پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

127. باب كيفية شهادته عليه السلام ووصيته وغسله والصلاة عليه ودفنه 1

ج ۴۲، ص ۲۲۸–۲۵۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۲

عداده في كندة - حتى قدم الكوفة، فلقي بها أصحابه فكتمهم أمره مخافة أن ينتشر منه شئ، فهو في ذلك إذ زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب، فصادف عنده قطامة بنت الأخضر التيمية، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها وأخاها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما رآها ابن ملجم شغف بها و اشتد إعجابه بها، وسأل في نكاحها وخطبها، فقالت له: ما الذي تسمي لي من الصداق؟ فقال لها: احتكمي ما بدا لك، فقالت له: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام فأنى لي بذلك؟ فقالت: تلتمس غرته، فإن أنت قتلته شفيت نفسي وهنأك العيش معي، وإن أنت قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا، فقال: أما والله ما أقدمني هذا المصر - وقد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله - إلا ما سألتني من قتل علي بن أبي طالب، فلك ما سألت، قالت: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك ويقويك، ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر، وسألته معونة ابن ملجم لعنه الله، فتحمل ذلك لها، و خرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة، فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له: يا ابن ملجم هبلتك الهبول لقد جئت شيئا إدا، وكيف تقدر على ذلك؟ فقال له ابن ملجم: نمكن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به، فإن نحن قتلناه شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، فلم يزل به حتى أجابه، فأقبل معه حتى دخلا المسجد الأعظم على قطامة وهي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة، فقالا لها: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل، فقالت لهما : إذا أردتما ذلك فائتياني في هذا

الموضع، فانصرفا من عندها، فلبثا أياما ثم أتياها ومعهما الآخر ليلة الأربعاء لتسعة عشرة [ليلة] خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، وتقلدوا أسيافهم، ومضوا وجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين عليه السلام إلى الصلاة، وقد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث ابن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين عليه السلام، وواطأهم على ذلك وحضر الأشعث بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه، وكان حجر ابن عدي في تلك الليلة بائتا في المسجد، فسمع الأشعث يقول: يا ابن ملجم النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فأحس حجر بما أراد الأشعث، فقال له: قتلته يا أعور! وخرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليخبره الخبر و يحذره من القوم، وخالفه أمير المؤمنين عليه السلام من الطريق فدخل المسجد. فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف. وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين عليه السلام.

وذكر عبد الله بن محمد الأزدي قال: إني لأصلي في تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أوله إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام لصلاة الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيوف، و سمعت قائلا يقول: لله الحكم لا لك يا علي ولا لأصحابك، وسمعت عليا يقول:

لا يفوتنكم الرجل، فإذا عليه السلام مضروب، وقد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق، وهرب القوم نحو أبواب المسجد، وتبادر الناس لاخذهم، فأما شبيب بن بجرة فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره، وأخذ السيف ليقتله

به فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه ولم يسمعوا منه، فوثب عن صدره وخلاه، وطرح السيف من يده، ومضى شبيب هاربا حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين؟ فأراد أن يقول لا، قال: نعم! فمضى ابن عمه واشتمل على سيفه، ثم دخل عليه فضربه به حتى قتله، وأما ابن ملجم فإن رجلا من همدان لحقه فطرح عليه قطيفة كانت في يده، ثم صرعه وأخذ السيف من يده، وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وأفلت الثالث وانسل بين الناس.

فلما دخل ابن ملجم على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال: النفس بالنفس، فإن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، فقال ابن ملجم: والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله، قال: و نادته أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين؟ قال: إنما قتلت أباك، قالت:

يا عدو الله إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس، قال لها: فأراك إنما تبكين علي إذا؟ لقد والله ضربته ضربة لو قسمت على أهل الأرض لأهلكتهم، فاخرج من بين يديه عليه السلام وإن الناس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع، وهم يقولون:

يا عدو الله ما فعلت (5)؟ أهلكت أمة محمد صلى الله عليه وآله وقلت خير الناس، وإنه لصامت لم ينطق، فذهب به إلى الحبس، وجاء الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك في عدو الله، والله لقد أهلك الأمة وأفسد الملة، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: إن عشت رأيت فيه رأيي، وإن أهلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي، اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار.

قال فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام نحبه وفرغ أهله من دفنه جلس الحسن عليه السلام وأمر أن يؤتى بابن ملجم، فجئ به، فلما وقف بين يديه قال له: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت الفساد في الدين، ثم أمر فضربت عنقه، واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جثته منه لتتولى إحراقها، فوهبها لها فأحرقتها بالنار. وفي أمر قطام وقتل أمير المؤمنين عليه السلام يقول:.

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجمي ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المسمم ولا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو بن العاص فإن أحدهما ضرب معاوية وهو راكع، فوقعت ضربته في أليته ونجا منها واخذ وقتل من وقته، وأما الآخر فإنه وافى عمروا في تلك الليلة وقد وجد علة فاستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة العامري، فضربه بسيفه وهو يظن أنه عمرو، فاخذ وأتي به عمرو فقتله، ومات خارجة في اليوم الثاني.

كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد مثله.

بيان: قال الجزري: لامك هبل أي ثكل، ومنه حديث علي عليه السلام " هبلتهم الهبول " أي ثكلتهم الثكول، وهي بفتح الهاء من النساء التي لا يبقى لها ولد، انتهى.

والإد بالكسر: العجب والامر الفظيع والداهية والمنكر.

