پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد العاشر

باب سائر ما جرى بينه صلوات الله عليه وبين معاوية

ج ۴۴، ص ۶۹–۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۴

فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره فقد أحيى سيرة أبيه وخفقت النعال خلفه: إن أمر فأطيع، وإن قال فصدق، وهذان يرفعان به إلى ما هو أعظم منهما، فلو بعثت إليه فقصرنا به وبأبيه، وسببناه وسببنا أباه، وصعرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه.

فقال لهم معاوية: إني أخاف أن يقلدكم قلائد يبقى عليكم عارها حتى تدخلكم قبوركم، والله ما رأيته قط إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه، وإني إن بعثت إليه لأنصفته منكم، قال عمرو بن العاص: أتخاف أن يتسامى باطله على حقنا ومرضه على صحتنا؟ قال: لا، قال: فابعث إذا إليه.

فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون أن تلقوه بأكثر ولا أعظم مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم إلا بأعظم مما في نفسه عليكم، وإنه لمن أهل بيت خصم جدل.

فبعثوا إلى الحسن عليه السلام فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية، قال:

ومن عنده؟ قال الرسول: عنده فلان وفلان وسمى كلا منهم باسمه فقال الحسن عليه السلام: مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال: يا جارية أبلغيني ثيابي، ثم قال: اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفينهم بما شئت وأنى شئت، من حولك وقوتك يا أرحم الراحمين، وقال للرسول: هذا كلام الفرج.

فلما أتى معاوية رحب به وحياه وصافحه، فقال الحسن عليه السلام: إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمنة، فقال معاوية: أجل إن هؤلاء بعثوا إليك و عصوني ليقرروك أن عثمان قتل مظلوما وأن أباك قتله، فاسمع منهم ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك ، ولا يمنعك مكاني من جوابهم.

فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله البيت بيتك، والاذن فيه إليك، والله لئن أجبتهم إلى ما أرادوا، إني لأستحيي لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك إني لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقر؟ ومن أيهما تعتذر؟ أما إني لو علمت بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشم، ومع وحدتي هم أوحش مني مع جمعهم، فإن الله عز وجل لوليي اليوم وفيما بعد اليوم، فليقولوا فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فتكلم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم، أن بقي من بني عبد المطلب على وجه الأرض من أحد بعد قتل الخليفة عثمان بن عفان، وكان [من] ابن أختهم، والفاضل في الاسلام منزلة، والخاص برسول الله صلى الله عليه وآله أثرة فبئس كرامة الله حتى سفكوا دمه اعتداء وطلبا للفتنة، وحسدا ونفاسة، وطلب ما ليسوا بآهلين لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله ومن رسوله ومن الاسلام فيا ذلاه أن يكون حسن وسائر بني عبد المطلب قتلة عثمان أحياء يمشون على مناكب الأرض وعثمان مضرج بدمه، مع أن لنا فيكم تسعة عشر دما بقتلى بني أمية ببدر.

ثم تكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إي يا ابن أبي تراب! بعثنا إليك لنقررك أن أباك سم أبا بكر الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق، وقتل عثمان ذا النورين مظلوما، فادعى ما ليس له بحق، ووقع فيه - وذكر الفتنة وعيره بشأنها ثم قال:

إنكم يا بني عبد المطلب! لم يكن الله ليعطيكم الملك فترتكبون فيه مالا يحل لكم، ثم أنت يا حسن تحدث نفسك بأنك كائن أمير المؤمنين، وليس عندك عقل ذلك، ولا رأيه، فكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، ثم أنت لا تستطيع أن تعتب علينا، ولا أن تكذبنا في شئ به، فان كنت ترى أنا كذبناك في شئ وتقولنا عليك بالباطل، وادعينا خلاف الحق فتكلم، وإلا فاعلم أنك وأباك من شر خلق الله.

أما أبوك فقد كفانا الله قتله وتفرد به، وأما أنت فإنك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك، ما كان في قتلك إثم عند الله، ولا عيب عند الناس.

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فكان أول ما ابتدأ به أن قال: يا حسن إن أباك كان شر قريش لقريش: أقطعه لأرحامها، وأسفكه لدمائها، وإنك لمن قتلة عثمان، وإن في الحق أن نقتلك به، وإن عليك القود في كتاب الله عز وجل وإنا قاتلوك به، فأما أبوك فقد تفرد الله بقتله فكفأناه، وأما رجاؤك للخلافة فلست منها لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك.

ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه، وقال: يا معاشر بني هاشم كنتم أول من دب بعيب عثمان، وجمع الناس عليه، حتى قتلتموه حرصا على الملك، وقطيعة للرحم، واستهلاك الأمة وسفك دمائها، حرصا على الملك، وطلبا للدنيا الخسيسة وحبالها، وكان عثمان خالكم فنعم الخال كان

لكم، وكان صهركم فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده وطعن عليه ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم.

ثم تكلم المغيرة بن شعبة وكان كلامه وقوله كله وقوعا في علي عليه السلام ثم قال:

يا حسن إن عثمان قتل مظلوما فلم يكن لأبيك في ذلك عذر برئ، ولا اعتذار مذنب، غير أنا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمه قتلته، وإيوائه لهم وذبه عنهم أنه بقتله راض، وكان والله طويل السيف واللسان: يقتل الحي ويعيب الميت وبنو أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك يا حسن منك لمعاوية.

وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، وأجلب عليه قبل موته وأراد قتله، فعلم ذلك من أمره رسول الله صلى الله عليه وآله ثم كره أن يبايع أبا بكر حتى اتي به قودا، ثم دس إليه فسقاه سما فقتله، ثم نازع عمر حتى هم أن يضرب رقبته، فعمل في قتله، ثم طعن على عثمان حتى قتله، كل هؤلاء قد شرك في دمهم فأي منزلة له من الله يا حسن، وقد جعل الله السلطان لولي المقتول في كتابه المنزل، فمعاوية ولي المقتول بغير حق، فكان من الحق لو قتلناك وأخاك، والله ما دم علي بخطر من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم يا بني عبد المطلب الملك والنبوة ثم سكت.

