پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

127. باب كيفية شهادته عليه السلام ووصيته وغسله والصلاة عليه ودفنه 1

ج ۴۲، ص ۲۵۹–۲۸۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۲

وطوى الكتاب وختمه وأرسله مع أعرابي، فلما وصل إليه قبله ووضعه على عينيه ورأسه، فلما قرأه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد و آله ثم قال: أيها الناس اعلموا أن عثمان قد قضى نحبه، وقد بايع الناس من بعده العبد الصالح والامام الناصح أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وخليفته، وهو أحق بالخلافة وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه، وكاشف الكرب عن وجهه، وزوج ابنته و وصيه، وأبو سبطيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فما تقولون في بيعته و الدخول في طاعته؟ قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، وقالوا: سمعا وطاعة وحبا وكرامة لله ولرسوله ولأخي رسوله، فأخذ له البيعة عليهم عامة، فلما بايعوا قال لهم: أريد منكم عشرة من رؤسائكم وشجعانكم أنفذهم إليه كما أمرني به، فقالوا: سمعا وطاعة، فاختار منهم مائة ثم من المائة سبعين، ثم من السبعين ثلاثين، ثم من الثلاثين عشرة فيهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله، وخرجوا من ساعتهم، فلما أتوه عليه السلام سلموا عليه وهنؤوه بالخلافة، فرد عليهم السلام و رحب بهم، فتقدم ابن ملجم وقام بين يديه وقال: السلام عليك أيها الإمام العادل والبدر التمام، والليث الهمام، والبطل الضرغام، والفارس القمقام، ومن فضله الله على سائر الأنام، صلى الله عليك وعلى آلك الكرام، أشهد أنك أمير المؤمنين صدقا وحقا، وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله والخليفة من بعده، ووارث علمه، لعن الله من جحد حقك ومقامك، أصبحت أميرها وعميدها، لقد اشتهر بين البرية عدلك، وهطلت شآبيب فضلك وسحائب رحمتك ورأفتك عليهم، ولقد أنهضنا الأمير إليك، فسررنا بالقدوم عليك، فبوركت بهذه الطلعة المرضية، وهنئت بالخلافة في الرعية.

ففتح أمير المؤمنين عليه السلام عينيه في وجهه، ونظر إلى الوفد فقربهم وأدناهم

فلما جلسوا دفعوا إليه الكتاب، ففضه وقرأه وسر بما فيه، فأمر لكل واحد منهم بحلة يمانية ورداء عدنية وفرس عربية، وأمر أن يفتقدوا ويكرموا، فلما نهضوا قام ابن ملجم ووقف بين يديه وأنشد:

أنت المهيمن والمهذب ذو الندى * وابن الضراغم في الطراز الأول الله خصك يا وصي محمد * وحباك فضلا في الكتاب المنزل وحباك بالزهراء بنت محمد * حورية بنت النبي المرسل ثم قال: يا أمير المؤمنين ارم بنا حيث شئت لترى منا ما يسرك، فوالله ما فينا إلا كل بطل أهيس، وحازم أكيس، وشجاع أشوس ورثنا ذلك عن الآباء والأجداد، وكذلك نورثه صالح الأولاد، قال: فاستحسن أمير المؤمنين عليه السلام كلامه من بين الوفد فقال له: ما اسمك يا غلام؟ قال: اسمي عبد الرحمن، قال: ابن من؟

قال: ابن ملجم المرادي، قال له: أمرادي أنت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال: وجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكرر النظر إليه ويضرب إحدى يديه على الأخرى ويسترجع، ثم قال له: ويحك أمرادي أنت؟ قال: نعم، فعندها تمثل عليه السلام يقول:

أنا أنصحك مني بالوداد * مكاشفة وأنت من الأعادي أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد قال الأصبغ بن نباته: لما دخل الوفد إلى أمير المؤمنين عليه السلام بايعوه وبايعه ابن ملجم، فلما أدبر عنه دعاه أمير المؤمنين عليه السلام ثانيا، فتوثق منه بالعهود و المواثيق أن لا يغدر ولا ينكث ففعل، ثم سار عنه، ثم استدعاه ثالثا ثم توثق منه فقال ابن ملجم: يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري، فقال: امض لشأنك فما أراك تفي بما بايعت عليه، فقال له ابن ملجم: كأنك تكره وفودي عليك لما سمعته من اسمي؟ وإني والله لأحب الإقامة معك والجهاد بين يديك، و

إن قلبي محب لك، وإني والله أوالي وليك وأعادي عدوك، قال: فتبسم عليه السلام وقال له: بالله يا أخا مراد إن سألتك عن شئ تصدقني فيه؟ قال: إي وعيشك يا أمير المؤمنين، فقال له: هل كان لك داية يهودية فكانت إذا بكيت تضربك وتلطم جبينك وتقول لك اسكت فإنك أشقى من عاقر ناقة صالح وإنك ستجني في كبرك جناية عظيمة يغضب الله بها عليك ويكون مصيرك إلى النار؟ فقال: قد كان ذلك، ولكنك والله يا أمير المؤمنين أحب إلي من كل أحد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما كذبت ولا كذبت، ولقد نطقت حقا وقلت صدقا، وأنت والله قاتلي لا محالة، وستخضب هذه من هذه - وأشار إلى لحيته ورأسه - ولقد قرب وقتك وحان زمانك، فقال ابن ملجم: والله يا أمير المؤمنين إنك أحب إلي من كل ما طلعت عليه الشمس، ولكن إذا عرفت ذلك مني فسيرني إلى مكان تكون ديارك من دياري بعيدة، فقال عليه السلام: كن مع أصحابك حتى آذن لكم بالرجوع إلى بلادكم، ثم أمرهم بالنزول في بني تميم، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم أمرهم بالرجوع إلى اليمن، فلما عزموا على الخروج مرض ابن ملجم مرضا شديدا، فذهبوا وتركوه فلما برئ أتى أمير المؤمنين عليه السلام وكان لا يفارقه ليلا ولا نهارا، ويسارع في قضاء حوائجه، وكان عليه السلام يكرمه ويدعوه إلى منزله ويقربه، وكان مع ذلك يقول له: أنت قاتلي، ويكرر عليه الشعر:

أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد فيقول له: يا أمير المؤمنين إذا عرفت ذلك مني فاقتلني، فيقول: إنه لا يحل ذلك أن أقتل رجلا قبل أن يفعل بي شيئا، وفي خبر آخر قال: إذا قتلتك فمن يقتلني؟ قال: فسمعت الشيعة ذلك، فوثب مالك الأشتر والحارث بن الأعور وغيرهما من الشيعة، فجردوا سيوفهم وقالوا: يا أمير المؤمنين من هذا الكلب الذي تخاطبه بمثل هذا الخطاب مرارا؟ وأنت إمامنا وولينا وابن عم نبينا، فمرنا بقتله، فقال لهم: أغمدوا سيوفكم بارك الله فيكم ولا تشقوا عصا هذه الأمة، أترون أني أقتل