أقول: قال ابن أبي الحديد: قال أبو الفرج: قال أبو مخنف: قال أبو زهير العبسي: فأما صاحب معاوية فإنه قصده، فلما وقعت عينه عليه ضربه، فوقعت

ضربته على أليته، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة، وإما أن أسقيك دواء فتبرأ و ينقطع نسلك، فقال: أما النار فلا أطيقها! وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما يقر عيني! وحسبي بهما، فسقاه الدواء فعوفي ولم يولد له بعد ذلك، وقال البرك ابن عبد الله: إن لك عندي بشارة، قال: وما هي؟ فأخبره خبر صاحبه وقال: إن عليا قتل في هذه الليلة، فاحتبسني عندك، فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما ترى، فحبسه عنده، فلما أتى الخبر أن عليا قتل في تلك الليلة خلى سبيله. هذه رواية إسماعيل بن راشد، وقال غيره. بل قتله من وقته .

وأما صاحب عمرو بن العاص فإنه وافاه في تلك الليلة، وقد وجد علة، فاستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حنيفة، فخرج للصلاة، فشد عمرو بن بكر فضربه بالسيف فأثبته، فاخذ الرجل فأتي به عمرو بن العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه فقال: أما والله يا أبا عبد الله ما أراد غيرك، قال عمرو: ولكن الله أراد خارجة (4)!

وقال: قال أبو الفرج: حدثني محمد بن الحسين بإسناد ذكره أن الأشعث بن قيس لعنه الله دخل على علي عليه السلام فكلمه، فأغلظ علي له، فعرض الأشعث أنه سيفتك به، فقال له علي عليه السلام: أبالموت تخوفني أو تهددني؟ فوالله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي.

قال: وقال أبو الفرج الأصفهاني: روى أبو مخنف عن أبي الطفيل أن صعصعة بن صوحان استأذن على علي عليه السلام وقد أتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم، فلم يكن عليه إذن فقال صعصعة للآذن: قل له: يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا، فلقد كان الله في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات الله عليما، فأبلغه الآذن إليه فقال: قل له:

وأنت يرحمك الله فلقد كنت خفيف المؤنة كثير المعونة، قال أبو الفرج: ثم جمع له أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السلولي وكان مطببا صاحب الكرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان ابن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، فلما نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برية شاة حارة، فاستخرج منها عرقا ثم نفخه ثم استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ فقال: يا أمير المؤمنين أعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك.

42 - الإرشاد: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله قال: قيل: للحسين بن بن علي عليهما السلام: أين دفنتم أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال: خرجنا به ليلا على مسجد الأشعث حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغريين فدفناه هناك.

43 - الخرائج : روي أن عليا عليه السلام دخل الحمام، فسمع صوت الحسن والحسين عليهما السلام فخرج إليهما فقال: ما لكما؟ فقالا: اتبعك هذا الفاجر ابن ملجم فظننا أنه يغتالك، فقال لهما: دعاه لا بأس.

44 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو بكر الشيرازي في كتابه عن الحسن البصري قال: أوصى علي عليه السلام عند موته للحسن والحسين عليهما السلام وقال لهما: إن أنامت فإنكما ستجدان عند رأسي حنوطا من الجنة وثلاثة أكفان من إستبرق الجنة، فغسلوني و

حنطوني بالحنوط وكفنوني، قال الحسن عليه السلام: فوجدنا عند رأسه طبقا من الذهب عليه خمس شمامات من كافور الجنة وسدرا من سدر الجنة، فلما فرغوا من غسله وتكفينه أتى البعير فحملوه على البعير بوصية منه. وكان قال:

فسيأتي البعير إلى قبري فيقيم عنده، فأتى البعير حتى وقف على شفير القبر، فوالله ما علم أحد من حفره، فالحد فيه بعد ما صلى عليه، وأظلت الناس غمامة بيضاء وطيور بيض، فلما دفن ذهبت الغمامة والطيور.

وعن منصور بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن جده زيد بن علي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي عليهم السلام في خبر طويل يذكر فيه: أوصيكما وصية فلا تظهرا على أمري أحدا، فأمرهما أن يستخرجا من الزاوية اليمنى لوحا وأن يكفناه فيما يجدان، فإذا غسلاه وضعاه على ذلك اللوح، وإذا وجدا السرير يشال مقدمه يشيلان مؤخره، وأن يصلي الحسن مرة والحسين مرة صلاة إمام، ففعلا كما رسم فوجدا اللوح وعليه مكتوب: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ذخره نوح النبي صلى الله عليه لعلي بن أبي طالب عليه السلام " وأصابا الكفن في دهليز الدار موضوعا فيه حنوط قد أضاء نوره النهار.

وروي أنه قال: الحسين عليه السلام وقت الغسل: أما ترى إلى خفة أمير المؤمنين؟

فقال الحسن عليه السلام: يا أبا عبد الله إن معنا قوما يعينوننا.

فلما قضينا صلاة العشاء الآخرة إذا قد شيل مقدم السرير، ولم يزل نتبعه إلى أن وردنا إلى الغري، فأتينا إلى قبر على ما وصف أمير المؤمنين عليه السلام و نحن نسمع خفق أجنحة كثيرة وضجة وجلبة، فوضعنا السرير وصلينا على أمير -

المؤمنين عليه السلام كما وصف لنا، ونزلنا قبره فأضجعناه في لحده، ونضدنا عليه اللبن.