فتكلم أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما فقال: الحمد لله الذي هدى أولكم بأولنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله عليه سيدنا محمد النبي وآله وسلم ثم قال: اسمعوا مني مقالتي، وأعيروني فهمكم، وبك أبدأ يا معاوية.

ثم قال لمعاوية: إنه لعمر الله يا أزرق ما شتمني غيرك، وما هؤلاء شتموني ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني، ولكن شتمتني وسببتني، فحشا منك، وسوء رأي، وبغيا وعدوانا وحسدا علينا، وعداوة لمحمد صلى الله عليه وآله قديما وحديثا.

وإنه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق! مثاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحولنا المهاجرون والأنصار، ما قدروا أن يتكلموا بمثل ما تكلموا به، ولا

استقبلوني بما استقبلوني به، فاسمعوا مني أيها الملا المخيمون المعاونون علي ولا تكتموا حقا علمتموه، ولا تصدقوا بباطل نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية فلا أقول فيك إلا دون ما فيك.

أنشدكم بالله! هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعا ضلالة، تعبد اللات والعزى؟ وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث.

ثم قال: أنشدكم بالله! هل تعلمون أنما أقول حقا إنه لقيكم مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ومعه راية النبي صلى الله عليه وآله ومعك يا معاوية راية المشركين، تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين فرضا واجبا، ولقيكم يوم أحد ومعه راية النبي صلى الله عليه وآله ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية النبي صلى الله عليه وآله ومعك يا معاوية راية المشركين، كل ذلك يفلج الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق أحدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله يرى عنه راضيا في المواطن كلها.

ثم أنشدكم بالله! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصر بني قريظة وبني النضير ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن معاذ ومعه راية الأنصار فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحا، وأما عمر فرجع وهو يجبن أصحابه ويجبنه أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، ثم لا يرجع حتى يفتح الله عليه فتعرض لها أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار، وعلي يومئذ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فتفل في عينيه فبرأ من الرمد فأعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله [عليه] بمنه وطوله، وأنت يومئذ بمكة عدو لله

ورسوله فهل يسوى بين رجل نصح لله ولرسوله، ورجل عادى الله ورسوله صلى الله عليه وآله.

ثم أقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكن اللسان خائف، فهو يتكلم بما ليس في القلب.

[ثم] أنشدكم بالله! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ولا سخطه ذلك ولا كرهه، وتكلم فيه المنافقون، فقال: لا تخلفني يا رسول الله فاني لم أتخلف عنك في غزوة قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى، ثم أخذ بيد علي عليه السلام ثم قال: أيها الناس " من تولاني فقد تولى الله، ومن تولى عليا فقد تولاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب عليا فقد أحبني ".

[ثم قال:] أنشدكم بالله! أتعلمون أن رسول الله قال في حجة الوداع:

أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده كتاب الله فأحلوا حلاله، و حرموا حرامه واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا بما أنزل الله من الكتاب وأحبوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، وانصروهم على من عاداهم وإنهما لم يزالا فيكم حتى يردا علي الحوض يوم القيامة.

ثم دعا - وهو على المنبر - عليا فاجتذبه بيده فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، اللهم من عادى عليا فلا تجعل له في الأرض مقعدا ولا في السماء مصعدا واجعله في أسفل درك من النار.

أنشدكم بالله! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة: تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله.

أنشدكم بالله! أتعلمون أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: يبكيني أني أعلم أن لك في قلوب رجال من أمتي ضغائن لا يبدونها حتى أتولى عنك.

أنشدكم بالله! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة، واجتمع

أهل بيته قال: اللهم هؤلاء أهلي وعترتي، اللهم وال من والاهم، وانصرهم على من عاداهم، وقال: إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من دخل فيها نجا ومن تخلف عنها غرق.

أنشدكم بالله! أتعلمون أن أصحاب رسول الله قد سلموا عليه بالولاية في عهد رسول الله وحياته صلى الله عليه وآله.

أنشدكم بالله! أتعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات كلها على نفسه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ".

وكان عنده علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الخطاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان في رهط لا نعلمهم يتمون عشرة نبأهم الله أنهم به مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة أولئك لعنوا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله فأشهد لكم وأشهد عليكم أنكم لعناء الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله كلكم أهل البيت.

وأنشدكم بالله! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إليك لتكتب لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه الرسول فقال: هو يأكل فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات، كل ذلك ينصرف الرسول ويقول: هو يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم لا تشبع بطنه، فهي والله في نهمتك وأكلك إلى يوم القيامة

ثم قال: أنشدكم بالله! هل تعلمون أنما أقول حقا إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر، ويقوده أخوك هذا القاعد، وهذا يوم الأحزاب، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله الراكب والقائد والسائق، فكان أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق وأخوك هذا القاعد القائد؟

ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أولهن حين خرج من مكة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبه وأوعده وهم أن يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل عنه.

والثاني يوم العير، حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله صلى الله عليه وآله.

والثالث يوم أحد يوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله الله مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا لكم العزى، فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون أجمعون.

والرابع يوم حنين يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وهوازن وجاء عيينة بغطفان واليهود فردهم الله عز وجل يغيظهم لم ينالوا خيرا هذا قول الله عز وجل

له في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية يومئذ مشرك على رأى أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى رأيه ودينه.

والخامس قول الله عز وجل " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " وصددت أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله صلى الله عليه وآله فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم القيامة.

والسادس يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وجاء عيينة بن حصن ابن بدر بغطفان فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله القادة والأتباع والساقة إلى يوم القيامة فقيل يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟ فقال: لا تصيب اللعنة مؤمنا من الأتباع وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج.

والسابع يوم الثنية يوم شد على رسول الله اثنا عشر رجلا سبعة منهم من بني أمية وخمسة من سائر قريش فلعن الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله من حل الثنية غير النبي وسائقه وقائده.