رجلا لم يصنع بي شيئا؟

فلما انصرف عليه السلام إلى منزله اجتمعت الشيعة وأخبر بعضهم بعضا بما سمعوا وقالوا: إن أمير المؤمنين عليه السلام يغلس إلى الجامع وقد سمعتم خطابه لهذا المرادي وهو ما يقول إلا حقا، وقد علمتم عدله وإشفاقه علينا، ونخاف أن يغتاله هذا المرادي، فتعالوا نقترع على أن نحوطه كل ليلة منا قبيلة، فرقعت القرعة في الليلة الأولى والثانية والثالثة على أهل الكناس، فتقلدوا سيوفهم وأقبلوا في ليلتهم إلى الجامع، فلما خرج عليه السلام رآهم على تلك الحالة، فقال: ما شأنكم؟ فأخبروه فدعا لهم وتبسم ضاحكا وقال: جئتم تحفظوني من أهل السماء أم من أهل الأرض؟

قالوا: من أهل الأرض، قال: ما يكون شئ في السماء إلا هو في الأرض، وما يكون من شئ في الأرض إلا هو في السماء، ثم تلا " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " ثم أمر هم أن يأتوا منازلهم ولا يعودوا لمثلها، ثم إنه صعد المأذنة وكان إذا تنحنح يقول السامع: ما أشبهه بصوت رسول الله صلى الله عليه وآله! فتأهب الناس لصلاة الفجر، و كان إذا أذن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلها، ثم نزل فصلى، وكانت هذه عادته.

قال: وأقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى غزاة النهروان، فخرج ابن ملجم معه وقاتل بين يديه قتالا شديدا، فلما رجع إلى الكوفة وقد فتح الله على يديه قال ابن ملجم لعنه الله: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتقدمك إلى المصر لأبشر أهله بما فتح الله عليك من النصر؟ فقال له: ما ترجو بذلك؟

قال: الثواب من الله والشكر من الناس، وافرح الأولياء واكمد الأعداء، فقال له: شأنك، ثم أمر له بخلعة سنية وعمامتين وفرسين وسيفين ورمحين، فسار ابن ملجم ودخل الكوفة، وجعل يخترق أزقتها وشوارعها وهو يبشر الناس بما فتح الله على أمير المؤمنين عليه السلام وقد دخله العجب في نفسه، فانتهى به الطريق إلى

محلة بني تميم فمر على دار تعرف بالقبيلة وهي أعلى دار بها وكانت لقطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللات، وكانت موصوفة بالحسن والجمال والبهاء والكمال، فلما سمعت كلامه بعثت إليه [و] سألته النزول عندها ساعة لتسأله عن أهلها، فلما قرب من منزلها وأراد النزول عن فرسه خرجت إليه، ثم كشفت له عن وجهها وأظهرت له محاسنها، فلما رآها أعجبته وهواها من وقته، فنزل عن فرسه ودخل إليها، و جلس في دهليز الدار وقد أخذت بمجامع قلبه، فبسطت له بساطا ووضعت له متكأ وأمرت خادمها أن تنزع أخفافه، وأمرت له بماء فغسل وجهه ويديه، وقدمت إليه طعاما، فأكل وشرب، وأقبلت عليه تروحه من الحر، فجعل لا يمل من النظر إليها، وهي مع ذلك متبسمة في وجهه، سافرة له عن نقابها، بارزة له عن جميع محاسنها ما ظهر منه وما بطن! فقال لها: أيتها الكريمة لقد فعلت اليوم بي ما وجب به بل ببعضه علي مدحك وشكرك دهري كله، فهل من حاجة أتشرف بها وأسعى في قضائها؟ قال: فسألته عن الحرب ومن قتل فيه، فجعل يخبرها ويقول: فلان قتله الحسن وفلان قتله الحسين، إلى أن بلغ قومها وعشيرتها، وكانت قطام لعنها الله على رأي الخوارج وقد قتل أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الحرب من قومها جماعة كثيرة، منهم أبوها وأخوها وعمها، فلما سمعت منه ذلك صرخت؟؟ باكية، ثم لطمت خدها وقامت من عنده، ودخلت البيت وهي تندبهم طويلا، قال: فندم ابن ملجم، فلما خرجت إليه قالت: يعز علي فراقهم، من لي بعدهم؟ أفلا ناصر ينصرني ويأخذ لي بثأري ويكشف عن عاري؟ فكنت أهب له نفسي وأمكنه منها ومن مالي وجمالي، فرق لها ابن ملجم وقال لها: غضي صوتك وارفقي بنفسك فإنك تعطين مرادك، قال:

فسكتت من بكائها وطمعت في قوله، ثم أقبلت عليه بكلامها وهي كاشفة عن صدرها ومسبلة شعرها، فلما تمكن هواها من قلبه مال إليها بكليته، ثم جذبها إليه و قال لها: كان أبوك صديقا لي، وقد خطبتك منه فأنعم لي بذلك، فسبق إليه الموت فزوجيني نفسك لآخذ لك بثارك، قال: ففرحت بكلامه وقالت: قد خطبني الاشراف

من قومي وسادات عشيرتي فما أنعمت إلا لمن يأخذ لي بثأري، ولما سمعت عنك أنك تقاوم الاقران وتقتل الشجعان فأحببت أن تكون لي بعلا وأكون لك أهلا فقال لها: فأنا والله كفو كريم، فاقترحي علي ما شئت من مال وفعال، فقالت له:

إن قدمت على العطية والشرط فها أنا بين يديك فتحكم كيف شئت، فقال لها:

وما العطية والشرط؟ فقالت له: أما العطية فثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة فقال:

هذا أنا ملي به فما الشرط المذكور؟ قالت: نم على فراشك حتى أعود إليك.

ثم إنها دخلت خدرها فلبست أفخر ثيابها، ولبست قميصا رقيقا يرى صدرها وحليها، وزادت في الحلي والطيب، وخرجت في معصفرها، فجعلت تباشره بمحاسنها ليرى حسنها وجمالها، وأرخت عشرة ذوائب من شعرها منظومة بالدر و الجوهر، فلما وصلت إليه أرخت لثامها عن وجهها، ورفعت معصفرها وكشفت عن صدرها وأعكانها وقالت: إن قدمت على الشرط المشروط ظفرت بها جميعها وأنت مسرور مغبوط، قال: فمد ابن ملجم عينيه إليها فحار عقله وهوى لحينه مغشيا عليه ساعة، فلما أفاق قال: يا منية النفس ما شرطك فاذكريه لي؟ فإني سأفعله ولو كان دونه قطع القفار وخوض البحار وقطع الرؤوس واختلاس النفوس قالت له الملعونة: شرطي عليك أن تقتل علي بن أبي طالب عليه السلام بضربة واحدة بهذا السيف في مفرق رأسه، يأخذ منه ما يأخذ ويبقى ما يبقى، فلما سمع ابن ملجم كلامها استرجع ورجع إلى عقله وأغاظه وأفلقه، ثم صاح بأعلى صوته: ويحك ما هذا الذي واجهتني به؟ بئس ما حدثتك به نفسك من المحال، ثم طأطأ رأسه يسيل عرقا وهو متفكر في أمره، ثم رفع رأسه إليها وقال لها: ويلك من يقدر على قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ المجاب الدعاء، المنصور من السماء، و

الأرض ترجف من هيبته، والملائكة تسرع إلى خدمته، يا ويلك ومن يقدر على قتل علي بن أبي طالب وهو مؤيد من السماء؟ والملائكة تحوطه بكرة وعشية، ولقد كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قاتل يكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت بين يديه، فمن هو هكذا لا طاقة لاحد بقتله، ولا سبيل لمخلوق على اغتياله، ومع ذلك إنه قد أعزني وأكرمني وأحبني ورفعني وآثرني على غيري، فلا يكون ذلك جزاؤه مني أبدا، فإن كان غيره قتلته لك شر قتلة ولو كان أفرس أهل زمانه، وأما أمير المؤمنين فلا سبيل لي عليه.