وفي الخبر عن الصادق عليه السلام: فأخذا اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن، فإذا ليس في القبر شئ، فإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين عليه السلام كان عبدا صالحا، فألحقه الله بنبيه، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أن نبيا مات بالمشرق ومات وصيه بالمغرب لألحق النبي بالوصي وفي خبر عن أم كلثوم بنت علي عليه السلام: فانشق القبر عن ضريح، فإذا هو بساجة مكتوب عليها بالسريانية: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا قبر حفره نوح لعلي بن أبي طالب وصي محمد صلى الله عليه وآله قبل الطوفان بسبع مائة سنة " فانشق القبر فلا ندري. وسأل ابن مسكان الصادق عليه السلام عن القائم المائل في طريق الغري، فقال:

نعم إنهم لما جاؤوا بسرير أمير المؤمنين عليه السلام انحنى أسفا وحزنا على أمير - المؤمنين عليه السلام.

وقال الغزالي: ذهب الناس إلى أن عليا عليه السلام دفن على النجف وأنهم حملوه على الناقة، فسارت حتى انتهت إلى موضع قبره، فبركت فجهدوا أن تنهض فلم تنهض فدفنوه فيه.

45 - مناقب ابن شهرآشوب: تفسير وكيع والسدي والسفيان وأبي صالح أن عبد الله بن عمر قرأ قوله تعالى: " أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " يوم قتل أمير المؤمنين عليه السلام وقال: لقد كنت يا أمير المؤمنين الطرف الأكبر في العلم، اليوم نقص علم الاسلام ومضى ركن الايمان.

الزعفراني، عن المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن سمي، عن أبي -

صالح قال: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام قال ابن عباس: هذا اليوم نقص الفقه والعلم من أرض المدينة، ثم قال: إن نقصان الأرض نقصان علمائها وخيار أهلها، إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فيسألوا فيفتوا بغير علم، فيضلوا وأضلوا.

سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: " رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا " وقد كان قبر علي بن أبي طالب عليه السلام مع نوح في السفينة، فلما خرج من السفينة ترك قبره خارج الكوفة، فسأل نوح ربه المغفرة لعلي وفاطمة عليهما السلام قوله: " وللمؤمنين والمؤمنات " ثم قال: " ولا تزد الظالمين " يعني الظلمة لأهل بيت محمد صلى الله عليه وآله " إلا تبارا ".

وروي أنه نزل فيه: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".

أبو بكر بن مردويه في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وأبو بكر الشيرازي في نزول القرآن أنه قال سعيد بن المسيب: كان علي يقرأ " إذا انبعث أشقاها " قال:

فوالذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذا - وأشار بيده إلى لحيته ورأسه - وروى الثعلبي والواحدي بإسنادهما عن عمار وعن عثمان بن صهيب وعن الضحاك، وروى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة وعن صهيب وعن عمار وعن ابن عدي وعن الضحاك والخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة، وروى الطبري والموصلي عن عمار، وروى أحمد بن حنبل عن الضحاك أنه قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتلك - وفي رواية: من يخضب هذه من هذا - وكان عبد الرحمن بن ملجم عداده من مراد قال ابن عباس: كان من ولد قدار عاقر ناقة صالح، وقصتهما

واحدة، لان قدار عشق امرأة يقال لها رباب، كما عشق ابن ملجم لقطام.

سمع ابن ملجم وهو يقول: لأضربن عليا بسيفي هذا، فذهبوا به إليه، فقال:

ما اسمك؟ قال: عبد الرحمن بن ملجم، قال: نشدتك بالله عن شئ تخبرني، قال:

نعم، قال: هل مر عليك شيخ يتوكأ على عصاه وأنت في الباب فمشقك بعصاه ثم قال: بؤسا لك أشقى من عاقر ناقة ثمود؟ قال: نعم، قال: هل كان الصبيان يسمونك ابن راعية الكلاب وأنت تلعب معهم؟ قال: نعم، قال: هل أخبرتك أمك أنها حملت بك وهي طامث، قال: نعم، قال: فبايع فبايع، ثم قال: خلوا سبيله.

الحسن البصري أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة ولم يخرج لصلاة الليل على عادته فقالت أم كلثوم: ما هذا السهر؟ قال: إني مقتول لو قد أصبحت، فقالت: مر جعدة فليصل بالناس، قال: نعم مروا جعدة ليصل، ثم مر وقال: لا مفر من الاجل، و خرج قائلا:

خلوا سبيل الجاهد المجاهد * في الله ذي الكتب وذي المجاهد في الله لا يعبد غير الواحد * ويوقظ الناس إلى المساجد وروي أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول: والله ما كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر أتاه ابن النباح ونادى: الصلاة، فقام فاستقبله الإوز فصحن في وجهه، فقال: دعوهن فإنهن صوائح تتبعها نوائح، وتعلقت حديدة على الباب في مئزره فشد إزاره وهو يقول:

اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك

فقد أعرف أقواما وإن كانوا صعاليك مساريع إلى الخير وللشر مناديك أبو مخنف الأزدي وابن راشد والرفاعي والثقفي جميعا أنه اجتمع نفر من الخوارج بمكة فقالوا: إنا شرينا أنفسنا لله - وساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله - واستعان ابن ملجم بشبيب بن بجرة، وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص بخط فيه مائة ألف درهم، فجعله مهرها، فأطعمت لهما اللوز ينج والجوز يبق، وسقتهما الخمر العكبري، فنام شبيب وتمتع ابن ملجم معها، ثم قامت فأيقظتهما، وعصبت صدورهم بحرير، وتقلدوا أسيافهم، وكمنوا له مقابل السدة.

وقال محمد بن عبد الله الأزدي: أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ينادي: الصلاة الصلاة فإذا هو مضروب، وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، و سمعت عليا عليه السلام يقول: فزت ورب الكعبة، ثم قال عليه السلام: لا يفوتنكم الرجل ثم ساق القصة إلى قوله -: وإن هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبي، فسئل عن معناه فقال: اقتلوه ثم حرقوه بالنار. فقال ابن ملجم: لقد ابتعته بألف وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله، ولقد ضربته لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم.

