بحارالانوار · المجلد التاسع
91. باب جوامع مناقبه صلوات الله عليه، وفيه كثير من النصوص 1
ج ۴۰، ص ۸۵–۱۱۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
فأردنا بإيراد هذه الأخبار ههنا عند تفسير قوله " نحن الشعار والأصحاب ونحن الخزنة والأبواب " أن ننبه على عظيم منزلته عند الرسول صلى الله عليه وآله وأن من قيل في حقه ما قيل لو رقا إلى السماء وعرج في الهواء وفخر على الملائكة والأنبياء تعظما وتبجحا لم يكن ملوما بل كان بذلك جديرا، فكيف وهو عليه السلام لم يسلك قط مسلك التعظم والتكبر في شئ من أقواله ولا من أفعاله، وكان ألطف البشر خلقا وأكرمهم طبعا وأشدهم تواضعا وأكثرهم احتمالا وأحسنهم بشرا وأطلقهم وجها حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح وهما خلقان ينافيان التكبر والاستطالة، وإنما يذكر أحيانا ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور وشكوى مكروب وتنفس مهموم، ولا يقصد به إذا ذكره إلا شكر النعمة وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة، فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف والحض على اعتقاد الحق والصواب في أمره والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى الله سبحانه
عن ذلك فقال: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون).
وقال في شرح قوله صلوات الله عليه " نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، و مختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، و عدونا ومبغضنا ينتظر السطوة ": اعلم أنه إن أراد بقوله " نحن مختلف الملائكة " جماعة من جملتها رسول الله صلى الله عليه وآله فلا ريب في صحة القضية وصدقها، وإن أراد بها نفسه وابنيه فهو أيضا صحيحة، فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وآله قال: يا جبرئيل إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما. وروى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا: لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معي و مع علي ثالث لنا، وذلك قبل أن يظهر أمر الاسلام ويتسامع الناس به. وفي خطبة الحسن بن علي عليهما الصلاة والسلام لما قبض أبوه: " لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، كان يبعثه رسول الله للحرب وجبرئيل عليه السلام عن يمينه وميكائيل عليه السلام عن يساره " وجاء في الحديث أنه سمع يوم أحد صوت من الهواء من جهة السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هذا صوت جبرئيل عليه السلام.
وأما قوله: " ومعادن العلم وينابيع الحكم " يعني الحكمة أو الحكم الشرعي فإنه إن عنى بها نفسه وذريته فإن الامر فيها ظاهر جدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
" أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب " وقال: " أقضاكم علي " والقضاء أمر يستلزم علوما كثيرة، وجاء في الخبر أنه بعثه إلى اليمن قاضيا فقال: يا رسول الله إنهم كهول وذوو أسنان وأنا فتى وربما لم أصب فيما أحكم به بينهم، فقال له: اذهب فإن الله سيثبت قلبك ويهدي لسانك. وجاء في تفسير قوله تعالى: " وتعيها اذن واعية " سألت الله أن يجعلها اذنك ففعل. وجاء في تفسير
قوله تعالى: " أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله " أنها نزلت في علي عليه السلام وما خص به من العلم، وجاء في تفسير قوله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه " [أنا على بينة من ربي] والشاهد علي عليه الصلاة والسلام، وروى المحدثون أنه قال لفاطمة عليها الصلاة والسلام: زوجتك أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، وأعلمهم علما، وروى المحدثون عنه صلى الله عليه وآله أنه قال:
من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه وإلى موسى في علمه وعيسى في ورعه فلينظر إلى علي بن أبي طالب، وبالجملة فحاله في العلم حالة رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها ولا قاربه، وحق له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم وينابيع الحكم، فلا أحد أحق به منها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقال في موضع آخر: والذي صح عندي هو أنه عليه السلام قال لهم يوم الشورى:
أنشدكم الله أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين نفسه حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض غيري؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
من كنت مولاه فهذا مولاه غيري؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غيري؟
قالوا: لا، قال: أفيكم من اؤتمن على سورة براءة وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني غيري؟ قالوا: لا، قال: ألا تعلمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فروا عنه في الحرب في غير موطن وما فررت قط؟ قالوا بلى، قال: أتعلمون أني أول الناس إسلاما؟ قالوا: بلى، قال فأينا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نسبا؟ قالوا: أنت الخبر.
وقال: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: " هذان خصمان اختصموا في
ربهم " أنه سئل عنها فقال: علي وحمزة، وعبيدة وعتبة، وشيبة والوليد.
وقال: في موضع آخر: كان أمير المؤمنين عليه السلام ذا أخلاق متضادة، فمنها أن الغالب على أهل الاقدام والمغامرة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتنمر وجبرية والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذها والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد وتذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقة ولين وضعف قلب وخور طبع، وهاتان حالتان متضادتان وقد اجتمعتا له عليه السلام. ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية وطباع حوشية وغرائز وحشية، وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق وعبوس في الوجوه ونفار من الناس واستيحاش، وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظا وتذكيرا بأيام الله ومثلاته وأشدهم اجتهادا في العبادة وآدابا لنفسه في المعاملة، وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا وأسفرهم وجها وأكثرهم بشرا و أوفاهم هشاشة وبشاشة وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر أو تجهم مباعد أو غلظة وفظاظة ينفر معهما نفس أو يتكدر معهما قلب حتى عيب بالدعابة، ولما لم يجدوا فيه مغمزا ولا مطعنا تعلقوا بها واعتمدوا في التنفير عنه عليها " وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة.
ومنها أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل السيادة والرئاسة
أن يكون ذا كبر وتيه وتعظم، خصوصا إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في مصاص الشرف ومعدنه، لا يشك عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه صلوات الله عليه، وقد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة، قد ذكرنا بعضها ومع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير وكبير، وألينهم عريكة وأسمحهم خلقا، وأبعدهم عن الكبر، وأعرفهم بحق، وكانت حاله هذه حاله في كل زمانيه زمان خلافته والزمان الذي قبله، ما غيرت سجيته الامرة، ولا أحالت خلقته الرئاسة، وكيف تحيل الرئاسة خلقه وما زال رئيسا؟ وكيف تغير الامرة سجيته وما برح أميرا، لم يستفد بالخلافة شرفا ولا اكتسب بها زينة، بل هو كما قال عبد الله بن أحمد بن حنبل - ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم - قال: تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعلي عليه السلام وقالوا فأكثروا، فرفع رأسه إليهم وقال: قد أكثرتم إن عليا لم تزنه الخلافة ولكنه زانها، وهذا الكلام دال بفحواه ومفهومه على أن غيره ازداد بالخلافة وتممت نقيصته، و أن عليا لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها فتم نقصها بولايته إياها.
ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو، لان أكبادهم واغرة وقلوبهم ملتهبة والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ومغالبة هوى النفس، وقد رأيت فعله يوم الجمل.
ومنها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط، كان عبد الله بن الزبير شجاعا وكان
أبخل الناس وكان الزبير أبوه شجاعا وكان شحيحا، قال له عمر: لو وليتها لظلت تلاطم الناس في البطحاء على الصاع والمد، وأراد علي عليه السلام أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال، فاحتال لنفسه فشارك الزبير في أمواله وتجاراته، فقال عليه السلام أما إنه قد لاذ بملاذ، ولم يحجر عليه! وكان طلحة شجاعا وكان شحيحا، أمسك عن الانفاق حتى خلف من الأموال مالا يأتي عليه الحصر، وكان عبد الملك شجاعا وكان شحيحا كان يضرب به المثل في الشح وسمي رشح الحجر لبخله، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في الشجاعة والسخاء كيف هي؟ وهذا من أعاجيبه أيضا.
وقال في موضع آخر: روي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله الضوء ويسمع الصوت.
وقال في موضع آخر: أقسام العدالة ثلاثة، هي الأصول وما عداها من الفضائل فروع عليها، الأولى الشجاعة ويدخل فيها السخاء لأنه شجاعة وتهوين للمال كما أن الشجاعة الأصلية تهوين للنفس، فالشجاع في الحرب جواد بنفسه والجواد بالمال شجاع في إنفاقه، فلهذا قال الطائي:
أيقنت أن من السماح شجاعة * تدعى وإن من الشجاعة جودا والثانية العفة ويدخل فيها القناعة والزهد والعزلة، والثالثة الحكمة وهي أشرفها. ولم تحصل العدالة الكاملة لاحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا لهذا الرجل، ومن أنصف علم صحة ذلك، فإن شجاعته وجوده وعفته وقناعته وزهده يضرب بها الأمثال، وأما الحكمة والبحث في الأمور الإلهية فلم يكن من أحد من العرب ولا نقل في كلام أكابرهم وأصاغرهم شئ من ذلك أصلا، وهذا مما كانت اليونانيون وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة ينفردون به، وأول من
خاض فيه من العرب علي عليه السلام ولهذا تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه، ولا تجد في كلام أحد من الصحابة والتابعين كلمة واحده من ذلك، ولا يتصورونه ولو فهموه لم يفهموه، وأنى للعرب ذلك؟ ولهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره، وسموه أستاذهم ورئيسهم، واجتذبه كل فرقة من الفرق إلى نفسها، ألا ترى أن أصحابنا ينتهون إلى واصل بن عطاء، وواصل تلميذ أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد، ومحمد تلميذ أبيه علي عليه السلام؟ فأما الشيعة من الامامية والزيدية والكيسانية فانتماؤهم إليه ظاهر، وأما الأشعرية فإنهم بالآخرة ينتمون إليه، لان أبا الحسن الأشعري تلميذ شيخنا أبي علي، وأبو علي تلميذ أبي يعقوب الشحام، وأبو يعقوب تلميذ أبي الهذيل وأبو الهذيل تلميذ عثمان الطويل، وعثمان الطويل تلميذ واصل بن عطاء، فعاد الامر إلى انتهاء الأشعرية إلى علي عليه السلام، وأما الكرامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتابه المعروف بكتاب المقالات أن أصل مقالتهم وعقيدتهم تنتهي إلى علي عليه السلام من طريقين: أحدهما أنهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ إلى أن ينتهي إلى سفيان الثوري، ثم قال: وسفيان الثوري من الزيدية، ثم سأل نفسه فقال: إذا كان شيخكم الأكبر الذي تنتهون إليه زيديا فما بالكم أنتم لم تكونوا زيدية (2)؟ وأجاب بأن سفيان الثوري وإن اشتهر عنه الزيدية إلا أن تزيده إنما كان عبارة من موالاة أهل البيت وإنكار ما كان بنو أمية عليه من الظلم، وإجلال زيد بن علي وتعظيمه و تصويبه في أحكامه وأحواله، ولم ينقل عن سفيان الثوري أنه طعن في أحد من الصحابة.
الطريق الثاني أنه عد مشائخهم واحدا فواحدا حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب علي عليه السلام كسلمة بن كهيل وحبة العرني وسالم بن أبي
الجعد والفضل بن دكين وشعبة والأعمش وعلقمة وهبيرة بن مريم وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم. ثم قال: وهؤلاء أخذوا العلم من علي بن أبي طالب عليه السلام فهو رئيس أهل الجماعة - يعني أصحابه - وأقوالهم منقولة عنه ومأخوذة منه. وأما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضا مع طعنهم فيه، لأنهم أصحابه كانوا وعنه مرقوا بعد أن تعلموا عنه واقتبسوا منه، وهم شيعته وأنصاره بالجمل وصفين، ولكن الشيطان ران على قلوبهم وأعمى بصائرهم.
وقال في موضع آخر: أليس يعلم معاوية وغيره من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله قال له في ألف مقام: " أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت " ونحو ذلك من قوله:
" اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وقوله: " حربك حربي وسلمك سلمي " وقوله:
" أنت مع الحق والحق معك " وقوله: " هذا أخي " وقوله: " يحب الله و رسوله ويحبه الله ورسوله " وقوله: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك " وقوله:
" إنه ولي كل مؤمن بعدي " وقوله: " لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق " وقوله: " إن الجنة لتشتاق إلى أربعة " وجعله أولهم، وقوله لعمار: " تقتلك الفئة الباغية " وقوله: " ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي " إلى غير ذلك مما يطول تعداده جدا، ويحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له.
