بحارالانوار · المجلد السادس
باب غزوة تبوك وقصة العقبة
ج ۲۱، ص ۲۱۲–۲۴۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
" فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله " إلى قوله: " وماتوا وهم فاسقون " ففضح الله الجد بن قيس وأصحابه، فلما اجتمع لرسول الله صلى الله عليه وآله الخيول رحل من ثنية الوداع، وخلف أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة، فأرجف المنافقون بعلي عليه السلام فقالوا: ما خلفه إلا تشؤما به، فبلغ ذلك عليا عليه السلام فأخذ سيفه وسلاحه و لحق برسول الله صلى الله عليه وآله بالجرف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ألم أخلفك على المدينة؟ قال: نعم، ولكن المنافقون زعموا أنك خلفتني تشؤما بي، فقال: " كذب المنافقون يا علي، أما ترضى، أن تكون أخي وأنا أخوك بمنزلة هارون من موسى
إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت خليفتي في أمتي، وأنت وزيري وأخي في الدنيا و الآخرة " فرجع علي عليه السلام إلى المدينة.
وجاء البكاؤن إلى رسول الله وهم سبعة من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير فقد شهد بدرا لا اختلاف فيه، ومن بني واقف هرمي بن عمير، ومن بني حارثة علية بن زيد وهو الذي تصدق بعرضه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بصدقة فجعل الناس يأتون بها، فجاء علية فقال: يا رسول الله والله ما عندي ما أنصدق به وقد جعلت عرضي حلا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد قبل الله صدقتك، ومن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمر بن غنمة ومن بني زريق سلمة بن صخر، ومن بني الغر ناصر بن سارية السلمي، هؤلاء جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يبكون، فقالوا: يا رسول الله ليس بنا قوة أن نخرج معك، فأنزل الله فيهم: " ليس على الضعفاء ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم " إلى قوله:
" ألا يجدوا ما ينفقون " قال: وإنما سألوا هؤلاء البكاؤن نعلا يلبسونها، ثم قال:
" إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " والمستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتى، والخوالف النساء.
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " يقول: تعرف أهل العذر والذين جلسوا بغير عذر. قوله: " لا يستأذنك الذين يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين " إلى قوله: " لو خرجوا فيكم
ما زادوكم إلا خبالا " أي وبالا " ولا وضعوا خلالكم " أي يهربوا عنكم، وتخلف عن رسول الله قوم أهل نيات وبصائر لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب، ولكنهم قالوا: نلحق برسول الله، منهم أبو خيثمة، وكان له زوجتان وعريشتان فكانتا زوجتاه قد رشتا عريشتيه وبردتا له الماء وهيأتا له طعاما فأشرف على عريشتيه فلما نظر إليهما قال: لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله صلى الله عليه وآله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قد خرج في الضح والريح، وقد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشته وامرأتين حسناوين، لا والله ما هذا بإنصاف، ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فنظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول الله بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
كن أبا خيثمة، أقبل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بما كان فجزاه خيرا ودعا له.
وكان أبو ذر رحمه الله تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام، وذلك أن جمله كان أعجف فلحق بعد ثلاثة أيام ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله: كن أبا ذر، فقالوا: هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أدركوه بالماء فإنه عطشان، فأدركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا باذر معك ماء وعطشت؟ فقال: نعم يا رسول الله بأبي أنت
وأمي انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت: لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا باذر رحمك الله تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق، يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك.
بيان: أقول: سيأتي تمام الكلام في أحوال أبي ذر رضي الله عنه، وقال الجوهري: عاملت الرجل مصايفة، أي أيام الصيف، وصائفة القوم: ميرتهم في الصيف، والصائفة: غزوة الروم، لأنهم يغزون صيفا لمكان البرد والثلج. وقال:
الدرنوك: ضرب من البسط ذو خمل، وتشبه به فروة البعير وقال: النبط والنبيط:
قوم ينزلون البطائح بين العراقين، والجمع أنباط. وتبوك: أرض بين الشام و المدينة. وبلقاء: بلد بالشام.