وفي محاسن الجوابات عن الدينوري أنه قال: سألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال علي عليه السلام: قد أجاب الله دعوتك، يا حسن إذا مت فاقتله بسيفه، وروي أنه عليه السلام قال: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن أصح فأنا ولي دمي، إن شئت أعفو وإن شئت استقدت وإن هلكت فاقتلوه، ثم أوصى فقال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي، ونهى عن المثلة. وروى أبو عثمان المازني أنه قال عليه السلام:

تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما فازوا وما ظفروا فإن بقيت فرهن ذمتي لهم * بذات ودقين لا يعفو لها أثر وإن هلكت فإني سوف أوترهم * ذل الممات فقد خانوا وقد غدروا وأمر الحسن عليه السلام أن يصلي الغداة بالناس، وروي أنه دفع في ظهره جعدة فصلى بالناس الغداة.

الأصبغ في خبر أن عليا عليه السلام قال: لقد ضربت في الليلة التي قبض فيها يوشع بن نون، ولأقبض في الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم.

الحسن بن علي عليه السلام في خبر: ولقد صعد بروحه في الليلة التي صعد فيها بروح يحيى بن زكريا.

توضيح: قال الجزري في قوله عليه السلام: " بذات ودقين " أي حرب شديد، وهو من الودق، والوداق: الحرص على طلب الفحل، لان الحرب توصف باللقاح، و قيل: من الودق: المطر، يقال للحرب الشديدة ذات ودقين تشبيها بسحاب ذات مطرتين شديدتين.

[أقول: في الديوان أنه عليه السلام قال حين خرج إلى المسجد:

خلوا سبيل المؤمن المجاهد * في الله لا يعبد غير الواحد ويوقظ الناس إلى المساجد وفيه أنه عليه السلام قال بعد قوله: " إذا حل بواديكا ":

فإن الدرع والبيضة * يوم الروع يكفيكا كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا إلى قوله:

مساريع إلى النجدة * للغي متاريكا (4)]

الحسن بن علي عليهما السلام:

أين من كان لعلم المصطفى في الناس بابا أين من كان إذا ما قحط الناس سحابا أين من كان إذا نودي للحرب أجابا أين من كان دعاه مستجابا ومجابا وله عليه السلام:

خل العيون وما أردن * من البكاء على علي لا تقبلن من الخلي * فليس قلبك بالخلي لله أنت إذا الرحال * تضعضعت وسط الندي فرجت غمته ولم * تركن إلى فشل وعي وله عليه السلام:

خذل الله خاذليه ولا أغمد عن قاتليه سيف الفناء زيد بن علي: قال الحسين عليه السلام: لما قتل أمير المؤمنين عليه السلام سمعت جنية ترثيه بهذه الأبيات:

لقد هد ركني أبو شبر * فما ذاقت العين طيب الوسن ولا ذاقت العين طيب الكرى * وألقيت دهري رهين الحزن وأقلقني طول تذكاره * حرارة ثكل الرقوب الشثن أنس بن مالك: وسمعت صوت هاتف من الجن:

يا من يؤم إلى المدينة قاصدا * أد الرسالة غير مامتوان قتلت شرار بني أمية سيدا * خير البرية ماجدا ذا شان

رب المفضل في السماء وأرضها * سيف النبي وهادم الأوثان بكت المشاعر والمساجد بعد ما * بكت الأنام له بكل مكان وفي شرف النبوة أنه سمع منهم:

لقد مات خير الناس بعد محمد * وأكرمهم فضلا وأوفاهم عهدا وأضربهم بالسيف في مهج العدى * وأصدقهم قيلا وأنجزهم وعدا صعصعة بن صوحان:

إلى من لي بأنسك يا أخيا * ومن لي أن أبثك ما لديا طوتك خطوب دهر قد توالي * لذاك خطوبه نشرا وطيا فلو نشرت قواك لي المنايا * شكوت إليك ما صنعت إليا بكيتك يا علي لدر عيني * فلم يغن البكاء عليك شيئا كفى حزنا بدفنك ثم إني * نفضت تراب قبرك من يديا وكانت في حياتك لي عظات * وأنت اليوم أوعظ منك حيا فيا أسفى عليك وطول شوقي * إلى لو أن ذلك رد شيئا وله:

هل خبر القبر سائليه * أم قر عينا بزائريه أم هل تراه أحاط علما * بالجسد المستكن فيه لو علم القبر من يواري * تاه على كل من يليه يا موت ماذا أردت مني * حققت ما كنت أتقيه يا موت لو تقبل افتداء * لكنت بالروح أفتديه دهر رماني بفقد إلفي * أذم دهري وأشتكيه أبو الأسود الدئلي:

ألا يا عين ويحك فاسعدينا * ألا أبكي أمير المؤمنينا رزئنا خير من ركب المطايا * وحثحثها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمئينا إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر راق الناظرينا يقيم الحد لا يرتاب فيه * ويقضي بالفرائض مستبينا ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا ومن بعد النبي فخير نفس * أبو حسن وخير الصالحينا كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا وكنا قبل مهلكه بخير * ترى فينا وصي المسلمينا فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرهم حسبا ودينا فلا تشمت معاوية بن حرب * فإن بقية الخلفاء فينا لبعض الصحابة:

دعوتك يا علي فلم تجبني * وردت دعوتي بأسا عليا بموتك ماتت اللذات عني * وكانت حية إذ كان حيا فيا أسفا عليك وطول شوقي * إليك لو أن ذلك رد ليا بيان: قوله عليه السلام: " لا تقبلن من الخلي " أي لا تقبل ترك البكاء من الخلي الذي ينصحك في ذلك، فإنك لست مثله. والندي على فعيل: القوم المجتمعون والخطاب في هذا البيت لأمير المؤمنين عليه السلام. وقال الجوهري: الرقوب: المرأة التي لا يعيش لها ولد. ويقال: شثنت كفه أي غلظت، ولعله تصحيف الشنن من شن الماء أي فرقه، كناية عن كثرة البكاء، قوله: " رب المفضل " لعله بمعنى

المربوب، والظاهر أن فيه تصحيفا. وحثحث: حرك. والسفين: جمع السفينة.

