بحارالانوار · المجلد العاشر
٧ - باب ما وقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها في ms14380 مرضها
ج ۴۳، ص ۱۵۴–۱۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة.
لي - الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن ابن معروف مثله.
2 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الصدوق، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن عبد الله بن العباس قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته، فقيل له: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي، كأني بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي يا أبتاه، فلا يعينها أحد من أمتي، فسمعت ذلك فاطمة (عليها السلام) فبكت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
لا تبكين يا بنية، فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك، ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله، فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي.
3 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن السناني، عن الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن يحيى، عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عباس قال:
دخلت فاطمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه، قال: نعيت إلي نفسي، فبكت فاطمة، فقال لها: لا تبكين فإنك لا تمكثين من بعدي إلا اثنين و سبعين يوما ونصف يوم حتى تلحقي بي، ولا تحلقي بي، حتى تتحفي بثمار الجنة فضحكت فاطمة (عليها السلام).
4 - الخرائج: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه في الجنة ويخبرها ما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي يكتب ذلك.
5 - مناقب ابن شهرآشوب: دخلت أم سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قالت: أصبحت بين كمد وكرب، فقد النبي وظلم الوصي، هتك والله حجابه، من أصبحت إمامته مقبضة [مقتضبة] على غير
ما شرع الله في التنزيل، وسنها النبي (صلى الله عليه وآله) في التأويل ولكنها أحقاد بدرية، وترات أحدية، كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لامكان الوشاة، فلما استهدف الامر أرسلت علينا شآبيب الآثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الايمان من قسي صدورها، ولبئس - على ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين - أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا بعد استنصار [انتصار]، ممن فتك بآبائهم في مواطن الكرب، ومنازل الشهادات.
أقول: كان الخبر في المأخوذ منه مصحفا محرفا، ولم أجده في موضع آخرا صححه به فأوردته على ما وجدته.
6 - من بعض كتب المناقب: عن سعد بن عبد الله الهمداني، عن سليمان ابن إبراهيم، عن أحمد بن موسى بن مردويه، عن جعفر بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن سعيد بن محمد الجرمي، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن حبة، عن علي (عليه السلام) قال: غسلت النبي (صلى الله عليه وآله) في قميصه، فكانت فاطمة تقول: أرني القميص فإذا شمته غشي عليها، فلما رأيت ذلك غيبته.
7 - من لا يحضره الفقيه: روي [أنه] لما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) امتنع بلال من الأذان، قال لا أؤذن لاحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن فاطمة (عليها السلام) قالت ذات يوم، إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي (صلى الله عليه وآله) بالاذن، فبلغ ذلك بلالا، فأخذ في الأذان، فلما قال: الله أكبر الله أكبر، ذكرت أباها وأيامه، فلم تتمالك من البكاء، فلما بلغ إلى قوله: أشهد أن محمدا رسول الله شهقت فاطمة (عليها السلام ) وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: أمسك يا بلال فقد فارقت ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدنيا، وظنوا أنها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمه فأفاقت فاطمة (عليها السلام) وسألته أن يتم الأذان، فلم يفعل، وقال لها: يا سيدة النسوان إني أخشى عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك.
8 - معاني الأخبار: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبد الرحمان ابن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي، قال:
حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمان المهلبي، قال:
حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت: لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغلبها، اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: يا بنت رسول الله: كيف أصبحت عن علتك؟ فقالت (عليها السلام): أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم قبل أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد، وخور القناة، وخطل الرأي، و بئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم غارها فجدعا، وعقرا، وسحقا للقوم الظالمين.
ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما نقموا من أبي الحسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطئه، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عز وجل.
والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه لاعتلقه، ولسار بهم سيرا سجحا، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطانا، قد تحير بهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعة شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا هلم فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي سناد استندوا، وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابى والله بالقوادم والعجز بالكاهل. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون.
أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا، وذعافا ممقرا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما سن الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا، وطأمنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا، وزرعكم حصيدا فيا حسرتي لكم، وأنى بكم، وقد عميت [قلوبكم] عليكم أن الزمكموها وأنتم لها كارهون.
ثم قال: وحدثنا بهذا الحديث [أبو الحسن] علي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني قال: أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثنا محمد بن علي الهاشمي، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما حضرت فاطمة (عليها السلام) الوفاة دعتني فقالت: أمنفذ أنت وصيتي وعهدي؟ قال:
قلت: بلى أنفذها فأوصت إليه وقالت: إذا أنا مت فادفني ليلا ولا تؤذنن رجلين ذكرتهما، قال: فلما اشتدت علتها اجتمع إليها نساء المهاجرين والأنصار فقلن: كيف أصبحت يا بنت رسول الله من علتك؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم، وذكر الحديث نحوه.
