بحارالانوار · المجلد العاشر
19. باب كيفية مصالحة الحسن بن علي صلوات الله عليهما معاوية عليه
ج ۴۴، ص ۳۲–۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللامة فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي وعليها عم المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن قيلة فقال المختار لعمه: تعال حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية، فيجعل لنا العراق فنذر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا.
فقال الحسن عليه السلام: ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه يتركني أدين لدين جدي صلى الله عليه وآله وإني أقدر أن أ عبد الله عز وجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبناءكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن من فوره ذلك إلى معاوية:
أما بعد فان خطبي انتهى إلى اليأس من حق أحييه وباطل أميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر، وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرا لك في معادك، ولي شروط أشترطها، لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهد ولا تخف إن غدرت - وكتب الشروط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء، وترك الغدر - وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل، أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم، والسلام.
فان قال قائل: من هو النادم الناهض؟ والنادم القاعد؟ قلنا: هذا الزبير ذكره أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أيقن بخطاء ما أتاه، وباطل ما قضاه. وبتأويل ما عزاه، فرجع عنه القهقري، ولو وفى بما كان في بيعته لمحا نكثه، ولكنه أبان ظاهرا الندم والسريرة إلى عالمها.
وهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب، روى أصحاب الأثر في فضائله أنه قال:
مهما آسا عليه من شئ فاني لا آسا على شئ أسفي على أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي. فهذا ندم القاعد.
وهذه عائشة روى الرواة أنها لما أنبها مؤنب فيما أتته، قالت: قضي القضاء وجفت الأقلام، والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله عشرون ذكرا كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت وقتل، كان أيسر علي من خروجي على علي، ومسعاي التي سعيت، فإلى الله شكواي لا إلى غيره.
وهذا سعد بن أبي وقاص لما انهى إليه أن عليا صلوات الله عليه قتل ذا الثدية أخذه ما قدم وما أخر، وقلق ونزق، وقال: والله لو علمت أن ذلك كذلك
لمشيت إليه ولو حبوا.
ولما قدم معاوية دخل إليه سعد فقال له: يا أبا إسحاق ما الذي منعك أن تعينني على الطلب بدم الإمام المظلوم؟ فقال: كنت أقاتل معك عليا؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، وإلا صمتا، قال: أنت الآن أقل عذرا في القعود عن النصرة، فوالله لو سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما قاتلته.
وقد أحال، فقد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام أكثر من ذلك فقاتله وهو بعد مفارقته للدنيا يلعنه ويشتمه، ويرى أن ملكه وثبات قدرته بذلك إلا أنه أراد أن يقطع عذر سعد في القعود عن نصره والله المستعان.
فان قال قائل لحمقه وخرقه: فان عليا ندم مما كان منه من النهوض في تلك الأمور، وإراقة تلك الدماء كما ندموا هم في النهوض والقعود.
قيل: كذبت وأحلت لأنه في غير مقام قال: إني قلبت أمري وأمرهم ظهرا لبطن، فما وجدت إلا قتالهم أو الكفر بما جاء محمد صلى الله عليه وآله وقد روي عنه: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وروي هذا الحديث من ثمانية عشر وجها عن النبي صلى الله عليه وآله أنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ولو أظهر ندما بحضرة من سمعوا منه هذا وهو يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله لكان مكذبا فيه نفسه، وكان فيهم المهاجرون كعمار والأنصار كأبي الهيثم وأبي أيوب ودونهما فإن لم يتحرج ولم يتورع عن الكذب على من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، استحيى من هؤلاء الأعيان من المهاجرين والأنصار.
وعمار الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله: عمار مع الحق والحق مع عمار، يدور معه حيث دار، يحلف جهد أيمانه: والله لو بلغوا بنا قصبات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل ويحلف أنه قاتل رايته التي أحضرها صفين وهي التي أحضرها
يوم أحد والأحزاب، والله لقد قاتلت هذه الراية آخر أربع مرات، والله ما هي عندي بأهدى من الأولى وكان يقول: إنهم أظهروا الاسلام وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا.