115 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي أنه قال: حدثني أبو ذر وسلمان والمقداد ثم سمعته من علي عليه السلام قالوا: إن رجلا فاخر علي بن أبي طالب عليه السلام فقال رسول الله لعلي عليه السلام: أي أخي فاخر العرب فأنت أكرمهم ابن عم، وأكرمهم أبا، وأكرمهم أخا، وأكرمهم نفسا وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم
عما، وأكرمهم غناء بنفسك ومالك، وأتمهم حلما، وأكثرهم علما، وأنت أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بسنن الله، وأشجعهم قلبا، وأجودهم كفا، وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم اجتهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا، وأحبهم إلى الله و إلي، وستبقى بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم قريش، ثم تجاهد في سبيل الله إذا وجدت أعوانا، تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله الناكثين و القاسطين والمارقين من هذه الأمة، تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك، قاتلك يعدل عاقر الناقة في البغض إلى الله والبعد من الله، ويعدل قاتل يحيى بن زكريا وفرعون ذا الأوتاد.
قال أبان: وحدثت بهذا الحديث الحسن البصري عن أبي ذر قال: صدق أبو ذر ولعلي بن أبي طالب عليه السلام السابقة في الدين والعلم، وعلى الحكمة والفقه، وعلى الرأي والصحبة، وعلى الفضل في البسطة وفي العشيرة، وفي الصهر وفي النجدة، وفي الحرب وفي الجود وفي الماعون وعلى العلم بالقضاء، وعلى القرابة وعلى البلاء، إن عليا في كل أمره علي، وصلى عليه ثم بكى حتى بل لحيته، فقلت له: يا أبا سعيد أتقول ذلك لاحد غير النبي إذا ذكرته؟ قال: ترحم على المسلمين إذا ذكرتهم وتصلي على آل محمد صلى الله عليه وآله وإن عليا خير آل محمد، فقلت:
يا أبا سعيد خير من حمزة وجعفر وخير من فاطمة والحسن والحسين؟ فقال: إي والله إنه لخير منهم، ومن يشك أنه خير منهم؟ ثم إنه قال: لم يجر عليهم
اسم شرك ولا كفر ولا عبادة صنم ولا شرب خمر، وعلي خير منهم بالسبق إلى الاسلام والعلم بكتاب الله وسنة نبيه، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: " زوجتك خير أمتي " فلو كان في الأمة خير منه لاستثناه، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين أصحابه وآخى بين علي وبين نفسه، فرسول الله صلى الله عليه وآله خيرهم نفسا وخيرهم أخا، و نصبه يوم غدير خم للناس، وأوجب له الولاية على الناس مثل ما أوجب لنفسه، وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " ولم يقل ذلك لاحد من أهل بيته ولا لاحد من أمته غيره، في سوابق كثيرة ليس لأحد من الناس مثلها.
فقلت له: من خير هذه الأمة بعد علي؟ قال: زوجته وابناه، قلت: ثم من؟ قال: ثم جعفر وحمزة خير الناس وأصحاب الكساء الذين نزلت فيه آية التطهير، ضم فيه صلى الله عليه وآله نفسه وعليا وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: " هؤلاء ثقلي وعترتي في أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: أدخلني معك في الكساء، فقال لها: يا أم سلمة أنت بخير وإلى خير، وإنما نزلت هذه الآية في وفي هؤلاء، فقلت: الله يا با سعيد ما ترويه في علي عليه السلام وما سمعتك تقول فيه، قال يا أخي أحقن بذلك دمي بين هؤلاء الجبابرة الظلمة - لعنهم الله - يا أخي لولا ذلك لقد شالت بي الخشب، ولكني أقول ما سمعت فيبلغهم ذلك فيكفون عني وإنما أعني ببغض علي غير علي بن أبي طالب عليه السلام فيحسبون أني لهم ولي، قال الله عز وجل: " ادفع بالتي هي أحسن " هي التقية.
116 - ومن الكتاب المذكور عن أبان عن سليم قال: قلت لأبي ذر: حدثني رحمك
الله بأعجب ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقوله في علي بن أبي طالب عليه السلام قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن حول العرش لتسعين ألف ملك ليس لهم تسبيح ولا عبادة إلا الطاعة لعلي بن أبي طالب عليه السلام والبراءة من أعدائه و الاستغفار لشيعته، قلت: فغير هذا رحمك الله، قال: سمعته يقول: إن الله خص جبرئيل و ميكائيل وإسرافيل بطاعة علي والبراءة من أعدائه والاستغفار لشيعته، قلت: فغير هذا رحمك الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لم يزل الله يحتج بعلي في كل أمة فيها نبي مرسل، وأشهدهم معرفة لعلي أعظمهم درجة عند الله، قلت: فغير هذا رحمك الله، قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لولا أنا وعلي ما عرف الله ولولا أنا وعلي ما عبد الله، ولولا أنا وعلي ما كان ثواب ولا عقاب، ولا يستر عليا عن الله ستر ولا يحجبه عن الله حجاب، وهو الستر والحجاب فيما بين الله وبين خلقه.
قال سليم: ثم سألت المقداد فقلت: حدثني رحمك الله بأفضل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
إن الله توحد بملكه فعرف أنواره نفسه، ثم فوض إليهم وأباحهم جنته، فمن أراد أن يطهر قلبه من الجن والإنس عرفه ولاية علي بن أبي طالب، ومن أراد أن يطمس على قلبه أمسك عنه معرفة علي بن أبي طالب، والذي نفسي بيده ما استوجب آدم أن يخلقه الله وينفخ فيه من روحه وأن يتوب عليه ويرده إلى جنته إلا بنبوتي والولاية لعلي بعدي، والذي نفسي بيده ما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ولا اتخذه خليلا إلا بنبوتي والاقرار لعلي بعدي، والذي نفسي بيده ما كلم الله موسى تكليما ولا أقام عيسى آية للعالمين إلا بنبوتي ومعرفة علي بعدي، والذي نفسي بيده ما تنبأ نبي إلا بمعرفتي والاقرار لنا بالولاية، ولا استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية له والاقرار لعلي بعدي.