قال الصدوق - رحمه الله -: سألت أبا أحمد الحسين بن عبد الله بن سعيد العسكري عن معنى هذا الحديث فقال: أما قولها صلوات الله عليها: عائفة إلى آخر ما ذكره وسنوردها في تضاعيف ما سنذكره في شرح الخطبة على اختلاف رواياتها.
9 - الإحتجاج: قال سويد بن غفلة: لما مرضت فاطمة (عليها السلام) المرضة التي توفيت فيها اجتمع إليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله؟ فحمدت الله وصلت على أبيها (صلى الله عليه وآله) ثم قالت.
أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم
وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد واللعب بعد الجد، وقرع الصفاة وصدع القناة، وخطل الآراء، وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وحملتهم أوقتها، وشننت عليهم غارها، فجدعا، وعقرا، وبعدا للقوم الظالمين.
ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين.
وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله.
وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها، وحملهم عليها، ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه، ولا يكل سائره، ولا يمل راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا صافيا رويا تطفح ضفتاه، ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يحلي من الغنى بطائل، ولا يحظي من الدنيا بنائل، غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب فعجب قولهم، ليت شعري إلى أي سناد استندوا وعلى أي عماد اعتمدوا، وبأية عروة تمسكوا. وعلى أيه ذرية أقدموا واحتنكوا لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون.
أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملء القعب دما عبيطا وذعافا مبيدا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما أسس الأولون
ثم طيبوا عن دنياكم أنفسا، واطمئنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم، وبهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم، وأنى بكم، وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها (عليها السلام) على رجالهن فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيدة النساء لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الامر من قبل أن نبرم العهد، ونحكم العقد، لما عدلنا إلى غيره فقالت (عليها السلام): إليكم عني فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم.
10 - أمالي الطوسي: الحفار، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن أحمد بن علي الخزاز، عن أبي سهل الدقاق، عن عبد الرزاق، وقال الدعبلي: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الديري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: دخلن نسوة من المهاجرين والأنصار على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعدنها في علتها، فقلن: السلام عليك يا بنت رسول الله - (صلى الله عليه وآله) - كيف أصبحت؟ فقالت:
أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد إذ عجمتهم وسئمتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لأفون الرأي، وخطل القول، وخور القناة، و لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم والله لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم غارها، فجدعا ورغما للقوم الظالمين.
ويحهم أنى زحزحوها عن أبي الحسن، ما نقموا والله منه إلا نكير سيفه و نكال وقعه، وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافوا عليه عن زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاعتلقه، ثم لسار بهم سيرة سجحا، فإنه قواعد الرسالة، ورواسي النبوة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمر الدين والدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين.
والله لا يكتلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا
تطفح ضفته، ولأصدرهم بطانا قد خثر بهم الري غير متحل بطائل إلا تغمر الناهل ودرع سورة سغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فهلم فاسمع فما عشت أراك الدهر عجبا، وإن تعجب بعد الحادث فما بالهم؟
بأي سند استندوا، أم بأية عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا.
استبدلوا الذنابى بالقوادم، والحرون بالقاحم، والعجز بالكاهل، فتعسا لقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون.
لقحت فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا، وذعافا ممضا هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسكن الأولون، ثم طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم لفتنها، ثم اطمئنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وهرج دائم شامل، واستبداد من الظالمين، فزرع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لهم، وقد عميت عليهم الانباء أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
بيان: أقول: روى صاحب كشف الغمة الروايتين اللتين أوردهما الصدوق عن كتاب السقيفة بحذف الاسناد، ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن محمد بن زكريا، عن محمد بن عبد الرحمان إلى آخر ما أورده الصدوق وإنما أوردتها مكررة للاختلاف الكثير بين رواياتها وشدة الاعتناء بشأنها، ولنشرحها لاحتياج جل فقراتها إلى الشرح والبيان زيادة على ما أورده الصدوق والله المستعان.
قولها (عليها السلام): (عائفة) أي كارهة، يقال: عاف الرجل الطعام يعافيه عيافا إذا كره، و (القالية): المبغضة قال تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ ولفظت الشئ من فمي: أي رميته وطرحته، و (العجم): العض تقول: عجمت العود أعجمه
بالضم إذا عضضته (وشنأه) كمنعه وسمعه: أبغضه، وسبرتهم أي اختبرتهم، فعلى ما في أكثر الروايات المعنى: طرحتهم وأبغضتهم بعد امتحانهم ومشاهدة سيرتهم وأطوارهم وعلى رواية الصدوق المعنى: أني كنت عالمة بقبح سيرتهم وسوء سريرتهم فطرحتهم ، ثم لما اختبرتهم شنئتهم وأبغضتهم أي تأكد إنكاري بعد الاختبار، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى شناعة أطوارهم الظاهرة، والثاني إلى خبث سرائرهم الباطنة.