ولو ندم علي عليه السلام عند قوله أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين لكان من مع علي يقول له: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وإقراره بذلك على نفسه وكانت الأمة: الزبير وعائشة وحزبهما، وعلي وأبو أيوب وخزيمة بن ثابت وعمار وأصحابه وسعد [وا] بن عمر وأصحابه فإذا اجتمعوا جميعا على الندم فلا بد من أن يكون اجتمعوا على ندم من شئ فعلوه ودوا أنهم لم يفعلوه، وأن الفعل الذي فعلوه باطل فقد اجتمعوا على الباطل، وهم الأمة التي لا تجتمع على الباطل أو اجتمعوا على الندم من ترك شئ لم يفعلوه ودوا أنهم فعلوه، فقد اجتمعوا على الباطل بتركهم جميعا الحق، ولا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه وآله حين قال لعلي عليه السلام إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، كان ذلك من النبي صلى الله عليه وآله خبرا، ولا يجوز أن لا يكون ما أخبر إلا بأن يكذب المخبر أو يكون أمره بقتالهم وتركه
للائتمار بما أمر به عنده، كما قال علي عليه السلام: إنه كفر.
فان قال [قائل]: فإن الحسن أخبر بأنه حقن دماء أنت تدعي أن عليا عليه السلام كان مأمورا بإراقتها، والحقن لما أمر الله ورسوله بإراقته من الحاقن عصيان، قلنا:
إن الأمة التي ذكر الحسن عليه السلام أمتان وفرقتان وطائفتان: هالكة وناجية، وباغية ومبغي عليها، فإذا لم يكن حقن دماء المبغي عليها إلا بحقن دماء الباغية، لأنهما إذا اقتتلا وليس للمبغي عليها قوام بإزالة الباغية حقن دم المبغي عليها، وإراقة دم الباغية مع العجز عن ذلك إراقة لدم المبغي عليها لا غير فهذا هذا.
فان قال: فما الباغي عندك؟ أمؤمن أو كافر أولا مؤمن ولا كافر، قلنا: إن الباغي هو الباغي باجماع أهل الصلاة، وسماهم أهل الارجاء مؤمنين مع تسميتهم إياهم بالباغين، وسماهم أهل الوعيد كفارا مشركين وكفارا غير مشركين كالأباضية والزيدية وفساقا خالدين في النار كواصل وعمر، ومنافقين خالدين في الدرك الأسفل من النار كالحسن وأصحابه، فكلهم قد أزال الباغي عما كان [فيه] قبل البغي فأخرجه قوم إلى الكفر والشرك كجميع الخوارج غير الأباضية وإلى الكفر غير الشرك كالأباضية والزيدية، وإلى الفسق والنفاق [كواصل] وأقل ما حكم عليهم أهل الارجاء اسقاطهم من السنن والعدالة والقبول.
فان قال: فان الله عز وجل سمى الباغي مؤمنا فقال عز وجل: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " فجعلهم مؤمنين، قلنا: لا بد من أن المأمور بالاصلاح بين الطائفتين المقتتلين، كان قبل اقتتالهما عالما بالباغية منهما أولم يكن عالما بالباغية منهما؟ فإن كان عالما بالباغية منهما، كان مأمورا بقتالها مع المبغي عليها حتى تفيئ إلى أمر الله وهو الرجوع إلى ما خرج منه بالبغي، وإن كان المأمور بالاصلاح جاهلا بالباغية والمبغي عليها، فإنه كان جاهلا بالمؤمن غير الباغي والمؤمن الباغي وكان المؤمن غير الباغي عرف بعد التبيين، والفرق بينه وبين الباغي [كان] ظ مجمعا من
أهل الصلاة على إيمانه، لاختلاف بينهم في اسمه والمؤمن الباغي بزعمك مختلف فيه، فلا يسمى مؤمنا حتى يجمع على أنه مؤمن، كما أجمع على أنه باغ، فلا يسمى الباغي مؤمنا إلا باجماع أهل الصلاة على تسميته مؤمنا كما أجمعوا عليه وعلى تسميته باغيا.