ثم أنشدكم بالله هل تعلمون أن أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي هل علينا من عين؟ فقال: لا، فقال أبو سفيان تداولوا الخلافة فتيان بني أمية فوالذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنة ولا نار.

وأنشدكم بالله أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا ابن أخي اخرج معي إلى بقيع الغرقد فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه، صار بأيدينا وأنتم رميم، فقال الحسين بن علي: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده وتركه فلولا النعمان ابن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك.

فهذا لك يا معاوية، فهل تستطيع أن ترد علينا شيئا.

ومن لعنتك يا معاوية أن أباك أبا سفيان كان يهم أن يسلم فبعثت إليه بشعر معروف مروي في قريش عندهم تنهاه عن الاسلام، وتصده.

ومنها أن عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به ريب المنون، ثم أعظم من ذلك أنك قاتلت عليا صلوات الله عليه وآله، وقد عرفت سوابقه فضله وعلمه، على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس ولا دنية بل أوطأت الناس عشوة، وأرقت دماء خلق من خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب والله لك بالمرصاد.

فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك، فقد كرهت به التطويل.

وأما أنت يا عمرو بن عثمان فلم تكن حقيقا لحمقك أن تتبع هذه الأمور فإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فاني أريد أن أنزل عنك فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك؟ وإني والله ما شعرت أنك تحسن أن تعادي لي فيشق علي ذلك وإني لمجيبك في الذي قلت.

إن سبك عليا أبنقص في حسبه؟ أو تباعده من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أو بسوء بلاء في الاسلام؟ أو بجور في حكم، أو رغبة في الدنيا؟ فان قلت واحدة منها فقد كذبت، وأما قولك إن لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني أمية ببدر، فان الله ورسوله قتلهم ولعمري ليقتلن من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة عشر ثم يقتل من بني أمية تسعة عشر وتسعة عشر في موطن واحد سوى ما قتل من بني أمية لا يحصى عددهم إلا الله.

إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلا أخذوا مال الله بينهم دولا، وعباده خولا، وكتابه دغلا فإذا بلغوا ثلاثمائة وعشرا حقت

عليهم اللعنة ولهم، فإذا بلغوا أربعمائة وخمسة وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذكر والكلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اخفضوا أصواتكم فان الوزغ يسمع، وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن يملك بعده منهم أمر هذه الأمة يعني في المنام فساءه ذلك وشق عليه فأنزل الله عز وجل في كتابه " ليلة القدر خير من ألف شهر " فأشهد لكم وأشهد عليكم ما سلطانكم بعد قتل علي إلا ألف شهر التي أجلها الله عز وجل في كتابه.

وأما أنت يا عمرو بن العاص الشانئ اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب، أول أمرك أمك لبغية، وإنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحارث، والنضر بن الحارث ابن كلدة، والعاص بن وائل كلهم يزعم أنك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، وأعظمهم بغية.

ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شانئ محمد، وقال العاص بن وائل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى " إن شانئك هو الأبتر " فكانت أمك تمشي إلى عبد قيس لطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورحالهم وبطون أوديتهم، ثم كنت في كل مشهد يشهد رسول الله عدوه أشدهم له عداوة وأشدهم له تكذيبا.

ثم كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي، والمهرج الخارج إلى الحبشة في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب وسائر المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكر السيئ بك، وجعل جدك الأسفل وأبطل أمنيتك، وخيب سعيك، وأكذب أحدوثتك وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.

وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين ألهبت عليه نارا ثم هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر، فلما أتتك [خبر] قتله حبست نفسك على معاوية فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولا نعاتبك على حبنا وأنت عدو لبنى

هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من شعر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم إني لا أحسن الشعر ولا ينبغي لي أن أقوله، فالعن عمرو بن العاص بكل بيت [ألف] لعنة.

ثم أنت يا عمرو المؤثر دنيا غيرك على دينك أهديت إلى النجاشي الهدايا، ورحلت إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن الثانية كل ذلك ترجع مغلولا حسيرا تريد بذلك هلاك جعفر وأصحابه، فلما أخطأك ما رجوت وأملت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.

وأما أنت يا وليد بن عقبة، فوالله ما ألومك أن تبغض عليا وقد جلدك في الخمر ثمانين، وقتل أباك صبرا بيده يوم بدر، أم كيف تسبه فقد سماه الله مؤمنا في عشر آيات من القرآن، وسماك فاسقا، وهو قول الله عز وجل " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقوله " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " وما أنت وذكر قريش، وإنما أنت ابن عليج من أهل صفورية يقال له: ذكوان.

وأما زعمك أنا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير وعائشة أن يقولوا ذلك لعلي بن أبي طالب، فكيف تقوله أنت؟ ولو سألت أمك من أبوك إذ

تركت ذكوان فألصقتك بعقبة بن أبي معيط، اكتست بذلك عند نفسها سناء ورفعة مع ما أعد الله لك ولأبيك وأمك من العار والخزي في الدنيا والآخرة، وما الله بظلام للعبيد.

ثم أنت يا وليد - والله - أكبر في الميلاد ممن تدعي له النسب، فكيف تسب عليا؟ ولو اشتغلت بنفسك لبينت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدعي له، ولقد قالت لك أمك: يا بني أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة.

وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان، فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك، ولا عاقل فأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يخشى، وما كنت ولو سببت عليا لأغار به عليك، لأنك عندي لست بكفو لعبد عبد علي بن أبي طالب عليه السلام فأرد عليك وأعاتبك، ولكن الله عز وجل لك ولأبيك وأمك وأخيك بالمرصاد فأنت ذرية آبائك الذين ذكرهم الله في القرآن فقال: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية إلى قوله من جوع ".

وأما وعيدك إياي بقتلي، فهلا قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك وقد غلبك على فرجها، وشركك في ولدها حتى ألصق بك ولدا ليس لك ويلا لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديرا، وبذلك حريا، إذ تسومني القتل وتوعدني به.

