بحارالانوار · المجلد العاشر
50 باب جور الخلفاء على قبره الشريف، وما ظهر من المعجزات
ج ۴۵، ص ۳۹۰–۴۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
قاعد في صدر الإيوان على سريره، وبجنبتي السرير رجال متسلحون وكذلك كانوا يصنعون.
فلما أن رآه موسى رحب به وقربه وأقعده على سريره، ومنعت أنا حين وصلت إلى الإيوان أن أتجاوزه، فلما استقر أبو بكر على السرير التفت فرآني حيث أنا واقف، فناداني فقال: ويحك! فصرت إليه ونعلي في رجلي وعلي قميص وإزار فأجلسني بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلمنا فيه؟ قال:
لا، ولكني جئت به شاهدا عليك، قال: فيما ذا؟ قال: إني رأيتك وما صنعت بهذا القبر، قال: أي قبر؟ قال: قبر الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان موسى قد وجه إليه من كربه وكرب جمع أرض الحائر وحرثها وزرع الزرع فيها، فانتفخ موسى حتى كاد أن ينقد ثم قال: وما أنت وذا؟ قال: اسمع حتى أخبرك.
اعلم أني رأيت في منامي كأني خرجت إلى قومي بني غاضرة، فلما صرت بقنطرة الكوفة، اعترضني خنازير عشرة تريدني فأغاثني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد، فدفعها عني فمضيت لوجهي، فلما صرت إلى شاهي ضللت الطريق، فرأيت هناك عجوزا فقالت لي: أين تريد أيها الشيخ؟ قلت: أريد الغاضرية، قالت لي:
تنظر هذا الوادي فإنك إذا أتيت إلى آخره اتضح لك الطريق، فمضيت وفعلت ذلك، فلما صرت إلى نينوى إذا أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أنت أيها الشيخ؟ فقال لي: أنا من أهل هذه القرية، فقلت: كم تعد من السنين؟
فقال: ما أحفظ ما مر من سني وعمري، ولكن أبعد ذكري أني رأيت الحسين ابن علي عليه السلام ومن كان معه من أهله ومن تبعه، يمنعون الماء الذي تراه، ولا تمنع الكلاب ولا الوحوش شربه.
فاستفضعت ذلك وقلت له: ويحك أنت رأيت هذا؟ قال: إي والذي سمك السماء لقد رأيت هذا أيها الشيخ وعاينته، وإنك وأصحابك الذين تعينون على ما قد رأينا مما أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم، فقلت: ويحك وما هو؟ قال:
حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه، قلت: وما جرى؟ قال: أيكرب قبر ابن النبي ويحرث أرضه؟ قلت: وأين القبر؟ قال: هاهو ذا أنت واقف في أرضه، فأما القبر فقد عمي عن أن يعرف موضعه.
قال أبو بكر بن عياش: وما كنت رأيت القبر ذلك الوقت قط ولا أتيته في طول عمري، فقلت: من لي بمعرفته؟ فمضى معي الشيخ حتى وقف بي على حير له باب وآذن وإذا جماعة كثيرة على الباب، فقلت للآذن: أريد الدخول على ابن رسول الله، فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت، قلت: ولم؟ قال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله، ومحمد رسول الله، ومعهما جبرئيل وميكائيل، في رعيل من الملائكة كثير.
قال أبو بكر بن عياش، فانتبهت وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة ومضت بي الأيام حتى كدت أن أنسى المنام، ثم اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدين كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث حتى صرت بقنطرة الكوفة لقيني عشرة من اللصوص فحين رأيتهم، ذكرت الحديث ورعبت من خشيتي لهم، فقالوا لي: الق ما معك وانج بنفسك، وكانت معي نفيقة فقلت:
ويحكم أنا أبو بكر بن عياش وإنما خرجت في طلب دين لي والله (و) الله لا تقطعوني عن طلب ديني وتصرفاتي في نفقتي فاني شديد الإضافة، فنادى رجل منهم مولاي ورب الكعبة، لا يعرض له، ثم قال لبعض فتيانهم: كن معه حتى تصير به إلى الطريق الأيمن.
قال أبو بكر: فجعلت أتذكر ما رأيته في المنام وأتعجب من تأويل الخنازير حتى صرت إلى نينوى، فرأيت والله الذي لا إله إلا هو الشيخ الذي كنت رأيته في منامي بصورته وهيئته، رأيته في اليقظة كما رأيته في المنام سواء، فحين رأيته ذكرت الامر والرؤيا، فقلت: لا إله إلا الله! ما كان هذا إلا وحيا ثم سألته كمسألتي إياه في المنام فأجابني بما كان أجابني ثم قال لي: امض بنا، فمضيت
فوقفت معه على الموضع، وهو مكروب فلم يفتني شئ من منامي إلا الآذن والحير فاني لم أر حيرا ولم أر آذنا.
