بحارالانوار · المجلد السادس
32 - باب المباهلة وما ظهر فيها من الدلائل والمعجزات
ج ۲۱، ص ۲۷۶–۳۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في نزول الآيات: قيل: نزلت في وفد نجران السيد والعاقب ومن معهما، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: هل رأيت ولدا من غير ذكر؟
فنزلت " إن مثل عيسى " الآيات، فقرأها عليهم، عن ابن عباس وقتادة والحسن فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رحالهم قال لهم الأسقف: انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شئ، فلما كان من الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله آخذا بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يمشيان وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم فلما رأى النبي قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له: هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه وهذان ابنا بنته من علي، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم إليه، وتقدم رسول الله فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة، فرجع ولم يقدم على المباهلة فقال له السيد: ادن يا حارثة للمباهلة، قال: لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل علينا الحول والله وفي الدنيا نصراني يطعم الماء فقال الأسقف: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا، وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، ورسول الله صلى الله عليه وآله ضامن حتى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا، وروي أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم. نارا، ولما حال الحول على
النصارى حتى هلكوا كلهم، قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين وأسلما.
فرد الله سبحانه على النصارى قولهم في المسيح: إنه ابن الله فقال: " إن مثل عيسى عند الله " أي في خلق الله إياه من غير أب " كمثل آدم " في خلق الله إياه من غير أب ولا أم، فليس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك، فكيف أنكروا ذا، وأقروا بذلك؟
" خلقه من تراب " أي خلق عيسى من الريح ولم يخلق قبله أحدا من الريح، كما خلق آدم من التراب ولم يخلق أحدا قبله من التراب " ثم قال له " أي لآدم كما قيل لعيسى: " كن فيكون " أي فكان في الحال كما أراد " الحق " أي هذا هو الحق " من ربك " أضافه إلى نفسه تأكيدا وتعليلا " فلا تكن " أيها السامع " من الممترين " الشاكين " فمن حاجك " أي جادلك وخاصمك " فيه " أي في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " أي من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي وقيل: معناه فمن حاجك في الحق " فقل " يا محمد لهؤلاء النصارى : " تعالوا " أي هلموا إلى حجة أخرى فاصلة بين الصادق والكاذب " ندع أبناءنا وأبناءكم " أجمع المفسرون على أن المراد " بأبنائنا " الحسن والحسين عليهما السلام، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن ولد الابنة ابن علي الحقيقة، وقال ابن أبي علان وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أنهما عليهما السلام كانا مكلفين في تلك الحال، لان المباهلة لا يجوز إلا مع البالغين، وقال إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حد التعلق الأحكام الشرعية، وكان سنهما عليهما السلام في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل، على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة
ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله واختصاصهم به.
ومما يؤيده من الاخبار قول النبي صلى الله عليه وآله: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا.
" ونساءنا " اتفقوا على أن المراد به فاطمة عليها السلام، لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدل على تفضيل الزهراء عليها السلام على جميع النساء، ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه والله قال: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، وقال:
إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها.
وقد صح عن حذيفة أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ونساء أمتي وعن الشعبي عن مسروق، عن عائشة قالت: أسر النبي صلى الله عليه وآله إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها قالت: قال لي: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك. " ونساءكم " أي من شئتم من نسائكم " وأنفسنا " يعني عليا عليه السلام خاصة، ولا يجوز أن يكون المعني به النبي صلى الله عليه وآله لأنه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الانسان نفسه، وإنما يصح أن يدعو غيره وإذا كان قوله: " وأنفسنا " لابد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي عليه السلام، لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين وزوجته وولديه عليهم السلام في المباهلة، وهذا يدل على غاية الفضل وعلو الدرجة، والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه فيه أحد ولا يقاربه، ومما يعضده في الروايات ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن بعض أصحابه، فقال له قائل: فعلي؟ فقال: إنما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي.
وقوله صلى الله عليه وآله لبريدة: لا تبغض عليا فإنه مني وأنا منه، وإن الناس
خلقوا من شجر شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة. وقوله صلى الله عليه وآله بأحد وقد ظهر من نكايته في المشركين ووقايته إياه بنفسه حتى قال جبرئيل: يا محمد إن هذا لهي المواساة، فقال: يا جبرئيل إنه لمني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما " وأنفسكم " يعني من شئتم من رجالكم " ثم نبتهل " أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس، وقيل: نلتعن، فنقول: لعن الله الكاذب " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " منا، وفي هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي صلى الله عليه وآله لأنهم امتنعوا من المباهلة، وأقروا بالذل والخزي، وانقادوا لقبول الجزية، فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه، وكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال، ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لو باهلوه لما أدخل أولاده و خواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه عليهم. انتهى كلامه رفع الله مقامه.
ولنذكر هنا بعض ما ذكره المخالفون في تفسير تلك الآية ليكون أجلى للعمى وأبعد عن الارتياب، قال الزمخشري في الكشاف: " فمن حاجك " من النصارى " فيه " في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " أي من البينات الموجبة للعلم " تعالوا " هلموا، والمراد المجئ بالرأي والعزم، كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة " ندع أبناءنا وأبناءكم " أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة " ثم نبتهل " ثم نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، وبهله الله: لعنه وأبعده من رحمته، من قولك:
أبهله: إذا أهمله، وناقة باهل: لاصرار عليها، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا.
وروي أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر
النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاء كم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم، ولا ثبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فان أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى: إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا، فقال:
" فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فأبوا قال:
" فإني أناجزكم " فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال:
" والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا " وعن عايشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي ثم قال:
" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ".
فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، و
ذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته، وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستيصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس، مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله، لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك انتهى.