ولا ألومك أن تسب عليا وقد قتل أخاك مبارزة، واشترك هو وحمزة بن عبد المطلب في قتل جدك حتى أصلاهما [الله] على أيديهما نار جهنم وأذاقهما العذاب

الأليم [ونفي عمك بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله] وأما رجائي الخلافة، فلعمر الله لئن رجوتها فان لي فيها لملتمسا وما أنت بنظير أخيك ولا خليفة أبيك لأن أخاك أكثر تمردا على الله، وأشد طلبا لإراقة دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم ويمكر الله والله خير الماكرين.

وأما قولك: إن عليا كان شر قريش لقريش، فوالله ما حقر مرحوما، ولا قتل مظلوما.

وأما أنت يا مغيرة بن شعبة فإنك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء فاخر رجمك، ودفع الحق بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعد الله لك من العذاب الأليم والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى.

وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أدميتها وألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومخالفة منك لأمره، وانتهاكا لحرمته، وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت سيدة نساء أهل الجنة، والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك.

فبأي الثلاثة سببت عليا أنقصا من حسبه، أم بعدا من رسول الله صلى الله عليه وآله أم سوء

بلاء في الاسلام، أم جورا في حكم، أم رغبة في الدنيا، إن قلت بها فقد كذبت وكذبك الناس.

أتزعم أن عليا قتل عثمان مظلوما؟ فعلي والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمري إن كان عليا قتل عثمان مظلوما، فوالله ما أنت من ذلك في شئ فما نصرته حيا ولا تعصبت له ميتا، وما زالت الطائف دارك، تتبع البغايا وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الاسلام حتى كان في أمس [ما كان].

وأما اعتراضك في بني هاشم وبني أمية فهو ادعاؤك إلى معاوية، وأما قولك في شأن الإمارة، وقول أصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنة وموسى وهارون عليهما السلام نبيان مرسلان يلقيان ما يلقيان، وهو ملك الله يعطيه البر والفاجر، وقال الله عز وجل: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " وقال: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناهم تدميرا ".

ثم قام الحسن عليه السلام فنفض ثيابه، وهو يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات " هم والله يا معاوية: أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك " والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " هم علي بن أبي طالب وأصحابه وشيعته.

ثم خرج وهو يقول: " ذق وبال ما كسبت يداك، وما جنيت، وما قد أعد الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما قد جنيتم، فقال له الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك، فقال معاوية: ألم أقل لكم إنكم لن تنتصفوا من الرجل؟ فهل أطعتموني أول مرة أو انتصرتم من الرجل

إذ فضحكم، والله ما قام حتى أظلم علي البيت، وهممت أن أسطو به، فليس فيكم خير اليوم ولا بعد اليوم.

قال: وسمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن علي عليهما السلام فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم ما الذي بلغني عن الحسن وزعله؟ قالوا قد كان ذلك، فقال لهم مروان: فهلا أحضرتموني ذلك فوالله لأسبنه ولأسبن أباه، وأهل البيت سبا تغنى به الإماء والعبيد، فقال معاوية:

والقوم لم يفتك شئ، وهم يعلمون من مروان بذر لسان وفحش، فقال مروان:

فأرسل إليه يا معاوية، فأرسل معاوية إلى الحسن بن علي عليهما السلام فلما جاءه الرسول قال له الحسن عليه السلام: ما يريد هذا الطاغية مني؟ والله لئن أعاد الكلام لأوقرن مسامعه ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة.

فأقبل الحسن عليه السلام فلما أن جاءهم وجدهم بالمجلس، على حالتهم التي تركهم فيها، غير أن مروان قد حضر معهم في هذا الوقت. فمشى الحسن عليه السلام حتى جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص، ثم قال الحسن لمعاوية :

لم أرسلت إلي؟ قال: لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الذي أرسل إليك.

فقال مروان: أنت يا حسن السباب رجال قريش؟ فقال: وما الذي أردت؟

فقال: والله لأسبنك وأباك وأهل بيتك سبا تغنى به الإماء والعبيد، فقال الحسن ابن علي عليهما السلام: أما أنت يا مروان، فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكن الله عز وجل لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذريتك، وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله.

والله يا مروان! ما تنكر أنت ولا أحد ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله يا مروان بما خوفك إلا طغيانا كبيرا، صدق الله وصدق رسوله، يقول: " والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا با محمد ما كنت فحاشا، فنفض الحسن عليه السلام ثوبه وقام وخرج، فتفرق القوم عن المجلس بغيظ وحزن وسواد الوجوه.

بيان: " فقصرنا به " على بناء المجرد والباء للتعدية أي أظهرنا أنه قاصر عن بلوغ الكمال أو مقصر، قوله " حتى صدق لك فيه " على بناء المجهول، ويحتمل المعلوم.

وقال الفيروزآبادي " الجناب ": الفناء والرحل والناحية، وبالضم ذات الجنب، وبالكسر فرس طوع الجناب سلس القياد، ولج في جناب قبيح [بالكسر] أي مجانبة أهله.

قوله " يتسامى " من السمو بمعنى الرفعة، قوله " فبئس كرامة الله " أي فبئس ما رعوها، قوله: " لا في قدحة زندك " القدحة بالكسر اسم من اقتداح النار وبالفتح للمرة، وهي كناية عن التدبير في الملك واستخراج الأمور بالنظر و " رجحة الميزان " كناية عن كونه أفضل من غيره في الكمالات، قوله " من دب بعيب عثمان " أي مشى به كناية عن السعي في إظهاره، " والخطر " بالتحريك العوض والمثل، " والمثاورة " المواثبة والمنازعة، ويقال خيموا بالمكان أي أقاموا.