فاتق الله أيها الرجل فاني قد آليت على نفسي أن لا أدع إذاعة هذا الحديث ولا زيارة ذلك الموضع، وقصده وإعظامه، فان موضعا يؤمه إبراهيم ومحمد وجبرئيل وميكائيل لحقيق بأن يرغب في إتيانه وزيارته، فان أبا حصين حدثني أن رسول الله قال: من رآني في المنام فإياي رأى فان الشيطان لا يتشبه بي.
فقال له موسى: إنما أمسكت عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة التي ظهرت منك، وتالله إن بلغني بعد هذا الوقت أنك تحدث بهذا لأضربن عنقك وعنق هذا الذي جئت به شاهدا علي فقال له أبو بكر: إذا يمنعني الله وإياه منك فاني إنما أردت الله بما كلمتك به، فقال له: أتراجعني يا ماص... وشتمه فقال له:
اسكت أخزاك الله وقطع لسانك فأزعل موسى على سريره، ثم قال: خذوه فأخذوا الشيخ عن السرير، واخذت أنا، فوالله لقد مر بنا من السحب والجر والضرب ما ظننت أننا لا نكثر الاحياء أبدا، وكان أشد ما مر بي من ذلك أن رأسي كان يجر على الصخر، وكان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، وموسى يقول: اقتلوهما ابني كذا وكذا - بالزاني لا يكني - وأبو بكر يقول له: أمسك قطع الله لسانك، وانتقم منك، اللهم إياك أردنا ولولد نبيك غضبنا، وعليك توكلنا: فصير بنا جميعا إلى الحبس.
فما لبثنا في الحبس إلا قليلا فالتفت إلي أبو بكر ورأي ثيابي قد خرقت وسالت دمائي، فقال: يا حماني قد قضينا لله حقا واكتسبنا في يومنا هذا أجرا ولن يضيع ذلك عند الله ولا عند رسوله، فما لبثنا إلا قدر غدائه ونومه، حتى جاءنا رسوله فأخرجنا إليه وطلب حمار أبي بكر فلم يوجد، فدخلنا عليه، وإذا هو في سرداب له يشبه الدور سعة وكبرا، فتعبنا في المشي إليه تعبا شديدا، وكان أبو بكر إذا تعب في مشيه جلس يسيرا ثم يقول: اللهم إن هذا فيك فلا تنسه، فلما دخلنا على موسى وإذا هو على سرير له، فحين بصر بنا قال: لا حيا الله ولا قرب من جاهل
أحمق متعرض لما يكره، ويلك يا دعي ما دخولك فيما بيننا معشر بني هاشم، فقال له أبو بكر: قد سمعت كلامك، والله حسيبك، فقال له: اخرج قبحك الله والله إن بلغني أن هذا الحديث شاع أو ذكر عنك لأضربن عنقك، ثم التفت إلي وقال:
يا كلب وشتمني وقال: إياك ثم إياك أن تظهر هذا فإنه إنما خيل لهذا الشيخ الأحمق شيطان يلعب به في منامه، أخرجا عليكما لعنة الله وغضبه، فخرجنا وقد أيسنا من الحياة، فلما وصلنا إلى منزل الشيخ أبي بكر وهو يمشي وقد ذهب حماره فلما أراد أن يدخل منزله التفت إلي وقال: احفظ هذا الحديث، وأثبته عندك ولا تحدثن هؤلاء الرعاع ولكن حدث به أهل العقول والدين.
بيان: تقول كربت الأرض أي قلبتها للحرث، والرعيل القطعة من الخيل والإضافة: الضيافة، وقال الجوهري: قولهم يا مصان، وللأنثى يا مصانة، شتم أي يا ماص فرج أمه ويقال أيضا رجل مصان إذا كان يرضع الغنم (من لؤمه) وزاعله أزعجه قوله " إننا لا نكثر الاحياء أبدا " هو كناية عن الموت أي لا نكون بينهم حتى يكثر عددهم بنا. قوله بالزاني لا يكني أي كان يقول في الشتم ألفاظا صريحة في الزنا ولا يكتفي بالكناية.
2 - أمالي الطوسي: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني، عن أحمد بن عبد الله الثقفي عن علي بن محمد بن سليمان، عن الحسين بن محمد بن مسلمة، عن إبراهيم الديزج قال: بعثني المتوكل إلى كربلا لتغيير قبر الحسين عليه السلام وكتب معي إلى جعفر ابن محمد بن عمار القاضي: أعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلا لينبش قبر الحسين فإذا قرأت كتابي فقف على الامر حتى تعرف فعل أو لم يفعل.
قال الديزج: فعرفني جعفر بن محمد بن عمار ما كتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمد بن عمار، ثم أتيته فقال لي: ما صنعت؟ فقلت: قد فعلت ما أمرت به، فلم أر شيئا ولم أجد شيئا، فقال لي: أفلا عمقته؟ قلت: قد فعلت فما رأيت فكتب إلى السلطان أن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئا وأمرته
فمخره بالماء، وكربه بالبقر، قال أبو علي العماري: فحدثني إبراهيم الديزج وسألته عن صورة الامر، فقال لي: أتيت في خاصة غلماني فقط وإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالايمان المغلظة، لئن ذكر أحد هذا لأقتلنه.