قولها (عليها السلام): فقبحا لفلول الحد إلى قولها: خالدون، قبحا بالضم مصدر حذف فعله إما من قولهم: قبحه الله قبحا، أو من قبح بالضم قباحة، فحرف الجر على الأول داخل على المفعول، وعلى الثاني على الفاعل (والفلول) بالضم جمع فل بالفتح، وهو الثلمة والكسر في حد السيف، وحكى الخليل في العين أنه يكون مصدرا ولعله أنسب بالمقام، وحد الشئ شباته، وحد الرجل بأسه، (والخور) بالفتح والتحريك: الضعف، و (القناة): الرمح و (الخطل): بالتحريك المنطق الفاسد المضطرب، وخطل الرأي فساده واضطرابه.
قولها (عليها السلام): (اللعب بعد الجد) أي أخذتم دينكم باللعب والباطل بعد أن كنتم مجدين فيه آخذين بالحجة.
قولها (عليها السلام): وقرع الصفاة (الصفاة) الحجر الأملس أي جعلتم أنفسكم مقرعا لخصامكم حتى قرعوا صفاتكم أيضا قال الجزري في حديث معاوية: يضرب صفاتها بمعوله، وهو تمثيل أي اجتهد عليه وبالغ في امتحانه واختباره، ومنه الحديث:
لا يقرع لهم صفاة، أي لا ينالهم أحد بسوء، انتهى.
أقول: لا يبعد أن يكون كناية عن عدم تأثير حيلتهم بعد ذلك، وفلول حدهم، كما أن من يضرب السيف على الصفاة لا يؤثر فيها ويفل السيف.
وصدع القناة: شقها، والسأمة: الملال، وقال الجزري: في حديث علي: إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن. الأفن النقص، ورجل أفن ومأفون أي ناقص العقل وقوله تعالى: (أن سخط الله) هو المخصوص بالذم، أو علة الذم، والمخصوص محذوف أي لبئس شيئا ذلك لان كسبهم السخط والخلود.
قولها (عليها السلام): لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، لا جرم كلمة تورد لتحقيق الشئ، و الربقة في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، ويقال للحبل الذي تكون فيه الربقة ربق وتجمع على ربق ورباق وأرباق، والضمير في ربقتها راجع إلى الخلافة المدلول عليها بالمقام، أو إلى فدك، أو حقوق أهل البيت (عليهم السلام) أي جعلت إثمها لازمة لرقابهم كالقلائد.
قولها: وشننت عليهم غارها، الشن: رشن الماء رشا متفرقا، والسن بالمهملة الصب المتصل ومنه قولهم: شبت عليهم الغارة إذا فرقت عليهم من كل وجه.
قولها: وحملتهم أوقتها قال الجوهري: الأوق: الثقل يقال: ألقى عليه أوقه، وقد أوقته تأويقا أي حملته المشقة والمكروه.
قولها (عليها السلام): فجدعا وعقرا، (الجدع) قطع الأنف أو الاذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص ويكون بمعنى الحبس، و (العقر) بالفتح الجرح ويقال في الدعاء على الانسان: عقرا له وحلقا، أي عقر الله جسده وأصابه بوجع في حلقه، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف، ثم اتسع فيه فاستعمل في القتل والهلاك، و هذه المصادر يجب حذف الفعل منها، و (السحق) بالضم: البعد.
قولها (عليها السلام): ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة ويح كلمة تستعمل في الترحم والتوجع والتعجب، والزحزحة: التنحية: والتبعيد، والزعزعة:
التحريك والرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ، وقواعد البيت: أساسه.
قولها (عليها السلام): والطبين، هو بالطاء المهملة والباء الموحدة الفطن الحاذق.
قولها (عليها السلام): وما نقموا من أبي الحسن - إلى قولها - في ذات الله، وفي كشف الغمة وما الذي نقموا من أبي الحسن، يقال: نقمت على الرجل كضربت، وقال الكسائي: كعلمت لغة أي عتبت عليه وكرهت شيئا منه، والتنكير: الانكار والتنكر: التغير عن حال يسرك إلى حال تكرهها، والاسم النكير، وما هنا يحتمل المعنيين والأول أظهر أي إنكار سيفه فإنه (عليه السلام) كان لا يسل سيفه إلا لتغيير المنكرات، و (الوطأة): الآخذة الشديدة والضغطة، وأصل الوطئ: الدوس بالقدم
ويطلق على الغزو والقتل لان من يطأ الشئ برجليه فقد استقصى في هلاكه وإهانته، و (النكال): العقوبة التي تنكل الناس، و (الوقعة): صدمة الحرب، وتنمر فلان أي تغير وتنكر وأوعد، لان النمر لا تلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان.