قوله عليه السلام: " قريظة وبني النضير " هذا إشارة إلى غزوة خيبر وفيه إشكالان:

أحدهما أن قريظة والنضير كانا من يهود المدينة إلا أن يقال لعل بعضهم لحقوا خيبرا، والثاني أن سعد بن معاذ جرح يوم الأحزاب ومات بعد الحكم في بني قريظة، ولم يبق إلى غزوة خيبر، والظاهر أنه عليه السلام كان أشار إلى ما ظهر منه عليه السلام في تلك الوقائع جميعا فاشتبه على الراوي، قوله عليه السلام: " ولم يثن " أي لم يعطف الراية ولم يردها.

وقال الفيروزآبادي: الغرقد: شجر عظام أو هي العوسج إذا عظم وبها سموا [و] بقيع الغرقد مقبرة المدينة لأنه كان منبتها انتهي، والنتر جذب فيه قوة وجفوة، وريب المنون حوادث الدهر أو الموت، وقال الجوهري: العشوة أن تركب أمرا على غير بيان، يقال أوطأتني عشوة وعشوة [وعشوة] أي أمرا ملتبسا انتهى. واللوك أهون المضغ، أو مضغ صلب.

قوله عليه السلام: " والمهرج "، قال الفيروزآبادي: هرج الناس يهرجون وقعوا في فتنة واختلاط وقتل، والفرس جرى وإنه لمهرج كمنبر، وفي بعض النسخ والمهجر فيكون عطفا على النجاشي بأن يكون مصدرا ميميا أي أهل الهجرة ويقال: أشاط بدمه وأشاط دمه أي عرضه للقتل قوله عليه السلام " وجعل جدك " بالكسر أي اجتهادك وسعيك، أو بالفتح وهو الحظ والبخت.

وقال الجزري: فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: الكورة المعروفة ما بين الأردن وديار مصر، وأم بلادها بيت المقدس، والدوائر صروف الزمان وحوادث الدهر، والعواقب المذمومة ذكرها في مجمع البيان، قوله عليه السلام " ولو سألت " " لو " للتمني، قوله عليه السلام " أكبر في الميلاد " أي كنت أكبر سنا من

عقبة، فكيف تكون ابنه أو أنت أكبر من أن تكون ابنه فإنه في وقت ميلادك لم يكن في سن الرجال، والحصيف المحكم العقل.

قوله عليه السلام " على أيديهما " أي كانا هما الباعثان على ذلك، حيث اختارا المقاتلة، وكأنه كان يديه فصحف، قوله " فبأي الثلاثة " الظاهر فبأي الخمسة ويمكن أن يقال على الثلاثة الأخيرة واحدا لتقاربها أو الأولين واحدا وكذا الآخرين، أو يقال إنه عليه السلام بعد ذكر الثلاثة ذكر أمرين آخرين.

قوله عليه السلام " فما زالت الطائف دارك " أي كنت دائما في الطائف تتبع الزواني عند تلك الحروب والغزوات، حتى جئت منه أمس والمراد بالأمس الزمان القريب مجازا قوله فهو ادعاؤك إلى معاوية، يحتمل أن يكون " إلى " بمعنى " مع " أي لا يدعي هذا إلا أنت ومعاوية، ويحتمل أن يكون على التضمين أي داعيا أو منتميا إلى معاوية، ولا يبعد أن يكون أصله دعاؤك فزيدت الهمزة من النساخ والزعل بالتحريك النشاط.

2 - الخرائج: روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: إن الحسن بن علي رجل عيي وإنه إذا صعد المنبر ورمقوه بأبصارهم خجل وانقطع، لو أذنت له، فقال معاوية: يا أبا محمد لو صعدت المنبر ووعظتنا! فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ابن رسول الله، أنا ابن نبي الله، أنا ابن السراج

المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس، أنا ابن خير خلق الله بعد رسول الله، أنا ابن صاحب الفضائل أنا ابن صاحب المعجزات والد لائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي أنا واحد سيدي شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام، أنا ابن مكة، ومنى أنا ابن المشعر وعرفات.

فاغتاظ معاوية وقال: خذ في نعت الرطب ودع ذا، فقال: الريح تنفخه والحر ينضجه، وبرد الليل يطيبه، ثم عاد فقال:

أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن من قاتل معه الملائكة، أنا ابن من خضعت له قريش، أنا ابن إمام الخلق وابن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله.

فخشي معاوية أن يفتتن به الناس، فقال: يا أبا محمد انزل فقد كفى ما جرى فنزل فقال له معاوية: ظننت أن ستكون خليفة، وما أنت وذاك، فقال الحسن عليه السلام:

إنما الخليفة من سار بكتاب الله، وسنة رسول الله، ليس الخليفة من سار بالجور وعطل السنة، واتخذ الدنيا أبا واما، ملك ملكا متع به قليلا، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته.

وحضر المحفل رجل من بني أمية وكان شابا فأغلظ للحسن كلامه، وتجاوز الحد في السب والشتم له ولأبيه، فقال الحسن عليه السلام: اللهم غير ما به من النعمة واجعله أنثى ليعتبر به، فنظر الأموي في نفسه - وقد صار امرأة قد بدل الله له فرجه بفرج النساء وسقطت لحيته، فقال الحسن عليه السلام: اعزبي! ما لك ومحفل الرجال؟ فإنك امرأة.

ثم إن الحسن عليه السلام سكت ساعة ثم نفض ثوبه، ونهض ليخرج، فقال ابن العاص: اجلس فاني أسألك مسائل، قال عليه السلام: سل عما بدا لك، قال عمرو:

أخبرني عن الكرم والنجدة والمروءة، فقال عليه السلام: أما الكرم فالتبرع بالمعروف والاعطاء قبل السؤال، وأما النجدة فالذب عن المحارم، والصبر في المواطن

عند المكاره، وأما المروءة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس وقيامه بأداء الحقوق وإفشاء السلام.

فخرج. فعذل معاوية عمرا فقال: أفسدت أهل الشام، فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة إيمان ودين، إنما أحبوك للدنيا ينالونها منك والسيف والمال بيدك، فما يغني عن الحسن كلامه.