بيان: يقال: مخرت الأرض أي أرسلت فيه الماء، ومخرت السفينة إذا جرت تشق الماء مع صوت.
3 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن إبراهيم بن أبي السلاسل، عن أبي عبد الله الباقطاني قال: ضمني عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعري وكان قائدا من قواد السلطان أكتب له، وكان بدنه كله أبيض شديد البياض، حتى يديه ورجليه كانا كذلك وكان وجهه أسود شديد السواد كأنه القير، وكان يتفقأ مع ذلك مدة منتنة، قال: فلما أنس بي سألته عن سواد وجهه فأبى أن يخبرني ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه، فقعدت فسألته فرأيته كأنه يحب أن يكتم عليه، فضمنت له الكتمان فحدثني قال: وجهني المتوكل أنا والديزج لنبش قبر الحسين، وإجراء الماء عليه، فلما عزمت على الخروج والمسير إلى الناحية رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال: لا تخرج مع الديزج ولا تفعل ما أمرتم به في قبر الحسين! فلما أصبحنا جاؤوا يستحثوني في المسير فسرت معهم حتى وفينا كربلاء وفعلنا ما أمرنا به المتوكل فرأيت النبي في المنام فقال: ألم آمرك أن لا تخرج معهم؟ ولا تفعل فعلهم؟ فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا؟ ثم لطمني وتفل في وجهي فصار وجهي مسودا كما ترى، وجسمي على حالته الأولى.
بيان: تفقأ الدمل والقرح تشقق.
4 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن سعيد بن أحمد أبي القاسم الفقيه، عن الفضل
ابن محمد بن عبد الحميد، قال: دخلت على إبراهيم الديزج وكنت جاره أعوده في مرضه الذي مات فيه، فوجدته بحال سوء وإذا هو كالمدهوش، وعنده الطبيب فسألته عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة وانس توجب الثقة بي والانبساط إلي فكاتمني حاله، وأشار إلى الطبيب فشعر الطبيب بإشارته ولم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله، فقام فخرج، وخلا الموضع، فسألته عن حاله فقال:
أخبرك والله وأستغفر الله إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين عليه السلام فأمرنا أن نكر به ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساء ومعنا الفعلة والدر كاريون معهم المساحي والمرود فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر، وحرث أرضه، فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت فذهب بي النوم، فإذا ضوضاء شديد، وأصوات عالية، وجعل الغلمان ينبهوني فقمت وأنا ذعر، فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا: أعجب شأن، قلت: وما ذاك؟
قالوا: إن بموضع القبر قوما قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب فقمت معهم لأتبين الامر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض، فقلت: ارموهم فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منا إلا في صاحبه الذي رمى به، فقتله.
فاستوحشت لذلك وجزعت، وأخذتني الحمى والقشعريرة، ورحلت عن القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به، قال أبو برزة: فقلت له: قد كفيت ما تحذر من المتوكل قد قتل بارحة الأولى، وأعان عليه في قتله المنتصر، فقال لي: قد سمعت بذلك، وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء، قال أبو برزة: كان هذا في أول النهار، فما أمسى الديزج حتى مات.
قال ابن حشيش: قال أبو المفضل إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة فسأل
رجلا من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر، قال: ما أبالي إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول لي عمر، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر.
5 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن علي بن عبد المنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطئ النيل قال: حدثني جدي القاسم بن أحمد بن معمر الأسدي الكوفي وكان له علم بالسيرة وأيام الناس، قال: بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين عليه السلام، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فأنفذ قائدا من قواده وضم إليه كنفا من الجند كثيرا ليشعث قبر الحسين عليه السلام ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره، فخرج القائد إلى الطف وعمل بما امر، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه، وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة، مظهرا أن مسيره إليها في مصالح أهلها، والانكفاء إلى المصر.
فمضى الامر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين فبلغ المتوكل أيضا مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلا لزيارة قبر الحسين عليه السلام وأنه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق كبير فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند وأمر مناديا ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره، ونبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة، فقتل ولم يتم له ما قدره.
بيان: قوله كنفا من الجند أي جانبا كناية عن الجماعة منهم، وفي بعض النسخ بالثاء وهو بالفتح الجماعة، قوله ليشعب أي يشق وينش، وفي بعض النسخ المصححة ليشعث من قبره، يقال شعث منه تشعيثا نضح عنه وذب ودفع، وانكفأ رجع.
