پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد العاشر

باب أحوال المختار بن أبي

ج ۴۵، ص ۳۳۱–۳۵۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۵

ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي؟ فقلت: تركته حيا بالكوفة قال: فرفع يديه جميعا ثم قال عليه السلام: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار قال المنهال: فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي وكان لي صديقا فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني وركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال: يا منهال لم تأتنا في ولايتنا هذه ولم تهنئنا بها ولم تشركنا فيها؟

فأعلمته أني كنت بمكة وأني قد جئتك الآن، وسايرته ونحن نتحدث حتى أتى الكناس فوقف وقوفا كأنه ينظر شيئا وقد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهل فوجه في طلبه، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون وقوم يشتدون، حتى قالوا: أيها الأمير البشارة، قد اخذ حرملة بن كاهل، فما لبثنا أن جيئ به فلما نظر إليه المختار قال لحرملة: الحمد لله الذي مكنني منك، ثم قال: الجزار الجزار فأتي بجزار، فقال له: اقطع يديه ، فقطعتا ثم قال له: اقطع رجليه، فقطعتا، ثم قال: النار النار فأتي بنار وقصب فألقي عليه فاشتعل فيه النار فقلت: سبحان الله! فقال لي: يا

منهال إن التسبيح لحسن ففيم سبحت؟ فقلت: أيها الأمير دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكة على علي بن الحسين عليه السلام فقال لي: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي فقلت: تركته حيا بالكوفة، فرفع يديه جميعا فقال: اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار فقال لي المختار: أسمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول هذا؟ فقلت: الله لقد سمعته يقول هذا، قال: فنزل عن دابته وصلى ركعتين فأطال السجود ثم قام فركب وقد احترق حرملة وركبت معه، وسرنا فحاذيت داري فقلت: أيها الأمير إن رأيت أن تشرفني وتكرمني وتنزل عندي وتحرم بطعامي، فقال: يا منهال تعلمني أن علي بن الحسين دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي ثم تأمرني أن آكل؟ هذا يوم صوم شكرا الله عز وجل على ما فعلته بتوفيقه، وحرملة هو الذي حمل رأس الحسين عليه السلام بيان: الحرمة مالا يحل انتهاكه، ومنه قولهم: تحرم بطعامه، وذلك لان العرب إذا أكل رجل منهم من طعام غيره حصلت بينهما حرمة وذمة يكون كل منهما آمنا من أذى صاحبه 2 - أمالي الطوسي: المفيد، عن محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا المدائني، عن رجاله أن المختار بن أبي عبيد الثقفي ظهر بالكوفة ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست وستين، فبايعه الناس على كتاب الله وسنة رسول الله والطلب بدم الحسين ابن علي عليه السلام ودماء أهل بيته رحمة الله عليهم والدفع عن الضعفاء، فقال الشاعر في ذلك:

ولما دعا المختار جئنا لنصره * على الخيل تردي من كميت وأشقرا دعا يا لثأرات الحسين فأقبلت * تعادي بفرسان الصباح لتثأرا ونهض المختار إلى عبد الله بن مطيع وكان على الكوفة من قبل ابن الزبير فأخرجه وأصحابه منها منهزمين وأقام بالكوفة إلى المحرم سنة سبع وستين، ثم عمد

على إنفاذ الجيوش إلى ابن زياد وكان بأرض الجزيرة، فصير على شرطه أبا عبد الله الجدلي وأبا عمارة كيسان مولى عربية وأمر إبراهيم بن الأشتر - ره - بالتأهب للمسير إلى ابن زياد لعنه الله وأمره على الأجناد، فخرج إبراهيم يوم السبت لسبع خلون من المحرم سنة سبع وستين في ألفين من مذحج وأسد وألفين من تميم و همدان، وألف وخمسمائة من قبائل المدينة وألف وخمسمائة من كندة وربيعة وألفين من الحمرا، وقال بعضهم: كان ابن الأشتر في أربعة آلاف من القبائل وثمانية آلاف من الحمراء وشيع المختار إبراهيم بن الأشتر - ره - ماشيا فقال له إبراهيم: اركب رحمك الله فقال: إني لأحتسب الاجر في خطاي معك وأحب أن تغبر قدماي في نصر آل محمد عليهم السلام ثم ودعه وانصرف فسار ابن الأشتر حتى أتى المدائن ثم سار يريد ابن زياد فشخص المختار عن الكوفة لما أتاه أن ابن الأشتر قد ارتحل من المدائن وأقبل حتى نزل المدائن فلما نزل ابن الأشتر نهر الخازر بالموصل أقبل ابن زياد في الجموع فنزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الأشتر ثم التقوا فحض ابن الأشتر أصحابه وقال: يا أهل الحق وأنصار الدين! هذا ابن زياد قاتل حسين بن علي وأهل بيته قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان، فقاتلوهم بنية وصبر، لعله الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم وتزاحفوا ونادى أهل العراق يا آل ثأرات الحسين، فجال أصحاب ابن الأشتر جولة فناداهم يا شرطة الله الصبر الصبر فتراجعوا فقال لهم عبد الله بن بشار بن أبي عقب الدئلي: حدثني خليلي أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له: الخازر فيكشفونا حتى نقول: هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فأبشروا واصبروا

فإنكم لهم قاهرون ثم حمل ابن الأشتر - ره - يمينا فخالط القلب وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم، فانجلت الغمة وقد قتل عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وشرحبيل ابن ذي الكلاع، وابن حوشب، وغالب الباهلي ، وعبد الله بن إياس السلمي وأبو الأشرس الذي كان على خراسان، وأعيان أصحابه لعنهم الله.

فقال ابن الأشتر لأصحابه: إني رأيت بعد ما انكشف الناس طائفة منهم قد صبرت تقاتل فأقدمت عليهم وأقبل رجل آخر في كبكبه كأنه بغل أقمر يغري الناس لا يدنو منه أحد إلا صرعه، فدنا مني فضربت يده فأبنتها وسقط على شاطئ نهر فسرقت يداه وعربت رجلاه فقتلته، ووجدت منه ريح المسك وأظنه ابن زياد فاطلبوه! فجاء رجل فنزع خفيه وتأمله فإذا هو ابن زياد لعنه الله على ما وصف ابن الأشتر، فاجتز رأسه واستوقدوا عامة الليل بجسده فنظر إليه مهران مولى زياد وكان يحبه حبا شديدا فحلف أن لا يأكل شحما أبدا فأصبح الناس فحووا ما في العسكر، وهرب غلام لعبيد الله إلى الشام، فقال له عبد الملك بن مروان: متى عهدك بابن زياد؟ فقال:

جال الناس فتقدم فقاتل وقال: ائتني بجرة فيها ماء فأتيته فاحتملها فشرب منها وصب الماء بين درعه وجسده، وصب على ناصية فرسه فصهل، ثم اقتحمه فهذا آخر عهدي به.