ثم شاع أمر الشاب الأموي وأتت زوجته إلى الحسن عليه السلام فجعلت تبكي وتتضرع فرقا له، ودعا فجعله الله كما كان.

3 - مناقب ابن شهرآشوب: إسماعيل بن أبان بإسناده عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه مر في مسجد رسول الله بحلقة فيها قوم من بني أمية، فتغامزوا به، وذلك عندما تغلب معاوية على ظاهر أمره فرآهم وتغامزهم به، فصلى ركعتين ثم قال: قد رأيت تغامزكم أما والله لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا سنة إلا ملكنا سنتين، وإنا لنأكل في سلطانكم، ونشرب ونلبس وننكح ونركب، وأنتم لا تأكلون في سلطاننا ولا تشربون ولا تنكحون.

فقال له رجل: فكيف يكون ذلك يا أبا محمد؟ وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم، تأمنون في سلطان القوم، ولا يأمنون في سلطانكم؟ فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، وعاديناهم بكيد الله وكيد الله شديد.

4 - الإحتجاج: روى الشعبي أن معاوية قدم المدينة فقام خطيبا فنال من علي بن أبي طالب عليه السلام، فقام الحسن بن علي عليهما السلام فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال له: إنه لم يبعث نبي إلا جعل له وصي من أهل بيته، ولم يكن نبي إلا وله عدو من المجرمين، وإن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده، وأنا ابن علي، وأنت ابن صخر، وجدك حرب وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأمك هند وأمي فاطمة، وجدتي خديجة وجدتك نثيلة، فلعن الله ألأمنا حسبا وأقدمنا كفرا

وأخملنا ذكرا وأشدنا نفاقا، فقال عامة أهل المسجد: آمين، فنزل معاوية فقطع خطبته.

5 - الإحتجاج: روي أنه لما قدم معاوية الكوفة قيل له إن الحسن بن علي عليهما السلام مرتفع في أنفس الناس، فلو أمرته أن يقوم دون مقامك على المنبر فتدركه الحداثة والعي فيسقط من أنفس الناس، فأبى عليهم وأبوا عليه إلا أن يأمره بذلك، فأمره فقام دون مقامه في المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لو طلبتم ما بين كذا وكذا لتجدوا رجلا جده نبي لم تجدوه غيري وغير أخي، وإنا أعطيا صفقتنا هذا الطاغية - وأشار بيده إلى أعلا المنبر إلى معاوية - وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله من المنبر، ورأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين - وأشار بيده إلى معاوية - فقال له معاوية:

ما أردت بقولك هذا؟ فقال: أردت به ما أراد الله عز وجل.

فقام معاوية فخطب خطبة عيية فاحشة، فثلب فيها أمير المؤمنين عليه السلام فقام الحسن بن علي عليهما السلام فقال وهو على المنبر: يا ابن آكلة الأكباد، أو أنت تسب أمير المؤمنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله الله نار جهنم خالدا فيها مخلدا، وله عذاب مقيم ثم انحدر الحسن عليه السلام عن المنبر فدخل داره ولم يصل [هناك بعد ذلك].

بيان - قوله " عيية " بتشديد الياء الثانية، على فعيل من العي خلاف البيان يقال عي في منطقه فهو عيي ويحتمل أن يكون عتية بالتاء المثناة الفوقانية من العتو والفساد، أو بالغين المعجمة والباء الموحدة من الغباوة، خلاف الفطنة، وعلى التقادير توصيف الخطبة بها مجاز، ويقال: ثلبه ثلبا إذا صرح بالعيب وتنقصه.

6 - أمالي الصدوق: القطان عن السكري، عن الجوهري، عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد، عن أبيه قال هشام: وأخبرني ببعضه أبو مخنف لوط بن يحيى

وغير واحد من العلماء في كلام كان بين الحسن بن علي عليهما السلام وبين الوليد بن عقبة فقال له الحسن عليه السلام: لا ألومك أن تسب عليا وقد جلدك في الخمر ثمانين سوطا وقتل أباك صبرا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم بدر، وقد سماه الله عز وجل في غير آية مؤمنا وسماك فاسقا، وقد قال الشاعر فيك وفي علي عليه السلام:

أنزل الله في الكتاب علينا * في علي وفي الوليد قرانا فتبوأ الوليد منزل كفر * وعلي تبوأ الايمانا ليس من كان مؤمنا يعبد الله * كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلي إلى الجزاء عيانا فعلي يجزى هناك جنانا * وهناك الوليد يجزى هوانا 7 - أقول: قال ابن أبي الحديد: قال أبو الحسن المدائني: طلب زياد رجلا من أصحاب الحسن ممن كان في كتاب الأمان، فكتب إليه الحسن: من الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك تعرضت له فأحب أن لا تتعرض له إلا بخير والسلام.

فلما أتاه الكتاب وذلك بعد أن ادعاه معاوية، غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد فإنه أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبنه بين جلدك ولحمك وإن أحب الناس إلي لحما أنا آكله للحم أنت منه، والسلام.

فلما قرأ الحسن الكتاب بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب وكتب: من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد أما بعد فان لك رأيين: رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون من مثلها؟ إن الحسن بن علي كتب إلي أنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له فاني

لم أجعل لك عليه سبيلا.

8 - الإحتجاج: مفاخرة الحسن بن علي عليه السلام [على] معاوية ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان لعنهم الله أجمعين.

قيل: وفد الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية فحضر مجلسه وإذا عنده هؤلاء القوم، ففخر كل رجل منهم على بني هاشم فوضعوا منهم، وذكروا أشياء ساءت الحسن عليه السلام وبلغت منه فقال الحسن بن علي عليهما السلام: أنا شعبة من خير الشعب آبائي أكرم العرب، لنا الفخر والنسب، والسماحة عند الحسب، من خير شجرة أنبتت فروعا نامية، وأثمارا زاكية، وأبدانا قائمة، فيها أصل الاسلام، وعلم النبوة فعلونا حين شمخ بنا الفخر، واستطلنا حين امتنع منا العز، بحور زاخرة لا تنزف وجبال شامخة لا تقهر.