6 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان بن غالب الأزدي
قال: حدثني عبد الله بن رابية الطوري قال: حججت سنة سبع وأربعين ومائتين فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حال خيفة من السلطان، وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فإذا هو قد حرث أرضه، ومخر فيها الماء، وأرسلت الثيران العوامل في الأرض، فبعيني وبصري كنت رأيت الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حازت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا فتضرب بالعصا الضرب الشديد، فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب فما أمكنتني الزيارة فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول:
تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * في قتله فتتبعوه رميما فلما قدمت بغداد سمعت الهايعة فقلت ما الخبر؟ قالوا:، سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل، فعجبت لذلك وقلت: إلهي ليلة بليلة.
بيان: قال الفيروزآبادي: الهيعة والهايعة الصوت تفزع منه وتخافه من عدو.
7 - أمالي الطوسي:، عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن علي بن هاشم الآبلي، عن الحسن ابن أحمد بن النعمان الجوزجاني، عن يحيى بن المغيرة الرازي قال: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق فسأله جرير عن خبر الناس فقال:
تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين عليه السلام وأمر أن تقطع السدرة التي فيه، فقطعت قال: فرفع جرير يديه وقال: الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لعن الله قاطع السدرة ثلاثا فلم نقف على معناه حتى الآن لان القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين عليه السلام حتى لا يقف الناس على قبره.
8 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر بن محمد بن فرج الرحجي قال: حدثني أبي، عن عمه عمر بن فرج قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين عليه السلام فصرت إلى الناحية، فأمرت بالبقر فمر بها على القبور كلها، فلما
بلغت قبر الحسين عليه السلام لم تمر عليه، قال عمي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي فما زلت أضربها حتى تكسرت العصا في يدي فوالله ما جازت على قبره ولا تخطته.
قال لنا محمد بن جعفر: كان عمي عمر بن فرج كثير الانحراف عن آل محمد صلى الله عليه وآله فأنا أبرء إلى الله منه، وكان جدي أخوه محمد بن فرج شديد المودة لهم رحمه الله ورضي عنه فأنا أتولاه لذلك وأفرح بولادته.
9 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن عمر بن الحسين بن علي، عن المنذر ابن محمد القابوسي، عن الحسين بن محمد الأزدي، عن أبيه قال: صليت في جامع المدينة وإلى جانبي رجلان على أحدهما ثياب السفر فقال أحدهما لصاحبه: يا فلان أما علمت أن طين قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء؟ وذلك أنه كان بي وجع الجوف، فتعالجت بكل دواء فلم أجد فيه عافية وخفت على نفسي وآيست منها وكانت عندنا امرأة من أهل الكوفة عجوز كبيرة، فدخلت علي وأنا في أشد ما بي من العلة فقالت لي: يا سالم ما أرى علتك إلا كل يوم زائدة، فقلت لها: نعم فقالت: فهل لك أن أعالجك فتبرء بإذن الله عز وجل؟ فقلت لها: ما أنا إلى شئ أحوج مني إلى هذا، فسقتني ماء في قدح فسكنت عني العلة، وبرأت حتى كأن لم يكن بي علة قط فلما كان بعد أشهر دخلت علي العجوز، فقلت لها: بالله عليك يا سلمة - وكان اسمها سلمة - بماذا داويتني؟ فقالت بواحدة مما في هذه السبحة من سبحة كانت في يدها فقلت: وما هذه السبحة؟ فقالت: إنها من طين قبر الحسين عليه السلام فقلت لها: يا رافضية داويتني بطين قبر الحسين؟ فخرجت من عندي مغضبة ورجعت والله علني كأشد ما كانت، وأنا أقاسي منها الجهد والبلاء وقد والله خشيت على نفسي ثم أذن المؤذن فقاما يصليان وغابا عني 10 - أمالي الطوسي: عنه، عن أبي المفضل، عن الفضل بن محمد بن أبي طاهر، عن محمد بن موسى الشريعي، عن أبيه موسى بن عبد العزيز قال: لقيني يوحنا ابن سراقيون النصراني المتطبب في شارع أبي أحمد فاستوقفني وقال لي: بحق نبيك ودينك