وروى إمامهم الرازي في تفسيره الروايتين في المباهلة والكساء مثل ما رواه الزمخشري إلى قوله " ويطهركم تطهيرا " ثم قال: واعلم أن هذه الرواية كأنها متفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث ثم قال: هذه الآية دلت على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الخصيمي، وكان متكلم الاثني عشرية، وكان يزعم أن عليا عليه السلام أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله، قال: والذي يدل عليه قوله تعالى: " وأنفسنا وأنفسكم " وليس المراد بقوله: " وأنفسنا " نفس محمد صلى الله عليه وآله لان الانسان لا يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب عليه السلام فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك
يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل، لقيام الدلائل على أن محمدا صلى الله عليه وآله كان نبيا، وما كان علي كذلك ولانعقاد الاجماع على أن محمدا صلى الله عليه وآله كان أفضل من علي فيبقى فيما سواه معمولا به، ثم الاجماع دل على أن محمدا صلى الله عليه وآله كان أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال، وتأكد الاستدلال بهذه الآية بالحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله: عليه السلام: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام " فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، وذلك يدل على أن عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الآية على أن عليا عليه السلام أفضل من سائر الصحابة، و ذلك لان الآية لما دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد صلى الله عليه وآله إلا فيما خصه الدليل وكان نفس محمد صلى الله عليه وآله أفضل من الصحابة فوجب أن يكون نفس علي أفضل من سائر صحابته. والجواب كما أنه انعقد الاجماع بين المسلمين على أن محمدا صلى الله عليه وآله أفضل من علي عليه السلام فكذلك انعقد الاجماع بينهم قبل ظهور هذا الانسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن عليا ما كان نبيا، فلزم القطع بأن ظاهر الآية مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وآله، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام انتهى.
أقول: انعقاد الاجماع على كون النبي أفضل ممن ليس بنبي مطلقا ممنوع، كيف وأكثر علماء الإمامية بل كلهم قائلون بأن أئمتنا عليهم السلام أفضل من سائر الأنبياء سوى نبينا صلى الله عليه وآله، ولو سلم فلا نسلم حجية مثل هذا الاجماع الذي لم يتحقق دخول المعصوم فيه كيف وأخبار أئمتنا عليهم السلام مستفيضة بخلافه، ولنعم ما فعل حيث أعرض عن الجواب في حق الصحابة إذ لم يجد عنه محيصا.
ثم قال: هذه الآية دلت على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله من وجهين: أحدهما أنه صلى الله عليه وآله خوفهم بنزول العذاب، ولو لم يكن واثقا بذلك لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه، لان بتقدير أن رغبوا في مباهلته ثم لا ينزل العذاب فحينئذ كان يظهر كذبه، فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم.
والثاني: أن القوم لما تركوا مباهلته فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته.
فإن قيل: لعلهم كانوا شاكين فتركوا مباهلته خوفا من أن يكون صادقا فينزل بهم ما ذكر من العذاب، قلنا: هذا مدفوع من وجهين، الأول: أن القوم كانوا يبذلون النفوس والأموال في المنازعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك.
الثاني: فقد نقل عن تلك النصارى أنهم قالوا: والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل، وإنه لو باهلتموه لحصل الاستيصال، وكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى انتهى كلامه.
وأما النيشابوري فقد ذكر في تفسيره الروايتين مثل ما مر، ثم قال بعد قوله:
" ويطهر كم تطهيرا " وهذه الرواية كالمتفق على صحتها، ثم ساق الكلام نحوا مما ساقه الرازي في الاستدلال والجواب، ثم قال: وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه، بل قدمهم في الذكر، وفيها أيضا دلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وآله، فإنه لو لم يكن واثقا بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستيصال.
وقال البيضاوي: بعد تفسير الآية وإيراد خبر المباهلة: وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته.
أقول: سيأتي تمام القول في الاستدلال بالآية والاخبار على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الأخبار المروية في هذا الباب في أبواب الآيات النازلة في شأنه عليه السلام.
وقال السيوطي في الدر المنثور: أخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة ابن عبد يشوع عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: " بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم و إسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام ". فلما قرأ الأسقف الكتاب قطع به وذعر ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شر حبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان أمر من أمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك، فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن
يبعثوا شرحبيل و عبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله فساء لهم وساءلوه، فلم يزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما عندي فيه شئ يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد، فأنزل الله هذه الآية:
" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم " إلى قوله: " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي عند ظهره، وخلفها علي، للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى امرأ مقبلا إن كان الرجل نبيا مرسلا فلعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن احكمه، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له: أنت وذاك، فتلقى شرحبيل رسول الله فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، قال: وما هو! قال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا جايز، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.