قال: وبعث ابن الأشتر برأس ابن زياد إلى المختار وأعيان من كان معه فقدم بالرؤس والمختار يتغدى، فألقيت بين يديه، فقال: الحمد لله رب العالمين وضع رأس الحسين بن علي عليه السلام بين يدي ابن زياد وهو يتغدى، واتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدى، قال: وانسابت حية بيضاء تخلل الرؤس حتى دخلت في أنف ابن زياد وخرجت من اذنه ودخلت من اذنه وخرجت من أنفه، فلما فرغ المختار من الغداء قام فوطأ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى مولى له وقال: اغسلها فاني وضعتها على وجه نجس كافر.

وخرج المختار إلى الكوفة، وبعث برأس ابن زياد، ورأس حصين بن نمير

ورأس شرحبيل بن ذي الكلاع، مع عبد الرحمان بن أبي عمير الثقفي، وعبد الله ابن شداد الجشمي والسائب بن مالك الأشعري إلى محمد ابن الحنفية بمكة، و علي بن الحسين عليه السلام يومئذ بمكة، وكتب إليه معهم " أما بعد فاني بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد، فخرجوا محتسبين محنقين أسفين، فلقوهم دون نصيبين، فقتلهم رب العباد والحمد لله رب العالمين الذي طلب لكم الثأر، وأدرك لكم رؤساء أعدائكم فقتلهم في كل فج وغرقهم في كل بحر، فشفى بذلك صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم " وقدموا بالكتاب والرؤس إليه فبعث برأس ابن زياد إلى علي بن الحسين عليه السلام فادخل عليه وهو يتغدى فقال علي بن الحسين عليهما السلام أدخلت على ابن زياد لعنه الله وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه فقلت اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدى، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي ثم أمر فرمي به، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه ابن الزبير على قصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت حية من تحت الستار فأخذت بأنفه فأعادوا القصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت الحية فأزمت بأنفه ففعل ذلك ثلاث مرات، فأمر ابن الزبير فألقي في بعض شعاب مكة.

قال: وكان المختار - ره - قد سئل في أمان عمر بن سعد بن أبي وقاص فآمنه على أن لا يخرج من الكوفة، فان خرج منها فدمه هدر، قال: فأتى عمر بن سعد رجل فقال: إني سمعت المختار يحلف ليقتلن رجلا والله ما أحسبه غيرك، قال: فخرج عمر حتى أتى الحمام فقيل له: أترى هذا يخفى على المختار؟ فرجع ليلا فدخل داره فلما كان الغد غدوت فدخلت على المختار، وجاء الهشيم بن الأسود فقعد فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: أين لنا بالذي كان بيننا وبينك؟ قال: اجلس فدعا المختار أبا عمرة فجاء رجل قصير يتخشخش في الحديد، فساره ودعا برجلين فقال: اذهبا معه، فذهب فوالله ما أحسبه بلغ دار

عمر بن سعد حتى جاء برأسه فقال المختار لحفص: أتعرف هذا؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: يا أبا عمرة ألحقه به فقتله فقال المختار - ره -: عمر بالحسين وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء.

قال: واشتد أمر المختار بعد قتل ابن زياد وأخاف الوجوه وقال: لا يسوغ لي طعام ولا شراب حتى أقتل قتلة الحسن بن علي عليه السلام وأهل بيته وما من ديني أترك أحدا منهم حيا وقال: أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل بيته، فلم يكن يأتونه برجل فيقولون إن هذا من قتلة الحسين أو ممن أعان عليه إلا قتله وبلغه أن شمر بن ذي الجوشن لعنه الله أصاب مع الحسين إبلا فأخذها فلما قدم الكوفة نحرها وقسم لحومها، فقال المختار: أحصوا لي كل دار دخل فيها شئ من ذلك اللحم، فأحصوها فأرسل إلى من كان أخذ منها شيئا فقتلهم، وهدم دورا بالكوفة.

واتي المختار بعبد الله بن أسيد الجهني ومالك بن الهيثم البداني من كندة وحمل بن مالك المحاربي فقال: يا أعداء الله أين الحسين بن علي؟ قالوا: أكرهنا على الخروج إليه، قال: أفلا مننتم عليه وسقيتموه من الماء؟ وقال للبداني: أنت صاحب برنسه لعنك الله؟ قال: لا، قال: بلى، ثم قال: اقطعوا يديه ورجليه، ودعوه يضطرب حتى يموت، فقطعوه وأمر بالآخرين فضربت أعناقهما واتي بقراد بن مالك وعمرو بن خالد وعبد الرحمان البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، فقال لهم: يا قتلة الصالحين ألا ترون الله برئ منكم، لقد جاءكم الورس بيوم نحس فأخرجهم إلى السوق، فقتلهم.

وبعث المختار معاذ بن هانئ الكندي وأبا عمرة كيسان إلى دار خولي بن يزيد الأصبحي وهو الذي حمل رأس الحسين عليه السلام إلى ابن زياد فأتوا داره فاستخفى في المخرج، فدخلوا عليه فوجدوه قد ركب على نفسه قوصرة فأخذوه وخرجوا يريدون المختار، فتلقاهم في ركب، فردوه إلى داره وقتله عندها وأحرقه

وطلب المختار شمر بن ذي الجوشن فهرب إلى البادية فسعى به إلى أبي عمرة فخرج إليه مع نفر من أصحابه فقاتلهم قتالا شديدا فأثخنته الجراحة، فأخذه أبو عمرة أسيرا وبعث به إلى المختار فضرب عنقه وأغلى له دهنا في قدر فقذفه فيها فتفسخ، ووطئ مولى لآل حارثة بن مضرب وجهه ورأسه، ولم يزل المختار يتتبع قتلة الحسين وأهله حتى قتل منهم خلقا كثيرا، وهرب الباقون فهدم دورهم، وقتلت العبيد مواليهم الذين قاتلوا الحسين عليه السلام، وأتو المختار فأعتقهم ايضاح: ردى الفرس بالفتح يردي رديا إذا رجم الأرض رجما بين العدو والمشي الشديد، قوله تعادى من العداوة أو من العدو، والأخير أظهر قوله لتثأر أي لتطلب الثأر بدم الحسين عليه السلام وقال الفيروزآبادي: سرقت مفاصله كفرح ضعف وفي بعض النسخ بالشين من الشرق بمعنى الشق، أو من قولهم شرق الدم بجسده شرقا إذا ظهر ولم يسل، وعرب كفرح: ورم وتقيح، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة، من قولهم غرب كفرح اسود، وقال الجوهري: يقال: أزم الرجل بصاحبه إذا لزمه عن أبي زيد وأزمه أيضا أي عضه والحمام اسم موضع خارج الكوفة وقال الجوهري: القوصرة بالتشديد هذا الذي يكنز فيه التمر من البواري أقول: قد مضى ذم المختار في باب مصالحة الحسن عليه السلام.