من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة؟ من هو من أصحاب نبيكم؟ قلت: ليس هو من أصحابه هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة لي عنه؟ فقال له: عندي حديث طريف، فقلت: حدثني به، فقال: وجه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه فقال: تعال معي، فمضى وأنا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي فوجدناه زائل العقل متكئا على وسادة وإذا بين يديه طست فيها حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة فأقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى فقال له: ويحك ما خبره؟ فقال له أخبرك إنه كان من ساعته جالسا وحوله ندماؤه، وهو من أصح الناس جسما وأطيبهم نفسا إذ جرى ذكر الحسين بن علي عليه السلام قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه فقال موسى: إن الرافضة ليغلون فيه حتى أنهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به ، فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علة غليلة، فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي كاتبي أن خذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني الله بها وزال عني ما كنت أجده قال: فبقي عندك منها شئ؟ قال: نعم: فوجه فجاءه منها بقطعة فناولها موسى بن عيسى فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن تداوى بها واحتقارا وتصغيرا لهذا الرجل الذي هي تربته يعني الحسين عليه السلام فما هو إلا أن استدخلها دبره، حتى صاح: النار النار الطست الطست فجئناه بالطست فأخرج فيها ما ترى فانصرف الندماء، وصار المجلس مأتما فأقبل علي سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله وريته وفؤاده خرج منه في الطست فنظرت إلى أمر عظيم، فقلت: ما لاحد في هذا صنع إلا أن يكون لعيسى الذي كان يحبي الموتى، فقال لي سابور: صدقت، ولكن كن ههنا في الدار إلى أن يتبين ما يكون من أمره، فبت عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر قال محمد بن موسى: قال لي موسى بن! سريع: كان يوحنا يزور قبر الحسين
وهو على دينه، ثم أسلم بعد هذا وحسن إسلامه 11 - مناقب ابن شهرآشوب: أخذ المسترشد من مال الحائر وكربلا وقال: إن القبر لا يحتاج إلى الخزانة وأنفق على العسكر فلما خرج قتل هو وابنه الراشد كتابي ابن بطة والنطنزي: روى أبو عبد الرحمن بن أحمد بن حنبل بإسناده عن الأعمش قال: أحدث رجل على قبر الحسين عليه السلام فأصابه وأهل بيته جنون وجذام وبرص، وهو يتوارثون الجذام إلى الساعة وروى جماعة من الثقات أنه لما أمر المتوكل بحرث قبر الحسين عليه السلام وأن يجري الماء عليه من العلقمي، أتى زيد المجنون وبهلول المجنون إلى كربلا فنظرا إلى القبر وإذا هو معلق بالقدرة في الهواء، فقال زيد: يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك أن الحراث حرث سبع عشرة مرة والقبر يرجع إلى حاله، فلما نظر الحراث إلى ذلك آمن بالله وحل البقر فأخبر المتوكل فأمر بقتله 12 - أقول: وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا، قال: روي عن سليمان الأعمش أنه قال:، كنت نازلا بالكوفة وكان لي جار وكنت آتي إليه وأجلس عنده، فأتيت ليلة الجمعة إليه، فقلت له: يا هذا ما تقول في زيادة الحسين عليه السلام؟ فقال لي: هي بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ذي ضلالة في النار قال سليمان: فقمت من عنده وأنا ممتلئ عليه غيظا فقلت في نفسي: إذا كان وقت السحر آتيه وأحدثه شيئا من فضائل الحسين عليه السلام فان أصر على العناد قتلته، قال سليمان: فلما كان وقت السحر أتيته وقرعت عليه الباب ودعوته باسمه، فإذا بزوجته تقول لي: إنه قصد إلى زيارة الحسين من أول الليل قال سليمان: فسرت في أثره إلى زيارة الحسين عليه السلام فلما دخلت إلى القبر فإذا أنا بالشيخ ساجد لله عز وجل وهو يدعو ويبكي في سجوده ويسأله التوبة والمغفرة، ثم رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريبا منه، فقلت له: يا شيخ بالأمس
كنت تقول زيارة الحسين عليه السلام بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ذي ضلالة في النار واليوم أتيت تزوره؟ فقال: يا سليمان لا تملني فاني ما كنت أثبت لأهل البيت إمامة حتى كانت ليلتي تلك، فرأيت رؤيا هالتني وروعتني فقلت له: ما رأيت أيها الشيخ؟ قال: رأيت رجلا جليل القدر لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق لا أقدر أصفه من عظم جلاله وجماله، وبهائه وكماله وهو مع أقوام يحفون به حفيفا ويزفونه زفيفا وبين يديه فارس وعلى رأسه تاج وللتاج أربعة أركان وفي كل ركن جوهرة تضيئ من مسيرة ثلاثة أيام فقلت لبعض خدامه: من هذا؟ فقال: هذا محمد المصطفى، قلت: ومن هذا الآخر؟ فقال: علي المرتضى وصي رسول الله، ثم مددت نظري فإذا أنا بناقة من نور، وعليها هودج من نور، وفيه امرأتان والناقة تطير بين السماء والأرض، فقلت: لمن هذه الناقة؟