وقال السيد ابن طاووس رحمة الله في كتاب إقبال الأعمال: روينا بالأسانيد الصحيحة والروايات الصريحة إلى أبي المفضل محمد بن عبد المطلب الشيباني رحمه الله من كتاب المباهلة، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن اشناس من كتاب عمل ذي الحجة فيما رويناه بالطرق الواضحة عن ذوي الهمم الصالحة لا حاجة إلى ذكر أسمائهم لان المقصود ذكر كلامهم، قالوا: لما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وانقادت له العرب، وأرسل رسله ودعاته إلى الأمم وكاتب الملكين: كسرى وقيصر يدعوهما إلى الاسلام، وإلا أقرا بالجزية والصغار، وإلا أذنا بالحرب العوان أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم من بني عبد المدان، وجميع بني الحارث بن كعب ومن
ضوي إليهم ونزل بهم من دهماء الناس على اختلافهم هناك في دين النصرانية من الأروسية والسالوسية وأصحاب دين الملك والمارونية والعباد والنسطورية وأملأت قلوبهم على تفاوت منازلهم رهبة منه ورعبا، فإنهم كذلك من شأنهم إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله بكتابه، وهم عتبة بن غزوان، وعبد الله بن أمية، والهدير بن عبد الله أخو تيم بن مرة، وصهيب بن سنان أخو النمر بن قاسط يدعوهم إلى الاسلام، فإن أجابوا فإخوان، وإن أبوا واستكبروا فإلى حظة المخزية إلى أداء الجزية عن يد، فإن رغبوا عما دعاهم إليه من أحد المنزلين وعندوا فقد آذنهم على سواء، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقاتل قوما حتى يدعوهم، فازداد القوم لورود رسل نبي الله صلى الله عليه وآله وكتابه نفورا وامتزاجا، ففزعوا لذلك إلى بيعتهم العظمى، وأمروا ففرش أرضها، وألبس جدرها بالحرير والديباج، ورفعوا الصليب الأعظم. وكان من ذهب مرصع أنفذه إليهم قيصر الأكبر، وحضر ذلك بنو الحارث بن كعب وكانوا ليوث. الحرب، و فرسان الناس، قد عرفت العرب ذلك لهم في قديم أيامهم في الجاهلية، فاجتمع
القوم جميعا للمشورة والنظر في أمورهم، وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وأنمار ومن دنا منهم نسبا ودارا من قبائل سبأ، وكلهم قد روم أنفه أنفة وغضبا لقومهم، ونكص من تكلم منهم بالاسلام ارتدادا، فخاضوا وأفاضوا في ذكر المسير بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والنزول به بيثرب لمناجزته، فلما رأى أبو حارثة حصين بن علقمة أسقفهم الأول وصاحب مدارسهم وعلامهم، وكان رجلا من بني بكر بن وائل، ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة، ثم قام فيهم خطيبا معتمدا على عصا، و كانت فيه بقية وله رأي وروية، وكان موحدا يؤمن بالمسيح وبالنبي عليهما السلام، ويكنم ذلك من كفرة قومه وأصحابه، فقال: مهلا بني عبد المدان، مهلا استديموا العافية والسعادة، فإنهما مطويان في الهوادة، دبوا إلى قوم في هذا الامر دبيب الذر، وإياكم والسورة العجلي فإن البديهة بها لا تنجب، إنكم والله على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم، ألا إن النجاة مقرونة بالأناة، الإرب إحجام أفضل من إقدام، وكأين من قول أبلغ من صول، ثم أمسك فأقبل عليه كرز بن سبرة الحارثي، وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب، وفي بيت شرفهم والمعصب فيهم وأمير حروبهم، فقال: لقد انتفخ سحرك، واستطير قلبك أبا حارثة فظلت كالمسبوع اليراعة المهلوع تضرب لنا الأمثال، وتخوفنا النزال، لقد علمت وحق المنان بفضيلة الحفاظ بالنوء بالعبء وهو عظيم، ونلقح الحرب وهي عقيم نثقف أود الملك الجبار، ولنحن أركان الرايس وذي المنار اللذين شددنا ملكهما
فأي أيامنا تنكر، أم لأيها ويك تلمز (2)؟ فما أتى على آخر كلامه حتى انتظم نصل نبلة كانت في يده بكفه غيظا وغضبا وهو لا يشعر، فلما أمسك كرز بن سبرة أقبل عليه العاقب واسمه عبد المسيح بن شرجيل وهو يومئذ عميد القوم و أمير رأيهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون جميعا إلا عن قوله، فقال له: أفلح وجهك، و أنس ربعك وعز جارك، وامتنع ذمارك، ذكرت وحق مغبرة الجباه حسبا صميما وعيصا كريما وعزا قديما، ولكن أبا سبرة! لكل مقام مقال، ولكل عصر رجال والمرء بيومه أشبه منه بأمسه، وهي الأيام تهلك جيلا، وتديل قبيلا، والعافية أفضل جلباب، وللآفات أسباب، فمن أوكد أسبابها التعرض لأبوابها. ثم صمت العاقب مطرقا فأقبل عليه السيد واسمه أهتم بن النعمان وهو يومئذ أسقف نجران وكان نظير العاقب في علو المنزلة، وهو رجل من عاملة وعدادة في لخم، فقال له: سعد جدك وسما جدك أبا وائلة (7)! إن لكل لامعة ضياء، وعلى كل صواب نورا، ولكن لا يدركه وحق واهب العقل إلا من كان بصيرا، إنك أفضيت و هذان فيما تصرف بكما الكلمة إلى سبيلي حزن وسهل، ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق، والامر الوثيق إذا أصيب به مواضعه، ثم إن أخا قريش قد نجدكم لخطب عظيم، وأمر جسيم، فما عندكم فيه قولوا. وأنجزوا ، أبخوع وإقرار، أم نزوع؟ قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران: فعاد كرز بن سبرة لكلامه وكان كميا أبيا، فقال: أنحن نفارق دينا رسخت عليه عروقنا، و مضى عليه آباؤنا، وعرف ملوك الناس، ثم العرب ذلك، أنتهالك إلى ذلك، أم نقر بالجزية، وهي الخزية حقا؟ لا والله حتى نجرد البواتر من أغمادها، و
تذهل الحلائل عن أولادها، أو نشرق نحن ومحمد بدمائنا، ثم يديل الله عز وجل بنصره من يشاء، قال له السيد: أربع على نفسك وعلينا أبا سبرة!، فإن سل السيف يسل السيوف. وإن محمدا قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها، وملك رجالها وأعنتها، وجرت أحكامه في أهل الوبر منهم والمدر، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا أراكم والروح لو نهد لكم إلا وقد تصدع عنكم من حف معكم من هذه القبايل، فصرتم جفاء كأمس الذاهب، أو كلحم على وضم، وكان فيهم رجل يقال له: جهير بن سراقة البارقي من زنادقة نصارى العرب، وكان له منزلة من ملوك النصرانية، وكان مثواه بنجران، فقال له أبا سعاد: قل في أمرنا وأنجدنا برأيك، فهذا مجلس له ما بعده، فقال: فإني أرى لكم أن تقاربوا محمدا وتطيعوه في بعض ملتمسه عندكم، ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملتكم، إلى الملك الأكبر بالروم قيصر، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة، يعنى ملوك السودان:
ملك النوبة، وملك الحبشة، وملك علوه وملك الرعاوة، وملك الراحات ومريس والقبط، وكل هؤلاء كانوا نصارى، قال: وكذلك من ضوي إلى الشام وحل بها من ملوك غسان ولخم وجذام وقضاعة وغيرهم من ذوي يمنكم، فهم لكم عشيرة وموالي وأعوان، وفي الدين إخوان، يعني أنهم نصارى، وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم فقد صبت إلى دينهم قبائل تغلب بنت وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار، لتسر وفودكم، ثم لتخرق إليهم البلاد أغذاذا فيستصرخونهم لدينكم، فستنجدكم الروم وتسير إليكم الأساودة مسير أصحاب الفيل، وتقبل
إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن، فإذا وصلت الامداد واردة سرتم أنتم في قبائلكم وساير من ظافركم وبذل نصره وموازرته لكم حتى تضاهؤون من أنجدكم وأصرخكم من الأجناس والقبائل الواردة عليكم فأموا محمدا حتى تنيخوا به جميعا فسيعتق إليكم وافدا لكم من صبا إليه مغلوبا مقهورا، و ينعق به من كان منهم في مدرته مكثورا، فيوشك أن تصطلموا حوزته، وتطفؤوا جمرته، ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس، فلا تتمالك العرب حينئذ حتى تتهافت دخولا في دينكم، ثم لتعظمن بيعتكم هذه، ولتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة، هذا الرأي فانتهزوه، فلا رأي لكم بعده، فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ووقع منهم كل موقع، فكاد أن يتفرقوا على العمل به وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة، يدعى حارثة بن أثال على دين المسيح عليه السلام، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير وقال متمثلا:
متى ما تقد بالباطل الحق يأبه * وإن قدت بالحق الرواسي تنقد إذا ما أتيت الامر من غير بابه * ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي ثم استقبل السيد والعاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران بوجهه لم يخلط معهم غيرهم فقال: سمعا سمعا يا أبناء الحكمة، وبقايا حملة الحجة، إن السعيد والله من نفعته الموعظة، ولم يعش عن التذكرة، ألا وإني أنذركم وأذكركم قول مسيح الله عز وجل، ثم شرح وصيته ونصه على وصيه شمعون بن يوحنا وما يحدث على أمته من الافتراق، ثم ذكر عيسى عليه السلام وقال:
إن الله جل جلاله أوحى إليه فحد يا ابن أمتي كتابي بقوة ثم فسره لأهل سوريا بلسانهم، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم الذي لا أحول
ولا أزول، إني بعثت رسلي ونزلت كتبي رحمة ونورا وعصمة لخلقي، ثم إني باعث بذلك نجيب رسالتي أحمد صفوتي وخيرتي من بريتي البار قليطا عبدي أرسله في خلو من الزمان أبتعثه بمولده فاران من مقام إبراهيم عليه السلام أنزل عليه توراة حديثة، أفتح بها أعينا عمياء، وآذانا صماء، وقلوبا غلفا، طوبى لمن شهد أيامه، وسمع كلامه فآمن به، واتبع النور الذي جاء به فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه فإني وملائكتي نصلي عليه، قالوا:
فما أتى حارثة بن أثال على قوله هذا حتى أظلم بالسيد والعاقب مكانهما، و كرها ما قام به في الناس معربا ومخبرا عن المسيح عليه السلام بما أخبر وقدم من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله لأنهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفا بنجران، ووجها عند ملوك النصرانية جميعا، وكذلك عند سوقتهم وعربهم في البلاد فأشفقا أن يكون ذلك سببا لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما، وفسخا لمنزلتهما في الناس.
فأقبل العاقب على حارثة فقال: أمسك عليك يا حار، فإن راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله، ورب قول يكون بلية على قائله وللقلوب نفرات عند الاصداع بمضنون الحكمة فاتق نفورها، فلكل نبأ أهل، ولكل خطب محل، وإنما الدرك ما أخذلك بمواضي النجاة، وألبسك جنة السلامة، فلا تعدلن بهما حظا، فإني لم آلك لا أبالك نصحا، ثم أرم يعني أمسك. فأوجب السيد أن يشرك العاقب في كلامه فأقبل على حارثة فقال: إني لم أزل أتعرف لك فضلا " تميل إليه
الألباب، فإياك أن تقتعد مطية اللجاج، وأن توجف إلى آل السراب، فمن عذر بذلك فلست فيه أيها المرء بمعذور، وقد أغفلك أبو واثلة وهو ولي أمرنا و سيد حضرنا عتابا فأوله أعتابا، ثم تعلم أن ناجم قريش يعني رسول الله صلى الله عليه وآله يكون رزه قليلا ثم ينقطع، ويكون بعد ذلك قرن يبعث في آخره النبي المبعوث بالحكمة والبيان والسيف والسلطان، يملك ملكا مؤجلا، تطبق فيه أمته المشارق والمغارب، ومن ذريته الأمير الظاهر يظهر على جميع الملكات والأديان ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار، وذلك يا حار أمل من ورائه أمد، ومن دونه أجل فتمسك من دينك بما تعلم، وتمنع لله أبوك من انس متصرم بالزمان أو لعارض من الحدثان فإنما نحن ليومنا ولغد أهله.
فأجابه حارثة بن أثال فقال إيه عليك أبا قرة! فإنه لاحظ في يومه لمن لا درك له في غده، واتق الله تجد الله جل وتعالى بحيث لا مفزع إلا إليه، وعرضت مشيدا بذكر أبي واثلة فهو العزيز المطاع، الرحب الباع، وإليكما معا ملقى الرجال، فلو أضربت التذكرة عن أحد لتبريز فضل لكنتماه، لكنها أبكار الكلم تهدى لأربابها، ونصيحة كنتما أحق من أصفى بها إنكما مليكا ثمرات قلوبنا ووليا طاعتنا في ديننا، فالكيس الكيس يا أيها المعظمان عليكما به أرمقا ما بدهكما نواحيه واهجرا سنة التسويف فيما أنتما بعرضه، آثرا الله فيما آتاكما يؤثركما بالمزيد من فضله، ولا نخلدا فيما أظلكما إلى الونية، فإنه من أطال عنان الامن أهلكته العزة ومن اقتعد مطية الحذر كان بسبيل أمن من المتالف
ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به، ومن نصح لله عز وجل آنسه الله جل و تعالى بعز الحياة وسعادة المنقلب.