قال فصبرت عنه حتى سكن غيظه ودخلت معه في الملاعبة والملاطفة، و علمت أنه قد نسي ذلك القول، ثم قالت: يا هذا ما يمنعك من قتل علي بن أبي طالب وترغب في هذا المال وتتنعم بهذا الجمال؟ وما أنت بأعف وأزهد من الذين قاتلوه وقتلهم، وكانوا من الصوامين والقوامين، فلما نظروا إليه وقد قتل المسلمين ظلما وعدوانا اعتزلوه وحاربوه، ومع ذلك فإنه قد قتل المسلمين وحكم بغير حكم الله وخلع نفسه من الخلافة وإمرة المؤمنين، فلما رأوه قومي على ذلك اعتزلوه، فقتلهم بغير حجة له عليهم، فقال لها ابن ملجم: يا هذه كفي عني، فقد أفسدت علي ديني، وأدخلت الشك في قلبي، وما أدري ما أقول لك وقد عزمت على رأي، ثم أنشد:

ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلا من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم فأقسمت بالبيت الحرام ومن أتى * إليه جهارا من محل ومحرم لقد أفسدت عقلي قطام وإنني * لمنها على شك عظيم مذمم لقتل علي خير من وطئ الثرى * أخي العلم الهادي النبي المكرم ثم أمسك ساعة وقال:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلا من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم فاقسم بالبيت الحرام ومن أتى * إليه جهارا من محل ومحرم لقد خاب من يسعى بقتل إمامه * وويل له من حر نار جهنم إلى آخر ما أنشد من الأبيات، ثم قال لها: أجليني ليلتي هذه حتى أنظر في أمري وآتيك غدا بما يقوى عليه عزمي، فلما هم بالخروج أقبلت إليه وضمته إلى صدرها، وقبلت ما بين عينيه وأمرته بالاستعجال في أمرها، وسايرته إلى باب الدار وهي تشجعه، وأنشدت له أبياتا، فخرج الملعون من عندها وقد سلبت فؤاده وأذهبت رقاده ورشاده، فبات ليلته قلقا متفكرا، فمرة يعاتب نفسه ومرة يفكر في دنياه وآخرته ، فلما كان وقت السحر أتاه طارق فطرق الباب، فلما فتحه إذا برجل من بني عمه على نجيب، وإذا هو رسول من إخوته إليه يعزونه في أبيه وعمه ويعرفونه أنه خلف مالا جزيلا، وأنهم دعوه سريعا ليحوز ذلك المال، فلما سمع ذلك بقي متحيرا في أمره، إذ جاءه ما يشغله عما عظم عليه من أمر قطام، فلم يزل مفكرا في أمره حتى عزم على الخروج، وكان له أخوان لأبيه وأمه، وأمه كانت من زبيد يقال لها عدنية، وهي ابنة أبي علي بن ماشوج، وكان أبوه مراديا وكانوا يسكنون عجران صنعاء، فلما وصل إلى النجف ذكر قطام ومنزلتها في قلبه ورجع إليها، فلما طرق الباب أطلعت عليه وقالت: من الطارق؟ فعرفته على حالة السفر، فنزلت إليه وسلمت عليه وسألته عن حاله، فأخبرها بخبره ووعدها بقضاء حاجتها إذا رجع من سفره، وتملكها جميع ما يجئ به من المال، فعدلت عنه مغضبة فدنا منها وقبلها وودعها، وحلف لها أنه يبلغها مأمولها في جميع ما سألته، فخرج وجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأخبره بما جاؤوا إليه لأجله، وسأله أن يكتب إلى ابن المنتجب كتابا ليعينه على استخلاص حقه، فأمر كاتبه فكتب له ما أراد، ثم

أعطاه فرسا من جياد خيله، فخرج وسار سيرا حثيثا حتى وصل إلى بعض أودية اليمن، فأظلم عليه الليل، فبات في بعضها، فلما مضى من الليل نصفه وإذا هو بزعقة عظيمة من صدر الوادي، ودخان يفور ونار مضرمة، فانزعج لذلك وتغير لونه، و نظر إلى صدر الوادي وإذا بالدخان قد أقبل كالجبل العظيم، وهو واقع عليه، و النار تخرج من جوانبه، فخر مغشيا عليه، فلما أفاق وإذا بهاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول:

اسمع وع القول يا ابن ملجم * إنك في أمر مهول معظم تضمر قتل الفارس المكرم * أكرم من طاف ولبى وأحرم ذاك علي ذو التقاء الأقدم * فارجع إلى الله لكيلا تندم فلما سمع توهم أنه من طوارق الجن، وإذا بالهاتف يقول:

يا شقي ابن الشقي أما ما أضمرت من قتل الزاهد العابد العادل الراكع الساجد إمام الهدى وعلم التقى والعروة الوثقى فإنا علمنا بما تريد أن تفعله بأمير - المؤمنين، ونحن من الجن الذين أسلمنا على يديه، ونحن نازلون بهذا الوادي، فإنا لا ندعك تبيت فيه، فإنك ميشوم على نفسك، ثم جعلوا يرمونه بقطع الجنادل فصعد فوق شاهق فبات بقية ليله، فلما أصبح سار ليلا ونهارا حتى وصل اليمن، وأقام عندهم شهرين وقلبه على حر الجمر من أجل قطام، ثم إنه أخذ الذي أصابه من المال والمتاع والأثاث والجواهر وخرج، فبينا هو في بعض الطريق إذ خرجت عليه حرامية فسايرهم وسايروه، فلما قربوا من الكوفة حاربوه وأخذوا جميع ما كان معه، ونجا بنفسه وفرسه وقليل من الذهب على وسطه وما كان تحته، فهرب على وجهه حتى كاد أن يهلك عطشا، وأقبل سائرا في الفلاة مهموما جائعا عطشانا، فلاح له شبح فقصده، فإذا بيوت من أبيات الحرب، فقصد منها بيتا فنزل عندهم، واستسقاهم شربة ماء فسقوه، وطلب لبنا فأتوه به، فنام ساعة، فلما استيقظ أتاه رجلان وقدما إليه طعاما فأكل وأكلا معه، وجعلا يسألانه عن الطريق فأخبرهما، ثم قالا له: ممن الرجل؟ قال: من [بني] مراد، قالا: أين تقصد؟ قال: الكوفة،