46 - كشف الغمة: قال محمد بن طلحة: قد صح النقل أنه ضربه عبد الرحمن بن ملجم ليلة الجمعة، لكن قيل: لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل: لتسع عشرة ليلة، وقد نقله جماعة، وقيل: ليلة الحادي والعشرين من رمضان، وقيل:

ليلة الثالث والعشرين منه، ومات ليلة الأحد ثالث ليلة ضرب من سنة أربعين للهجرة فيكون عمره خمسا وستين سنة، وقيل: بل كان ثلاثا وستين، وقيل: بل ثمان وخمسين، وقيل: بل كان سبعا وخمسين سنة، وأصح هذه الأقوال هو القول الأول فإنه عضده ما نقل عن معروف قال: سمعت من أبي جعفر محمد بن علي الرضا سلام الله عليهما يقول: قتل علي وله خمس وستون سنة، فهذه مدة عمره، فلما مات عليه السلام غسله الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد يصب الماء، ثم كفن وحنط وحمل ودفن في جوف الليل بالغري، وقيل: بين منزله والجامع الأعظم والله أعلم، قال:

وإذا كانت مدة عمره عليه السلام خمسا وستين سنة على ما ظهر فاعلم منحك الله ألطاف تأييده أنه عليه السلام كان بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله من أول عمره خمسا وعشرين سنة فمنها بعد البعث والنبوة ثلاث عشرة سنة، وقبلها اثنا عشر سنة ثم هاجر وأقام مع النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة إلى أن توفي عشر سنين، ثم بقي بعد رسول الله إلى أن قتل ثلاثين سنة، فذلك خمس وستون سنة.

ومن مناقب الخوارزمي قال: لما ضرب علي عليه السلام تحامل وصلى بالناس الغداة، وقال: علي بالرجل، فادخل عليه، فقال: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟

قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، قال علي عليه السلام: فلا أراك إلا مقتولا به، وما أراك إلا من شر

خلق الله عز وجل. قال: ودعا علي حسنا وحسينا فقال:

أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شئ زوي عنكما، قولا بالحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضائع، واصنعا للأخرى، وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا، اعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم.

ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال:

نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك فلا توثق أمرا دونهما، ثم قال: أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، وقال للحسن: أوصيك يا بني بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها ، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا يقبل الصلاة ممن منع الزكاة، وأوصيك بعفو الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامر والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، فلما حضرته الوفاة أوصى وكانت وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب عليه السلام.

أقول: وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في رواية الكليني ثم قال:

ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض عليه السلام في شهر رمضان سنة أربعين، و غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها

قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات، وكان عليه السلام نهى عن المثلة فقال:

يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتل بي إلا قاتلي، انظر يا حسن إن أنامت من ضربتي هذه فاضربه ضربة، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.

فلما قبض عليه السلام بعث الحسن عليه السلام إلى ابن ملجم فقتله، ولفه الناس في البواري وأحرقوه، وكان أنفذ إلى الحسن عليه السلام يقول: إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، إني عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه ولك الله علي أن أقتله، وإن قتلته وبقيت لآتينك حتى أضع يدي في يدك، فقال: لا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله.

47 - الكافي: علي بن محمد، عن سهل، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا عليه السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها والموضع الذي يقتل فيه وقوله لما سمع صياح الإوز في الدار: " صوائح تتبعها نوائح " وقول أم كلثوم: " لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس " فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح، وقد عرف عليه السلام أن ابن ملجم قاتله بالسيف كان هذا مما لم يجز تعرضه؟! فقال: ذلك كان ولكنه خير تلك الليلة لتمضي مقادير الله عز وجل.

بيان: في بعض النسخ " خير " بالخاء المعجمة أي خير بين البقاء واللقاء

فاختار اللقاء، وفي بعضها بالحاء المهملة أي أنسي ذلك الوقت، وفي بعضها بالحاء المهملة والنون أي كان موقتا معلوما متيقنا عنده، فكان لا ينفعه الفرار، وفي بعض الاحتمالات اللام لام العاقبة في قوله: لتمضي.

48 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة عن عمرو بن شمر، عن عبد الله بن الوليد الجعفي، عن رجل، عن أبيه قال لما أصيب أمير المؤمنين عليه السلام نعى الحسن إلى الحسين عليهما السلام وهو بالمدائن: فلما قرأ الكتاب قال: يا لها من مصيبة ما أعظمها! مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي فإنه لن يصاب بمصيبة أعظم منها، وصدق صلى الله عليه وآله.

49 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن السندي بن محمد، عن محمد بن الصلت، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: صلى أمير المؤمنين عليه السلام الفجر ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه فقال: والله لقد أدركت أقواما يبيتون لربهم سجدا وقياما، يخالفون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر كأنما القوم [ما] باتوا غافلين، قال: ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض عليه السلام.