فإن قال: فإن الله عز وجل سمى الباغي للمؤمنين أخا ولا يكون أخ المؤمنين إلا مؤمنا، قيل: أحلت وباعدت، فان الله عز وجل سمى هودا وهو نبي أخا عاد وهم كفار فقال: " وإلى عاد أخاهم هودا " وقد يقال للشامي يا أخا الشام ولليماني يا أخا اليمن، ويقال للمسايف اللازم له المقاتل به فلان أخ السيف، فليس في يد المتأول " أخ المؤمن لا يكون إلا مؤمنا " مع شهادة القرآن بخلافه، وشهادة اللغة بأنه يكون المؤمن أخا الجماد الذي هو الشام واليمن والسيف والرمح، وبالله أستعين على أمورنا في أدياننا، ودنيانا وآخرتنا، وإياه نسأل التوفيق لما قرب منه وأزلف لديه بمنه وكرمه.
بيان: استلأم الرجل إذا لبس اللأمة وهي الدرع، وكفرت الشئ أكفره بالكسر كفرا أي سترته، ونذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا، والخطب:
الأمر والشأن، وبهظه الأمر كمنع غلبه وثقل عليه.
قوله عليه السلام: " ولا تخف إن غدرت " أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت، قوله " ما عزاه " أي نسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله من العذر في هذا الخروج، ويقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن، قوله " أخذه ما قدم وما أخر " أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي عليه السلام وما أخر من نصرته، أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لأمور كثيرة مختلفة.
والقلق محركة الانزعاج، ونزق كفرح وضرب: طاش وخف عند الغضب قوله " عن النصرة " أي عن نصرة علي عليه السلام قوله " وأحال " هذا كلام الصدوق أي
كذب معاوية وأتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك، قوله " أنه قاتل رايته " أي راية معاوية، قوله " بأهدى من الأولى " أي هي مثل الأولى راية شرك في أنها راية شرك وكفر، قوله " أو يكون أمره " حاصله أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وآله إما إخبار أو أمر في صورة الخبر، وعلى ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول صلى الله عليه وآله وعلى الثاني مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام لما أمره به الرسول صلى الله عليه وآله.
أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال أبو الفرج الأصفهاني كتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليكم فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فان الله عزو جل بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين توفاه الله غير مقصر ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشر، وخص قريشا خاصة فقال له " وإنه لذكر لك ولقومك " فلما توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأنعمت لهم وسلمت إليهم.
ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت ممد وأولياؤه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو المولي النصير.
ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من
أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار: وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد.
إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم من الله عليه بالاسلام ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب.
واتق الله! ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لا قيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به، منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
أقول: ثم ذكر جواب معاوية، وما أظهر فيه من الكفر والالحاد إلى قوله:
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سنا فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغا ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك في
كل سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالأشياء، ولا يقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله أعاننا الله، وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.
قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده [وعمله] فأما أن تقدر أنه ينقاد لك، فلا والله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسي قولي.
2 - قرب الإسناد: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن والحسين صلوات الله عليهما كانا يغمزان معاوية، ويقولان فيه، ويقبلان جوائزه.
3 - تحف العقول: قال معاوية للحسن عليه السلام بعد الصلح: أذكر فضلنا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد النبي وآله ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الأمة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله. إليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين [صلى الله عليه وآله أجمعين].
فلم يقدر معاوية يكتم عداوته وحسده فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا، قال: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفخه، والقمر يلونه، والحر ينضجه، والليل يبرده. ثم أقبل على منطقه فقال:
أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغما أنا ابن من سعد تابعه، وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهورا ومسجدا أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
فقال معاوية: أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة، فقال: ويلك يا معاوية
إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، وعمل بطاعة الله، ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولا، ودين الله لعبا، فكأن قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيرا، وبقيت عليك تبعاته، يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب أسماؤهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر، قال: نعم، عن مثل هذا فاسأل إن الله خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا، والجن من سبع، والانس من سبع فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين ثم نهض عليه السلام.
أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع، فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه ، ثم قال: الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرد في ربوبيته: يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أو لكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم، أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لن تعهدوا بمثله، ولن تجدوا مثل سابقته.
فهيهات هيهات طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم غزاكم في بدر وأخواتها، جرعكم رنقا وسقاكم علقا، وأذل رقابكم وشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه، وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله أحتسب ما مضى، وما ينتظر من سوء رغبتكم، وحيث حلمكم.
ثم قال: يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله، صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفسها
ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسروقة لمال الله، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتيمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه، لا تأخذه في الله لومة لائم، فصلوات الله عليه ورحمته.
فقال معاوية: أخطأ عجل أو كاد، وأصاب متثبت أو كاد ماذا أردت من خطبة الحسن عليه السلام.
بيان: رنق رنقا بالتحريك كدر، وانضوى إليه: مال، وجثم لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض.
4 - الخرائج: روي عن الحارث الهمداني قال: لما مات علي عليه السلام جاء الناس إلى الحسن، وقالوا: أنت خليفة أبيك، ووصيه، ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك فقال عليه السلام: كذبتم، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني، فكيف تفون لي؟ وكيف أطمئن إليكم ولا أثق بكم؟ إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوا إلى هناك.
فركب وركب معه من أراد الخروج، وتخلف عنه كثير، فما وفوا بما قالوه وبما وعدوه، وغروه كما غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله، فقال خطيبا، وقال:
غررتموني كما غررتم من كان من قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي، مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الاسلام هو وبني أمية إلا فرقا من السيف؟ ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجا، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم وجه إليه قائدا في أربعة آلاف، وكان من كندة وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره، فلما توجه إلى الأنبار ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلا وكتب إليه معهم أنك إن أقبلت إلي أو لك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم: فقبض
الكندي عدو الله المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.
فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا: وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، ولا يراقب الله في ولا فيكم، فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس، وتوكد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال: أنه لا يفعل. فقال الحسن: إنه سيغدر.
فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن ما فعل المرادي فقام خطيبا فقال: قد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية.
ثم كتب معاوية إلى الحسن: يا ابن عم، لا تقطع الرحم الذي بينك وبيني فان الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك.
فقالوا: إن خانك الرجلان وغدروا بك فانا مناصحون لك، فقال لهم الحسن:
لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم، وإني لأعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم إن معسكري بالنخيلة فوافوني هناك، والله لا تفون لي بعهدي، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم.
ثم إن الحسن أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال: يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلمت له الأمر فأيم الله لا ترون فرجا أبدا مع بني أمية، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أن عليكم جيشا جيشا ولو وجدت أعوانا
ما سلمت له الأمر، لأنه محرم على بني أمية فأف وترحا يا عبيد الدنيا.
وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية: فانا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك، ثم أغاروا على فسطاطه، وضربوه بحربة، واخذ مجروحا، ثم كتب جوابا لمعاوية: إنما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد وانصرف إلى الكوفة.
بيان: امرأة درداء: أي ليس في فمها سن، قوله عليه السلام: " لبغت دين الله عوجا " أي لطلبت أن يثبت له اعوجاجا، وتلبس على الناس أن فيه عوجا، مقتبس من قوله تعالى: " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا " والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع الكورة، وهي المدينة والصقع، و قال الجوهري " أنفسني فلان في كذا " أي رغبني فيه، ولفلان منفس ونفيس أي مال كثير، ونفس به بالكسر أي ضن به، يقال: نفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره يستأهله، قوله " وقلب على الحسن " أي صرف العسكر أو الأمر إليه، والترح بالتحريك ضد الفرح والهلاك.
5 - الإرشاد: لما بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبيعة الناس ابنه الحسن عليه السلام دس رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الأمور، فعرف ذلك الحسن عليه السلام فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة، فاخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه.
وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فإنك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه
إنشاء الله، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذو حجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لأخرى مثلها فكأن قد فانا ومن قد مات منا لكالذي يروح فيمسي في المبيت ليغتدي فأجابه معاوية عن كتابه بما لا حاجة لنا إلى ذكره، وكان بين الحسن عليه السلام وبينه بعد ذلك مكاتبات ومراسلات، واحتجاجات للحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثب من تقدم على أبيه عليه السلام وابتزازهم سلطان ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وتحققهم به دونه، أشياء يطول ذكرها.
وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلما بلغ جسر منبج تحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا [و] معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين.
فسار حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ على دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك.
فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه، ويستبرئ أحوالهم له في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال:
الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق [بشيرا] وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله.
أما بعد فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق
الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا:
نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه، وانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمان بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفة عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا بالسيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعو إلي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه عليه السلام وسار ومعه شوب من غيرهم.
فلما مر في مظلم ساباط، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده، وخضخض به جوفه، فأكب عليه آخر يقال له:
ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن، فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه.
وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسن عليه السلام ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية
ويرده عن العراق، وجعله أميرا على الجماعة، وقال: إن أصبت فالأمير قيس ابن سعد.
فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها:
الحبونية، بإزاء مسكن وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في أمورهم.
فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له، واستحلال دمه، ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا يقوم لأجناد الشام فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس منه من ترك الحرب، وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له، ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة.
فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتوكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء
ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهد عليه وحلف له بالوفاء له.
فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له.
ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونال منه، ونال من الحسن عليه السلام ما نال، وكان الحسن والحسين عليهما السلام حاضرين، فقام الحسين عليه السلام ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن عليه السلام فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا، فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين آمين.
توضيح: قوله " فكأن قد " أي فكأن قد نزلت أو جاءت، وحذف مدخول قد شائع، قوله " وبيده مغول " في بعض النسخ بالغين المعجمة، قال الفيروزآبادي:
المغول كمنبر حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلاف وشبه مشمل إلا أنه أدق [وأطول منه] ونصل طويل أو سيف دقيق له قفا واسم وفي بعضها بالمهملة وهي حديدة ينقر بها الجبال، و " الخضخضة " التحريك، و " الفتك " أن يأتي الرجل صاحبه وهو
غار غافل حتى يشد عليه فيقتله.
أقول: وقال عبد الحميد بن أبي الحديد: لما سار معاوية قاصدا إلى العراق وبلغ جسر منبج نادى المنادي الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا خرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: " اصبروا إن الله مع الصابرين " فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة، حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون، قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له.
قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي ابن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب أما تخافون مقت الله ولاعنتها وعارها.
ثم استقبل الحسن عليه السلام بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف.
ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فكان عدي أول الناس عسكرا.
ثم قام قيس بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن حصفة التيمي فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن عليه السلام بمثل كلام عدي ابن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء، والقبول، والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا
ثم نزل. وخرج الناس وعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث، وأمره باستحثاث الناس على اللحوق إليه، وسار الحسن عليه السلام في عسكر عظيم حتى نزل دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس.
ثم دعا عبيد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين عليه السلام وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك فاني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم وشاور هذين يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان فعل فقاتله، فان أصبت فقيس بن سعد على الناس فان أصيب فسعيد بن قيس على الناس.
فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمام عمر، حتى أتى دير كعب ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة.
أقول: ثم ذكر ما جرى عليه صلوات الله عليه هناك، وقد مر ذكره ثم قال:
فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل في قرية يقال له الحبونية وأقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل بإزائه فلما كان من غد وجه معاوية إلى عبيد الله أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر.
فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس
ينتظرونه أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم، وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو، فأجابوه بالطاعة، وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله، فنهض بهم.
وخرج إليهم بسر بن أرطاة فصاحوا إلى أهل العراق: ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ فقال لهم قيس ابن سعد: اختاروا إحدى اثنين إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.
وكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية لما يئس منه: أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فان ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدو الله ونبيه، والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أو تر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه وبعث معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه
إليه وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وأن لا يتبع أحد بما مضى ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير وأشياء اشترطها الحسن، فأجاب إلى ذلك، وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة.
ثم قال: وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال:
صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، فخطب ثم قال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك ، وأنتم كارهون.
قال: فكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول: هذا والله هو التهتك.
قال أبو الفرج: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، بين يديه خالد بن عرفطة، ومعه حبيب بن حمار، يحمل رايته، فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل، واجتمع الناس إليه.
قال أبو الفرج: فحدثني أبو عبد الله الصيرفي، وأحمد بن عبيد [الله] بن عمار عن محمد بن علي بن خلف، عن محمد بن عمرو الرازي، عن مالك بن سعيد عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه قال: بينما علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة فقال:
لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب المسجد وأشار إلى باب الفيل - ومعه راية ضلالة يحملها حبيب بن حمار، قال: فوثب إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار، وأنا لك شيعة، فقال: فإنه كما أقول قال: فوالله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار.
قال أبو الفراج: ومقال مالك بن سعيد: وحدثني الأعمش بهذا الحديث فقال:
حدثني صاحب هذه الدار وأشار إلى دار السائب أبي عطا - أنه سمع عليا عليه السلام يقول هذا.
قال أبو الفرج: فلما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة فجاء وكان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف، ورجلاه يخطان في الأرض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا إدخاله إليه، قال: حلفت أن لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح وبسيف فوضعا بينه وبينه ليبر يمينه.
قال أبو الفرج: وقد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال: أفي حل أنا من بيعتك؟ قال: نعم، فألقي له كرسي وجلس معاوية على سريره والحسن معه، فقال له معاوية: أتبايع يا قيس، قال: نعم، ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فحنى معاوية على سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، وما رفع قيس إليه يده.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: لما مات أمير المؤمنين عليه السلام خطب الحسن بالكوفة فقال: أيها الناس إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فإلى زوال واضمحلال، فلما بلغ إلى قوله: وإني أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت، فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين فأقام بها شهرين.
قال أبو مخنف: قال ابن عباس كلاما فيه: فشمر في الحرب، وجاهد عدوك ودار أصحابك، واستتر من الضنين دينه بما لا ينثلم لك دين، وول أهل البيوتات والشرف، والحرب خدعة، وعلمت أن أباك إنما رغب الناس عنه، وصاروا إلى معاوية، لأنه آسا بينهم في العطاء.
فرتب عليه السلام العمال، وأنفذ عبد الله إلى البصرة، فقصد معاوية نحو العراق فكتب إليه الحسن عليه السلام: أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا رحمة للعالمين، فأظهر به الحق وقمع به الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف به من شاء منها خاصة فقال: " وإنه
لذكر لك ولقومك " فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته، فلا تنازعونا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ثم جاحدتنا قريش ما قد عرفته العرب لهم، وهيهات ما أنصفتنا قريش. الكتاب.
فأجابه معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن عليه السلام: فهمت ما ذكرت به محمدا صلى الله عليه وآله وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر من بعده، فصرحت بنميمة فلان وفلان، وأبي عبيدة وغيرهم، فكرهت ذلك لك، لأن الأمة قد علمت أن قريشا أحق بها، وقد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج أبوك منه.
ثم كتب أما بعد فان الله يفعل في عباده ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس وآيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس:
وإن أحد أسدى إليك كرامة فأوف بما تدعى إذا مت وافيا فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ولا تجفه إن كان للمال نائيا ثم الخلافة لك من بعدي، وأنت أولى الناس بها، وفي رواية ولو كنت أعلم أنك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدو، وأقوى على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا ثم قال: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [وأبيك] بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
فأجابه الحسن عليه السلام: أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت وتركت جوابك خشية البغي، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق فإنك تعلم من
أهله " وعلي إثم أن أقول فأكذب ".