فقالا له: كأنك من أصحاب أبي تراب؟ قال: نعم، فاحمرت أعينهما غيظا، وعزما على قتله ليلا، وأسرا ذلك ونهضا، فتبين له ما عزما عليه وندم على كلامه، فبينما هو متحير إذ أقبل كلبهم ونام قريبا منهم، فأقبل اللعين يمسح بيده على الكلب و يشفق عليه ويقول: مرحبا بكلب قوم أكرموني، فاستحسنا ذلك وسألاه: ما اسمك قال: عبد الرحمن بن ملجم، فقالا له: ما أردت بصنعك هذا في كلبنا؟ فقال: أكرمته لأجلكم حيث أكرمتموني، فوجب علي شكركم، وكان هذا منه خديعة ومكرا، فقالا الله أكبر الآن والله وجب حقك علينا، ونحن نكشف لك عما في ضمائرنا، نحن قوم نرى رأي الخوارج، وقد قتل أعمامنا وأخوالنا وأهالينا كما علمت، فلما أخبرتنا أنك من أصحابه عزمنا على قتلك في هذه الليلة، فلما رأينا صنعك هذا بكلبنا صفحنا عنك. ونحن الآن نطلعك على ما قد عزمنا عليه، فسألهما عن أسمائهما فقال أحدهما: أنا البرك بن عبد الله التميمي وهذا عبد الله بن عثمان العنبري صهري وقد نظرنا إلى ما نحن عليه في مذهبنا فرأينا أن فساد الأرض والأمة كلها من ثلاثة نفر، أبو تراب ومعاوية وعمرو بن العاص، فأما أبو تراب فإنه قتل رجالنا كما رأيت، وافتكرنا أيضا في الرجلين معاوية وابن العاص وقد وليا علينا هذا الظالم الغشوم بشر بن أرطاة، يطرقنا في كل وقت ويأخذ أموالنا، وقد عزمنا على قتل هؤلاء الثلاثة، فإذا قتلناهم توطأت الأرض، وأقعد الناس لهم إماما يرضونه، فلما سمع ابن ملجم كلامهما صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وتردى بالعظمة إني لثالثكما، وإني مرافقكما على رأيكما وإني أكفيكما أمر علي بن أبي طالب، فنظرا إليه متعجبين من كلامه، قال: والله ما أقول لكما إلا حقا، ثم ذكر لهما قصته، فلما سمعا كلامه عرفا صحته وقالا: إن قطام من قومنا، وأهله كانوا من عشيرتنا، فنحن نحمد الله على اتفاقنا، فهذا لا يتم إلا

بالايمان المغلظة، فنركب الآن مطايانا ونأتي الكعبة ونتعاقد عندها على الوفاء، فلما أصبحوا وركبوا حضر عندهم بعض قومهم فأشاروا عليهم وقالوا: لا تفعلوا ذلك فما منكم أحد إلا ويندم ندامة عظيمة، فلم يقبلوا وساروا جميعا حتى أتوا البيت و تعاهدوا عنده، فقال البرك: أنا لعمرو بن العاص، وقال العنبري: أنا لمعاوية، وقال ابن ملجم لعنه الله: أنا لعلي، فتحالفوا على ذلك بالايمان المغلظة، ودخلوا المدينة وحلفوا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله على ذلك، ثم افترقوا وقد عينوا يوما معلوما يقتلون فيه الجميع، ثم سار كل منهم على طريقه، فأما البرك فأتى مصر ودخل الجامع وأقام فيه أياما، فخرج عمرو بن العاص ذات يوم إلى الجامع وجلس فيه بعد صلاته، فجاء البرك إليه وسلم عليه، ثم حادثه في فنون الاخبار وطرف الكلام و الاشعار، فشغف به عمرو بن العاص وقربه وأدناه، وصار يأكل معه على مائدة واحدة فأقام إلى الليلة التي تواعدوا فيها، فخرج إلى نيل مصر وجلس مفكرا، فلما غربت الشمس أتى الجامع وجلس فيه، فلما كان وقت الافطار افتقده عمرو بن العاص فلم يره، فقال لولده: ما فعل صاحبنا وأين مضى فأني لا أراه؟ فبعثه إليه يدعوه فقال: قل له: إن هذه الليلة ليست كالليالي، وقد أحببت أن أقيم ليلتي هذه في الجامع رغبة فيما عند الله، وأحب أن أشرك الأمير في ذلك، فلما رجع إليه و أخبره بذلك سره سرورا عظيما وبعث إليه مائدة فأكل وبات ليلته ينتظر قدوم عمرو وكان هو الذي يصلي بهم، فلما كان عند طلوع الفجر أقبل المؤذن إلى باب عمرو، وأذن و قال: الصلاة يرحمك الله الصلاة، فانتبه فأتي بالماء وتوضأ وتطيب وذهب ليخرج إلى الصلاة فزلق فوقع على جنبه فاعتوره عرق النساء فأشغلته عن الخروج فقال: قدموا خارجة بن تميم القاضي يصلي بالناس، فأتى القاضي ودخل المحراب في غلس فجاء البرك فوقف خلفه وسيفه تحت ثيابه، وهو لا يشك أنه عمرو، فأمهله حتى سجد وجلس

من سجوده، فسل سيفه ونادى: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله، ثم ضربه بالسيف على أم رأسه، فقضى نحبه لوقته، فبادر الناس وقبضوا عليه وأخذوا سيفه من يده وأوجعوه ضربا [شديدا] وقالوا له: يا عدو الله قتلت رجلا مسلما ساجدا في محرابه، فقال: يا حمير أهل مصر إنه يستحق القتل، قالوا: بماذا ويلك؟ قال:

لسعيه في الفتنة، لأنه الداهية الدهماء الذي أثار الفتنة ونبذها وقواها، وزين لمعاوية محاربة علي، فقالوا له: يا ويلك من تعني؟ قال: الطاغي الباغي الكافر الزنديق عمرو بن العاص الذي شق عصا المسلمين، وهتك حرمة الدين، قالوا:

لقد خاب ظنك وطاش سهمك، إن الذي قتلته ما هو، إنما هو خارجة، فقال:

يا قوم المعذرة إلى الله وإليكم، فوالله ما أردت خارجة وإنما أردت قتل عمرو، فأوثقوه كتافا وأتوا به إلى عمرو، فلما رآه قال: أليس هذا هو صاحبنا الحجازي؟

قالوا له: نعم، قال: ما باله؟ قالوا: إنه قد قتل خارجة، فدهش عمرو لذلك وقال:

إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم التفت إليه وقال: يا هذا: لم فعلت ذلك؟ فقال له: والله يا فاسق ما طلبت غيرك ولا أردت سواك، قال: ولم ذلك؟ قال: إنا ثلاثة تعاهدنا بمكة على قتلك وقتل علي بن أبي طالب ومعاوية في هذه الليلة، فإن صدقا صاحباي فقد قتل علي بالكوفة ومعاوية بالشام، وأما أنت فقد سلمت، فقال عمرو: يا غلام احبسه حتى نكتب إلى معاوية فحبسه حتى أمره معاوية بقتله فقتله.