ثم سكت فقلت: غير هذا رحمك الله، قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي ديان هذه الأمة والشاهد عليها والمتولي لحسابها، وهو صاحب السنام الأعظم، و طريق الحق الأبهج والسبيل، وصراط الله المستقيم، به يهتدى بعدي من الضلالة ويبصر به من العمى، به ينجو الناجون، ويجار من الموت، ويؤمن من الخوف، ويمحى به السيئات، ويدفع الضيم، وينزل الرحمة، وهو عين الله الناظرة، وأذنه السامعة ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرحمة، ووجهه في السماوات والأرض، وجنبه الظاهر اليمين، وحبله القوي المتين، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وبابه الذي يؤتى منه، وبيته الذي من دخله كان آمنا، وعلمه على الصراط في بعثه، من عرفه نجا إلى الجنة، ومن أنكره هوى إلى النار.
وعنه عن سليم قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: إن عليا عليه السلام باب فتحه الله، من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا. 117 - الاختصاص: حدثنا عبيد الله، عن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان، عن محمد بن علي بن الفضل بن عامر الكوفي، عن الحسين بن محمد بن الفرزدق عن محمد بن علي بن عمرويه، عن الحسن بن موسى، عن علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحاب ابن دأب قال: لقيت الناس يتحدثون أن العرب كانت تقول: إن يبعث الله
فينا نبيا يكون في بعض أصحابه سبعون خصلة من مكارم الدنيا والآخرة، فنظروا و فتشوا هل يجتمع عشر خصال في واحد فضلا عن سبعين، فلم يجدوا خصالا مجتمعة للدين والدنيا، ووجدوا عشر خصال مجتمعة في الدنيا وليس في الدين منها شئ ووجدوا زهير بن حباب الكلبي ووجدوه شاعرا طبيبا فارسا منجما شريفا أيدا كاهنا قائفا عائفا راجزا، وذكروا أنه عاش ثلاثمائة سنة، وأبلى أربعة لحم.
قال ابن دأب: ثم نظروا وفتشوا في العرب - وكان الناظر في ذلك أهل النظر - فلم يجتمع في أحد خصال مجموعة للدين والدنيا بالاضطرار على ما أحبوا و كرهوا إلا في علي بن أبي طالب عليه السلام فحسدوه عليها حسدا أنغل القلوب وأحبط الأعمال، وكان أحق الناس وأولاهم بذلك، إذ هدم الله عز وجل به بيوت المشركين ونصر به الرسول، واعتز به الدين في قتله من قتل من المشركين في مغازي النبي صلى الله عليه وآله.
قال ابن دأب: فقلنا لهم: وما هذه الخصال؟ قالوا: المواساة للرسول صلى الله عليه وآله وبذل نفسه دونه، والحفيظة، ودفع الضيم عنه، والتصديق للرسول بالوعد، و الزهد، وترك الامل، والحياء، والكرم، والبلاغة في الخطب، والرئاسة، والحلم والعلم، والقضاء بالفصل، والشجاعة، وترك الفرج عند الظفر، وترك إظهار المرح وترك الخديعة والمكر والغدر، وترك المثلة وهو يقدر عليها، والرغبة الخالصة إلى الله، وإطعام الطعام على حبه، وهو ان ما ظفر به من الدنيا عليه، وتركه أن يفضل نفسه وولده على أحد من رعيته، وطعمه أدنى ما تأكل الرعية، ولباسه
أدنى ما يلبس أحد من المسلمين، وقسمه بالسوية، وعدله في الرعية، والصرامة في حربه وقد خذله الناس فكان في خذل الناس وذهابهم عنه بمنزلة اجتماعهم عليه طاعة لله وانتهاء إلى أمره والحفظ وهو الذي تسميه العرب العقل حتى سمي أذنا واعية، والسماحة، وبث الحكمة، واستخراج الكلمة، والابلاغ في الموعظة وحاجة الناس إليه إذا حضر حتى لا يؤخذ إلا بقوله، وانفلاق ما في الأرض على الناس حتى يستخرجه، والدفع عن المظلوم، وإغاثة الملهوف، والمروءة، و عفة البطن والفرج، وإصلاح المال بيده ليستغني به عن مال غيره، وترك الوهن و الاستكانة، وترك الشكاية في موضع ألم الجراحة، وكتمان ما وجد في جسده من الجراحات من قرنه إلى قدمه وكانت ألف جراحة في سبيل الله، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود ولو على نفسه، وترك الكتمان فيما لله فيه الرضى على ولده، وإقرار الناس بما نزل به القرآن من فضائله، وما يحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقبه واجتماعهم على أنه لم يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة قط، ولم يرتعد فرائصه في موضع بعثه فيه قط، و شهادة الذين كانوا في أيامه أنه وتر فيهم، وظلف نفسه عن دنياهم، ولم يرز شيئا في أحكامهم، وزكاء القلب، وقوة الصدر عندما حكمت الخوارج عليه، و هرب كل من كان في المسجد وبقي على المنبر وحده، وما يحدث الناس أن الطير بكت عليه، وما روي عن ابن شهاب الزهري أن حجارة أرض بيت المقدس قلبت عند قتله فوجد تحتها دم عبيط، والامر العظيم حتى تكلمت به الرهبان وقالوا فيه ودعاؤه الناس إلى أن يسألونه عن كل فتنة تضل مائة أو تهدي مائة، وما روى الناس
من عجائبه في إخباره عن الخوارج وقتلهم، وتركه مع هذا أن يظهر منه استطالة أو صلف بل كان الغالب عليه إذا كان ذلك غلبة البكاء عليه والاستكانة لله، حتى يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا البكاء يا علي؟ فيقول: أبكي لرضا رسول الله صلى الله عليه وآله عني، قال: فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله و ملائكته ورسوله عنك راضون، وذهاب البرد عنه في أيام البرد، وذهاب الحر عنه في أيام الحر، فكان لا يجد حرا ولا بردا، والتأبيد بضرب السيف في سبيل الله، والجمال قال: أشرف يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما ظننت إلا أنه أشرف علي القمر ليلة البدر، ومباينته للناس في إحكام خلقه، قال: وكان له سنام كسنام الثور، بعيد ما بين المنكبين، وإن ساعديه لا يستبينان من عضديه من إدماجهما من إحكام الخلق لم يأخذ بيده أحدا إلا حبس نفسه، فإن زاد قليلا قتله.