فاستنفر معاوية الناس فلما بلغ جسر منبج بعث الحسن عليه السلام حجر بن عدي واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا، ثم خف معه أخلاط من شيعته ومحكمة وشكاك وأصحاب عصبية وفتن، حتى أتى حمام عمر.
أقول: وساق الكلام نحوا مما مر إلى أن قال: وأنفذ إلى معاوية عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فتوثق منه لتأكيد الحجة أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، والأمر من بعده شورى، وأن يترك سب علي وأن يؤمن شيعته، ولا يتعرض لأحد منهم، ويوصل إلي كل ذي حق حقه ويوفر عليه حقه، كل سنة خمسون ألف درهم، فعاهده على ذلك معاوية، وحلف بالوفاء به، وشهد بذلك عبد الله بن الحارث، وعمرو بن أبي سلمة، وعبد الله بن عامر ابن كريز، وعبد الرحمن بن أبي سمرة، وغيرهم.
فلما سمع ذلك قيس بن سعد قال:
أتاني بأرض العال من أرض مسكن * بأن إمام الحق أضحى مسالما فما زلت مذ بينته متلددا * أراعي نجوما خاشع القلب واجما وروي أنه قال الحسن عليه السلام في صلح معاوية: أيها الناس إنكم لو طلبتم ما بين مجالس المفيد بلقا وجابرسا رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري وغير أخي وإن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الأمة، وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
وفي رواية: إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها، وإشفاقا على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي وروي أنه عليه السلام قال: يا أهل العراق إنما سخي عليكم
بنفسي ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي.
ودخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا فقال له مواليه:
ما هذا؟ قال: العجب من دخولي على إمام أريد أن اعلمه، فقلت: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة؟ فقال: الذي دعا أباك فيما تقدم، قال: فطلب معاوية البيعة من الحسين عليه السلام فقال الحسن: يا معاوية لا تكرهه فإنه لا يبايع أبدا أو يقتل ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام.
وقال المسيب بن نجبة الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي للحسن بن علي عليهما السلام: ما ينقضي تعجبنا منك، بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز فقال الحسن عليه السلام: قد كان ذلك، فما ترى الآن فقال: والله أرى أن ترجع لأنه نقض [العهد]، فقال: يا مسيب إن الغدر لا خير فيه ولو أردت لما فعلت وقال حجر بن عدي: أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم، فانا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا.
فلما خلا به الحسن عليه السلام قال: يا حجر قد سمعت كلامك، في مجلس معاوية وليس كل انسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم هو في شأن، وأنشأ عليه السلام لما اضطر إلى البيعة.
أحامل أقواما حياء ولا أرى * قلوبهم تغلي علي مراضها وله عليه السلام:
لئن ساءني دهر عزمت تصبرا * وكل بلاء لا يدوم يسير
وإن سرني لم أبتهج بسروره * وكل سرور لا يدوم حقير ايضاح: قوله عليه السلام " استتر من الضنين " الضنين البخيل أي استر دينك ممن يبخل بدينه منك، بأن لا يظهر، لك دينه، أو لا يوافقك في الدين، على وجه لا يضر بدينك بأن يكون على وجه المداهنة، ويقال: " ليس له فيه غميزة " أي مطعن وأسدى وأولى وأعطى بمعنى، قوله " بما تدعى " أي أوف جزاء تلك الكرامة إيفاء تصير به معروفا بعد موتك، بأنك كنت وافيا.
قوله " إن كان للمال نائيا " أي بعيدا عن المال فقيرا وفلان يتلدد أي يلتفت يمينا وشمالا ورجل ألد بين اللدد، وهو شديد الخصومة، والواجم الذي اشتد حزنه وأمسك عن الكلام.