وأما عبد الله العنبري فقصد دمشق واستخبر عن معاوية فأرشد إليه، فجعل يتردد إلى داره فلا يتمكن من الدخول إليه، إلى أن أذن معاوية يوما للناس إذنا عاما، فدخل إليه مع الناس وسلم عليه، وحادثه ساعة وذكر له ملوك بني قحطان ومن له كلام مصيب حتى ذكر له بني عمه - وهم أول ملوك قحطان - وشيئا من أخبارهم، فلما تفرقوا بقي عنده مع خواصه، وكان فصيحا خبيرا بأنساب العرب وأشعارهم، فأحبه معاوية حبا شديدا، فقال: قد أذنت لك في كل وقت نجلس

فيه أن تدخل علينا من غير مانع ولا دافع، فكان يتردد إليه إلى ليلة تسع عشرة وكان قد عرف المكان الذي يصلي فيه معاوية، فلما أذن المؤذن للفجر وأتى معاوية المسجد ودخل محرابه ثار إليه بالسيف وضربه، فراغ عنه، فأراد ضرب عنقه فانصاع عنه فوقع السيف في أليته، وكانت ضربته ضربة جبان، فقال معاوية: لا يفوتنكم الرجل، فاستخلف بعض أصحابه للصلاة، ونهض إلى داره. وأما العنبري فأخذه الناس وأوثقوه وأتوا به إلى معاوية وكان مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: ويلك يا لكع لقد خاب ظني فيك، ما الذي حملك على هذا؟ فقال له: دعني من كلامك اعلم أننا ثلاثة تحالفنا على قتلك وقتل عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب، فإن صدق صاحباي فقد قتل علي وعمرو، وأما أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب (2)!

فقال له معاوية: على رغم أنفك! فأمر به إلى الحبس، فأتاه الساعدي وكان طبيبا فلما نظر إليه قال له: اختر إحدى الخصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها، لان ضربتك مسمومة فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني! فسقاه الشربة فبرئ ولم يولد له بعدها.

وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه سار حتى دخل الكوفة، واجتاز على الجامع وكان أمير المؤمنين عليه السلام جالسا على باب كندة، فلم يدخله ولم يسلم عليه، وكان إلى جانبه الحسن والحسين عليهما السلام، ومعه جماعة من أصحابه، فلما نظروا إلى ابن ملجم وعبوره قالوا: ألا ترى إلى ابن ملجم عبر ولم يسلم عليك؟ قال: دعوه فإن له شأنا من الشأن، والله ليخضبن هذه من هذه - وأشار إلى لحيته وهامته - ثم قال:

ما من الموت لإنسان نجاء * كل امرئ لا بد يأتيه الفناء تبارك الله وسبحانه * لكل شئ مدة وانتهاء

يقدر الانسان في نفسه * أمرا ويأتيه عليه القضاء لا تأمنن الدهر في أهله * لكل عيش آخر وانقضاء بينا ترى الانسان في غبطة * يمسي وقد حل عليه القضاء ثم جعل يطيل النظر إليه حتى غاب عن عينه، وأطرق إلى الأرض يقول:

إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال: وسار ابن ملجم حتى وصل إلى دار قطام، وكانت قد أيست من رجوعه إليها، وعرضت نفسها على بني عمها وعشيرتها وشرطت عليهم قتل أمير المؤمنين عليه السلام فلم يقدم أحد على ذلك، فلما طرق الباب قالت: من الطارق؟ قال: أنا عبد الرحمن ففرحت قطام به وخرجت إليه واعتنقته وأدخلته دارها، وفرشت له فرش الديباج وأحضرت له الطعام والمدام، فأكل وشرب حتى سكر، وسألته عن حاله فحدثها بجميع ما جرى له في طريقه، ثم أمرته بالاغتسال وتغيير ثيابه، ففعل ذلك، وأمرت جارية لها ففرشت الدار بأنواع الفرش، وأحضرت له شرابا وجواري، فشرب مع الجوار وهن يلعبن له بالعيدان والمزامير والمعازف والدفوف، فلما أخذ الشراب منه أقبل عليها وقال: ما بالك لا تجالسيني ولا تحادثيني يا قرة عيني؟ ولا تمازحيني!

فقالت له: بلى سمعا وطاعة، ثم إنها نهضت ودخلت إلى خدرها، ولبست أفخر ثيابها وتزينت وتطيبت وخرجت إليه، وقد كشفت له عن رأسها وصدرها ونهودها وأبرزت له عن فخذيها، وهي في طاق غلالة رومي يبين له منها جميع جسدها وهي تتبختر في مشيتها، والجوار حولها يلعبن، فقام الملعون وأعتنقها وترشفها و حملها حتى أجلسها مجلسها، وقد بهت وتحير، واستحوذ عليه الشيطان، فضربت بيدها على زر قميصها فحلته، وكان في حلقها عقد جوهر ليست له قيمة، فلما أراد مجامعتها لم تمكنه من ذلك، فقال: لم تمانعيني عن نفسك وأنا وأنت على العهد الذي

عاهدتك عليه من قتل علي؟ ولو أحببت لقتلت معه شبليه الحسن والحسين! ثم ضرب يده على هميانه فحله من وسطه ورماه إليها، وقال: خذيه فإن فيه أكثر من ثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة، فقالت له: والله لا أمكنك من نفسي حتى تحلف لي بالايمان المغلظة أنك تقتله، فحملته القساوة على ذلك، وباع آخرته بدنياه! و تحكم الشيطان فيه بالايمان المغلظة أنه يقتله ولو قطعوه إربا إربا، فمالت إليه عند ذلك وقبلته وقبلها، فأراد وطيها فمانعته، وبات عندها تلك الليلة من غير نكاح، فلما كان من الغد تزوج بها سرا وطاب قلبه، فلما أفاق من سكرته ندم على ما كان منه، وعاتب نفسه ولعنها فلم تزل تراوغه في كل ليلة وتعده بوصالها، فلما دنت الليلة الموعودة مد يده إليها ليضاجعها ويجامعها فأبت عليه وقالت: ما يكون ذلك إلا أن تفي بوعدك؟ وكان الملعون اعتل علة شديدة فبرئ منها، وكانت الملعونة لا تمكنه من نفسها مخافة أن تبرد ناره فيخل بقضاء حاجتها، فقال لها: يا قطام في هذه الليلة أقتل لك علي بن أبي طالب، وأخذ سيفه ومضى به إلى الصيقل فأجاد صقاله، وجاء به إليها ، فقالت: إني أريد أن أعمل فيه سما، قال: وما تصنع بالسم؟ لو وقع على جبل لهده، فقالت: دعني أعمل فيه السم فإنك لو رأيت عليا لطاش عقلك وارتعشت يداك، وربما ضربته ضربة لا تعمل فيه شيئا، فإذا كان مسموما فإن لم تعمل الضربة عمل السم، فقال لها: يا ويلك أتخوفيني من علي فوالله لا أرهب عليا ولا غيره!