3 - بصائر الدرجات: أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب قال: حدث أبو جعفر أن علي بن دراج حدثه أن المختار استعمله على بعض عمله وأن المختار أخذه فحبسه وطلب منه مالا حتى إذا كان يوما من الأيام دعاه هو وبشر بن غالب فهددهما بالقتل، فقال له بشر بن غالب وكان رجلا متنكرا: والله ما تقدر على قتلنا قال: لم ومم ذلك ثكلتك أمك وأنتما أسيران في يدي؟ قال: لأنه جاءنا في الحديث أنك تقتلنا حين تظهر على دمشق فتقتلنا على درجها، قال له المختار: صدقت قد جاء هذا. قال: فلما قتل المختار خرجا من محبسهما

أقول: تمامه في معجزات الباقر عليه السلام 4 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن الكوفي عن أبي عبد الله الخياط، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عز وجل إذا أراد أن ينتصر لأوليائه انتصر لهم بشرار خلقه وإذا أراد أن ينتصر لنفسه انتصر بأوليائه، ولقد انتصر ليحيى بن زكريا ببخت نصر 5 - السرائر: أبان بن تغلب، عن جعفر بن إبراهيم، عن زرعة، عن سماعة قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا كان يوم القيامة مر رسول الله بشفير النار، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، فيصيح صائح من النار: يا رسول الله أغثني يا رسول الله ثلاثا قال:

فلا يجيبه، قال: فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني فلا يجيبه، قال:

فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك، قال: فيقول له رسول الله:

قد احتج عليك قال: فينقض عليه كأنه عقاب كاسر، قال: فيخرجه من النار قال:

فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: ومن هذا جعلت فداك؟ قال: المختار، قلت له: ولم عذب بالنار، وقد فعل ما فعل؟ قال: إنه كان في قلبه منهما شئ، والذي بعث محمدا بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قلبيهما شئ لأكبهما الله في النار على وجوههما بيان: كأن هذا الخبر وجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب بأنه وإن لم يكن كاملا في الايمان واليقين، ولا مأذونا فيما فعله صريحا من أئمة الدين، لكن لما جرى على يديه الخيرات الكثيرة، وشفي بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره آئلة إلى النجاة، فدخل بذلك تحت قوله سبحانه: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " وأنا في شأنه من المتوقفين وإن كان الأشهر بين أصحابنا أنه من المشكورين 6 - تفسير الإمام العسكري: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: كما أن بعض بني إسرائيل أطاعوا فأكرموا، وبعضهم عصوا فعذبوا، فكذلك تكونون أنتم، فقالوا: فمن العصاة

يا أمير المؤمنين؟ قال: الذين أمروا بتعظيمنا أهل البيت وتعظيم حقوقنا، فخانوا وخالفوا ذلك، وجحدوا حقوقنا واستخفوا بها، وقتلوا أولادنا أولاد رسول الله الذين أمروا باكرامهم ومحبتهم، قالوا يا أمير المؤمنين إن ذلك لكائن؟ قال:

بلى خبرا حقا وأمرا كائنا سيقتلون ولدي هذين الحسن والحسين.

ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: وسيصيب الذين ظلموا رجزا في الدنيا بسيوف بعض من يسلط الله تعالى عليهم للانتقام بما كانوا يفسقون كما أصاب بني إسرائيل الرجز، قيل: ومن هو؟ قال: غلام من ثقيف، يقال له المختار بن أبي عبيد وقال علي بن الحسين عليهما السلام: فكان ذلك بعد قوله هذا بزمان وإن هذا الخبر اتصل بالحجاج بن يوسف لعنه الله من قول علي بن الحسين عليهما السلام قال: أما رسول الله ما قال هذا، وأما علي بن أبي طالب فأنا أشك هل حكاه عن رسول الله، وأما علي بن الحسين فصبي مغرور، يقول الأباطيل، ويغربها متبعوه، اطلبوا لي المختار.

فطلب فاخذ فقال: قدموه إلى النطع فاضربوا عنقه، فاتي بالنطع فبسط وأبرك عليه المختار، ثم جعل الغلمان يجيئون ويذهبون لا يأتون بالسيف قال الحجاج:

ما لكم؟ قالوا: لسنا نجد مفتاح الخزانة وقد ضاع منا والسيف في الخزانة فقال المختار:

لن تقتلني ولن يكذب رسول الله ولئن قتلتني ليحييني الله حتى أقتل منكم ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألفا، فقال الحجاج لبعض حجابه: أعط السياف سيفك يقتله فأخذ السياف سيفه وجاء ليقتله به والحجاج يحثه ويستعجله، فبينا هو في تدبيره إذ عثر والسيف بيده فأصاب السيف بطنه فشقه فمات، فجاء بسياف آخر وأعطاه السيف فلما رفع يده ليضرب عنقه لدغته عقرب فسقط فمات، فنظروا وإذا العقرب فقتلوه.

فقال المختار: يا حجاج إنك لا تقدر على قتلي ويحك يا حجاج أما تذكر ما قال نزار بن معد بن عدنان للسابور ذي الأكتاف حين كان يقتل العرب، ويصطلمهم فأمر نزار ولده: فوضع في زبيل في طريقه فلما رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من العرب أريد أن أسألك لم تقتل هؤلاء العرب ولا ذنوب لهم إليك، وقد قتلت الذين كانوا مذنبين في عملك والمفسدين؟ قال: لأني وجدت في الكتاب

أنه يخرج منهم رجل يقال له محمد يدعي النبوة فيزيل دولة ملوك الأعاجم ويفنيها فأقتلهم حتى لا يكون منهم ذلك الرجل، فقال نزار: لئن كان ما وجدته في كتب الكذابين فما أولاك أن تقتل البراء غير المذنبين وإن كان ذلك من قول الصادقين فان الله سيحفظ ذلك الأصل الذي يخرج منه هذا الرجل ولن تقدر على إبطاله ويجري قضاءه وينفذ أمره ولو لم يبق من جميع العرب إلا واحد، فقال سابور:

صدقت هذا نزار يعني بالفارسية المهزول كفوا عن العرب، فكفوا عنهم، ولكن يا حجاج إن الله قد قضى أن أقتل منكم ثلاثمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف رجل فإن شئت فتعاط قتلي وإن شئت فلا تتعاط فان الله إما أن يمنعك عني وإما أن يحييني بعد قتلك، فان قول رسول الله حق لا مرية فيه.

فقال للسياف: اضرب عنقه فقال المختار: إن هذا لن يقدر على ذلك وكنت أحب أن تكون أنت المتولي لما تأمره فكان يسلط عليك أفعى كما سلط على هذا الأول عقربا، فلما هم السياف أن يضرب عنقه إذا برجل من خواص عبد الملك ابن مروان قد دخل فصاح بالسياف كف عنه، ومعه كتاب من عبد الملك بن مروان فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا حجاج بن يوسف فإنه قد سقط إلينا طير عليه رقعة أنك أخذت المختار بن أبي عبيد تريد قتله، تزعم أنه حكى عن رسول الله فيه أنه سيقتل من أنصار بني أمية ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألف رجل، فإذا أتاك كتابي هذا فخل عنه، ولا تعرض له إلا بسبيل خير فإنه زوج ظئر ابني الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد كلمني فيه الوليد وإن الذي حكى إن كان باطلا فلا معنى لقتل رجل مسلم بخبر باطل، وإن كان حقا فإنك لا تقدر على تكذيب قول رسول الله، فخلى عنه الحجاج.