فقال مروان: مدحت نفسك، وشمخت بأنفك، هيهات يا حسن، نحن والله الملوك السادة، والأعزة القادة، لا ننحجز فليس لك مثل عزنا، ولا فخر كفخرنا ثم أنشأ يقول:

شفينا أنفسا طابت وقورا * فنالت عزها فيمن يلينا وابنا بالغنيمة حيث ابنا * وابنا بالملوك مقرنينا ثم تكلم المغيرة بن شعبة فقال: نصحت لأبيك فلم يقبل النصح لولا كراهية قطع القرابة لكنت في جملة أهل الشام، فكان يعلم أبوك أني أصدر الوراد عن مناهلها بزعارة قيس، وحلم ثقيف وتجار بها للأمور على القبائل.

فتكلم الحسن عليه السلام فقال: يا مروان أجبنا وخورا وضعفا وعجزا؟ أتزعم أني مدحت نفسي وأنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وشمخت بأنفي وأنا سيد شباب أهل الجنة

وإنما يبذخ ويتكبر - ويلك - من يريد رفع نفسه، ويتبجح من يريد الاستطالة فأما نحن فأهل بيت الرحمة، ومعدن الكرامة، وموضع الخيرة، وكنز الايمان ورمح الاسلام، وسيف الدين، ألا تصمت ثكلتك أمك قبل أن أرميك بالهوائل وأسمك بميسم تستغني به عن اسمك.

فأما إيابك بالنهاب والملوك أفي اليوم الذي وليت فيه مهزوما وانحجزت مذعورا فكانت غنيمتك هزيمتك، وغدرك بطلحة حين غدرت به، فقتلته قبحا لك، ما أغلظ جلدة وجهك فنكس مروان رأسه وبقي المغيرة مبهوتا.

فالتفت إليه الحسن عليه السلام فقال: [يا] أعور ثقيف! ما أنت من قريش فأفاخرك أجهلتني يا ويحك وأنا ابن خيرة الإماء، وسيدة النساء، غذانا رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم الله تبارك وتعالى، فعلمنا تأويل القرآن ومشكلات الأحكام، لنا العزة الغلباء والكلمة العلياء، والفخر والسناء، وأنت من قوم لم يثبت لهم في الجاهلية نسب ولا لهم في الاسلام نصيب، عبد آبق ماله والافتخار؟ عند مصادمة الليوث، ومجاحشة الأقران، نحن السادة، ونحن المذاويد القادة، نحمي الذمار، وننفي عن ساحتنا العار، وأنا ابن نجيبات الأبكار.

ثم أشرت - زعمت - بخير وصي خير الأنبياء؟ كان هو بعجزك أبصر، وبخورك أعلم، وكنت للرد عليك منه أهلا لو غرك في صدرك، وبدو الغدر في عينك، هيهات لم يكن ليتخذ المضلين عضدا وزعمت لو أنك كنت بصفين بزعارة قيس وحلم ثقيف

فيما ذا ثكلتك أمك أبعجز عند المقامات، وفرارك عند المجاحشات، أما والله لو التفت عليك من أمير المؤمنين الأشاجع لعلمت أنه لا يمنعه منك الموانع، ولقامت عليك المرنات الهوالع.

وأما زعارة قيس فما أنت وقيسا؟ إنما أنت عبد آبق فتسمى ثقيفا فاحتل لنفسك من غيرها، فلست من رجالها، أنت بمعالجة الشرك وموالج الزرائب أعرف منك بالحروف، فأي الحلم عند العبيد القيون.

ثم تمنيت لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فذاك من قد عرفت، أسد باسل، وسم قاتل، لا تقاومه الأبالسة، عند الطعن والمخالسة، فكيف ترومه الضبعان وتناوله الجعلان بمشيتها القهقري، وأما وصلتك فمنكولة وقرابتك فمجهولة، وما رحمك منه إلا كبنات الماء من خشفان الظبا، بل أنت أبعد منه نسبا.

فوثب المغيرة، والحسن عليه السلام يقول: عذرنا من بني أمية أن تجاورنا بعد مناطقة القيون، ومفاخرة العبيد فقال معاوية: ارجع يا مغيرة هؤلاء بنو عبد مناف لا تقاومهم الصناديد، ولا تفاخرهم المذاويد، ثم أقسم على الحسن عليه السلام بالسكوت فسكت.

ايضاح: قال الجوهري: زخر الوادي إذا امتد جدا وارتفع، يقال بحرز اخر، وقال: نزفت ماء البئر نزفا أي نزحته كله يتعدى ولا يتعدى، وقال:

الجبال الشوامخ هي الشواهق، وشمخ الرجل بأنفه تكبر، انتهى.

والانحجاز: الامتناع، والإصدار: الارجاع، والمنهل عين ماء ترده الإبل في المراعي، قوله عليه السلام " أجبنا " أي أتزعم أني أقول هذا جبنا. والخور بالتحريك:

الضعف، والبذخ: الكبر، وقد بذخ بالكسر وتبذخ أي تكبر وعلا، والبجح بتقديم الجيم على الحاء الفرح وبجحته أنا تبجيحا فتبجح أي أفرحته ففرح، والهوائل المفزعات، والإياب: الرجوع، والنهب: الغنيمة والجمع النهاب بالكسر، إشارة إلى قوله " وابنا بالغنيمة ".

والمجاحشة المدافعة، والذائد الحامي الدافع، والمذواد مبالغة فيه وقال الجوهري فلان حامي الذمار أي إذا ذمر وغضب حمي، وفلان أمنع ذمارا من فلان ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه لأنهم قالوا حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة انتهى.