قوله عليه السلام: " إنما سخي عليكم " أي جعلني سخيا في ترككم قال الجوهري:
سخت نفسه عن الشئ إذا تركته قوله عليه السلام " ولا أرى قلوبهم " أي أجاملهم ولا أنظر إلى غليان قلوبهم للحقد والعداوة، ويحتمل أن تكون " لا " زائدة.
7 - مناقب ابن شهرآشوب: تفسير الثعلبي ومسند الموصلي وجامع الترمذي واللفظ له عن يوسف بن مازن الراسبي أنه لما صالح الحسن بن علي عليه السلام عذل وقيل له: يا مذل المؤمنين ومسود الوجوه، فقال عليه السلام: لا تعذلوني فان فيها مصلحة
ولقد رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه: يخطب بنو أمية واحد بعد واحد فحزن فأتاه جبرئيل بقوله " إنا أعطيناك الكوثر " " وإنا أنزلناه في ليلة القدر " وفي خبر عن أبي عبد الله عليه السلام فنزل: " أفرأيت إن متعناهم سنين - إلى قوله - يمتعون " ثم انزل: إنا أنزلناه: يعني جعل الله ليلة القدر لنبيه خيرا من ألف شهر ملك بني أمية.
وعن سعيد بن يسار، وسهل بن سهل أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في منامه أن قرودا تصعد في منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتم به، ولم ير بعد ذلك ضاحكا حتى مات وهو المروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام.
مسند الموصلي: أنه رأى في منامه خنازير تصعد في منبره الخبر.
وقال القاسم بن الفضل الحراني: عددنا ملك بني أمية فكان ألف شهر.
أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: قال أبو الفرج الأصفهاني: حدثني محمد بن أحمد: أبو عبيد، عن الفضل بن الحسن البصري، عن أبي عمرويه، عن مكي بن إبراهيم، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل قال أبو الفرج: وحدثني أيضا محمد بن الحسين الأشناني وعلي بن العباس، عن عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت عن سفيان قال: أتيت الحسن بن علي عليهما السلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام يا سفيان [انزل] فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان؟
قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: ما جر هذا منك إلينا؟ فقلت: أنت
والله بأبي أنت وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله عليك أمر الناس.
فقال: يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره.
ثم أذن المؤذن فقمنا إلى حالب يحلب ناقته فتناول الاناء فشرب قائما ثم سقاني وخرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت: حبكم والذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق، قال: فأبشر يا سفيان فاني سمعت عليا عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابتين أو كهاتين يعني السبابة والوسطى - إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان فان الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله.
قال ابن أبي الحديد قوله: " ولا في الأرض ناصر " أي ناصر ديني أي لا يمكن أحد أن ينتصر له بتأويل ديني يتكلف به عذرا لأفعاله القبيحة.
8 - رجال الكشي: ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه قال: إن الحسن عليه السلام لما قتل أبوه عليه السلام خرج في شوال، من الكوفة إلى قتال معاوية فالتقوا بكسكر، وحاربه ستة أشهر، وكان الحسن عليه السلام جعل ابن عمه عبيد الله بن العباس على مقدمته فبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم، فمر بالراية، ولحق بمعاوية، وبقي العسكر بلا قائد ولا رئيس.
فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس وقال: أيها الناس لا يهولنكم
ذهاب هذا الكذا وكذا فان هذا وأباه لم يأتيا قط بخير، وقام يأمر الناس، ووثب أهل عسكر الحسن عليه السلام بالحسن في شهر ربيع الأول، فانتهبوا فسطاطه، وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشر الأسدي في خاصرته، فردوه جريحا إلى المدائن حتى تحصن فيها عند عم المختار بن أبي عبيد.
9 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه، وإبراهيم بن نصير عن محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي، عن يونس بن يعقوب، عن فضيل غلام محمد ابن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن: أقدم أنت والحسين وأصحاب علي فخرج معهم قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري فقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعد لهم الخطباء فقال:
يا حسن قم قبايع فقام وبايع، ثم قال للحسين عليه السلام: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال:
يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن عليه السلام.
10 - رجال الكشي: جعفر بن معروف، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.