50 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن ابن نهيك عن ابن جبلة، عن حميد بن شعيب الهمداني، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه حسنا وحسينا وابن الحنفية والأصاغر من ولده فوضاهم، وكان في آخر وصيته: يا بني عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم، يا بني إن القلوب جنود مجندة

تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه.

51 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، ومحمد بن إسماعيل عن الفضل، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: بعث إلي أبو الحسن موسى عليه السلام بوصية أمير المؤمنين عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وآله، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.

ثم إني أوصيك يا حسن وجميع أهل بيتي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام وإن المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام، فلا تغيروا أفواههم، ولا تضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عز وجل له بذلك الجنة، كما أوجب الله لآكل مال اليتيم النار ".

الله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به أحد غيركم.

الله الله في جيرانكم، فإن النبي صلى الله عليه وآله أوصى بهم، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.

الله الله في بيت ربكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا و أدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف.

الله الله في الصلاة فإنها خير العمل وإنها عمود دينكم.

الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم.

الله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار.

الله الله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معائشكم.

الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، فإنما يجاهد رجلان: إمام هدى أو مطيع له مقتد بهداه.

الله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بحضرتكم وبين ظهرانيكم وأنتم تقدرون على الدفع عنهم.

الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يؤوا محدثا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث.

الله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به نبيكم صلى الله عليه وآله أن قال: " أوصيكم بالضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم ".

الصلاة الصلاة الصلاة، لا تخافوا في الله لومة لائم، يكفيكم الله من آذاكم و [من] بغى عليكم، قولوا للناس حسنا كما أمركم الله عز وجل، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم، وعليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبار، وإياكم والتقاطع و التدابر والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان

واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله.

ثم لم يزل يقول: " لا إله إلا الله " حتى قبض صلوات الله عليه ورحمته في ثلاث ليال من العشر الأواخر ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة، وكان ضرب ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان.

52 - من لا يحضره الفقيه: روي عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت وصية علي بن أبي طالب عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمدا وجميع ولده وجميع رؤساء أهل بيته وشيعته عليهم السلام، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، ثم قال عليه السلام: يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين عليه السلام، ثم أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال: وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعه إلى ابنك علي بن الحسين، ثم أقبل على علي بن الحسين عليه السلام فقال: وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفع وصيتك إلى ابنك محمد بن علي، فأقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومني السلام، ثم أقبل على ابنه الحسن عليه السلام فقال: يا بني أنت ولي الأمر بعدي وولي الدم، فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم، ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم ساق الحديث إلى آخر ما رواه الكليني.

ايضاح: قال الفيروزآبادي: الحالقة: الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر.

وقال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الوصية في شرح نهج البلاغة: قوله:

" فلا تغيروا أفواههم " يحتمل تفسيرين: أحدهما لا تجيعوهم فإن الجائع فمه تتغير نكهته، والثاني لا تحوجوهم إلى تكرار الطلب والسؤال، فإن السائل ينضب ريقه وتنشف لهواته وتتغير ريح فمه، انتهى.

قوله عليه السلام: " لم تناظروا " أي لم تمهلوا، بل ينزل عليكم العذاب من غير مهلة. وقال الجزري: في حديث المدينة: " من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا " الحدث: الامر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيا و آواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، وبالفتح هو الامر المبتدع نفسه، ويكون معنى الايواء فيه الرضى به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة و أقر فاعلها عليها ولم ينكرها فقد آواها، انتهى.

قوله عليه السلام: " وحفظ فيكم نبيكم " أي جعل الناس بحيث يرعون فيكم حرمته صلى الله عليه وآله، أو حفظ سننه وأطواره صلى الله عليه وآله فيكم، أو يحفظكم لانتسابكم إليه صلى الله عليه وآله والأول أظهر.

53 - الكافي: علي بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما غسل أمير المؤمنين عليه السلام نودوا من جانب البيت: إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره، وإن أخذتم

مؤخره كفيتم مقدمه.

54 - تنبيه الخاطر: محمد بن الحسن القضباني، عن إبراهيم بن محمد بن مسلم الثقفي عن عبد الله بن بلح المنقري، عن شريك، عن جابر، عن أبي حمزة اليشكري، عن قدامة الأودي، عن إسماعيل بن عبد الله الصلعي - وكان له صحبة - قال: لما كثر الاختلاف بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل عثمان بن عفان تخوفت على نفسي الفتنة، فاعتزمت على اعتزال الناس، فتنحيت إلى ساحل البحر فأقمت فيه حينا لا أدري ما فيه الناس، فخرجت من بيتي لبعض حوائجي وقد هدأ الليل ونام الناس، فإذا أنا برجل على ساحل البحر يناجي ربه ويتضرع إليه بصوت أشج وقلب حزين، فآنست إليه من حيث لا يراني، فسمعته يقول: يا حسن الصحبة يا خليفة النبيين يا أرحم الراحمين، البدئ البديع الذي ليس مثلك شئ، والدائم غير الغافل، والحي الذي لا يموت، أنت كل يوم في شأن، أنت خليفة محمد صلى الله عليه وآله و ناصر محمد ومفضل محمد، أسألك أن تنصر وصي محمد وخليفة محمد والقائم بالقسط بعد محمد، اعطف عليه بنصر أو توفه برحمة.