والوغر بالفتح وبالتحريك الضغن والحقد، وبدو الغدر ظهوره، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، والتفاف الأشاجع: كناية عن التمكن والاقتدار منه، والمرنات البواكي الصائحات عند المصيبة، والهلع أفحش الجزع والزرائب جمع الزريبة، وهي الطنفسة وحظيرة الغنم وكلاهما مناسبان، وفي بعض النسخ الزرانب وهو جمع الزرنب فرج المرأة والقيون جمع القين بمعنى العبد، أو الحداد والصانع، وأكثر ما يجمع بالمعنى الأول على قيان لكنه أنسب بالمقام، والبسالة الشجاعة، وقد بسل فهو باسل أي بطل، وبنات الماء الحيوانات المتولدة فيه، أو طيوره، وقال المطرزي: وبنات الماء من الطير استعارة، قوله عليه السلام " عذرنا " على بناء المفعول أي صرنا معذورين إن آذيناهم وكافيناهم بعد المجاورة، لما فعلوا بنا من مناطقة القيون، قال الجزري فيه: " من يعذرني من رجل قد بلغني عنه كذا وكذا " أي من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني، ويحتمل أن يكون تحاورنا بالحاء المهملة من المحاورة أي إن تكلمنا مع بني أمية مع عدم قابليتهم لذلك فنحن معذورون بعد

محاورة القيون.

9 - الإحتجاج: روى سليم بن قيس قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال:

قال لي معاوية: ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك، ولا أبوهما بخير من أبيك، لولا أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لقلت ما أمك أسماء بنت عميس بدونها، قال: فغضبت من مقالته، وأخذني مالا أملك، فقلت: إنك لقليل المعرفة بهما وبأبيهما وأمهما بلى والله هما خير مني، وأبوهما خير من أبي، وأمهما خير من أمي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته.

فقال معاوية - وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام وابن جعفر رحمه الله وابن عباس وأخيه الفضل - هات ما سمعت، فوالله ما أنت بكذاب، فقال: إنه أعظم مما في نفسك، قال: وإن كان أعظم من أحد وحرى، فإنه ما لم يكن أحد من أهل الشام لا أبالي، أما إذا قتل الله طاغيتكم، وفرق جمعكم وصار الأمر في أهله ومعدنه، فلا نبالي ما قلتم، ولا يضرنا ما ادعيتم.

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من كنت أولى به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه - وعلي بين يديه عليهما السلام [في البيت والحسن والحسين وعمر بن أم سلمة وأسامة بن زيد] وفي البيت فاطمة عليها السلام وأم أيمن وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثا ثم نص بالإمامة على الأئمة تمام الاثني عشر عليهم السلام.

ثم قال صلوات الله عليه: ولامتي اثنا عشر إمام ضلالة كلهم ضال مضل عشرة من بني أمية ورجلان من قريش، وزر جميع الاثني عشر وما أضلوا ، في أعناقهما ثم سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسمى العشرة معهما.

قال: فسمهم لنا، قال: فلان وفلان وفلان وصاحب السلسلة وابنه من آل

أبي سفيان وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص أولهم مروان.

قال معاوية: لئن كان ما قلت حقا لقد هلكت وهلكت الثلاثة قبلي، وجميع من تولاهم من هذه الأمة، ولقد هلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار والتابعين غيركم أهل البيت وشيعتكم، قال ابن جعفر: فان الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال معاوية للحسن والحسين وابن عباس: ما يقول ابن جعفر؟ قال ابن عباس - ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي عليه السلام أرسل إلى الذين سمى، فأرسل إلى عمر بن أم سلمة وأسامة فشهدوا جميعا أن الذي قال ابن جعفر حق قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه.

ثم أقبل معاوية إلى الحسن والحسين وابن عباس والفضل وابن أم سلمة وأسامة فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟ قالوا: نعم، قال معاوية: فإنكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمرا عظيما وتحتجون بحجة قوية، فان كانت حقا فإنكم لتبصرون على أمر وتسترونه، والناس في غفلة وعمى، ولئن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الأمة، ورجعت عن دينها، وكفرت بربها وجحدت نبيها إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم، فأولئك قليل في الناس.

فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله: " وقليل من عبادي الشكور " وقال: " وقليل ما هم " وما تعجب مني يا معاوية أعجب من بني إسرائيل إن السحرة قالوا لفرعون " فاقض ما أنت قاض " فآمنوا بموسى وصدقوه ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر، وأراهم العجائب، وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد، فقالوا " اجعل لنا إلها كمالهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " وعكفوا على العجل جميعا غير هارون

فقالوا: " هذا إلهكم وإله موسى " وقال لهم موسى بعد ذلك " ادخلوا الأرض المقدسة " فكان من جوابهم ما قص الله عز وجل عليهم فقال موسى عليه السلام:

" رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ".

فما اتباع هذه الأمة رجالا سودوهم وأطاعوهم، لهم سوابق مع رسول الله ومنازل قريبة منه، وأصهار مقرين بدين محمد وبالقرآن، حملهم والكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم صاغوا من حليهم عجلا ثم عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له، ويزعمون أنه رب العالمين واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده.

وقد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا الله.

وتتعجب يا معاوية أن سمى الله من الأئمة واحدا بعد واحد، قد نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم وفي غير موطن واحتج بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم وأخبر أن أولهم علي بن أبي طالب عليه السلام ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده، وأنه خليفته فيهم ووصيه، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا يوم موته فقال: عليكم جعفر فان هلك فزيد، فان هلك فعبد الله بن رواحة، فقتلوا جمعيا أفتراه يترك الأمة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره، وما ركب القوم ما ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله في عمى ولا شبهة.

فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة

والخلافة فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم.

قال معاوية: ما تقول يا حسن؟ قال: يا معاوية قد سمعت ما قلت وما قال ابن عباس، العجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت:

قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه، فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟

ويل لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس، وسنوا لك هذه السنة لأقولن كلاما ما أنت أهله ولكني أقول لتسمعه بنو أبي هؤلاء حولي.

إن الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة، ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة: على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وعبده، والصلوات الخمس والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء كثيرة من طاعة الله التي لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا، والسرقة، والكذب والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.