ثم أقبل على العاقب معاتبا فقال: وزعمت أبا واثلة أن راد ما قلت أكثر من قابله، وأنت لعمرو الله حري أن لا يؤثر هذا عنك. فقد علمت وعلمنا أمة الإنجيل معا بسيرة ما قام به المسيح عليه السلام في حواريه، ومن آمن له من قومه وهذه منك فهة لا يرحضها إلا التوبة والاقرار بما سبق به الانكار، فلما أتى على هذا الكلام صرف إلى السيد وجهه فقال: لا سيف إلا ذو نبوة، ولا عليم إلا ذو هفوة فمن نزع عن وهله وأقلع فهو السعيد الرشيد، وإنما الآفة في الاصرار وعرضت بذكر نبيين يخلقان، زعمت بعد ابن البتول، فأين يذهب بك عما خلد في الصحف من ذكرى ذلك؟ ألم تعلم ما انتبأ به المسيح عليه السلام في بني إسرائيل وقوله لهم: كيف بكم إذا ذهب بي إلى أبي وأبيكم وخلف بعد أعصار تخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب، قالوا: ومن هما يا مسيح الله؟ قال: نبي من ذرية إسماعيل عليهما السلام صادق، ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا، وأما الكاذب فله نبز يذكر به المسيح الدجال يملك فواقا، ثم يقتله الله بيدي إذا رجع بي.
قال حارثة: وأحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود أسوة لكم إنهم أنذروا بمسيحين: مسيح رحمة وهدى، ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال وأقبلوا على انتظاره، وأضربوا في الفتنة وركبوا نتجها ومن
قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم ونزع ملكتهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلة والصغار، وجعل منقلبهم إلى النار.
قال العاقب: فما أشعرك يا حار أن يكون هذا النبي المذكور في الكتب هو قاطن يثرب؟ ولعله ابن عمك صاحب اليمامة، فإنه يذكر من النبوة ما يذكر منها أخو قريش، وكلاهما من ذرية إسماعيل، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوته ويقرون له برسالته فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها؟.
قال حارثة: أجل والله، أجدها والله أكبر وأبعد مما بين السحاب والتراب وهي الأسباب التي بها وبمثلها تثبت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه، وأما صاحب اليمامة فليكفك فيه ما أخبركم به سفهاؤكم وعيركم والمنتجعة منكم أرضه ومن قدم من أهل اليمامة عليكم، ألم تخبركم جميعا عن رواد مسيلمة وسماعيه ومن أوفده صاحبهم إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعا بما تعرفوا هناك في بني قيلة وتبينوا به. قالوا: قدم علينا أحمد يثرب و بئارنا ثماد، ومياهنا ملحة، وكنا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب، فبصق في بعضها ومج في بعض فعادت عذابا محلولية، وجاش منهما ما كان ماؤها ثمادا، فحار بحرا قالوا: وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد، وعلى كلوم رجال ذوي جراح فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها، واندملت جراحهم فما ألموها في كثير مما أدوا ونبؤا عن محمد صلى الله عليه وآله من دلالة وآية، وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك فأنعم لهم كارها، وأقبل بهم إلى بعض بئارهم فمج فيها وكانت الركي معذوذبة فحارت
ملحا لا يستطاع. وبصق في بئر كان ماؤها وشلا فعادت فلم تبض بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت، وعلى جراح - أو قالوا: جراح آخر - فاكتسى جلده برصا، فقالوا لمسيلمة فيما أبصروا في ذلك منه واستبرؤه فقال:
ويحكم بئس الأمة أنتم لنبيكم، والعشيرة لابن عمكم، إنكم تحيفتموني يا هؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شئ مما سألتم، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بئاركم ومياهكم، هذا لمن كان منكم بي مؤمنا، وأما من كان مرتابا فإنه لا يزيده تفلتي عليه إلا بلاء، فمن شاء الآن منكم فليأت لأتفل في عينه وعلى جلده، قالوا: ما فينا وأبيك أحد يشاء ذلك، إنا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب وأضربوا عنه حمية لنسبه فيهم وتذمما لمكانه منهم.
فضحك السيد والعاقب حتى فحصا الأرض بأرجلهما، وقالا: ما النور و الظلام والحق والباطل بأشد تباينا وتفاوتا مما بين هذين الرجلين صدقا وكذبا.
قالوا: وكان العاقب أحب مع ما تبين من ذلك أن يشيد ما فرط من تفريطه مسيلمة ويؤثل منزلته ليجعله لرسول الله صلى الله عليه وآله كفؤا، استظهارا بذلك في بقاء عزه وما طار له من السمو في أهل ملته، فقال: ولئن فجر أخو بني حنيفة في زعمه أن الله عز وجل أرسله وقال من ذلك ما ليس له بحق فلقد بر في أن نقل قومه من عبادة الأوثان إلى الايمان بالرحمن.
قال حارثة: أنشدك بالله الذي دحاها، وأشرق باسمه قمراها، هل تجد فيما أنزل الله عز وجل في الكتب السالفة يقول الله عز وجل، " أنا الله لا إله إلا أنا ديان
يوم الدين، أنزلت كتبي، وأرسلت رسلي لأستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان وجعلتهم في بريتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي يهدون بوحيي وأمري، من أطاعهم أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، وإني لعنت وملائكتي في سمائي وأرضي واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي، أو عدل بي شيئا من بريتي، أو كذب بأحد من أنبيائي ورسلي، أو قال: أوحي إلى ولم أوح إليه شيئا، أو غمص سلطاني أو تقمصه متبرئا، أو أكمه عبادي وأضلهم عني، ألا وإنما يعبدني من عرف ما أريد من عبادتي وطاعتي من خلقي، فمن لم يقصد إلي من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته مني إلا بعدا.
قال العاقب: رويدك فأشهد لقد نبأت حقا.
قال حارثة: فما دون الحق من مقنع، ولا بعده لامرئ مفزع، ولذلك قلت الذي قلت.