قولها: في ذات الله، قال الطيبي: ذات الشئ: نفسه وحقيقته، والمراد ما أضيف إليه، وقال الطبرسي في قوله تعالى: (وأصلحوا ذات بينكم) كناية عن المنازعة والخصومة، والذات: هي الخلقة والبنية، يقال: فلان في ذاته صالح أي في خلقته وبنيته، يعني أصلحوا نفس كل شئ بينكم، أو أصلحوا حال كل نفس بينكم، وقيل: معناه وأصلحوا حقيقة وصلكم وكذلك معنى اللهم أصلح ذات البين أي أصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون انتهى.
أقول: فالمراد بقولها: في ذات الله، أي في الله ولله بناء على أن المراد بالذات الحقيقة، أو في الأمور والأحوال التي تتعلق بالله من دينه وشرعه وغير ذلك كقوله تعالى: (إنه عليم بذات الصدور) أي المضمرات التي في الصدور.
قولها (عليها السلام): وتالله لو مالوا، أي بعد أن مكنوه في الخلافة قولها (عليها السلام) وتالله لو تكافوا - إلى قولها - بما كانوا يكسبون، التكاف، تفاعل من الكف وهو الدفع والصرف، والزمام ككتاب الخيط الذي يشد في البرة أو الخشاش ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زماما، ونبذه أي طرحه، وفي الصحاح اعتلقه أي أحبه، ولعله هنا بمعنى تعلق به وإن لم أجد فيما عندنا من كتب اللغة.
والسجح، بضمتين: اللين السهل، والكلم: الجرح، والخشاش بكسر الخاء المعجمة: ما يجعل في أنف البعير من خشب ويشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده وتعتعت الرجل أي أقلقته وأزعجته.
والمنهل: المورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار: مناهل. لان فيها ماء قاله الجوهري، وقال: ماء نمير أي ناجع عذبا كان أو غيره، وقال الصدوق نقلا عن الحسين بن عبد الله بن -
سعيد العسكري: النمير الماء النامي في الجسد، وقال الجوهري: الروي سحابة عظيمة القطر شديدة الوقع ويقال: شربت شربا رويا، والفضفاض: الواسع يقال: ثوب فضفاض، وعيش فضفاض، ودرع فضفاضة، وضعتا النهر بالكسر وقيل:
وبالفتح: أيضا: جانباه، وتطفح، أي تمتلئ حتى تفيض.
ورنق الماء كفرح ونصر وترنق: كدر، وصار الماء رونقة: غلب الطين على الماء، والترنوق: الطين الذي في الأنهار والمسيل، فالظاهر أن المراد بقولها:
ولا يترنق جانباه، أنه لا ينقص الماء حتى يظهر الطين والحمأ من جانبي النهر ويتكدر الماء بذلك، وبطن كعلم: عظم بطنه من الشبع، ومنه الحديث : تغدو خماصا وتروح بطانا، والمراد عظم بطنهم من الشرب.
وتحير الماء، أي اجتمع ودار كالمتحير يرجع أقصاه إلى أدناه، ويقال:
تحيرت الأرض بالماء، إذا امتلأت، ولعل الباء بمعنى في أي تحير فيهم الري أو للتعدية أي صاروا حيارى لكثرة الري، والري بالكسر والفتح ضد العطش.
وفي رواية الشيخ: قد خثر، بالخاء المعجمة والثاء المثلثة أي أثقلهم من قولك: أصبح فلان خاثر النفس، أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط، وحلي منه بخير كرضي أي أصاب خيرا، وقال الجوهري: قولهم: لم يحل منها بطائل أي لم يستفد منها كثير فائدة، والتحلي: التزين، والطائل: الغناء، والمزية، والسعة والفضل، والتغمر، هو الشرب دون الري، مأخوذ من الغمر بضم الغين المعجمة وفتح الميم وهو القدح الصغير.
والناهل: العطشان والريان، والمراد هنا الأول، والردع: الكف والدفع والردعة: الدفعة منه، وفي جميع الروايات سوى معاني الأخبار: سورة الساغب وفيه: شررة الساغب، ولعله من تصحيف النساخ، والشرر: ما يتطاير من النار، ولا
يبعد أن يكون من الشرة بمعنى الحرص.
وسورة الشئ بالفتح: حدته وشدته، والسغب: الجوع.
وقال الفيروزآبادي: الحظوة بالضم والكسر، والحظة كعدة: المكانة والحظ من الرزق، وحظي كل واحد من الزوجين عند صاحبه كرضي، والنائل:
العطية، ولعل فيه شبه القلب.
وقال الفيروزآبادي: الكافل: العائل، والذي لا يأكل أو يصل الصيام والضامن انتهى.
أقول: يمكن أن يكون هنا بكل من المعنيين الأولين ويحتمل أن يكون بمعنى كافل اليتيم، فإنه لا يحل له الأكل إلا بقدر البلغة، وحاصل المعنى أنه لو منع كل منهم الآخرين عن الزمام الذي نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو تولي أمر الأمة، لتعلق به أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أخذه محبا له ولسلك بهم طريق الحق من غير أن يترك شيئا من أوامر الله أو يتعدى حدا من حدوده، ومن غير أن يشق على الأمة، ويكلفهم فوق طاقتهم ووسعهم، ولفازوا بالعيش الرغيد في الدنيا والآخرة ولم يكن ينتفع من دنياهم وما يتولى من أمرهم إلا بقدر البلغة وسد الخلة.