قال ابن دأب: فقلنا: أي شئ معنى أول خصاله بالمواساة؟ قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله له: إن قريشا قد أجمعوا على قتلي فنم على فراشي، فقال: بأبي أنت وأمي السمع والطاعة لله ولرسوله، فنام على فراشه ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله لوجهه، وأصبح علي وقريش يحرسه، فأخذوه فقالوا: أنت الذي غدرتنا منذ الليلة فقطعوا له قضبان الشجر فضرب حتى كادوا يأتون على نفسه، ثم أفلت من أيديهم وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الغار أن أكثر ثلاثة أبا عر واحدا لي وواحدا لأبي بكر وواحدا للدليل، واحمل أنت بناتي إلى أن تلحق بي، ففعل.
قال: فما الحفيظة والكرم؟ قال: مشى على رجليه وحمل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله على الظهر، وكمن النهار وسار بهن الليل ماشيا على رجليه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تفلقت قدماه دما ومدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
هل تدري ما نزل فيك؟ فأعلمه بما لا عوض له لو بقي في الدنيا ما كانت الدنيا باقية، قال: يا علي نزل فيك: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " فالذكر أنت والإناث بنات رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله تبارك و تعالى: " فالذين هاجروا " في سبيل الله " واخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي و قاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ".
قال: فما دفع الضيم؟ قال: حيث حصر رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب حتى أنفق أبو طالب ماله، ومنعه في بضع عشرة قبيلة من قريش، وقال أبو طالب في ذلك لعلي عليه السلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وآله في أموره وخدمته وموازرته ومحاماته.
قال: فما التصديق بالوعد؟ قال: قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بالثواب والذخر وجزيل المآب لمن جاهد محسنا بماله ونفسه ونيته، فلم يتعجل شيئا من ثواب الدنيا عوضا من ثواب الآخرة، لم يفضل نفسه على أحد للذي كان منه وترك ثوابه ليأخذه مجتمعا كاملا يوم القيامة، وعاهد الله أن لا ينال من الدنيا إلا قدر البلغة، ولا يفضل له شئ مما أتعب فيه بدنه ورشح فيه جبينه إلا قدمه قبله فأنزل الله: " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ".
قال: فقيل له: فما الزهد في الدنيا؟ قالوا: لبس الكرابيس وقطع ما جاز من أنامله وقصر طول كمه وضيق أسفله، كان طول الكم ثلاثة أشبار و
أسفله اثني عشر شبرا وطول البدن ستة أشبار.
قال: قلنا فما ترك الامل؟ قال: قيل له: هذا قد قطعت ما خلف أنا ملك فما لك لا تلف كمك؟ قال: الامر أسرع من ذلك، فاجتمعت إليه بنو هاشم قاطبة وسألوه وطلبوا إليه لما وهب لهم لباسه ولبس لباس الناس وانتقل عما هو إليه من ذلك فكان جوابه لهم البكاء والشهق، وقال: بأبي وأمي من لم يشبع من خبز البر حتى لقي الله، وقال لهم: هذا لباس هدى يقنع به الفقير ويستر به المؤمن.
قالوا: فما الحياء؟ قال: لم يهجم على أحد قط أراد قتله فأبدى عورته إلا كف عنه حياء منه.
قال: فما الكرم؟ قال: له سعد بن معاذ وكان نازلا عليه في العزاب في أول الهجرة: ما منعك أن تخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته؟ فقال عليه السلام: أنا أجترئ أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ والله لو كانت أمة له ما اجترأت عليه، فحكى سعد مقالته لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قل له يفعل فإني سأفعل، قال:
فبكى حيث قال له سعد، قال: ثم قال: لقد سعدت إذا إن جمع الله لي صهره مع قرابته، فالذي يعرف من الكرم هو الوضع لنفسه وترك الشرف على غيره، وشرف أبي طالب ما قد علمه الناس، وهو ابن عم رسول الله لأبيه وأمه، أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم التي خاطبها رسول الله صلى الله عليه وآله في لحدها، و كفنها في قميصه، ولفها في ردائه، وضمن لها على الله أن لا تبلى أكفانها، وأن لا يبدي لها عورة، ولا يسلط عليها ملك القبر، وأثنى عليها عند موتها،
وذكر حسن صنيعها به وتربيتها له وهو عند عمه أبي طالب، وقال: ما نفعني نفعها أحد.
ثم البلاغة قام الناس إليه حيث نزل من المنبر فقالوا: ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحدا قط أبلغ منك ولا أفسح، فتبسم وقال: وما يمنعني وأنا مولد مكي، ولم يزدهم على هاتين الكلمتين.
ثم الخطب فهل سمع السامعون من الأولين والآخرين بمثل خطبه وكلامه؟
وزعم أهل الدواوين لولا كلام علي بن أبي طالب عليه السلام وخطبه وبلاغته في منطقه ما أحسن أحد أن يكتب إلى أمير جند ولا إلى رعية، ثم الرئاسة فجميع من قاتله ونابذه على الجهالة والعمى والضلالة، فقالوا:
نطلب دم عثمان ولم يكن في أنفسهم ولا قدروا من قلوبهم أن يدعوا رئاسته معه، و قال هو: أنا أدعوكم إلى الله وإلى رسوله بالعمل بما أقررتم لله ورسوله من فرض الطاعة وإجابة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاقرار بالكتاب والسنة.
ثم الحلم قالت له صفية بنت عبد الله بن خلف الخزاعي: أيم الله نساءك منك كما أيمت نساءنا، وأيتم الله بنيك منك كما أيتمت أبناءنا من آبائهم، فوثب الناس عليها فقال: كفوا عن المرأة، فكفوا عنها، فقالت لأهلها: ويلكم الذين قالوا هذا سمعوا كلامه قط عجبا من حلمه عنها.
ثم العلم فكم من قول قد قاله عمر: لولا علي لهلك عمر.
ثم المشورة في كل أمر جرى بينهم حتى يجيئهم بالمخرج.
ثم القضاء لم يتقدم إليه أحد قط فقال له: عد غدا أو دفعه، إنما يفصل القضاء مكانه، ثم لو جاءه بعد لم يكن إلا ما بدر منه أولا.