فقالت له: دعني من قولك هذا وإن عليا ليس كمن لاقيت من الشجعان، فأطرت في مدحه وذكرت شجاعته، وكان غرضها أن يحمل الملعون على الغضب، ويحرضه على الامر، فأخذت السيف وأنفذته إلى الصيقل، فسقاه السم ورده إلى غمده، و كان ابن ملجم قد خرج في ذلك اليوم يمشي في أزقة الكوفة، فلقيه صديق له وهو عبد الله بن جابر الحارثي، فسلم عليه وهنأه بزواج قطام، ثم تحادثا ساعة فحدثه

بحديثه من أوله إلى آخره، فسر بذلك سرورا عظيما فقال له: أنا أعاونك، فقال ابن ملجم: دعني من هذا الحديث، فإن عليا أروغ من الثعلب وأشد من الأسد.

ثم مضى ابن ملجم لعنه الله يدور في شوارع الكوفة، فاجتاز على أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس عند ميثم التمار، فخطف عنه كيلا يراه، ففطن به فبعث خلفه رسولا فلما أتاه وقف بين يديه وسلم عليه وتضرع لديه، فقال عليه السلام له: ما تعمل ههنا؟

قال: أطوف في أسواق الكوفة وأنظر إليها، فقال عليه السلام: عليك بالمساجد فإنها خير لك من البقاع كلها، وشرها الأسواق ما لم يذكر اسم الله فيها، ثم حادثه ساعة و انصرف، فلما ولى جعل أمير المؤمنين عليه السلام يطيل النظر إليه ويقول: يا لك من عدو لي من مراد، ثم قال عليه السلام:

أريد حياته ويريد قتلي * ويأبى الله إلا أن يشاء ثم قال عليه السلام: يا ميثم هذا والله قاتلي لا محالة، أخبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال ميثم: يا أمير المؤمنين فلم لا تقتله أنت قبل ذلك؟ فقال: يا ميثم لا يحل القصاص قبل الفعل، فقال ميثم: يا مولاي إذا لم تقتله فاطرده، فقال: يا ميثم لولا آية في كتاب الله " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " وأيضا إنه بعد ما جنى جناية فيؤخذ بها، ولا يجوز أن يعاقب قبل الفعل، فقال ميثم: جعل [الله] يومنا قبل يومك، ولا أرانا الله فيك سوءا أبدا، ومتى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه السلام: إن الله تفرد بخمسة أشياء لا يطلع عليها نبي مرسل ولا ملك مقرب، فقال عز من قائل: " إن الله عنده علم الساعة " الآية، يا ميثم هذه خمسة لا يطلع عليها إلا الله تعالى، وما اطلع عليها نبي ولا وصي ولا ملك مقرب، يا ميثم لا حذر من قدر، يا ميثم إذا جاء القضاء فلا مفر، فرجع ابن ملجم ودخل على

قطام لعنهما الله، وكانت تلك الليلة ليلة تسع عشرة من شهر رمضان.

قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاءا شديدا عاليا، وقال: يا بنية ما ظننت أن بنتا تسوء أباها كما قد أسأت أنت إلي، قالت: وماذا يا أباه؟ قال: يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي الله عز وجل يوم القيامة أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، يا بنية إن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وقد أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أن جبرئيل عليه السلام نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض وقال: يا محمد السلام يقرؤك السلام ويقول لك: إن شئت صيرت معك جبال تهامة ذهبا وفضة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظك يوم القيامة، قال: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت، فقال: إذا لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوما وأشبع يوما، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده، فقال له جبرئيل: وفقت لكل خير يا محمد.

ثم قال عليه السلام: يا بنية الدنيا دار غرور ودار هوان، فمن قدم شيئا وجده، يا بنية والله لا آكل شيئا حتى ترفعين أحد الإدامين، فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قام إلى صلاته فصلى ولم يزل راكعا وساجدا ومبتهلا ومتضرعا إلى الله سبحانه، ويكثر الدخول و الخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة " يس " حتى ختمها،

ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوبا، وجعل يمسح وجهه بثوبه، ونهض قائما على قدميه وهو يقول: " اللهم بارك لنا في لقائك " ويكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب، ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوبا.

قالت أم كلثوم: كأني به وقد جمع أولاده وأهله وقال لهم: في هذا الشهر تفقدوني، إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني وأريد أن أقصها عليكم، قالوا:

وما هي؟ قال: إني رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجئ إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان، فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقى، قال: فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، قالت أم كلثوم: ولم يزل تلك الليلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا ، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول:

والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول:

اللهم بارك لي في الموت، ويكثر من قول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويصلي على النبي وآله، ويستغفر الله كثيرا.

قالت أم كلثوم: فلما رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت: يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ قال:

يا بنية إن أباك قتل الابطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوف، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون فقلت: يا أباه مالك تنعي نفسك منذ الليلة؟ قال: يا بنية قد قرب الاجل وانقطع الامل، قالت أم كلثوم: فبكيت فقال لي: يا بنية لا تبكين فإني لم أقل ذلك إلا

بما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله، ثم إنه نعس وطوى ساعة، ثم استيقظ من نومه وقال:

يا بنية إذا قرب وقت الأذان فأعلميني، ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب وقت الأذان، فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، ثم أيقظته، فأسبغ الوضوء وقام ولبس ثيابه وفتح بابه، ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوز قد أهدي إلى أخي الحسين عليه السلام، فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه، وكان قبل تلك الليلة لم يصحن، فقال عليه السلام: لا إله إلا الله صوارخ تتبعها نوائح، وفي غداة غد يظهر القضاء، فقلت له: يا أباه هكذا تتطير؟ فقال. يا بنية ما منا أهل البيت من يتطير ولا يتطير به، ولكن قول جرى على لساني، ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، فقد حبست ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش، فأطعميه وأسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض، فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط، فأخذه وشده وهو يقول:

اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بناديكا ولا تغتر بالدهر وإن كان يواتيكا كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت، اللهم بارك لي في لقائك، قالت أم كلثوم:

وكنت أمشي خلفه، فلما سمعته يقول ذلك قلت: وا غوثاه يا أبتاه أراك تنعي نفسك منذ الليلة، قال: يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت تتبع بعضها بعضا فأمسكي عن الجواب، ثم فتح الباب وخرج.

قالت أم كلثوم: فجئت إلى أخي الحسن عليه السلام فقلت يا أخي: قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا، وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فألحقه، فقام الحسن بن علي عليهما السلام وتبعه، فلحق به قبل أن يدخل الجامع فقال يا أباه: ما أخرجك في

هذه الساعة وقد بقي من الليل ثلثه؟ فقال: يا حبيبي ويا قرة عيني خرجت لرؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني وأزعجتني وأقلقتني، فقال له: خيرا رأيت وخيرا يكون فقصها علي، فقال عليه السلام: يا بني رأيت كأن جبرئيل عليه السلام قد نزل عن السماء على جبل أبي قبيس فتناول منه حجرين ومضى بهما إلى الكعبة وتركهما على ظهرها، وضرب أحدهما على الآخر فصارت كالرميم، ثم ذرهما في الريح، فما بقي بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد، فقال له: يا أبت وما تأويلها؟

فقال: يا بني إن صدقت رؤياي فإن أباك مقتول، ولا يبقى بمكة حينئذ ولا بالمدينة بيت إلا ويدخله من ذلك غم ومصيبة من أجلي، فقال الحسن عليه السلام: وهل تدري متى يكون ذلك يا أبت؟ قال: يا بني إن الله يقول: " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت " ولكن عهد إلي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني ابن ملجم المرادي، فقلت له:

يا أبتاه، إذا علمت منه ذلك فاقتله، قال: يا بني لا يجوز القصاص إلا بعد الجناية والجناية لم تحصل منه، يا بني لو اجتمع الثقلان الإنس والجن على أن يدفعوا ذلك لما قدروا، يا بني ارجع إلى فراشك، فقال الحسن عليه السلام: يا أبتاه أريد أمضي معك إلى موضع صلاتك، فقال له: أقسمت بحقي عليك إلا ما رجعت إلى فراشك لئلا يتنغص عليك نومك، ولا تعصني في ذلك، قال: فرجع الحسن عليه السلام فوجد أخته أم كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره، فدخل فأخبرها بذلك، وجلسا يتحادثان وهما محزونان حتى غلب عليهما النعاس، فقاما ودخلا إلى فراشهما وناما.