فاعترضه السيد وكان ذا محال وجدال شديد فقال: ما أحرى وما أرى أخا قريش مرسلا إلا إلى قومه بني إسماعيل دينه " كذا " وهو مع ذلك يزعم أن الله عز وجل أرسله إلى الناس جميعا.
قال حارثة: أفتعلم أنت يا باقرة أن محمدا مرسل من ربه إلى قومه خاصة؟
قال: أجل، قال أتشهد له بذلك؟ قال: ويحك وهل يستطاع دفع الشواهد؟ نعم أشهد غير مرتاب بذلك، وبذلك شهدت له الصحف الدارسة، والانباء الخالية، فأطرق حارثة ضاحكا ينكت الأرض بسبابته.
قال السيد: ما يضحكك يا ابن أثال (7)؟ قال: عجبت فضحكت، قال:
أو عجب ما تسمع؟ قال: نعم العجب أجمع، أليس بالإله بعجيب من رجل أوتي أثرة من علم وحكمة يزعم أن الله عز وجل اصطفى لنبوته، واختص برسالته، وأيد بروحه وحكمته رجلا خراصا يكذب عليه ويقول: أوحي إلي ولم يوح إليه فيخلط كالكاهن كذبا بصدق، وباطلا بحق؟ فارتدع السيد وعلم أنه قد وهل فأمسك محجوجا.
قالوا: وكان حارثة بنجران جنيبا يعني غريبا، فأقبل العاقب عليه وقد قطعه ما فرط إلى السيد من قوله، فقال له: عليك أخا بني قيس بن ثعلبة، واحبس عليك ذلق لسانك، وما لم نزل تستحم لنا من مثابة سفهك، فرب كلمة يرفع صاحبها بها رأسا قد ألقته في قعر مظلمة، ورب كلمة لامت ورأبت قلوبا نغلة، فدع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك ما يتان اعتذاره، ثم اعلم أن لكل شئ صورة، وصورة الانسان العقل، وصورة العقل الأدب، والأدب أدبان طباعي ومرتاضي، فأفضلهما أدب الله جل جلاله ، ومن أدب الله سبحانه وحكمته أن يرى لسلطانه حق ليس لشئ من خلقه، لأنه الحبل بين الله وبين عباده، و السلطان اثنان، سلطان ملكة وقهر، وسلطان حكمة وشرع، فأعلاهما فوقا سلطان الحكمة، وقد ترى يا هذا أن الله عز وجل قد صنع لنا حتى جعلنا حكاما وقواما على ملوك ملتنا ومن بعدهم من حشوتهم وأطرافهم، فاعرف لذي الحق حقه أيها المرء وخلاك ذم، ثم قال: وذكرت أخا قريش وما جاء به من الآيات والنذر فأطلت وأعرضت ولقد بررت فنحن بمحمد عالمون، وبه جدا موقنون شهدت لقد انتظمت له الآيات والبينات سالفها وآنفها، إلا آية هي أشفاها و
أشرفها، وإنما مثلها فيما جاء به كمثل الرأس للمسجد، فما حال جسد لا رأس له؟
فأمهل رويدا نتجسس الاخبار ونعتبر الآثار ونستشف ما ألفينا مما أفضي إلينا فإن آنسنا الآية الجامعة الخانمة لديه فنحن إليه أسرع، وله أطوع، وإلا فاعلم ما تذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره ولا تغاير في حكمه.
قال له حارثة: قد ناديت فأسمعت، وقرعت فصدعت، وسمعت وأطعت فما هذه الآية التي أوحش بعد الآنسة فقدها، وأعقب الشك بعد البينة عدمها؟.
قال له العاقب: قد أثلجك أبو قرة بها، فذهبت عنها في غير مذهب وحاورتنا فأطلت في غير ما طائل حوارنا.
قال حارثة، وأنى ذلك فجلها الآن لي فداك أبي وأمي.
قال العاقب: أفلح من سلم للحق، وصدع به، ولم يرغب عنه، وقد أحاط به علما، فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون وما كان وما يكون فإنها استهلت بلسان كل أمة منهم معربة مبشرة ومنذرة بأحمد النبي العاقب الذي تطبق أمته المشارق والمغارب، يملك وشيعته من بعده ملكا مؤجلا، يستأثر مقتبلهم ملكا على الأحم منهم بذلك النبي تباعة وبيتا ويوسع من بعدهم أمتهم عدوانا وهضما، فيملكون بذلك سبتا طويلا حتى لا يبقى بجزيرة العرب بيت إلا و هو راغب إليهم أو راهب لهم، ثم يدال بعد لأي منهم ويشعث سلطانهم حدا حدا، وبيتا فبيتا حتى تجئ أمثال النغف من الأقوام فيهم، ثم يملك أمرهم
عليهم عبداؤهم وقنهم يملكون جيلا فجيلا يسيرون في الناس بالقعسرية حيطا خيطا، ويكون سلطانهم سلطانا عضوضا ضروسا، فتنتقص الأرض حينئذ من أطرافها، ويشتد البلاء وتشتمل الآفات حتى يكون الموت أعز من الحياة الحمر، أو أحب حينئذ إلى أحدهم من الحياة إلى المعافاة السليم، وما ذلك إلا لما يدهون به من الضر والضراء والفتنة العشواء، وقوام الدين يومئذ و زعماؤه يومئذ أناس ليسوا من أهله، فيمج الدين بهم، وتعفو آياته، ويدبر توليا وامحاقا، فلا يبقي منه إلا اسمه حتى ينعاه ناعيه، والمؤمن يومئذ غريب، و الديانون قليل ما هم، حتى يستأيس الناس من روح الله وفرجه إلا أقلهم، وتظن أقوام أن لن ينصر الله رسله ويحق وعده، فإذا بهم الشصائب والنقم، واخذ من جميعهم بالكظم، تلافى الله دينه، وراش عباده من بعد ما قنطوا برجل من ذرية نبيهم أحمد ونجله، يأتي الله عز وجل به من حيث لا يشعرون، تصلي عليه السماوات وسكانها، وتفرج به الأرض وما عليها، من سوام وطاير وأنام وتخرج له أمكم يعني الأرض بركتها وزينتها، وتلقي إليه كنوزها وأفلاذ كبدها حتى تعود كهيئتها على عهد آدم وترفع عنهم المسكنة والعاهات في عهده، والنقمات التي كانت تضرب بها الأمم من قبل، وتلقي في البلاد، الامنة، وتنزع حمة كل ذات حمة، ومخلب كل ذي مخلب، وناب كل ذي ناب، حتى أن الجويرية اللكاع لتلعب بالأفعوان فلا يضرها شيئا، وحتى يكون الأسد في الباقر كأنه راعيها، والذئب في البهم كأنه ربها، ويظهر الله عبده على الدين كله فيملك مقاليد الأقاليم إلى بيضاء الصين، حتى لا يكون على عهده، في الأرض أجمعها إلا دين الله الحق الذي ارتضاه لعباده، و بعث به آدم بديع فطرته، وأحمد خاتم رسالته، ومن بينهما من أنبيائه ورسله.