قولها (عليها السلام): ألا هلم فاسمع، في رواية ابن أبي الحديد: ألا هلمن فاسمعن وما عشتن أراكن الدهر عجبا، إلى أي لجإ لجأوا واستندوا وبأي عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا - قال الجوهري: هلم يا رجل بفتح الميم بمعنى تعال يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث، في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين: هلما، وللجمع: هلموا، وللمرأة:
هلمي، وللنساء: هلممن والأول أفصح، وإذا أدخلت عليه النون الثقيلة قلت:
هلمن يا رجل، وللمرأة هلمن بكسر الميم وفي التثنية هلمان للمؤنث والمذكر جميعا، وهلمن يا رجال بضم الميم، وهلممنان يا نسوة انتهى، وعلى الروايات الأخر الخطاب عام.
قولها: وما عشتن: أي أراكن الدهر شيئا عجبا لا يذهب عجبه وغرابته
مدة حياتكن، أو يتجدد لكن كل يوم أمر عجيب متفرع على هذا الحادث الغريب.
وقال الجوهري: شعرت بالشئ أشعر به شعرا أي فطنت له ومنه قولهم:
ليت شعري، أي ليتني علمت، واللجأ محركة: الملاذ والمعقل كالملجأ، ولجأت إلى فلان إذا استندت إليه واعتضدت به، والسناد: ما يستند إليه.
وقال الجوهري: احتنك الجراد الأرض أكل ما عليها وأتى على نبتها وقوله تعالى حاكيا عن إبليس (لاحتنكن ذريته) قال الفراء يريد لاستولين عليهم، والمراد بالذرية ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله).
والمولى: الناصر والمحب، والعشير: الصاحب المخالط المعاشر، ولبئس للظالمين بدلا، أي بئس البدل من اختاروه على إمام العدل وهو أمير المؤمنين (عليه السلام).
قولها (عليها السلام): استبدلوا - إلى قولها -: كيف تحكمون، الذنابى بالضم ذنب الطائر ومنبت الذنب والذنابى في الطائر أكثر استعمالا من الذنب وفي الفرس والبعير ونحوهما الذنب أكثر، وفي جناح الطائر أربع ذنابى بعد الخوافي وهي ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح التي تسمى قوادم، والذنابي من الناس:
السفلة والاتباع.
والحرون: فرس لا ينقاد، وإذا اشتدت به الجري وقف، وقحم في الامر قحوما: رمى بنفسه فيه من غير روية، استعير الأول للجبان والجاهل، والثاني للشجاع والعالم بالأمور الذي يأتي بها من غير احتياج إلى ترو وتفكر، والعجز كالعضد مؤخر الشئ يؤنث ويذكر، وهو للرجل والمرأة جميعا، والكاهل:
الحارك. وهو ما بين الكتفين، وكاهل القوم عمدتهم في المهمات وعدتهم للشدائد والملمات ورغما مثلثة مصدر رغم أنفه أي لصق بالرغام بالفتح وهو التراب، ورغم الانف يستعمل في الذل والعجز عن الانتصار والانقياد على كره، والمعاطس جمع معطس بالكسر والفتح وهو الانف وقرئ في الآية (يهدي) بفتح الهاء وكسرها وتشديد
الدال فأصله يهتدي، وبتخفيف الدال وسكون الهاء.
قولها (عليها السلام): أما لعمر إلهك، إلى آخر الخبر، وفي بعض نسخ ابن أبي الحديد:
أما لعمر الله، وفي بعضها: أما لعمر إلهكن، والعمر بالفتح والضم بمعنى العيش الطويل، ولا يستعمل في القسم إلا العمر بالفتح، ورفعه بالابتداء أي عمر الله قسمي ومعنى عمر الله بقاؤه ودوامه.
ولقحت كعلمت أي حملت، والفاعل فعلتهم، أو فعالهم، أو الفتنة، أو الأزمنة والنظرة بفتح النون وكسر الظاء التأخير، واسم يقوم مقام الانظار، ونظرة إما مرفوع بالخبرية والمبتدأ محذوف كما في قوله تعالى ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ أي فالواجب نظرة ونحو ذلك، وإما منصوب بالمصدرية، أي انتظروا أو أنظروا نظرة قليلة، والأخير أظهر كما اختاره الصدوق.
وريثما تنتج: أي قدر ما تنتج، يقال: نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا وقد نتجها أهلها نتجا وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها.