قال: ثم رفع رأسه وجلس بقدر التشهد ثم إنه سلم فيما أحسب تلقاء وجهه، ثم مضى فمشى على الماء، فناديته من خلفه: كلمني يرحمك الله، فلم يلتفت وقال: الهادي خلفك فاسأله عن أمر دينك، قال: قلت: من هو يرحمك الله؟ قال:

وصي محمد صلى الله عليه وآله من بعده، فخرجت متوجها إلى الكوفة فأمسيت دونها، فبت قريبا من الحيرة، فلما جن لي الليل إذ أنا برجل قد أقبل حتى استتر برابية، ثم صف قدميه فأطال المناجاة، فكان فيما قال: اللهم إني سرت فيهم بما أمرني رسولك وصفيك فظلموني، وقتلت المنافقين كما أمرتني فجهلوني. وقد مللتهم وملوني و أبغضتهم وأبغضوني، ولم تبق خله أنتظرها إلا المرادي، اللهم فعجل له الشقاء وتغمدني بالسعادة، اللهم قد وعدني نبيك أن تتوفاني إليك إذا سألتك، اللهم وقد رغبت إليك في ذلك، ثم مضى، فتبعته فدخل منزله، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فلم ألبث إذ نادى المنادي بالصلاة، فخرج وتبعته حتى دخل المسجد فعمه ابن ملجم لعنه الله بالسيف.

55 - تنبيه الخاطر: لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه حسنا وحسينا ومحمد بن الحنفية والأصاغر من ولده فوصاهم وكان في آخر وصيته: يا بني عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم وإن فقدتم بكوا عليكم، يا بني إن القلوب جند مجندة تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحسستم من

أحد في قلبكم شيئا فاحذروه.

56 - العدد: قال الواقدي: آخر كلمة قالها أمير المؤمنين عليه السلام: يا بني إذا مت فالحقوا بي ابن ملجم لعنه الله أخاصمه عند رب العالمين، ثم قرأ: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ولما توفي عليه السلام غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وقيل: محمد بن الحنفية، وقيل: إنه لم يغسل لأنه سيد الشهداء، قيل: كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وكان عنده من بقايا حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله، فحنطوه بها، وصلى عليه ولده الحسن عليه السلام، وكبر عليه خمسا، وقيل: ستا، وقيل، سبعا.

57 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام قبيل موته على سبيل الوصية:

وصيتي لكم أن تشركوا بالله شيئا، ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وخلاكم ذم، أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم إن أبق فأنا ولي دمي وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فاعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد وطالب وجد، وما عند الله خير للأبرار.

وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب، إلا أن فيه ههنا زيادة أوجبت تكراره.

ومن وصية له عليه السلام بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين:

هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه الله، ليولجني به الجنة ويعطيني الآمنة منها، وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفق منه في المعروف، فإن حدث بحسن حدث وحسين حي

قام بالأمر بعده، وأصدر مصدره، وإن لابني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت القيام بذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وقربة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وتكريما لحرمته وتشريفا لوصلته، ويشترط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله وينفق من ثمره حيث امر به وهدي له، وأن لا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى ودية حتى تشكل أرضها غراسا، ومن كان من إمائي اللاتي أطوف عليهن لها ولد أو هي حامل فتمسك على ولدها وهي حظه، فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة، قد أفرج عنها الرق وحررها العتق.

قوله عليه السلام في هذه الوصية: " وأن لا يبيع من نخلها ودية " الودية: الفسيلة وجمعها ودي.

وقوله عليه السلام: " حتى تشكل أرضها غراسا " هو من أفصح الكلام، والمراد به أن الأرض يكثر فيها غرائس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها، فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها.

بيان: قال الجزري في حديث علي عليه السلام: " خلاكم ذم ما لم تشردوا " يقال افعل ذلك وخلاك ذم، أي أعذرت وسقط عنك الذم.

قال ابن أبي الحديد: لقائل أن يقول: إذا أوصاهم بالتوحيد واتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله فقد دخل فيهما جميع ما يجب أن يفعل، ففي أي شئ يقول " وخلاكم ذم "؟ والجواب أن كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا قد كلفوا أنفسهم أمورا شاقة جدا، فمنهم من كان يقوم الليل كله، ومنهم من كان يصوم الدهر كله، ومنهم تارك النكاح، ومنهم تارك المطاعم والملابس، وكانوا يتفاخرون بذلك ويتنافسون، فأراد عليه السلام أن المهم الأعظم القيام بالتوحيد والسنن المؤكدة المعلومة من دين محمد

صلى الله عليه وآله ولا عليكم بالاخلال بما عدا ذلك وقال الخليل: القارب: طالب الماء ليلا. قوله عليه السلام: " بالمعروف " أي من غير إسراف وتقتير. قوله: " في المعروف " أي في وجوه البر، والضمير في قوله:

" مصدره " إما راجع إلى الامر أو إلى الحسن عليه السلام. قوله عليه السلام: " أن يترك المال على أصوله " كناية عن عدم اخراجه ببيع أو هبة أو غيرهما من وجوه الاملاك. و الودية: النخلة الصغيرة.

78 - نهج البلاغة: من وصيته للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله و أخزاه:

أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للآخرة وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا.

أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنه وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غير كم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

ثم قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون:

قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنامت من ضربته هذه

فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.

بيان: بغاه: طلبه. وزواه عنه: قبضه وصرفه. قوله عليه السلام: " الله الله " أي اتقوا الله واذكروا الله. قوله عليه السلام: " فلا تغبوا أفواههم " أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم يوما وتتركوهم يوما. وروي " فلا تغيروا أفواههم " والمعنى واحد، فإن الجائع يتغير فمه. قوله عليه السلام: " فإنه وصية نبيكم " الحمل للمبالغة، أي أوصاكم فيهم. وألفاه: وجده.