فلما أتى العاقب على اقتصاصه هذا أقبل عليه حارثة مجيبا فقال: أشهد:
بالله البديع يا أيها النبيه الخطير، والعليم الأثير، لقد ابتسم الحق بقيلك، و أشرق الجناب بعدل منطقك، وتنزلت كتب الله التي جعلها نورا في بلاده، و شاهدة على عباده بما اقتصصت من مسطورها حقا، فلم يخالف طرس منها طرسا ولا رسم من آياتها رسما، فما بعد هذا؟ قال: العاقب: فإنك زعمته أخا قريش، فكنت بما تأثر من هذا حق غالط، قال: وبم، ألم تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد قال العاقب: بلى لعمرو الله، ولكنهما نبيان رسولان، يعتقبان بين مسيح الله عز وجل وبين الساعة، اشتق اسم أحدهما من صاحبه محمد وأحمد بشر بأولهما موسى عليه السلام وبثانيهما عيسى عليه السلام، فأخو قريش هذا مرسل إلى قومه ويقفوه من بعده ذو الملك الشديد، والاكل الطويل، يبعثه الله عز وجل خاتما للدين، وحجة على الخلائق أجمعين، ثم يأتي من بعده فترة تتزايل فيها القواعد من مراسيها، فيعيدها الله عز وجل على الدين كله، فيملك هو والملوك الصالحون من عقبه جميع ما طلع عليه الليل والنهار، من أرض وجبل وبر وبحر، يرثون أرض الله عز وجل ملكا كما ورثها وملكها الأبوان: آدم ونوح عليهما السلام، يلقون وهم الملوك الأكابر في مثل هيئة المساكين بذاذة واستكانة، فأولئك الأكرمون الأماثل، لا يصلح عباد الله وبلاده إلا بهم، عليهم ينزل عيسى بن البشر عليه السلام على آخرهم بعد مكث طويل وملك شديد، لا خير في العيش بعدهم، لا خير في العيش بعدهم، وتردفهم رجراحة طغام
في مثل أحلام العصافير، عليهم تقوم الساعة، وإنما تقوم على شرار الناس وأخابثهم، فذلك الوعد الذي صلى به الله عز وجل على أحمد، كما صلى به على خليله إبراهيم في كثير مما لأحمد صلى الله عليه من البراهين والتأييد الذي خبرت به كتب الله الأولى.
قال حارثة: فمن الأثر المستقر عندك أبا واثلة في هذين الاسمين أنهما لشخصين، لنبيين مرسلين في عصرين مختلفين؟ قال العاقب: أجل، قال: فهل يتخالجك في ذلك ريب، أو يعرض لك فيه ظن؟ قال العاقب: كلا والمعبود، إن هذا لأجلي من بوح، وأشار له إلى جرم الشمس المستدير، فأكب حارثة مطرقا و جعل ينكت في الأرض عجبا، ثم قال: إنما الآفة أيها الزعيم المطاع أن يكون المال عند من يخزنه لا من ينفقه، والسلاح عند من يتزين به لا من يقاتل به، والرأي عند من يملكه لا من ينصره.
قال العاقب: لقد أسمعت يا حويرث فأقذعت، وطفقت فأقدمت فمه، قال: أقسم بالذي قامت السماوات والأرض بإذنه، وغلب الجبابرة بأمره إنهما اسمان مشتقان لنفس واحدة، ولنبي واحد، ورسول واحد، أنذر به موسى بن عمران وبشر به عيسى بن مريم، ومن قبلهما أشار به في صحف إبراهيم عليه السلام.
فتضاحك السيد يري قومه ومن حضرهم أن ضحكه هزؤ من حارثة وتعجبا وانتشط العاقب ذلك فأقبل على حارثة مؤنبا فقال: لا يغررك باطل أبي قرة فإنه وإن ضحك لك فإنما يضحك منك، قال حارثة: لئن فعلها لأنها لاحدى الدهارس أو سوءة أفلم تتعرفا، راجع الله بكما من موروث الحكمة، لا ينبغي
للحكيم أن يكون عباسا في غير أرب، ولا ضحاكا من غير عجب، أولم يبلغكما عن سيدكما المسيح قال: فضحك العالم في غير حينه غفلة من قلبه، أو سكرة ألهته عما في غده، قال السيد: يا حارثه إنه لا يعيش والله أحد بعقله حتى يعيش بظنه، وإذا أنا لم أعلم إلا ما رويت فلا علمت، أولم يبلغك أنت عن سيدنا المسيح علينا سلامه أن لله عبادا ضحكوا جهرا من سعة رحمة ربهم، وبكوا سرا من خيفة ربهم؟
قال: إذا كان هذا فنعم، قال فما هنا فلتكن مراجم ظنونك بعباد ربك، و عد بنا إلى ما نحن بسبيله، فقد طال التنازع والخصام بيننا يا حارثة، قالوا: وكان مجلسا ثالثا في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر في أمرهم.