قال أبو مخنف وغيره: وسار أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل المسجد، والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلى في المسجد ورده وعقب ساعة، ثم إنه قام وصلى ركعتين، ثم علا المئذنة ووضع سبابتيه في أذنيه وتنحنح ثم أذن وكان عليه السلام إذا أذن لم يبق في بلدة الكوفة بيت إلا اخترقه صوته.

قال الراوي: وأما ابن ملجم فبات في تلك الليلة يفكر في نفسه، ولا يدري ما يصنع، فتارة يعاتب نفسه ويوبخها ويخاف من عقبى فعله، فيهم أن يرجع عن ذلك، وتارة يذكر قطام لعنها الله وحسنها جمالها وكثرة مالها فتميل نفسه إليها، فبقي عامة ليله يتقلب على فراشه وهو يترنم بشعره ذلك إذا أتته الملعونة ونامت معه في فراشه، وقالت له: يا هذا من يكون على هذا العزم يرقد؟ فقال لها: والله إني أقتله لك الساعة، فقالت: اقتله وارجع إلي قرير العين مسرورا، وافعل ما تريد فإني منتظرة لك، فقال لها: بل أقتله وأرجع إليك سخين العين محزونا منحوسا محسورا، فقالت: أعوذ بالله من تطيرك الوحش، قال: فوثب الملعون كأنه الفحل من الإبل، قال: هلمي إلي بالسيف، ثم إنه اتزر بمئزر واتشح بإزار، وجعل السيف تحت الإزار مع بطنه، وقال: افتحي لي الباب ففي هذه الساعة أقتل لك عليا، فقامت فرحة مسرورة وقبلت صدره، وبقي يقبلها ويترشفها ساعة، ثم راودها عن نفسها فقالت له: هذا علي أقبل إلى الجامع وأذن، فقم إليه فاقتله ثم عد إلي فها أنا منتظرة رجوعك، فخرج من الباب وهي خلفه تحرضه بهذه الأبيات:

أقول إذا ماحية أعيت الرقا * وكان ذعاف الموت منه شرابها رسسنا إليها في الظلام ابن ملجم * همام إذا ما الحرب شب لهابها فخذها علي! فوق رأسك ضربة * بكف سعيد سوف يلقى ثوابها قال الراوي: فالتفت إليها وقال لها: أفسدت والله الشعر في هذا البيت الآخر، قالت: ولم ذاك؟ قال لها: هلا قلت: " بكف شقي سوف يلقى عقابها " قال مصنف هذا الكتاب قدس روحه: هذا الخبر غير صحيح، بل إنا كتبناه كما وجدناه، والرواية الصحيحة أنه بات في المسجد ومعه رجلان: أحدهما

شبيب بن بحيرة والآخر وردان بن مجالد، يساعدانه على قتل علي عليه السلام، فلما أذن عليه السلام ونزل من المئذنة وجعل يسبح الله ويقدسه ويكبره ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، قال الراوي: وكان من كرم أخلاقه عليه السلام أنه يتفقد النائمين في المسجد ويقول للنائم: الصلاة يرحمك الله الصلاة، قم إلى الصلاة المكتوبة عليك، ثم يتلو عليه السلام: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ففعل ذلك كما كان يفعله على مجاري عادته مع النائمين في المسجد، حتى إذا بلغ إلى الملعون فرآه نائما على وجهه قال له: يا هذا قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان ونومة أهل النار، بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء أو على يسارك فإنها نومة الحكماء، ولا تنم على ظهرك فإنها نومة الأنبياء.

قال: فتحرك الملعون كأنه يريد أن يقوم وهو من مكانه لا يبرح فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لقد هممت بشئ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك، ثم تركه وعدل عنه إلى محرابه، وقام قائما يصلي، وكان عليه السلام يطيل الركوع والسجود في الصلاة كعادته في الفرائض والنوافل حاضرا قلبه، فلما أحس به فنهض الملعون مسرعا وأقبل يمشي حتى وقف بإزاء الأسطوانة التي كان الإمام عليه السلام يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وركع وسجد السجدة الأولى منها ورفع رأسه، فعند ذلك أخذ السيف و هزه، ثم ضربه على رأسه المكرم الشريف، فوقعت الضربة على الضربة التي ضربه عمرو بن عبد ود العامري، ثم أخذت الضربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السجود، فلما أحس الامام بالضرب لم يتأوه وصبر واحتسب، ووقع على وجهه وليس عنده أحد قائلا: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ثم صاح وقال: قتلني ابن ملجم قتلني اللعين ابن اليهودية ورب الكعبة، أيها الناس لا يفوتنكم ابن ملجم، وسار

السم في رأسه وبدنه وثار جميع من في المسجد في طلب الملعون، وماجوا بالسلاح فما كنت أرى إلا صفق الأيدي على الهامات وعلوا الصرخات، وكان ابن ملجم ضربه ضربة خائفا مرعوبا، ثم ولى هاربا وخرج من المسجد، وأحاط الناس بأمير المؤمنين عليه السلام وهو في محرابه يشد الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها، ثم تلا قوله تعالى: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " ثم قال عليه السلام: جاء أمر الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله ثم إنه لما ضربه الملعون ارتجت الأرض وماجت البحار والسماوات، واصطفقت أبواب الجامع، قال: وضربه اللعين شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت الضربة في الطاق.

قال الراوي: فلما سمع الناس الضجة ثار إليه كل من كان في المسجد، وصاروا يدورون ولا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة والدهشة، ثم أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السلام وهو يشد رأسه بمئزره، والدم يجري على وجهه ولحيته، وقد خضبت بدمائه وهو يقول: هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله.