ثم الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون من النجدة والبأس ومباركة الأخماس على أمر لم ير مثله، لم يول دبرا قط، ولم يبرز إليه أحد قط إلا قتله، ولم يكع عن أحد قط دعاه إلى مبارزته، ولم يضرب أحدا قط في الطول إلا قده، ولم يضربه في العرض إلا قطعه بنصفين، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على فرس فقال: بأبي أنت وأمي أنا، مالي وللخيل؟ أنا لا أتبع أحدا ولا أفر من أحد وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلا للذي أرتدي له.
ثم ترك الفرح وترك المرح، أتت البشرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل من قتل يوم أحد من أصحاب الألوية فلم يفرح ولم يختل، وقد اختال أبو دجانة و مشى بين الصفين مختالا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع.
ثم لما صنع بخيبر ما صنع من قتل مرحب وفرار من فربها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا عطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله و رسوله ليس بفرار فاختاره أنه ليس بفرار معرضا بالقوم الذين فروا قبله، فافتتحها وقتل مرحبا وحمل بابها وحده، فلم يطقه دون أربعين رجلا، فبلغ ذلك رسول الله
صلى الله عليه وآله فنهض مسرورا، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل إليه انكفأ إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بلغني بلاؤك فأنا عنك راض، فبكى علي عليه السلام عند ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أمسك ما يبكيك؟ فقال: ومالي لا أبكي ورسول - الله صلى الله عليه وآله عني راض فقال له رسول الله: فإن الله وملائكته ورسوله عنك راضون وقال له: لولا أن تقول فيك الطوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملاء من المسلمين قلوا أو كثروا إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يطلبون بذلك البركة.
ثم ترك الخديعة والمكر والغدر، اجتمع الناس عليه جميعا فقالوا له:
اكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثم اعزله، فقال: المكر والخديعة والغدر في النار.
ثم ترك المثلة، قال للحسن ابنه: يا بني اقتل قاتلي وإياك والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كرهها ولو بالكلب العقور.
ثم الرغبة بالقربة إلى الله بالصدقة، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ما عملت في ليلتك؟ قال: ولم يا رسول الله؟ قال: نزلت فيك أربعة معالي، قال: بأبي أنت وأمي كانت معي أربعة دراهم فتصدقت بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، قال: فإن الله أنزل فيك " الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ثم قال له: فهل عملت شيئا غير هذا؟ فإن الله قد أنزل علي سبعة عشر آية يتلو بعضها بعضا من قوله: " إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا "
إلى قوله: " إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ". قوله: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " قال: فقال العالم: أما إن عليا لم يقل في موضع: " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " ولكن الله علم من قلبه أنما أطعم لله، فأخبره بما يعلم من قلبه من غير أن ينطق به.
ثم هوان ما ظفر به من الدنيا عليه إنه جمع الأموال ثم دخل إليها فقال:
هذا جناي وخياره فيه * وكل جان يده إلى فيه ابيضي واصفري وغري غيري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك. وقال: أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة.
ثم ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام، دخلت عليه أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هانئ مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين؟ فقالت: عشرين درهما، فانصرفت مسخطة، فقال لها : انصرفي رحمك الله ما وجدنا في كتاب الله فضلا لإسماعيل على إسحاق، وبعث إليه من خراسان بنات كسرى فقال لهن: أزوجكن؟ فقلن له:
لا حاجة لنا في التزويج فإنه لا أكفاء لنا إلا بنوك فإن زوجتنا منهم رضينا، فكره أن يؤثر ولده بما لا يعم به المسلمين، وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمته، فقالت له ابنته أم كلثوم: يا أمير المؤمنين أتجمل به ويكون في عنقي؟ فقال لها: يا با رافع أدخله إلى بيت المال ليس إلى ذلك سبيل حتى لا تبقى امرأة من المسلمين إلا ولها مثل مالك. وقام خطيبا بالمدينة حين ولي فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار يا معشر قريش اعلموا والله أني لا أرزؤكم
من فيكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب، أفتروني مانعا نفسي وولدي ومعطيكم؟
ولا سوين بين الأسود والأحمر، فقام إليه عقيل بن أبي طالب فقال: لتجعلني و أسودا من سودان المدينة واحدا؟ فقال له: اجلس رحمك الله تعالى أما كان ههنا من يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليه إلا بسابقة أو تقوى.
ثم اللباس، استعدى زياد بن شداد الحارثي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله على أخيه عبد الله بن شداد فقال: يا أمير المؤمنين ذهب أخي في العبادة وامتنع أن يساكنني في داري ولبس أدنى ما يكون من اللباس، قال: يا أمير المؤمنين تزينت بزينتك ولبست لباسك، قال: ليس لك ذلك، إن إمام المسلمين إذا ولي أمورهم لبس لباس أدنى فقيرهم لئلا يتبيغ بالفقير فقره فيقتله، فلأعلمن ما لبست إلا من أحسن زي قومك " وأما بنعمة ربك فحدث " فالعمل بالنعمة أحب من الحديث بها.
ثم القسم بالسوية والعدل في الرعية، ولى بيت مال المدينة عمار بن ياسر وأبا الهيثم بن التيهان فكتب: العربي والقرشي والأنصاري والعجمي وكل من في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم، فأتاه سهل بن حنيف بمولى له أسود
فقال: كم تعطي هذا؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: كم أخذت أنت؟ قال : ثلاثة دنانير وكذلك أخذ الناس، قال: فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير، فلما عرف الناس أنه لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى عند الله أتى طلحة والزبير عمار بن ياسر وأبا الهيثم بن التيهان فقالا: يا أبا اليقظان استأذن لنا على صاحبك، قال:
وعلي صاحبي إذن قد أخذ بيد أجيره وأخذ مكتله ومسحاته وذهب يعمل في نخلة في بئر الملك وكانت بئر لتبع سميت بئر الملك، فاستخرجها علي بن أبي طالب عليه السلام وغرس عليها النخل، فهذا من عدله في الرعية وقسمه بالسوية.
قال ابن دأب: فقلنا: فما أدنى طعام الرعية؟ فقال: يحدث الناس أنه كان يطعم الخبز واللحم ويأكل الشعير والزيت، ويختم طعامه مخافة أن يزاد فيه، وسمع مقلى في بيته فنهض وهو يقول في ذمة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر (4)؟
قال: ففزع عياله وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزور في حيها فاخذ لها نصيب منها فأهدى أهلها إليها، قال: فكلوا هنيئا مريئا، قال: فيقال:
إنه لم يشتكي المرأة إلا شكوى الموت، وإنما خاف أن يكون هدية من بعض الرعية، وقبول الهدية لو إلي المسلمين خيانة للمسلمين.