فقال السيد: يا حارثة ألم ينبئك أبو واثلة بأفصح لفظ اخترق اذنا وعاد لك بمثله مخبرا فألفاك مع عزما تك بموارده حجرا، وها أنا ذا أؤكد عليك التذكرة بذلك من معدن ثالث فأنشدك الله وما أنزل إلى كلمة، من كلماته، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا إلى لسان العرب يعنى صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه أهل نجران، قال السيد: ألم يقل بعد نبذ طويل من كلام: فإذا طبقت وقطعت الأرحام وعفت الاعلام بعث الله عبده الفارقليطا بالرحمة والمعدلة، قالوا: وما الفارقليطا يا مسيح الله؟ قال: أحمد النبي الخاتم الوارث، ذلك الذي يصلى عليه حيا ويصلى عليه بعد ما يقبضه إليه بابنه الطاهر الخابر، ينشره الله في آخر الزمان، بعد ما انفصمت عرى الدين، وخبت مصابيح الناموس، وأفلت نجومه، فلا يلبث ذلك العبد الصالح إلا
أمما حتى يعود الدين به كما بدأ ويقر الله عز وجل سلطانه في عبده، ثم في الصالحين من عقبه، وينشر منه حتى يبلغ ملكه منقطع التراب، قال حارثة: قد أشدتما بهذه المأثرة لأحمد صلى الله عليه وآله وكررتما بها القول، وهي حق لا وحشة مع الحق، ولا انس في غيره فمه؟ قال السيد: فإن من الحق أن لاحظ في هذه الأكرومة لأبتر، قال حارثة: إنه لكذلك، وليس بمحمد صلى الله عليه وآله (2)؟ قال السيد إنك ما عملت إلا لدا، ألم يخبرنا سفرنا وأصحابنا فيما تجسسنا من خبره أن ولديه الذكرين القرشية والقبطية بادا يعني هلكا، وغودر محمد كفرن الأعضب مؤف على ضريحة فلو كان بقية لكان لك بذلك مقالا إذا وليت أبناؤه الذي تذكر قال حارثة: العبر لعمرو الله كثيرة والاعتبار بها قليل، والدليل مؤف على سنن السبيل إن لم يعش عنه ناظر، وكما أن الابصار الرمدة لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها، ألا ومن كان كذلك فلستماه - وأشار إلى السيد والعاقب - إنكما ويمين الله لمحجوجان بما آتاكما الله عز وجل من ميراث الحكمة، واستودعكما من بقايا الحجة، ثم بما أوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس، فقد جعل الله عز وجل من آتاه سلطانا ملوكا للناس وأربابا، وجعلكما حكما وقواما على ملوك ملتنا، وذادة لهم يفزعون إليكما في دينهم، ولا تفزعان إليهم، وتأمرانهم فيأتمرون لكما، وحق لكل ملك أو موطئ الأكناف أن يتواضع لله عز وجل إذا رفعه
وأن ينصح لله عز وجل في عباده، ولا يدهن في أمره، وذكرتما محمدا بما حكمت له به الشهادات الصادقة، وبينته فيه الاسفار المستحفظة، ورأيتماه مع ذلك مرسلا إلى قومه لا إلى الناس جميعا، وأن ليس بالخاتم الحاشر، ولا الوارث العاقب، لأنكما زعمتماه أبتر، أليس كذلك، قالا: نعم، قال: أرأيتكما لو كان له بقية وعقب هل كنتما ممتريين لما تجدان وبما تكذبان من الوراثة والظهور على النواميس أنه النبي الخاتم والمرسل إلى كافة البشر قالا: لا، قال: أفليس هذا القيل لهذه الحال مع طول اللوائم والخصائم عندكما مستقر؟ قالا: أجل، قال: الله أكبر، قالا: كبرت كبيرا، فما دعاك إلى ذلك؟ قال حارثة: الحق أبلج، والباطل لجلج، ولنقل ماء البحر ولشق الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله عز وجل، وإحياء ما أماته الآن فاعلما أن محمدا غير أبتر، وأنه الخاتم الوارث، والعاقب الحاشر حقا، فلا نبي بعده، وعلى أمته تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها، وإن من ذريته الأمير الصالح الذي بينتما ونبأتما أنه يملك مشارق الأرض ومغاربها، ويظهره عز وجل بالخفية الإبراهيمية على النواميس كلها، قالا: أولى: لك يا حارثة لقد أغفلناك وتأبى إلا مراوغة كالثعالبة فما تسأم المنازعة، ولا تمل من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيما فما برهانك به؟ قال: أما وجدكما لأنبئكما ببرهان يجير من الشبهة، ويشفي به جوى الصدور، ثم أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة شيخهم وأسقفهم الأول فقال: إن رأيت أيها الأب الأثير أن تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة: قالوا:
وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع، وذلك لما حلقت الشمس وركدت وفي زمن قيظ شديد، فأقبلا على حارثة فقالا: أرج هذا إلى غد، فقد بلغت القلوب منا الصدور، فتفرقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يتراءان منهما، فلما كان من الغد صار أهل نجران إلى بيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبينه من الجامعة، ولما رأى السيد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة واعترضاه ليصدانه عن تصفح الصحف على أعين الناس، وكانا من شياطين الانس، فقال السيد:
إنك قد أكثرت وأمللت فض الحديث لنا مع فضه ودعنا من تبيانه، فقال حارثة: وهل هذا إلا منك وصاحبك، فمن الآن فقولا ما شئتما، فقال العاقب:
ما من مقال إلا ما قلنا وسنعود فنخبر بعد ذلك لك تخبيرا، غير كانمين لله عز وجل من حجة، ولا جاحدين له آية، ولا مفترين مع ذلك على الله عز وجل لعبد إنه مرسل منه وليس برسوله، فنحن نعترف يا هذا بمحمد صلى الله عليه وآله أنه رسول من الله عز وجل إلى قومه من بني إسماعيل عليه السلام في غير أن يجب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا أعاجمهم تباعة ولا طاعة بخروج له عن ملة، ولا دخول معه في ملة، إلا الاقرار له بالنبوة والرسالة إلى أعيان قومه ودينه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.