والقعب: قدح من خشب يروي الرجل، أو قدح ضخم، واحتلاب طلاع القعب هو أن يمتلئ من اللبن حتى يطلع عنه ويسيل، والعبيط: الطري، والذعاف كغراب: السم، والمقر بكسر القاف: الصبر، وربما يسكن، وأمقر أي صار مرا والمبيد: المهلك، وأمضه الجرج: أوجعه، وغب كل شئ: عاقبته، وطاب نفس فلان بكذا: أي رضي به من دون أن يكرهه عليه أحد، وطاب نفسه عن كذا أي رضي ببذله.
و (نفسا) منصوب على التميز، وفي كتاب ناظر عين الغريبين طأمنته:
سكنته فاطمأن، والجأش مهموزا: النفس والقلب أي اجعلوا قلوبكم مطمئنة لنزول الفتنة، والسيف الصارم: القاطع، والغشم: الظلم، والهرج: الفتنة والاختلاط وفي رواية ابن أبي الحديد: وقرح شامل، فالمراد بشمول القرح، إما للافراد
أو للأعضاء.
والاستبداد بالشئ: التفرد به. والضمير المرفوع في (يدع) راجع إلى الاستبداد والفئ: الغنيمة والخراج وما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب والزهيد: القليل، والحصيد: المحصود، وعلى رواية: زرعكم كناية عن أخذ أموالهم بغير حق، وعلى رواية: جمعكم يحتمل ذلك، وأن يكون كناية عن قتلهم واستئصالهم.
وأنى بكم، أي وأنى تلحق الهداية بكم، وعميت عليكم بالتخفيف أي خفيت والتبست، وبالتشديد على صيغة المجهول أي لبست، وقرئ في الآية بهما.
والضمائر فيها، قيل: هي راجعة إلى الرحمة المعبر عن النبوة بها، وقيل إلى البينة وهي المعجزة، أو اليقين والبصيرة في أمر الله، وفي المقام يحتمل رجوعها إلى رحمة الله الشاملة للإمامة والاهتداء إلى الصراط المستقيم، بطاعة إمام العدل أو إلى الإمامة الحقة وطاعة من اختاره الله وفرض طاعته، أو إلى البصيرة في الدين ونحوها، وإليكم عني: أي كفوا وأمسكوا، وقولها: بعد تعذيركم أي تقصيركم والمعذر: المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة.
11 - كتاب دلائل الإمامة للطبري: عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري عن أبيه، عن محمد بن همام، عن أحمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبضت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة: وكان سبب وفاتها أن قنفذا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسنا، ومرضت من ذلك مرضا شديدا، ولم تدع أحدا ممن آذاها يدخل عليها.
وكان الرجلان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) سألا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أن يشفع لهما إليها، فسألها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما دخلا عليها قالا لها: كيف أنت يا بنت رسول الله؟ قالت: بخير بحمد الله، ثم قالت لهما: ما سمعتما النبي
يقول: فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله؟
قالا: بلى، قالت: فوالله لقد آذيتماني ، قال: فخرجا من عندها (عليها السلام) وهي ساخطة عليهما.
قال محمد بن همام: وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثمانية عشر سنة وخمسا وثمانين يوما بعد وفاة أبيها، فغسلها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس، وأخرجها إلى البقيع في الليل، ومعه الحسن والحسين وصلى عليها، ولم يعلم بها، ولا حضر وفاتها، ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، ودفنها بالروضة وعمي موضع قبرها.
وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جددا، وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع، فوجدوا فيه أربعين قبرا، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها.
ثم قال ولاة الأمر منهم: هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فخرج مغضبا قد احمرت عيناه، ودرت أوداجه وعليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة، وهو متوكئ على سيفه ذي الفقار، حتى ورد البقيع، فسار إلى الناس النذير وقالوا: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الاخر.
فتلقاه عمر ومن معه من أصحابه وقال له: مالك يا أبا الحسن والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها، فضرب علي (عليه السلام) بيده إلى جوامع ثوبه فهزه، ثم ضرب به الأرض، وقال له: يا ابن السوداء أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فوالذي نفس علي بيده، لئن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم، فإن شئت فأعرض يا عمر.
فتلقاه أبو بكر فقال: يا أبا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه، قال: فخلى عنه وتفرق الناس، ولم يعودوا إلى ذلك.
12 - أمالي الطوسي: ابن حمويه، عن أبي الحسين، عن أبي خليفة، عن العباس بن الفضل عن محمد بن أبي رجاء، عن إبراهيم، عن سعد، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن علي ابن أبي رافع، عن أبيه، عن سلمى امرأة أبي رافع قالت: مرضت فاطمة، فلما كان اليوم الذي ماتت فيه قالت: هيئي لي ماء، فصببت لها، فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل، ثم قالت: ائتيني بثياب جدد، فلبستها، ثم أتت البيت الذي كانت فيه فقالت: افرشي لي في وسطه، ثم اضطجعت واستقبلت القبلة، ووضعت يدها تحت خدها وقالت: إني مقبوضة الآن فلا أكشفن فإني قد اغتسلت، قالت: وماتت فلما جاء علي أخبرته فقال: لا تكشف، فحملها يغسلها (عليها السلام).