قال: قيل فالصرامة؟ قال: انصرف من حربه فعسكر في النخيلة وانصرف الناس إلى منازلهم واستأذنوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين كلت سيوفنا وتنصلت
أسنة رماحنا، فائذن لنا ننصرف فنعيد بأحسن من عدتنا، وأقام هو بالنخيلة وقال:
إن صاحب الحرب الارق الذي لا يتوجد من سهر ليله وظماء نهاره ولا فقد نسائه وأولاده، فلا الذي انصرف فعاد فرجع إليه، ولا الذي أقام فثبت معه في عسكره أقام، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فصعد المنبر فقال: لله أنتم ما أنتم إلا أسد الشرا في الدعة وثعالب رواغة ما أنتم بركن يصال به ولا ذو أثر يعتصر إليها، أيها المجتمعة أبدانهم والمختلفة أهواؤهم ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من ماشاكم مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ وأي دار بعد داركم تمنعون؟ فكان في آخر حربه أشد أسفا وغيظا وقد خذله الناس.
قال: فما الحفظ؟ قال: هو الذي تسميه العرب العقل، لم يخبره رسول الله صلى الله عليه وآله بشئ قط إلا حفظه، ولا نزل عليه شئ قط إلا عني به ولا نزل من أعاجيب السماء شئ قط إلى الأرض إلا سأل عنه حتى نزل فيه " وتعيها اذن واعية " و أتى يوما باب النبي صلى الله عليه وآله وملائكته يسلمون عليه وهو واقف حتى فرغوا، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله سلم عليك أربعمائة ملك ونيف، قال:
وما يدريك؟ قال: حفظت لغاتهم، فلم يسلم عليه صلى الله عليه وآله ملك إلا بلغة غير لغة صاحبه قال السيد:
فظل يعقد بالكفين مستمعا * كأنه حاسب من أهل دارينا أدت إليه بنوع من مفادتها * سفائن الهند معلقن الربابينا قال ابن دأب: " وأهل دارينا " قرية من قرى أهل الشام وأهل الجزيرة وأهلها أحسن قوم.
ثم الفصاحة وثب الناس إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين ما سمعنا أحدا قط أفصح منك ولا أعرب كلاما منك، قال: وما يمنعني وأنا مولدي بمكة، قال ابن دأب: فأدركت الناس وهم يعيبون كل من استعان بغير الكلام الذي يشبه الكلام الذي هو فيه ويعتبون الرجل الذي يتكلم ويضرب بيده على بعض جسده أو على الأرض أو يدخل في كلامه ما يستعين به فأدركت الأولى وهم يقولون كان عليه السلام يقوم فيتكلم بالكلام منذ ضحوة إلى أن تزول الشمس، لا يدخل في كلامه غير الذي تكلم به، ولقد سمعوه يوما وهو يقول:
والله ما أتيتكم اختيارا ولكن أتيتكم سوقا، أما والله لتصيرن بعدي سبايا سبايا يغيرونكم ويتغاير بكم، أما والله إن من ورائكم الأدبر لا تبقي ولا تذر، و النهاس الفراس القتال الجموح، يتوارثكم منهم عشرة يستخرجون كنوزكم
من حجالكم، ليس الآخر بأرأف بكم من الأول، ثم يهلك بينكم دينكم و دنياكم، والله لقد بلغني أنكم تقولون: إني أكذب، فعلى من أكذب؟ أعلى الله فأنا أول من آمن بالله، أم على رسوله فأنا أول من صدق به، كلا والله أيها اللهجة عمتكم شمسها ولم تكونوا من أهلها، وويل للأمة كيلا بغير ثمن لو أن له وعاء " ولتعلمن نبأه بعد حين " إني لو حملتكم على المكروه الذي جعل الله عاقبته خيرا إذا كان فيه وله، فإن استقمتم هديتم وإن تعوجتم أقمتم وإن أبيتم بدأت بكم لكانت الوثقى التي لا تعلى، ولكن بمن؟ وإلى من؟ أؤديكم بكم وأعاتبكم بكم، كناقش الشوكة بالشوكة أن يقطعها بها يا ليت لي من بعد قومي قوما وليت أن أسبق يومي.
هنالك لو دعوت أتاك منهم * رجال مثل أرمية الحمير
اللهم إن الفرات ودجلة نهران أعجمان أصمان أعميان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك وانزع منهما نصرك، لا النزعة باسكان الركي، دعوا إلى الاسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا اللقاح أولادها وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الرماح زحفا وصفا صفا، صف هلك وصف نجا، لا يبشرون بالنجاة ولا يقرون على الفناء أولئك إخواني الذاهبون فحق الثناء لهم إن بطئنا. ثم رأيناه وعيناه تذرفان وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " إلى عيشة بمثل بطن الحية، متى؟ لا متى لك منهم لامتي.
قال ابن دأب: هذا ما حفظت الرواة الكلمة وما سقط من كلامه أكثر و أطول مما لا يفهم عنه.
ثم الحكمة واستخراج الكلمة بالفطنة التي لم يسمعوها من أحد قط بالبلاغة في الموعظة، فكان مما حفظ من حكمته وصف رجلا أن قال: ينهي ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي، ويبتغي الازدياد فيما بقي، ويضيع ما أوتي، يحب الصالحين و لا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يبادر من الدنيا ما يفنى، ويذر من الآخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه، ولا يترك الذنوب في حياته.
قال ابن دأب: فهل فكر الخلق إلى ما هم عليه من الوجود بصفته إلى ما مال غيره (7)؟.
ثم حاجة الناس إليه وغناه عنهم، إنه لم ينزل بالناس ظلماء عمياء كان لها موضعا غيره، مثل مجيئ اليهود يسألونه ويتعنتونه، ويخبر بما في التوراة وما يجدون عندهم، فكم يهودي قد أسلم وكان سبب إسلامه هو.
وأما غناه عن الناس فإنه لم يوجد على باب أحد قط يسأله عن كلمة ولا يستفيد منه حرفا.