وقال الجزري: يقال: مثلت بالحيوان إذا قطعت أطرافه وشوهت به، و مثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه واذنه ومذاكيره أو شيئا من أطرافه، فأما مثل - بالتشديد - للمبالغة.

تذنيب: سئل الشيخ المفيد قدس الله روحه في المسائل العكبرية: الامام عندنا مجمع على أنه يعلم ما يكون، فما بال أمير المؤمنين عليه السلام خرج إلى المسجد وهو يعلم أنه مقتول وقد عرف قاتله والوقت والزمان؟ وما بال الحسن بن علي عليهما السلام سار إلى الكوفة وقد علم أنهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنه مقتول في سفرته تبك؟ ولم لما حصروا وعرف أن الماء قد منع منه وأنه إن حفر أذرعا قريبة نبع الماء ولم يحفر وأعان على نفسه حتى تلف عطشا؟ والحسن عليه السلام وادع معاوية و هادنه وهو يعلم أنه ينكث ولا يفي ويقتل شيعة أبيه عليه السلام، فأجاب الشيخ رحمه الله عنها بقوله:

وأما الجواب عن قوله: " إن الامام يعلم ما يكون " فإجماعنا أن الامر على خلاف ما قال، وما أجمعت الشيعة على هذا القول، وإنما إجماعهم ثابت على أن الامام يعلم الحكم في كل ما يكون دون أن يكون عالما بأعيان ما يحدث ويكون على التفصيل والتمييز، وهذا يسقط الأصل الذي بنى عليه الأسولة بأجمعها، ولسنا

نمنع أن يعلم الامام أعيان ما يحدث ويكون بإعلام الله تعالى [له] ذلك، فأما القول بأنه يعلم كل ما يكون فلسنا نطلقه ولا نصوب قائله، لدعواه فيه من غير حجة ولا بيان، والقول: بأن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم قاتله والوقت الذي كان يقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول، وجاء أيضا بأنه يعلم قاتله على التفصيل، فأما علمه بوقت قتله فلم يأت عليه أثر على التحصيل ولو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنه المعترضون، إذ كان لا يمتنع أن يتعبده الله تعالى بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل، ليبلغه بذلك علو الدرجات مالا يبلغه إلا به، ولعلمه بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كلفها سواه لم يردها، ولا يكون بذلك أمير - المؤمنين عليه السلام ملقيا بيده إلى التهلكة، ولا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول.

وأما علم الحسين عليه السلام بأن أهل الكوفة خاذلوه، فلسنا نقطع على ذلك، إذ لا حجة عليه من عقل ولا سمع، ولو كان عالما بذلك لكان الجواب عنه ما قد مناه في الجواب عن علم أمير المؤمنين عليه السلام بوقت قتله ومعرفة قاتله كما ذكرناه. و أما دعواه علينا أنا نقول: إن الحسين عليه السلام كان عالما بموضع الماء قادرا عليه، فلسنا نقول ذلك، ولا جاء به خبر، على أن طلب الماء والاجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك ولو ثبت أنه كان عالما بموضع الماء لم يمتنع في العقول أن يكون متعبدا بترك السعي في طلب الماء من حيث كان ممنوعا منه حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين عليه السلام، غير أن ظاهر الحال بخلاف ذلك على ما قدمناه.

والكلام في علم الحسن عليه السلام بعاقبة موادعته معاوية بخلاف ما تقدم، وقد جاء الخبر بعلمه بذلك، وكان شاهد الحال له يقضي به، غير أنه دفع به عن تعجيل قتله وتسليم أصحابه له إلى معاوية، وكان في ذلك لطف في بقائه إلى حال مضيه ولطف لبقاء كثير من شيعته وأهله وولده، ودفع فساد في الدين هو أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته، وكان عليه السلام أعلم بما صنع لما ذكرناه وبينا الوجوه فيه

انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول: وسأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي نور الله ضريحه عن مثل ذلك في أمير المؤمنين عليه السلام فأجاب بأنه يحتمل أن يكون عليه السلام أخبر بوقوع القتل في تلك الليلة، ولم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أو أي مكان يقتل، وأن تكليفه عليه السلام مغاير لتكليفنا، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى، كما يجب على المجاهد الثبات، وإن كان ثباته يفضي إلى القتل.

تذييل: رأينا في بعض الكتب القديمة رواية في كيفية شهادته عليه السلام أوردنا منه شيئا مما يناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار، قال: روى أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد البكري، عن لوط بن يحيى، عن أشياخه وأسلافه قالوا: لما توفي عثمان وبايع الناس أمير المؤمنين عليه السلام كان رجل يقال له حبيب بن المنتجب واليا على بعض أطراف اليمن من قبل عثمان، فأقره علي عليه السلام على عمله، وكتب إليه كتابا يقول فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى حبيب ابن المنتجب، سلام عليك، أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، واصلي على محمد عبده ورسوله، وبعد فإني وليتك ما كنت عليه لمن كان من قبل، فأمسك على عملك، وإني أوصيك بالعدل في رعيتك، والاحسان إلى أهل مملكتك، واعلم أن من ولي علي رقاب عشرة من المسلمين ولم يعدل بينهم حشره الله يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه، لا يفكها إلا عدله في دار الدنيا، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على من قبلك من أهل اليمن، وخذ لي البيعة على من حضرك من المسلمين فإذا بايع القوم مثل بيعة الرضوان فامكث في عملك، وأنفذ إلي منهم عشرة يكونون من عقلائهم وفصحائهم وثقاتهم، ممن يكون أشدهم عونا من أهل الفهم والشجاعة

عارفين بالله، عالمين بأديانهم، وما لهم وما عليهم، وأجودهم رأيا، وعليك وعليهم السلام.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.