فجعل المختار يقول: سأفعل كذا، وأخرج وقت كذا وأقتل من الناس كذا وهؤلاء صاغرون يعني بني أمية، فبلغ ذلك الحجاج فاخذ وانزل وأمر بضرب العنق فقال المختار: إنك لا تقدر على ذلك فلا تتعاط ردا على الله، وكان في ذلك إذ سقط عليه طائر آخر عليه كتاب من عبد الملك بن مروان بسم الله الرحمن الرحيم يا حجاج لا تعرض للمختار فإنه زوج مرضعة ابني الوليد، ولئن كان حقا فستمنع من قتله

كما منع دانيال من قتل بخت نصر الذي كان قضى الله أن يقتل بني إسرائيل، فتركه الحجاج وتوعده إن عاد لمثل مقالته، فعاد لمثل مقالته واتصل بالحجاج الخبر فطلبه فاختفى مدة ثم ظفر به فلما هم بضرب عنقه إذ قد ورد عليه كتاب عبد الملك فاحتبسه الحجاج وكتب إلى عبد الملك كيف تأخذ إليك عدوا مجاهرا يزعم أنه يقتل من أنصار بني أمية كذا وكذا ألفا، فبعث إليه إنك رجل جاهل لئن كان الخبر فيه باطلا فما أحقنا برعاية حقه لحق من خدمنا وإن كان الخبر فيه حقا فإنه سنربيه ليسلط علينا كما ربى فرعون موسى عليه السلام حتى سلط عليه، فبعث به الحجاج وكان من المختار ما كان، وقتل من قتل وقال علي بن الحسين عليهما السلام لأصحابه وقد قالوا له: يا ابن رسول الله إن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر من أمر المختار ولم يقل متى يكون قتله لمن يقتل، فقال علي بن الحسين (صدق أمير المؤمنين) أولا أخبركم متى يكون؟ قالوا: بلى قال: يوم كذا إلى ثلاث سنين من قولي هذا، وسيؤتى برأس عبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن في يوم كذا وكذا وسنأكل وهما بين أيدينا ننظر إليهما، قال:

فلما كان اليوم الذي أخبرهم أنه يكون فيه القتل من المختار لأصحاب بني أمية كان علي بن الحسين عليهما السلام مع أصحابه على مائدة إذ قال لهم: معاشر إخواننا طيبوا أنفسكم فإنكم تأكلون وظلمة بني أمية يحصدون، قالوا: أين؟ قال: في موضع كذا يقتلهم المختار، وسيؤتى برأسين يوم كذا وكذا، فلما كان في ذلك اليوم اتي بالرأسين لما أراد أن يقعد للأكل، وقد فرغ من صلاته فلما رآهما سجد وقال:

الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني فجعل يأكل وينظر إليهما، فلما كان في وقت الحلوا لم يأت بالحلوا لأنهم كانوا قد اشتغلوا عن عمله بخبر الرأسين فقال ندماؤه ولم يعمل اليوم الحلوا؟ فقال علي بن الحسين عليهما السلام: لا نريد حلوا أحلى من نظرنا إلى هذين الراسين.

ثم عاد إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام قال: وما للكافرين والفاسقين عند الله أعظم وأوفى.

توضيح: قوله عليه السلام " فكان (دلك) بعد قوله هذا " أي ولد المختار بعد قول أمير المؤمنين هذا بزمان.

7 - رجال الكشي: حمدويه، عن يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنى عن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تسبوا المختار فإنه قد قتل قتلتنا وطلب بثأرنا وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة 8 - رجال الكشي: محمد بن الحسن، وعثمان بن حامد، عن محمد بن يزداد الرازي عن ابن أبي الخطاب، عن عبد الله المزخرف، عن حبيب الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان المختار يكذب على علي بن الحسين عليهما السلام.

9 - رجال الكشي: محمد بن الحسن وعثمان بن حامد، عن محمد بن يزداد، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك قال: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام يوم النحر وهو متكئ، وقال: أرسل إلى الحلاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال: من أنت؟ قال: أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعدا من أبي جعفر عليه السلام فمد يده إليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثم قال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك قال: وأي شئ يقولون؟ قال: يقولون كذاب، ولا تأمرني بشئ إلا قبلته فقال: سبحان الله أخبرني أبي والله أن مهر أمي كان مما بعث به المختار، أولم يبن دورنا؟ وقتل قاتلينا؟ وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي أنه كان ليسمر عند فاطمة بنت علي يمهدها الفراش ويثني لها الوسائد، ومنها أصاب الحديث رحم الله أباك رحم الله أباك ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه، قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا بيان: ليسمر من السمر وهو الحديث بالليل، وفي بعض النسخ ليستمر فهو إما افتعال أيضا من السمر، أو بتشديد الراء أي كان دائما عندها، وفي بعض النسخ

لييتم وفي بعضها ليتم والأول كأنه أصوب 10 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن محمد بن عمرو، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب المختار بن أبي عبيد إلى علي بن الحسين وبعث إليه بهدايا من العراق فلما وقفوا على باب علي دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي فاني لا أقبل هدايا الكذابين، ولا أقرأ كتبهم، فمحوا العنوان وكتبوا للمهدي محمد بن علي، فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئا إنما كتب إليه يا ابن خير من طشى ومشى، فقال أبو بصير: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: أما المشي فأنا أعرفه فأي شئ الطشي، فقال أبو جعفر: الحياة بيان: لم أجد الطشي فيما عندنا من كتب اللغة 11 - رجال الكشي: جبرئيل، عن العبيدي، عن ابن أسباط، عن عبد الرحمن بن حماد، عن علي بن حزور، عن الأصبغ قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس 12 - رجال الكشي: إبراهيم بن محمد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن العباس بن عامر، عن ابن عميرة، عن جارود بن المنذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤس الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه 13 - رجال الكشي: محمد بن مسعود، عن علي بن أبي علي، عن خالد بن يزيد، عن الحسين بن زيد عن عمر بن علي بن الحسين أن علي بن الحسين عليهما السلام لما اتي بر أس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد خر ساجدا وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى المختار خيرا 13 - رجال الكشي: بهذا الاسناد، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين بعشرين ألف دينار فقبلها وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما

أظهر الكلام الذي أظهره فردها ولم يقبلها والمختار هو الذي دعا الناس إلى محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ابن الحنفية وسموا الكيسانية وهم المختارية، وكان لقبه كيسان، ولقب بكيسان لصاحب شرطه المكنى أبا عمرة، وكان اسمه كيسان وقيل إنه سمي كيسان بكيسان مولى علي بن أبي طالب وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين عليه السلام ودله على قتلته، وكان صاحب سره والغالب على أمره، وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين أنه في دار أوفي موضع إلا قصده وهدم الدار بأسرها، وقتل كل من فيها من ذي روح، وكل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها وأهل الكوفة يضربون بها المثل، فإذا افتقر انسان قالوا: " دخل أبو عمرة بيته " حتى قال فيه الشاعر:

إبليس بما فيه * خير من أبي عمرة * يغويك ويطغيك * ولا يعطيك كسرة 14 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الربيع ابن محمد المسلي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي:

ما زال سرنا مكتوما حتى صار في يدي ولد كيسان فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد بيان: قال الفيروزآبادي: كيسان لقب المختار بن أبي عبيد المنسوب إليه الكيسانية 15 - التهذيب: محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن أحمد بن أبي قتادة، عن أحمد بن هلال، عن أمية بن علي القيسي، عن بعض من رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يجوز النبي الصراط يتلوه علي، ويتلو عليا الحسن ويتلو الحسن الحسين فإذا توسطوه نادى المختار الحسين يا أبا عبد الله إني طلبت بثأرك، فيقول النبي للحسين عليه السلام: أجبه فينقض الحسين في النار كأنه عقاب كاسر ، فيخرج المختار حممة، ولو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه بيان: انقض الطائر هوى في طيرانه، وكسر الطائر أي ضم جناحيه حين

ينقض، والحمم بضم الحاء وفتح الميم الرماد والفحم، وكل ما احترق من النار، قوله عليه السلام: " حبهما " أي حب الشيخين الملعونين، وقيل: حب الحسنين صلوات الله عليهما، فيكون تعليلا لاخراجه كما أنه على الأول تعليل لدخوله واحتراقه، ويدفعه ما مر من خبر سماعة وقيل: المراد حب الرئاسة والمال والأول هو الصواب 16 - وقال الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر قيل: بعث المختار بن أبي عبيد إلى علي بن الحسين عليهما السلام بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه، وخاف أن يردها فتركها في بيت، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه: خذها طيبة هنيئة، فكان علي يلعن المختار ويقول: كذب على الله وعلينا لان المختار كان يزعم أنه يوحى إليه أقول: ولنورد هنا رسالة شرح الثأر الذي ألفه الشيخ الفاضل البارع جعفر ابن محمد بن نما فإنها مشتملة على جل أحوال المختار ومن قتله من الأشرار، على وجه الاختصار، ليشفي به صدور المؤمنين الأخيار، وليظهر منها بعض أحوال المختار وهي هذه:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمدا لله الذي جعل الحمد ثمنا لثوابه ونجاة يوم الوعيد من عقابه، والصلاة على محمد الذي شرفت الأماكن بذكره وعطرت المساكن برباء نشره وعلى آله وأصحابه الذين عظم قدرهم بقدره وتابعوه في نهيه وأمره، فاني لما صنفت كتاب المقتل الذي سميته مثير الأحزان ومنير سبل الأشجان، وجمعت فيه من طرائف الاخبار، ولطائف الآثار ما يربى على الجوهر والنضار، سألني جماعة من الأصحاب أن أضيف إليه عمل الثأر، وأشرح قضية المختار، فتارة أقدم وأخرى أحجم، ومرة أجنح جنوح الشامس، وآونة

أنفر نفور العذراء من يد اللامس، وأردهم عن عمله فرقا من التعرض لذكره وإظهار مخفي سره ثم كشفت قناع المراقبة في إجابة سؤالهم، والانقياد لمرامهم، وأظهرت ما كان في ضميري، وجعلت نشر فضيلته أنيسي وسميري، لأنه به خبت نار وجد سيد المرسلين، وقرة عين زين أصحابنا مثله. زال السلف يتباعدون عن زيارته ويتقاعدون عن إظهار فضيلته، تباعد الضب عن الماء، والفراقد من الحصباء، ونسبوه إلى القول بامامة محمد ابن الحنفية، ورفضوا قبره، وجعلوا قربهم إلى الله هجره، مع قربه، وإن قبته لكل من خرج من باب مسلم بن عقيل كالنجم اللامع، وعدلوا من العلم إلى التقليد، ونسوا ما فعل بأعداء المقتول الشهيد، وأنه جاهد في الله حق الجهاد، وبلغ من رضا زين العابدين غاية المراد، ورفضوا منقبته التي رقت حواشيها وتفجرت ينابيع السعادة فيها وكان محمد ابن الحنفية أكبر من زين العابدين سنا ويرى تقديمه عليه فرضا ودينا ولا يتحرك حركة إلا بما يهواه، ولا ينطق إلا عن رضاه، ويتأمر له تأمر الرعية للوالي، ويفضله تفضيل السيد على الخادم والموالي، وتقلد محمد - ره - أخذ الثأر إراحة لخاطره الشريف، من تحمل الأثقال، والشد والترحال ويدل على ذلك ما رويته عن أبي بجير عالم الأهواز وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: حججت فلقيت إمامي وكنت يوما عنده فمر به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه، وقبل ما بين عينيه وخاطبه بالسيادة ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عناي، فقال:، وكيف ذاك؟ قلت: لأنا نعتقد أنك الامام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام، وتقول له يا سيدي؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت:

ومن هذا؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الإمامة ونازعني فقال لي: أترضى بالحجر الأسود حكما بيني وبينك؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد؟ فقال: إن إماما لا يكلمه الجماد فليس بامام، فاستحييت من ذلك فقلت:

بيني وبينك الحجر الأسود، فقصدنا الحجر وصلى وصليت، وتقدم إليه وقال:

أسألك بالذي أودعك مواثيق العباد لتشهد لهم بالموافاة إلا أخبرتنا من الامام منا؟

فنطق والله الحجر، وقال: يا محمد سلم الامر إلى ابن أخيك فهو أحق به منك، و هو إمامك، وتحلحل حتى ظننته يسقط فأذعنت بإمامته، ودنت له بفرض طاعته قال أبو بجير: فانصرفت من عنده، وقد دنت بامامة علي بن الحسين عليهما السلام وتركت القول بالكيسانية وروي عن أبي بصير أنه قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهرا ولا يشك أنه الامام حتى أتاه يوما فقال له:

جعلت فداك إن لي حرمة ومودة فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الامام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟ قال: يا أبا خالد لقد حلفتني بالعظيم، الإمام علي ابن أخي، علي وعليك، وعلى كل مسلم فلما سمع أبو خالد قول محمد ابن الحنفية جاء إلى علي بن الحسين فاستأذن ودخل فقال له: مرحبا يا كنكر، ما كنت لنا بزائر، ما بدا لك فينا؟ فخر أبو خالد ساجدا شكرا لما سمع من زين العابدين عليه السلام، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، قال:، وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: لأنك دعوتني باسمي الذي لا يعرفه سوى أمي، وكنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية عمرا لا أشك أنه إمام حتى أقسمت عليه فأرشدني إليك، فقال: هو الإمام علي وعليك وعلى كل مسلم ثم انصرف وقد قال بامامة زين العابدين عليه السلام وقال قوم من الخوارج لمحمد ابن الحنفية: لم غرر بك في الحروب ولم يغرر بالحسن والحسين؟ قال: لأنهما عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع بيمينه عن عينيه وروى العباس بن بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم من أيام صفين دعا علي عليه السلام ابنه محمدا فقال شد:

على الميمنة فحمل مع أصحابه فكشف ميمنة عسكر معاوية ثم رجع وقد جرح، فقال له: العطش فقام إليه عليه السلام فسقاه جرعة من ماء ثم صب الماء بين درعه وجلده فرأيت علق الدم يخرج من حلق الدرع ثم أمهله ساعة ثم قال: شد في الميسرة فحمل مع أصحابه على ميسرة معاوية فكشفهم ثم رجع وبه جراحة، وهو يقول:

الماء الماء، فقام إليه ففعل مثل الأول ثم قال: شد في القلب، فكشفهم ثم رجع وقد أثقلته الجراحات وهو يبكي، فقام إليه فقبل ما بين عينيه وقال: فداك أبوك لقد سررتني والله يا بني، فما يبكيك أفرح أم جزع؟ فقال: كيف لا أبكي وقد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني الله تعالى وكلما رجعت إليك لتمهلني فما أمهلتني، وهذان أخواي الحسن والحسين ما تأمر هما بشئ؟ فقبل عليه السلام رأسه وقال:

يا بني أنت ابني وهذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله أفلا أصونهما؟ قال: بلى يا أباه جعلني الله فداك وفداهما وإذا كان ذلك رأيه فكيف يخرج عن طاعته، ويعدل عن الاسلام بمخالفته مع علم محمد ابن الحنفية أن زين العابدين ولي الدم وصاحب الثأر، والمطالب بدماء الأبرار، فنهض المختار نهوض الملك المطاع، ومد إلى أعداء الله يدا طويلة الباع فهشم عظاما تغذت بالفجور، وقطع أعضاء نشأت على الخمور، وحاز إلى فضيلة لم يرق إلى شعاف شرفها عربي ولا أعجمي، وأحرز منقبة لم يسبقه إليها هاشمي وكان إبراهيم بن مالك الأشتر مشاركا له في هذه البلوى ومصدقا على الدعوى ولم يك إبراهيم شاكا في دينه، ولا ضالا في اعتقاده ويقينه، والحكم فيهما واحد وأنا أشرح بوار الفجار على يد المختار، معتمدا قانون الاختصار، وسميته ذوب النضار في شرح الثأر، وقد وضعته على أربع مراتب. والله الموفق لصواب، المكافي يوم الحساب

المرتبة الأولى في ذكر نسبه وطرف من اخباره هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمير الثقفي وقال المرزباني ابن عمير ابن عقدة بن عنزة: كنيته أبو إسحاق وكان أبو عبيد والده يتنوق في طلب النساء فذكر له نساء قومه فأبى أن يتزوج منهن فأتاه آت في منامه فقال تزوج دومة الحسناء الحومة، فما تسمع فيها للائم لومة، فأخبر أهله، فقالوا: قد أمرت فتزوج دومة بنت وهب بن عمر بن معتب، فلما حملت بالمختار قالت: رأيت في النوم قائلا يقول:

أبشري بالولد * أشبه شئ بالأسد إذا الرجال في كبد * تقاتلوا على بلد كان له الحظ الأشد فلما وضعت أتاها ذلك الآتي فقال لها: إنه قبل أن يترعرع، وقبل أن يتشعشع، قليل الهلع، كثير التبع، يدان بما صنع، وولدت لأبي عبيد المختار وجبرا وأبا جبر وأبا الحكم وأبا أمية، وكان مولده في عام الهجرة، وحضر مع أبيه وقعة قس الناطف وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان يتفلت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمه، فنشأ مقداما شجاعا لا يتقي شيئا، وتعاطى معالي الأمور، وكان ذا عقل وافر وجواب حاضر، وخلال مأثورة، ونفس بالسخاء موفورة، وفطرة تدرك الأشياء بفراستها، وهمة تعلو على الفراقد بنفاستها، وحدس مصيب، وكف في الحروب مجيب، ومارس التجارب فحنكته، ولابس الخطوب فهذبته

وروي عن الأصبغ بن نباته أنه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس فسمي كيسان وإليه عزي الكيسانية كما عزي الواقفة إلى موسى بن جعفر عليهما السلام والإسماعيلية إلى أخيه إسماعيل وغيرهم من الفرق وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: لا تسبوا المختار، فإنه قتل قتلتنا وطلب ثأرنا، وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة، وروي أنه دخل جماعة على أبي جعفر الباقر عليه السلام وفيهم عبد الله بن شريك، قال: فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة، فتناول يده ليقبلها فمنعه، ثم قال: من أنت؟

قال: أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعدا منه عليه السلام فمد يده فأدناه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، فقال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي، والقول والله قولك، قال: وأي شئ يقولون؟ قال: يقولون:

كذاب. ولا تأمرني بشئ إلا قبلته، فقال: سبحان الله أخبرني أبي أن مهر أمي مما بعث به المختار إليه، أولم يبن دورنا، وقتل قاتلنا، وطلب بثأرنا، فرحم الله أباك - وكررها ثلاثا ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه وعن أبي حمزة الثمالي قال: كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة في وقت الحج فأتيته سنة وإذا على فخذه صبي فقام الصبي فوقع على عتبة الباب فانشج فوثب إليه مهرولا، فجعل ينشف دمه ويقول: (إني) أعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة، قلت: بأبي أنت وأمي وأي كناسة؟ قال: كناسة الكوفة، قلت:

ويكون ذلك؟ قال: إي والذي بعث محمدا بالحق، لئن بعثت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة، وهو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة ثم ينزل فيحرق ويذرى في البر، فقلت: جعلت فداك وما اسم هذا الغلام؟ فقال: ابني زيد ثم دمعت عيناه وقال: لأحدثنك بحديث ابني هذا، بينا أنا ليلة ساجد وراكع ذهب بي النوم فرأيت كأني في الجنة وكأن رسول الله وعليا وفاطمة والحسن والحسين قد زوجوني حوراء من حور العين فواقعتها واغتسلت عند سدرة المنتهى ووليت، هتف

بي هاتف، ليهنئك زيد فاستيقظت وتطهرت وصليت صلاة الفجر فدق الباب رجل فخرجت إليه فإذا معه جارية ملفوف كمها على يده، مخمرة بخمار، قلت: حاجتك؟ قال: أريد علي بن الحسين، قلت: أنا هو، قال: أنا رسول المختار بن أبي عبيد الثقفي يقرئك السلام ويقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار، وهذه ستمائة دينار، فاستعن بها على دهرك، ودفع إلي كتابا كتبت جوابه، وقلت:

ما اسمك؟ قالت: حوراء فهيؤوها لي وبت بها عروسا، فعلقت بهذا الغلام فأسميته زيدا وستري ما قلت لك قال أبو حمزة الثمالي: فوالله لقد رأيت كل ما ذكره عليه السلام في زيد وروي عن عمر بن علي عليه السلام أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين عشرين ألف دينار، فقبلها وبنى منها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، وكان المختار ذا مقول مشحوذ الغرار، مأمون العثار، إن نثر سجع، وإن نطق برع، ثابت الجنان، مقدم الشجعان، ما حدس إلا أصاب، ولا تفرس قط خاب، ولو لم يكن كذلك لما قام بأدوات المفاخر، ورأس على الأمراء والعساكر، وولي علي عليه السلام عمه على المدائن عاملا والمختار معه ، فلما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة من قبل معاوية رحل المختار إلى المدينة، وكان يجالس محمد بن الحنفية ويأخذ عنه الأحاديث، فلما عاد إلى الكوفة ركب مع المغيرة يوما فمر بالسوق، فقال المغيرة يا لها غارة ويا له جمعا، إني لأعلم كلمة لو نعق لها ناعق ولا ناعق لها لاتبعوه، ولا سيما الأعاجم الذين إذا القي إليهم الشئ قبلوه، فقال له المختار: وما هي يا عم؟ قال: يستأدون بآل محمد فأغضي عليها المختار، ولم يزل ذلك في نفسه، ثم جعل يتكلم بفضل آل محمد وينشر مناقب علي والحسن والحسين عليهم السلام ويسير ذلك ويقول: إنهم أحق بالأمر من كل أحد بعد رسول الله، ويتوجع لهم مما نزل بهم ففي بعض الأيام لقيه معبد بن خالد الجدلي جديلة قيس، فقال له: يا معبد إن أهل الكتب ذكروا أنهم يجدون رجلا من ثقيف يقتل الجبارين، وينصر

المظلومين، ويأخذ بثأر المستضعفين، ووصفوا صفته، فلم يذكروا صفة في الرجل إلا وهي في غير خصلتين: أنه شاب وقد جاوزت الستين، وأنه ردي البصر، وأنا أبصر من عقاب، فقال معبد: أما السن فان ابن ستين وسبعين عند أهل ذلك الزمان شاب، وأما بصرك فما تدري ما يحدث الله فيه لعله يكل، قال: عسى، فلم يزل على ذلك حتى مات معاوية وولى يزيد ووجه الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة فأسكنه المختار داره وبايعه، فلما قتل مسلم - رحمه الله - سعي بالمختار إلى عبيد الله بن زياد فأحضره، وقال له: يا ابن عبيد أنت المبايع لأعدائنا فشهد له عمرو بن حريث أنه لم يفعل، فقال عبيد الله: لولا شهادة عمرو لقتلتك، وشتمه وضربه بقضيب في يده فشتر عينه، وحبسه وحبس أيضا عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب وكان في الحبس ميثم التمار - رحمه الله - فطلب عبد الله حديدة يزيل بها شعر بدنه وقال: لا آمن ابن زياد يقتلني، فأكون قد ألقيت ما على من الشعر، فقال المختار: والله لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلا قليل حتى تلي البصرة، فقال ميثم للمختار: وأنت تخرج ثائرا بدم الحسين، فتقتل هذا الذي يريد قتلنا، وتطأ بقدميك على وجنتيه ولم يزل ذلك يتردد في صدره حتى قتل الحسين عليه السلام كتب المختار إلى أخته صفية بنت أبي عبيد، وكانت زوجة عبد الله بن عمر، تسأله مكاتبة يزيد بن معاوية فكتب إليه فقال يزيد: نشفع أبا عبد الرحمن وكلمته هند بنت أبي سفيان في عبد الله بن الحارث، وهي خالته، فكتب إلى عبيد الله فأطلقهما بعد أن أجل المختار ثلاثة أيام ليخرج من الكوفة وإن تأخر عنها ضرب عنقه، فخرج هاربا نحو الحجاز حتى إذا صار بواقصة لقي الصقعب بن زهير الأزدي، فقال: يا أبا إسحاق مالي أرى عينك على هذه الحال؟ قال: فعل بي ذلك عبيد الله بن زياد، قتلني الله إن لم أقتله، واقطع أعضاءه ولأقتلن بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا وهم سبعون ألفا ثم قال: والذي أنزل القرآن، وبين الفرقان، وشرع الأديان، وكره العصيان، لأقتلن العصاة من أزد عمان، ومذحج وهمدان، ونهد وخولان

وبكر وهزان، وثعل ونبهان، وعبس وذبيان، وقبائل قيس عيلان غضبا لابن بنت نبي الرحمن، نعم يا صقعب وحق السميع العليم، العلي العظيم، العدل الكريم، العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم، لأعركن عرك الأديم بني كندة وسليم، والاشراف من تميم، ثم سار إلى مكة قال ابن العرق: رأيت المختار أشتر العين، فسألته فقال: شترها ابن زياد يا ابن العرق إن الفتنة أرعدت وأبرقت، وكأن قد أينعت وألقت خطامها، وخبطت وشمست، وهي رافعة ذيلها، وقائلة ويلها، بدجلة وحولها فلم يزل على ذلك حتى مات يزيد يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر بيع الأول سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة أربع، وعمره على الخلاف فيه ثمان وثلاثون سنة، وكان مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر، وخلف أحد عشر ولدا منهم أبو ليلى معاوية، وبويع له بالشام، وخلع نفسه وقد ذكرت حديثه في المقتل، وأخوه خالد أمه بنت هاشم بن عتبة بن عبد شمس تزوجها مروان بن الحكم بعد يزيد، وفيها قال الشاعر:

أسلمي أم خالد * رب ساع لقاعد وفي تلك السنة بويع لعبد الله بن الزبير بالحجاز، ولمروان بن الحكم بالشام ولعبيد الله بن زياد بالبصرة وأما أهل العراق فإنهم وقعوا في الحيرة والأسف والندم على تركهم نصرة الحسين عليه السلام وكان عبيد الله بن الحر بن المجمع بن حريم الجعفي من أشراف أهل الكوفة وكان قد مشى إلى الحسين وندبه إلى الخروج معه فلم يفعل، ثم تداخله الندم حتى كادت نفسه تفيض، فقال:

فيا لك حسرة ما دمت حيا * تردد بين حلقي والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري * على أهل الضلالة والنفاق غداة يقول لي بالقصر قولا: * أتتركنا وتزمع بالفراق ولو أني أواسيه بنفسي * لنلت كرامة يوم التلاق

