمائهم فقدموا عليه وهو يتغدى، فحمد الله تعالى على الظفر فلما فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى غلامه، وقال:
اغسلها فاني وضعتها على وجه نجس كافر وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني قال: وضعت الرؤوس عند السدة بالكوفة عليها ثوب أبيض فكشفنا عنها الثوب، وحية تتغلغل في رأس عبيد الله ونصبت الرؤس في الرحبة قال عامر: ورأيت الحية تدخل في منافذ رأسه وهو مصلوب مرارا ثم حمل المختار رأسه ورؤس القواد إلى مكة مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، و عبد الرحمن بن شداد الجشمي، وأنس بن مالك الأشعزي، وقيل:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.