بيان: لعلها (عليها السلام) إنما نهت عن كشف العورة والجسد للتنظيف، ولم تنه عن الغسل 13 - أمالي الصدوق: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي،: عن ابن البطائني، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس في خبر طويل قد أثبتناه في باب ما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بظلم أهل البيت قال (صلى الله عليه وآله):
وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين، من الأولين والآخرين وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عز وجل لملائكته، يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار.
وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل
بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث، فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة.
فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة (إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) يا فاطمة ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يا رب إني قد سئمت الحياة وتبرمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها الله عز وجل بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.
14 - أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن حماد ابن عيسى، عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل موته بثلاث: سلام عليك يا أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك، والله خليفتي عليك.
فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال علي (عليه السلام): هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما ماتت فاطمة (عليها السلام) قال علي (عليه السلام): هذا الركن الثاني الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن يونس، عن حماد مثله.
15 - أقول: وجدت في بعض الكتب خبرا في وفاتها (عليها السلام) فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعول عليه.
روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام راجيا لثواب الله رب العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء ، ومليحة الوجه عذبة الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول:
اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام ورب محمد خير الأنام، (صلى الله عليه وآله) البررة الكرام [أسألك] أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين.
ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الاقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار.
قال ورقة بن عبد الله: فقلت: يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت (عليهم السلام) فقالت: أجل، قلت لها: ومن أنت من مواليهم؟ قالت: أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى (صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها).
فقلت لها: مرحبا بك وأهلا وسهلا، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبيني من مسألة أسألك، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة، فافترقنا.
فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء (عليها السلام) وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد (صلى الله عليه وآله).
قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت: يا ورقة بن عبد الله هيجت علي حزنا ساكنا، وأشجانا في فؤادي كانت
كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها (عليها السلام).
اعلم أنه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وقل العزاء، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلا كل باك وباكية، ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب، والأقرباء والأحباب، أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد.
فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء وخيل إلى النسوان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي (عليها السلام) تنادي وتندب أباه: وا أبتاه، وا صفياه، وا محمداه!
وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.
ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد (صلى الله عليه وآله) فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول.
رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل
انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك.
ثم نادت: يا أبتاه والباه، ثم قالت:
إن حزني عليك حزن جديد * وفؤادي والله صب عنيد كل يوم يزيد فيه شجوني واكتيابي عليك ليس يبيد جل خطبي فبان عني عزائي فبكائي كل وقت جديد إن قلبا عليك يألف صبرا * أو عزاء فإنه لجليد ثم نادت: يا أبتاه انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة، فقد أسود نهارها، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها ، يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق، يا أبتاه من للأرامل والمساكين، ومن للأمة إلى يوم الدين، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل، وأي حزن بعدك عليك لا يتصل، وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل.
رميت يا أبتاه بالخطب الجليل، ولم تكن الرزية بالقليل، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول.
بكتك يا أبتاه الاملاك، ووقفت الأفلاك، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.
يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك وأثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك، الحسن والحسين، وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيرا، وواخيته كبيرا، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا، والثكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لازمنا ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج ثم قالت:
قل صبري وبان عني عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياء عين يا عين أسكبي الدمع سحا ويك لا تبخلي بفيض الدماء يا رسول الاله يا خيرة الله * وكهف الأيتام والضعفاء قد بكتك الجبال والوحش جمعا والطير والأرض بعد بكي السماء وبكاك الحجون والركن والمشغر يا سيدي مع البطحاء وبكاك المحراب والدرس للقرآن في الصبح معلنا والمساء وبكاك الاسلام إذ صار في الناس غريبا من سائر الغرباء لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه علاه الظلام بعد الضياء يا إلهي عجل وفاتي سريعا فلقد تنغصت الحياة يا مولائي قالت: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لا ترقأ دمعتها. ولا تهدأ زفرتها.
واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقالوا له:
يا أبا الحسن إن فاطمة (عليها السلام) تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا، فقال (عليه السلام): حبا وكرامة.
فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى دخل على فاطمة (عليها السلام) وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء فلما رأته سكنت هنيئة له، فقال لها: يا بنت رسول الله - (صلى الله عليه وآله) - إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلا وإما نهارا.
فقالت: يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم فوالله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لها علي (عليه السلام): افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك.
ثم إنه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الأحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين (عليهما السلام) أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية
فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إليها وساقها بين يديه إلى منزلها.
ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوما، و اعتلت العلة التي توفيت فيها، فبقيت إلى يوم الأربعين، وقد صلى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة الظهر وأقبل يرد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن: ما الخبر ومالي أراكن متغيرات الوجوه والصور؟ فقلن: يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزهراء (عليها السلام) وما نظنك تدركها.
فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعا حتى دخل عليها، وإذا بها ملقاه على فراشها وهو من قباطي مصر وهي تقبض يمينا وتمد شمالا، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه، وحل أزراره، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره، و ناداها: يا زهراء! فلم تكلمه، فناداها: يا بنت محمد المصطفى! فلم تكلمه، فناداها:
يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء! فلم تكلمه، فناداها:
يا ابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى! فلم تكلمه، فناداها: يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب.
قال: ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال: ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب.
فقالت: يا ابن العم إني أجد الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لأولادي يوما وليلة يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فإنهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما، فالويل لامة تقتلهما وتبغضهما ثم أنشأت تقول:
ابكني إن بكيت يا خير هادي * وأسبل الدمع فهو يوم الفراق يا قرين البتول أوصيك بالنسل * فقد أصبحا حليف اشتياق ابكني وابك لليتامى ولا تنس * قتيل العدى بطف العراق
فارقوا فأصبحوا يتامى حيارى يحلف الله فهو يوم الفراق قالت: فقال لها علي (عليه السلام): من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قصر من الدر الأبيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فإني إليك مشتاق فقلت: والله إني لأشد شوقا منك إلى لقائك، فقال: أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد.
فإذا أنت قرأت يس فاعلم أني قد قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وليصل علي معك من أهلي الأدنى فالأدنى ومن رزق أجري وادفني ليلا في قبري، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال علي: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكفنتها وأدرجتها في أكفانها فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم!
يا زينب! يا سكينة! يا فضة! يا حسن! يا حسين! هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.
فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما يناديان وا حسرتا لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدنا محمد المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعد يتيمين في دار الدنيا.
فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إني أشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قال:
فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا أنشد بهذه الأبيات:
فراقك أعظم الأشياء عندي وفقدك فاطم أدهى الثكول سأبكي حسرة وأنوح شجوا على خل مضى أسنى سبيل
ألا يا عين جودي واسعديني فحزني دائم أبكي خليلي ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية واصلة مني إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك وإن الوديعة قد استردت، والرهينة قد أخذت، فوا حزناه على الرسول، ثم من بعده على البتول، ولقد اسودت علي الغبراء، وبعدت عني الخضراء، فوا حزناه ثم وا أسفاه.
ثم عدل بها على الروضة فصلى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والأنصار، فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الأبيات يقول:
أرى علل الدنيا علي كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل لكل اجتماع من خليلين فرقة وإن بقائي عندكم لقليل وإن افتقادي فاطما بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل 16 - مناقب ابن شهرآشوب: قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ولها يومئذ ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر و عاشت بعده اثنين وسبعين يوما ويقال: خمسة وسبعين يوما وقيل: أربعة أشهر، وقال القرباني: قد قيل أربعين يوما وهو أصح وتوفيت (عليها السلام) ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاخر سنة إحدى عشرة من الهجرة ومشهدها بالبقيع وقالوا:
إنها دفنت في بيتها وقالوا: قبرها بين قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنبره.
السمعاني في الرسالة، وأبو نعيم في الحلية، وأحمد في فضائل الصحابة، و النطنزي في الخصائص وابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) والزمخشري في الفائق، عن جابر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي قبل موته: السلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك عليك، قال: فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال علي: هذا أحد الركنين، فلما ماتت فاطمة قال علي: هذا هو الركن الثاني.
البخاري ومسلم والحلية ومسند أحمد بن حنبل روت عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا
فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشئ فبكت، ثم دعاها [فسارها] فضحكت فسألت عن ذلك فقالت: أخبرني النبي (صلى الله عليه وآله) أنه مقبوض فبكيت ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت.
كتاب ابن شاهين قالت أم سلمة وعائشة: إنها لما سئلت عن بكائها وضحكها قالت: أخبرني النبي (صلى الله عليه وآله) أنه مقبوض ثم أخبر أن بني سيصيبهم بعدي شدة فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت.
وفي رواية أبي بكر الجعابي وأبي نعيم الفضل بن دكين والشعبي عن مسروق وفي السنن عن القزويني، والإبانة عن العكبري، والمسند عن الموصلي، و الفضائل، عن أحمد بأسانيدهم، عن عروة، عن مسروق قالت عائشة: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله: مرحبا با بنتي فأجلسها عن يمينه وأسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكت فسألتها عن ذلك فقالت: ما أفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله).
حتى إذا قبض سألتها فقالت: إنه أسر إلي فقال: إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين ولا أراني إلا وقد حضر أجلي وإنك لأول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك. بكيت لذلك ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين فضحكت لذلك.
وروي أنها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الركن باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لو لديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟ ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ولا يحملكما على عاتقة كما لم يزل يفعل بكما.
ثم مرضت ومكثت أربعين ليلة ثم دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس و
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.