قال الراوي: فاصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء بالدعاء، وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل عليه السلام بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: " تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء و أعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء " قال:

فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل فلطمت على وجهها وخدها وشقت جيبها و صاحت: وا أبتاه وا علياه وا محمداه وا سيداه، ثم أقبلت إلى أخويها الحسن والحسين فأيقظتهما وقالت لهما: لقد قتل أبوكما: فقاما يبكيان، فقال لها الحسن عليه السلام:

يا أختاه كفي عن البكاء حتى نعرف صحة الخبر كيلا تشمت الأعداء فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون: وا إماماه وا أمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد

لم يسجد لصنم، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله فلما سمع الحسن والحسين عليهما السلام صرخات الناس ناديا: وا أبتاه وا علياه ليت الموت أعدمنا الحياة، فلما وصلا الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس، وهم يجتهدون أن يقيموا الامام في المحراب ليصلي بالناس، فلم يطق على النهوض وتأخر عن الصف وتقدم الحسن عليه السلام فصلى بالناس وأمير المؤمنين عليه السلام يصلي إيماءا من جلوس، وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمه الشريف، يميل تارة ويسكن أخرى، و الحسن عليه السلام ينادي: وا انقطاع ظهراه يعز والله علي أن أراك هكذا، ففتح عينه و قال: يا بني لا جزع على أبيك بعد اليوم، هذا جدك محمد المصطفى وجدتك خديجة الكبرى وأمك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك، فطب نفسا وقر عينا وكف عن البكاء، فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء.

قال: ثم إن الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتى المخدرات خرجن من خدرهن إلى الجامع ينظرن إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن ورأس أبيه في حجره، وقد غسل الدم عنه وشد الضربة وهي بعدها تشخب دما، ووجهه قد زاد بياضا بصفرة، وهو يرمق السماء بطرفه و لسانه يسبح الله ويوحده، وهو يقول: " أسألك يا رب الرفيع الأعلى " فأخذ الحسن عليه السلام رأسه في حجره فوجده مغشيا عليه، فعندها بكى بكاء شديدا وجعل يقبل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده، فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين عليه السلام، ففتح عينيه فرآه باكيا، فقال له: يا بني يا حسن ما هذا البكاء؟

يا بني لا روع على أبيك بعد اليوم، هذا جدك محمد المصطفى وخديجة وفاطمة والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك، فطب نفسا وقر عينا، واكفف عن البكاء فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء، يا بني أتجزع على أبيك وغدا تقتل بعدي مسموما مظلوما؟ ويقتل أخوك بالسيف هكذا، وتلحقان بجدكما وأبيكما و أمكما، فقال له الحسن عليه السلام: يا أبتاه ما تعرفنا من قتلك ومن فعل بك هذا؟

قال: قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فقال: يا أباه من أي طريق مضى؟ قال: لا يمضي أحد في طلبه فإنه سيطلع عليكم من هذا الباب - وأشار بيده الشريفة إلى باب كندة - قال: ولم يزل السم يسري في رأسه وبدنه، ثم أغمي عليه ساعة والناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كندة، فاشتغل الناس بالنظر إلى الباب، ويرتقبون قدوم الملعون، وقد غص المسجد بالعالم ما بين باك ومحزون، فما كان إلا ساعة وإذا بالصيحة قد ارتفعت وزمرة من الناس وقد جاؤوا بعدو الله ابن ملجم مكتوفا، وهذا يلعنه وهذا يضربه، قال: فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون إليه، فأقبلوا باللعين مكتوفا وهذا يلعنه وهذا يضربه، وهم ينهشون لحمه بأسنانهم ويقولون له: يا عدو الله ما فعلت؟ أهلكت أمة محمد وقتلت خير الناس، وإنه لصامت وبين يديه رجل يقال له حذيفة النخعي، بيده سيف مشهور، وهو يرد الناس عن قتله، وهو يقول: هذا قاتل الإمام علي عليه السلام حتى أدخلوه المسجد.

قال الشعبي: كأني أنظر إليه وعيناه قد طارتا في أم رأسه كأنهما قطعتا علق، وقد وقعت في وجهه ضربة قد هشمت وجهه وأنفه، والدم يسيل على لحيته وعلى صدره، وهو ينظر يمينا وشمالا وعيناه قد طارتا في أم رأسه ، وهو أسمر اللون حسن الوجه، وفي وجهه أثر السجود! وكان على رأسه شعر أسود منشورا على وجهه كأنه الشيطان الرجيم، فلما حاذاني سمعته يترنم بهذه الأبيات:

أقول لنفسي بعد ما كنت أنهاها * وقد كنت أسناها وكنت أكيدها أيا نفس كفي عن طلابك واصبري * ولا تطلبي هما عليك يبيدها فما قبلت نصحي وقد كنت ناصحا * كنصح ولود غاب عنها وليدها فما طلبت إلا عنائي وشقوتي * فيا طول مكثي في الجحيم بعيدها فلما جاؤوا به أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، فلما نظر إليه الحسن عليه السلام

قال له: يا ويلك يا لعين يا عدو الله أنت قاتل أمير المؤمنين ومثكلنا إمام المسلمين هذا جزاؤه منك حيث آواك وقربك وأدناك وآثرك على غيرك؟ وهل كان بئس الامام لك حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي؟ قال: فلم يتكلم بل دمعت عيناه!

فانكب الحسن عليه السلام على أبيه يقبله، وقال له: هذا قاتلك يا أباه قد أمكن الله منه، فلم يجبه وكان نائما، فكره أن يوقظه من نومه، ثم التفت إلى ابن ملجم و قال له: يا عدو الله هذا كان جزاؤه منك بوأك وأدناك وقربك وحباك وفضلك على غيرك؟ هل كان بئس الامام لك حتى جازيته بهذا الجزاء يا شقي الأشقياء؟

فقال له الملعون: يا أبا محمد أفأنت تنقذ من في النار؟ فعند ذلك ضجت الناس بالبكاء والنحيب، فأمرهم الحسن عليه السلام بالسكوت، ثم التفت الحسن عليه السلام إلى الذي جاء به حذيفة رضي الله عنه، فقال له: كيف ظفرت بعدو الله وأين لقيته؟ فقال: يا مولاي إن حديثي معه لعجيب، وذلك أني كنت البارجة نائما في داري وزوجتي إلى جانبي وهي من غطفان، وأنا راقد وهي مستيقظة، إذ سمعت هي الزعقة وناعيا ينعي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: " تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله أعلام التقى، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل علي المرتضى، قتله أشقى الأشقياء " فأيقظتني وقالت لي: أنت نائم وقد قتل إمامك علي بن أبي طالب؟ فانتبهت من كلامها فزعا مرعوبا وقلت لها: يا ويلك ما هذا الكلام رض الله فاك لعل الشيطان قد ألقى في سمعك هذا أو حلم القي عليك، يا ويلك إن أمير المؤمنين ليس لأحد من خلق الله تعالى قبله تبعة ولا ظلامة، وإنه لليتيم كالأب الرحيم، وللأرملة كالزوج العطوف، وبعد ذلك فمن ذا الذي يقدر على قتل أمير المؤمنين وهو الأسد الضرغام والبطل الهمام والفارس القمقام؟ فأكثرت علي وقالت: إني سمعت ما

لم تسمع وعلمت ما لم تعلم، فقلت لها: وما سمعت؟ فأخبرتني بالصوت فقالت لي:

سمعت ناعيا ينادي بأعلى صوته " تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله أعلام التقى، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل علي المرتضى، قتله أشقى الأشقياء " ثم قالت:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.