فقال: لخديجة الكبرى وفاطمة الزهراء عليهما السلام، فقلت: ومن هذا الغلام؟
فقال: هذا الحسن بن علي، فقلت: وإلى أين يريدون بأجمعهم؟ فقالوا: لزيارة المقتول ظلما شهيد كربلا الحسين بن علي المرتضى، ثم إني قصدت نحو الهودج الذي فيه فاطمة الزهراء، وإذا أنا برقاع مكتوبة تتساقط من السماء فسألت ما هذه الرقاع؟ فقال: هذه رقاع فيها أمان من النار لزوار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة فطلبت منه رقعة فقال لي: إنك تقول: زيارته بدعة؟ فإنك لا تنالها حتى تزور الحسين عليه السلام وتعتقد فضله وشرفه، فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا، وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيدي الحسين عليه السلام وأنا تائب إلى الله تعالى، فوالله يا سليمان لا أفارق قبر الحسين حتى يفارق روحي جسدي قال: وروى الثقات عن أبي محمد الكوفي، عن دعبل بن علي الخزاعي قال:
لما انصرفت عن أبي الحسن الرضا عليه السلام بقصيدتي التائية نزلت بالري وإني في ليلة من الليالي وأنا أصوغ قصيدة وقد ذهب من الليل شطره فإذا طارق يطرق الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أخ لك فبدرت إلى الباب ففتحته فدخل شخص اقشعر منه بدني وذهلت منه نفسي، فجلس ناحية وقال لي: لا ترع أنا أخوك من الجن ولدت
في الليلة التي ولدت فيها ونشأت معك، وإني جئت أحدثك بما يسرك ويقوى نفسك وبصيرتك، قال: فرجعت نفسي وسكن قلبي فقال: يا دعبل إني كنت من أشد خلق الله بغضا وعداوة لعلي بن أبي طالب، فخرجت في نفر من الجن المردة العتاة فمررنا بنفر يريدون زيارة الحسين عليه السلام قد جنهم الليل فهممنا بهم وإذا ملائكة تزجرنا من السماء وملائكة في الأرض تزجر عنهم هوامها، فكأني كنت نائما فانتبهت أو غافلا فتيقظت، وعلمت أن ذلك لعناية بهم من الله تعالى لمكان من قصدوا له، وتشرفوا بزيارته فأحدثت توبة وجددت نية وزرت مع القوم، ووقفت بوقوفهم ودعوت بدعائهم، وحججت بحجهم تلك السنة، وزرت قبر النبي صلى الله عليه وآله ومررت برجل حوله جماعة، فقلت: من هذا؟ فقالوا : هذا ابن رسول الله الصادق عليه السلام قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال لي: مرحبا بك يا أهل العراق أتذكر ليلتك ببطن كربلا وما رأيت من كرامة الله تعالى لأوليائنا؟ إن الله قد قبل توبتك وغفر خطيئتك فقلت: الحمد لله الذي من علي بكم، ونور قلبي بنور هدايتكم، وجعلني من المعتصمين بحبل ولايتكم، فحدثني يا ابن رسول الله بحديث أنصرف به إلى أهلي وقومي، فقال: نعم، حدثني أبي محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله:
يا علي الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وعلى الأوصياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي، وعلى أمتي حتى يفروا بولايتك ويدينوا بإمامتك، يا علي والذي بعثني بالحق لا يدخل الجنة أحد إلا من أخذ منك بنسب أو سبب، ثم قال: خذها يا دعبل فلن تسمع بمثلها من مثلي أبدا ثم ابتلعته الأرض فلم أره قال: وروي أن المتوكل من خلفاء بني العباس كان كثير العداوة، شديد البغض لأهل بيت الرسول، وهو الذي أمر الحارثين بحرث قبر الحسين عليه السلام وأن يخربوا بنيانه ويحفوا آثاره وأن يجروا عليه الماء من النهر العلقمي بحيث لا تبقى له أثر ولا أحد يقف له على خبر، وتوعد الناس بالقتل لمن زار قبره، وجعل رصدا من
أجناده وأوصاهم: كل من وجدتموه يريد زيارة الحسين عليه السلام فاقتلوه، يريد بذلك إطفاء نور الله وإخفاء آثار ذرية رسول الله، فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يقال له زيد المجنون، ولكنه ذو عقل سديد، ورأي رشيد، وإنما لقب بالمجنون لأنه أفحم كل لبيب وقطع حجة كل أديب، وكان لا يعي من الجواب، ولا يمل من الخطاب فسمع بخراب بنيان قبر الحسين عليه السلام وحرث مكانه، فعظم ذلك عليه واشتد حزنه وتجدد مصابه بسيده الحسين عليه السلام وكان مسكنه يومئذ بمصر، فلما غلب عليه الوجد والغرام لحرث قبر الإمام عليه السلام خرج من مصر ماشيا هائما على وجهه شاكيا وجده إلى ربه، وبقي حزينا كئيبا حتى بلغ الكوفة، وكان البهلول يومئذ بالكوفة، فلقيه زيد المجنون وسلم عليه فرد عليه السلام، فقال له البهلول: من أين لك معرفتي فلم ترني قط؟ فقال زيد: يا هذا اعلم أن قلوب المؤمنين جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فقال له البهلول: يا زيد ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابة ولا مركوب؟ فقال: والله ما خرجت إلا من شدة وجدي وحزني، وقد بلغني أن هذا اللعين أمر بحرث قبر الحسين عليه السلام وخراب بنيانه وقتل زواره، فهذا الذي أخرجني من موطني ونقص عيشي وأجرى دموعي وأقل هجوعي فقال البهلول: وأنا والله كذلك فقال له: قم بنا نمضي إلى كربلا لنشاهد قبور أولاد علي المرتضى قال: فأخذ كل بيد صاحبه حتى وصلا إلى قبر الحسين عليه السلام وإذا هو على حاله لم يتغير، وقد هدموا بنيانه، وكلما أجروا عليه الماء غار، وحار واستدار بقدرة العزير الجبار، ولم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين عليه السلام وكان القبر الشريف إذا جاءه الماء يرتفع أرضه بإذن الله تعالى فتعجب زيد المجنون مما شاهده وقال: انظر يا بهلول يريدون ليطفؤا نور الله بأفواهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون قال: ولم يزل المتوكل يأمر بحرث قبر الحسين عليه السلام مدة عشرين سنة
والقبر على حاله لم يتغير، ولا يعلوه قطرة من الماء، فلما نظر الحارث إلى ذلك قال: آمنت بالله وبمحمد رسول الله والله لأهربن على وجهي وأهيم في البراري ولا أحرث قبر الحسين ابن بنت رسول الله وإن لي مدة عشرين سنة أنظر آيات الله وأشاهد براهين آل بيت رسول الله ولا أتعظ ولا أعتبر، ثم إنه حل النيران وطرح الفدان وأقبل يمشي نحو زيد المجنون وقال له: من أين أقبلت يا شيخ؟
قال: من مصر، فقال له: ولأي شئ جئت إلى هنا وإنه لأخشى عليك من القتل فبكى زيد وقال: والله قد بلغني حرث قبر الحسين عليه السلام فأحزنني ذلك وهيج حزني ووجدي فانكب الحارث على أقدام زيد يقبلهما وهو يقول: فداك أبي وأمي، فوالله يا شيخ من حين ما أقبلت إلي أقبلت إلي الرحمة واستنار قلبي بنور الله، وإني آمنت بالله ورسوله وإن لي مدة عشرين سنة وأنا أحرث هذه الأرض، وكلما أجريت الماء إلى قبر الحسين عليه السلام غار وحار واستدار، ولم يصل إلى قبر الحسين منه قطرة وكأني كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك إلي فبكى زيد وتمثل بهذه الأبيات:
تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما فبكى الحارث وقال: يا زيد قد أيقظتني من رقدتي، وأرشدتني من غفلتي وها أنا الآن ماض إلى المتوكل بسر من رأى، اعرفه بصورة الحال إن شاء أن يقتلني وإن شاء أن يتركني، فقال له زيد: وأنا أيضا أسير معك إليه وأساعدك على ذلك قال: فلما دخل الحارث إلى المتوكل وخبره بما شاهد من برهان قبر الحسين عليه السلام استشاط غيظا وازداد بغضا لأهل بيت رسول الله وأمر بقتل الحارث وأمر
أن يشد في رجله حبل، ويسحب على وجهه في الأسواق، ثم يصلب في مجتمع الناس، ليكون عبرة لمن اعتبر، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا وأما زيد المجنون فإنه ازداد حزنه واشتد عزاؤه وطال بكاؤه وصبر حتى أنزلوه من الصلب وألقوه على مزبلة هناك، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى الدجلة وغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وبقي ثلاثة أيام لا يفارق قبره، وهو يتلو كتاب الله عند، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا، ونوحا شجيا، وبكاء عظيما، ونساء بكثرة منشرات الشعور، مشققات الجيوب، مسودات الوجوه ورجالا بكثرة يندبون بالويل والثبور، والناس كافة في اضطراب شديد، وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال وقد نشرت لها الاعلام والرايات، والناس من حولها أفواجا قد انسدت الطرق من الرجال والنساء قال زيد: فظننت أن المتوكل قد مات، فتقدمت إلى رجل منهم وقلت له:
من يكون هذا الميت؟ فقال: هذه جنازة جارية المتوكل وهي جارية سوداء حبشية وكان اسمها ريحانة، وكان يحبها حبا شديدا، ثم إنهم عملوا لها شأنا عظيما ودفنوها في قبر جديد، وفرشوا فيه الورد والرياحين، والمسك والعنبر وبنوا عليها قبة عالية فلما نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه، وتصاعدت نيرانه وجعل يلطم وجهه ويمزق أطماره، ويحثي التراب على رأسه، وهو يقول: واويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أتقتل بالطف غريبا وحيدا ظمآنا شهيدا، وتسبى نساؤك وبناتك وعيالك، وتذبح أطفالك، ولم يبك عليك أحد من الناس، وتدفن بغير غسل ولا كفن، ويحرث بعد ذلك قبرك ليطفؤا نورك وأنت ابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء، ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمد المصطفى قال: ولم يزل يبكي وينوح حتى غشي عليه والناس كافة ينظرون إليه فمنهم من رق له، ومنهم من جنى عليه، فلما أفاق من غشوته أنشد يقول:
أيحرث بالطف قبر الحسين * ويعمر قبر بني الزانية
لعل الزمان بهم قد يعود * ويأتي بدولتهم ثانية ألا لعن الله أهل الفساد * ومن يأمن الدنية الفانية قال: إن زيدا كتب هذه الأبيات في ورقة وسلمها لبعض حجاب المتوكل قال: فلما قرأها اشتد غيظه وأمر باحضاره، فأحضر وجرى بينه وبينه من الوعظ والتوبيخ ما أغاظه حتى أمر بقتله، فلما مثل بين يديه سأله عن أبي تراب من هو؟
استحقارا له، فقال: والله إنك عارف به، وبفضله وشرفه، وحسبه، ونسبه، فوالله ما يجحد فضله إلا كل كافر مرتاب، ولا يبغضه إلا كل منافق كذاب، وشرع يعدد فضله ومناقبه حتى ذكر منها ما أغاظ المتوكل فأمر بحبسه فحبس فلما أسدل الظلام وهجع، جاء إلى المتوكل هاتف، ورفسه برجله وقال له: قم وأخرج زيدا من حبسه، وإلا أهلكك الله عاجلا، فقام هو بنفسه، وأخرج زيدا من حبسه، وخلع عليه خلعة سنية، وقال له : اطلب ما تريد قال: أريد عمارة قبر الحسين عليه السلام وأن لا يتعرض أحد لزواره فأمر له بذلك، فخرج من عنده فرحا مسرورا وجعل يدور في البلدان وهو يقول: من أراد زيارة الحسين عليه السلام فله الأمان طول الأزمان بيان: نير الفدان، بالكسر الخشبة المعترضة في عنق الثورين، والجمع النيران والأنيار، والفدان بالتشديد البقرة التي تحرث، والاسدال إرخاء الستر وإرساله، وفيه استعارة، والرفس الضرب بالرجل 13 - كامل الزيارة: أبي، عن سعد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمداني عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني كنت بالحير ليلة عرفة وكنت أصلي وثم نحو من خمسين ألفا من الناس جميلة وجوههم طيبة أرواحهم وأقبلوا يصلون بالليل أجمع، فلما طلع الفجر سجدت ثم رفعت رأسي فلم أر منهم أحدا، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: إنه مر بالحسين بن علي عليهما السلام خمسون ألف ملك وهو يقتل، فعرجوا إلى السماء فأوحى الله إليهم: مررتم بابن حبيبي وهو يقتل
فلم تنصروه؟ فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره، شعثا غبرا إلى أن تقوم الساعة 14 - كامل الزيارة: الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني مروان إلى قبر الحسين بن علي عليه السلام مستخفيا من أهل الشام حتى انتهيت إلى كربلا فاختفيت في ناحية القرية، حتى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر فلما دنوت منه أقبل نحوي رجل فقال لي: انصرف مأجورا فإنك لا تصل إليه فرجعت فزعا حتى إذا كاد يطلع الفجر أقبلت نحوه حتى إذا دنوت منه خرج إلي الرجل، فقال لي: يا هذا إنك لن تصل إليه، فقلت له: عافاك الله ولم لا أصل إليه وقد أقبلت من الكوفة أريد زيارته؟ فلا تحل بيني وبينه عافاك الله، وأنا أخاف أن أصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني ههنا، قال: فقال لي: اصبر قليلا فان موسى بن عمران عليه السلام سأل الله أن يأذن له في زيارة قبر الحسين بن علي فأذن له فهبط من السماء في سبعين ألف ملك فهم بحضرته من أول الليل ينتظرون طلوع الفجر، ثم يرجعون إلى السماء قال: فقلت: فمن أنت عافاك الله؟ قال: أنا من الملائكة الذين أمروا بحرس قبر الحسين عليه السلام والاستغفار لزواره، فانصرفت وقد كاد يطير عقلي لما سمعت منه، قال: فأقبلت حتى إذا طلع الفجر أقبلت نحوه فلم يحل بيني وبينه أحد فدنوت منه فسلمت عليه، ودعوت الله على قتلته، وصليت الصبح، وأقبلت مسرعا مخافة أهل الشام 14 - دعوات الراوندي: حدثني الشيخ أبو جعفر النيشابوري رضي الله عنه قال:
خرجت ذات سنة إلى زيارة الحسين عليه السلام في جماعة فلما كنا على فرسخين من المشهد أو أكثر، أصاب رجلا من الجماعة الفالج، وصار كأنه قطعة لحم، قال: وجعل
يناشدنا بالله أن لا نخليه، وأن نحمله إلى المشهد، فقام عليه من يراعيه ويحافظه على البهيمة، فلما دخلنا الحضرة وضعناه على ثوب وأخذ رجلان منا طرفي الثوب ورفعناه على القبر، وكان يدعو ويتضرع ويبكي ويبتهل ويقسم على الله بحق الحسين أن يهب له العافية، قال: فلما وضع الثوب على الأرض جلس الرجل ومشى وكأنما نشط من عقال لقد تم هذا المجلد بفضل الله وعونه في شهر ربيع الأول من شهور سنة تسع وسبعين بعد الألف من الهجرة والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين المقدسين
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.