مع ابن المصطفى نفسي فداه * تولى ثم ودع بانطلاق فلو فلق التلهف قلب حي * لهم اليوم قلبي بانفلاق فقد فاز الأولى نصروا حسينا * وخاب الآخرون أولو النفاق ولم يكن في العراق من يصلح للقتال والنجدة والبأس إلا قبائل العرب بالكوفة، فأول من نهض سليمان بن صرد الخزاعي وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله ومع علي عليه السلام والمسيب بن نجبة الفزاري وهو من كبار الشيعة وله صحبة مع علي عليه السلام، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي ورفاعة بن شداد البجلي وعبد الله ابن وأل التيمي من بني تيم اللات بن ثعلبة، واجتمعوا في دار سليمان، ومعهم أناس من الشيعة، فبدأ سليمان بالكلام، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فقد ابتلينا بطول العمر، والتعرض للفتن، ونرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ممن يقول له " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاء كم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " وقال علي عليه السلام: العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة، وليس فينا إلا من قد بلغها وكنا مغرمين بتزكية أنفسنا، ومدح شيعتنا، حتى بلى الله خيارنا، فوجدنا كذابين في نصرا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عذر دون أن تقتلوا قاتليه، فعسى ربنا أن يعفو عنا قال رفاعة بن شداد: قد هداك الله لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك، فان رأيتم ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله سليمان بن صرد فقال المسيب بن نجبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أرى الذي رأيتم، فاستعدوا للحرب وكتب سليمان كتابا إلى من كان بالمدائن من الشيعة من أهل الكوفة، وحمله مع عبد الله بن مالك الطائي إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يدعوهم إلى أخذ الثأر فلما وقفوا على الكتاب قالوا: رأينا مثل رأيهم وكتب سعد بن حذيفة الجواب بذلك

وكتب سليمان إلى المثنى بن مخرمة العبدي كتابا وبعثه مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد فكتب المثنى الجواب " أما بعد فقد قرأت كتابك وأقرأته إخوانك فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك إنشاء الله، للأجل الذي ضربت والسلام عليك " وكتب في أسفل كتابه:

تبصر كأني قد أتيتك معلما * على أبلغ الهادي أجش هزيم طويل القرا نهد أشق مقلص * ملح على قارئ اللجام رؤوم بكل فتى لا يملا الدرع نحره * محش لنار الحرب غير سؤوم أخي ثقة يبغي الاله بسعيه * ضروب بنصل السيف غير أثيم وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن أول ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدى وستين وهي السنة التي قتل فيها الحسين، فما زالوا في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الشيعة بعضهم لبعض في السر للطلب بدم الحسين عليه السلام حتى مات يزيد بن معاوية، وكان بين مقتل الحسين عليه السلام وهلاك يزيد ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وكان أمير العراق عبيد الله، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، وكان عبد الله بن الزبير قبل موت يزيد يدعو الناس إلى طلب ثأر الحسين وأصحابه، ويغريهم بيزيد، ويوثبهم عليه، فلما مات يزيد أعرض عن ذلك القول، وبان أنه يطلب الملك لنفسه لا للثأر وذكر المدائني عن رجاله أن المختار لما قدم على عبد الله بن الزبير لم ير عنده ما يريد، فقال:

ذو مخاريق وذو مندوحة * وركابي حيث وجهت ذلل لا تبيتن منزلا تكرهه * وإذا زلت بك النعل فزل فخرج المختار من مكة متوجها إلى الكوفة فلقيه هانئ بن أبي حية الوداعي فسأله عن أهلها، فقال: لو كان لهم رجل يجمعهم على شئ واحد لاكل الأرض بهم، فقال المختار: أنا والله أجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأقتل بهم كل جبار عنيد إنشاء الله، ولا قوة إلا بالله، ثم سأله المختار عن سليمان

ابن صرد هل توجه لقتال المحلين؟ قال: لا، ولكنهم عازمون على ذلك، ثم سار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة، وهو يوم الجمعة، فنزل واغتسل ولبس ثيابه وتقلد سيفه، وركب فرسه، ودخل الكوفة نهارا لا يمر على مسجد القبائل ومجالس القوم ومجتمع المحال إلا وقف وسلم وقال: أبشروا بالفرج، فقد جئتكم بما تحبون، وأنا المسلط على الفاسقين، والطالب بدم أهل بيت نبي رب العالمين ثم دخل الجامع وصلى فيه، فرأى الناس ينظرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: هذا المختار ما قدم إلا لأمر، ونرجو به الفرج، وخرج من الجامع، ونزل داره - ويعرف قديما بسالم بن المسيب - ثم بعث إلى وجوه الشيعة، وعرفهم أنه جاء من محمد ابن الحنفية للطلب بدماء أهل البيت، وهذا أمر لكم فيه الشفاء، وقتل الأعداء، فقالوا: أنت موضع ذلك وأهله، غير أن الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعي فهو شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك، فسكت المختار وأقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان، والشيعة حينئذ يريدون أمرهم سرا خوفا من عبد الملك بن مروان ومن عبد الله بن الزبير وكان خوف الشيعة من أهل الكوفة، أكثر، لان أكثرهم قتلة الحسين عليه السلام وصار المختار يفخذ الناس عن سليمان بن صرد، ويدعوهم إلى نفسه، فأول من بايعه وضرب على يده عبيد بن عمر، وإسماعيل بن كثير، فقال عمر بن سعد وشبث بن ربعي لأهل الكوفة: إن المختار أشد عليكم لان سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم، والمختار إنما يريد أن يثب عليكم، فسيروا إليه وأوثقوه بالحديد، وخلدوه السجن، فما شعر حتى أحاطوا بداره، واستخرجوه، فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبد الله ابن يزيد أوثقه كتافا ومشه حافيا، فقال له: لم أفعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة ولا حربا إنما أخذناه على الظن فأتى ببغلة له دهماء فركبها، وأدخلوه السجن قال يحيى بن أبي عيسى: دخلت مع حميد بن مسلم الأزدي إلى المختار، فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخل والأشجار، والمهامه القفار، والملائكة الأبرار والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، في

جموع من الأنصار، ليسوا بميل ولا أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأيت صدع المسلمين، وأدركت ثأر النبيين، لم يكبر علي زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذ أتى المرتبة الثانية في ذكر رجال سليمان بن صرد وخروجه ومقتله لما أراد النهوض بعسكره من النخيلة وهي العباسية مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وهي السنة التي أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما وليي عهده، وفيها مات مروان بدمشق مستهل شهر رمضان، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، وكانت خلافته تسعة أشهر وكان عبيد الله بالعراق، فسار حتى نزل الجزيرة فأتاه الخبر بموت مروان، وخرج سليمان بن صرد ليرحل فرأى عسكره فاستقله، فبعث حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن حصين الكناني في جماعة، وأمرهما بالنداء في الكوفة يا آل ثأرات الحسين عليه السلام فسمع النداء رجل من كثير من الأزد، وهو عبد الله بن حازم وعنده ابنته وامرأته سهلة بن سبرة، وكانت من أجمل النساء وأحبهم إليه، ولم يكن دخل في القوم فوثب إلى ثيابه فلبسها، حظي لك بالأماني * يا معشر الأزد بني أجننت؟

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.