ثم الدفع عن المظلوم وإغاثة الملهوف، قال: ذكر الكوفيون أن سعيد بن قيس الهمداني رآه يوما في فناء حائط فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟ قال:
ما خرجت إلا لاعين مظلوما أو أغيث ملهوفا، فبينا هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها لا تدري أين تأخذ من الدنيا، حتى وقفت عليه فقالت: يا أمير المؤمنين ظلمني زوجي وتعدى علي وحلف ليضربني، فاذهب معي إليه، فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: حتى يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، وأين منزلك؟ قالت: في موضع كذا وكذا، فانطلق معها حتى انتهت إلى منزلها، فقالت: هذا منزلي، قال: فسلم، فخرج شاب عليه إزار ملونة، فقال عليه السلام: اتق الله فقد أخفت زوجتك. فقال: وما أنت وذاك والله لأحرقنها بالنار لكلامك، قال: وكان إذا ذهب إلى مكان أخذ الدرة بيده والسيف معلق تحت يده، فمن حل عليه حكم بالدرة ضربه، ومن حل عليه حكم بالسيف عاجله، فلم يعلم الشاب إلا وقد أصلت السيف وقال له: آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر وترد المعروف؟ تب وإلا قتلتك قال: وأقبل الناس من السكك يسألون عن أمير المؤمنين عليه السلام حتى وقفوا عليه قال: فاسقط في يده الشاب وقال: يا أمير المؤمنين اعف عني عفا الله عنك والله لأكونن أرضا تطأني، فأمرها بالدخول إلى منزلها وانكفأ وهو يقول: " لاخير في
كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " الحمد لله الذي أصلح بي بين مرأة وزوجها: يقول الله تبارك وتعالى: " لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ".
ثم المروءة وعفة البطن والفرج وإصلاح المال، فهل رأيتم أحدا ضرب الجبال بالمعاول فخرج منها مثل أعناق الجزر كلما خرجت عنق قال: بشر الوارث، ثم يبدو له فيجعلها صدقة بتلة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لينصرف النيران عن وجهه ويصرف وجهه عن النار ليس لأحد من أهل الأرض أن يأخذوا من نبات نخلة واحدة حتى يطبق كلما ساح عليه ماؤه.
قال ابن دأب: فكان يحمل الوسق فيه ثلاثمائة ألف نواة، فيقال له: ما هذا؟
فيقول: ثلاثمائة ألف نخلة إن شاء الله، فيغرس النوى كلها فلا يذهب منه نواة ينبع وأعاجيبها.
ثم ترك الوهن والاستكانة، إنه انصرف من أحد وبه ثمانون جراحة يدخل الفتائل من موضع ويخرج من موضع، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله عائدا وهو مثل المضغة على نطع، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله بكى وقال له: إن رجلا يصيبه هذا في الله لحق على الله أن يفعل به ويفعل، فقال مجيبا له وبكى: بأبي أنت وأمي الحمد لله الذي لم يرني وليت عنك ولا فررت، بأبي أنت وأمي كيف حرمت الشهادة؟
قال: إنها من ورائك إن شاء الله.
قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أبا سفيان قد أرسل موعده بيننا وبينكم
حمراء الأسد، فقال: بأبي أنت وأمي والله لو حملت على أيدي الرجال ما تخلفت عنك، قال: فنزل القرآن " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين " ونزلت الآية فيه قبلها " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ".
ثم ترك الشكاية في ألم الجراحة، شكت المرأتان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلقى وقالتا: يا رسول الله قد خشينا عليه مما تدخل الفتائل في موضع الجراحات من موضع إلى موضع وكتمانه ما يجد من الألم، قال: فعد ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا فكانت ألف جراحة من قرنه إلى قدمه صلوات الله عليه .
ثم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: خطب الناس فقال: أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرب أجلا ولا يؤخر رزقا. وذكروا أنه عليه السلام توضأ مع الناس في ميضأة المسجد فزحمه رجل فرمى به، فأخذ الدرة فضربه، ثم قال له: ليس هذا لما صنعت بي ولكن يجيئ من هو أضعف مني فتفعل به مثل هذا فتضمن.
قال: واستظل يوما في حانوت من المطر فنحاه صاحب الحانوت.
ثم إقامة الحدود ولو على نفسه وولده، أحجم الناس عن غير واحد من أهل الشرف والنباهة وأقدم هو عليهم بإقامة الحدود، فهل سمع أحد أن شريفا أقام عليه أحد حدا غيره؟ منهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب ومنهم قدامة بن مظعون ومنهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط شربوا الخمر فأحجم الناس عنهم وانصرفوا وضربهم بيده حيث خشي أن يبطل الحدود.
ثم ترك الكتمان على ابنته أم كلثوم، أهدى لها بعض الامراء عنبرا، فصعد المنبر فقال: أيها الناس إن أم كلثوم بنت علي خانتكم عنبرا، وأيم الله لو كانت سرقة لقطعتها من حيث أقطع نساءكم.
ثم القرآن وما يوجد فيه من مغازي النبي صلى الله عليه وآله مما نزل من القرآن وفضائله وما يحدث الناس مما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقبه التي لا تحصى.
ثم أجمعوا أنه لم يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة قط ولم يكع عن موضع بعثه، وكان يخدمه في أسفاره ويملا رواياه وقربه، ويضرب خباءه، ويقوم على رأسه بالسيف حتى يأمره بالقعود والانصراف، ولقد بعث غير واحد في استعذاب ماء من الجحفة وغلظ عليه الماء، فانصرفوا ولم يأتوا بشئ، ثم توجه هو بالراوية فأتاه بماء مثل الزلال، واستقبله أرواح فأعلم بذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: ذلك جبرئيل في ألف وميكائيل في ألف وإسرافيل في ألف، فقال السيد الشاعر:
أعني الذي سلم في ليلة * عليه ميكال وجبريل جبريل في ألف وميكال في * ألف ويتلوهم سرافيل ثم دخل الناس عليه قبل أن يستشهد بيوم فشهدوا جميعا أنه قد وفر فيئهم و ظلف عن دنياهم ولم يرتش في أحكامهم ولم يتناول من بيت مال المسلمين ما يساوي عقالا، ولم يأكل من مال نفسه إلا قدر البلغة، وشهدوا جميعا أن أبعد الناس منه
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.