قوله صلى الله عليه وآله: وأولوا القربى، لعل هذه الفقرة زيدت هنا من النساخ، و على تقديرها فيه تقدير مضاف، أي قول اولي القربى أو مودتهم.
وقال في النهاية: فيه خير الأمور عوازمها، أي فرائضها التي عزم الله تعالى عليك بفعلها، والمعنى ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل: هي ما وكدت رأيك و عزمك عليه، ووفيت بعهد الله فيه. والعزم: الجد والصبر. وقال: فيه إياكم ومحدثات الأمور، جمع محدثة بالفتح، وهي ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. وقال: اليد العليا: المعطية، وقيل: المتعففة، والسفلى: السائلة و قيل: المانعة.
وقال الفيروزآبادي: النزر: القليل، والالحاح في السؤال، والاحتثاث والاستعجال، وما جئت إلا نزرا، أي بطيئا، وفلان لا يعطي حتى ينزر، أي حتى يلح عليه ويهان. وقال في النهاية: في الحديث: ومن الناس من لا يذكر الله إلا
مهاجرا، يريد هجران القلب، وترك الاخلاص في الذكر، فكأن قلبه مهاجر للسانه، غير مواصل له، ومنه الحديث: ولا يسمعون القرآن إلا هجرا، يريد الترك والاعراض عنه.
قوله صلى الله عليه وآله: والتباعد، أي من الحق أو المؤمنين. والجمرة: النار المتقدة والجمع جمر، والسكر محركة: الخمر، وكل ما يسكر.
وفي النهاية: الخمر جماع الاثم، أي مجمعه ومظنته قوله صلى الله عليه وآله: والامر إلى آخره، أي الامر إنما ينفع إذا انتهى إلى آخره، أو الامر ينسب في الخير والشر، والسعادة والشقاوة إلى آخره. وعلى التقديرين الفقرة الثانية كالتفسير لها. وفي النهاية: الملاك بالكسر والفتح: قوام الشئ ونظامه وما يعتمد عليه.
قوله صلى الله عليه وآله: أربى الربا الكذب، الربا: الزيادة والنمو، أي لا يزيد ولا ينمو عقاب معصية كما ينمو عقاب الكذب، أو المراد أن عقابه أكثر من الربا فالمناسبة من جهة أن الربا زيادة في المال بغير حق، والكذب زيادة في القول بغير حق. وفي روايات العامة: شر الروايا روايا الكذب. قوله: وأكل لحمه أي بالغيبة.
قوله صلى الله عليه وآله: ومن يتبع السمعة، أي يعمل العمل ليسمعه الناس، أو يذكر عمله للناس ويحب ذلك، يسمع الله به على بناء التفعيل، أي يشهره الله تعالى بمساوي عمله، وسوء سريرته. قوله: تحتفد، أي تجعلهن حفدة لك، أي أعوانا وخدما، وفي بعض النسخ: تستحفد، ولعله أصوب.
وقال في القاموس: بنو الأصفر: ملوك الروم، أولاد الأصفر بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، أو لان جنسا من الجيش غلب عليهم فوطئ نساءهم فولد لهم أولاد صفر. وقال الجوهري الضح: الشمس.
أقول: قال الطبرسي رحمه الله: البكاؤن كانوا سبعة نفر، منهم عبد الرحمن ابن كعب، وعلية بن زيد وعمرو بن غنيمة وهؤلاء من بني النجار، و سالم بن عمير، وهرم بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو، من بني عمرو بن عوف، و عبد الله بن معقل من بني مزينة، جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله احملنا فإنه ليس لنا ما نخرج عليه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، عن أبي حمزة الثمالي، وقيل: نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: احملنا على الخفاف والبغال وقيل: كانوا جماعة من مزينة، وقيل: كانوا سبعة من فقراء الأنصار، فلما بكوا حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبد المطلب رجلين، وياسر بن كعب النضيري ثلاثة، عن الواقدي، قال: وكان الناس بتبوك مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثين ألفا، منهم عشرة آلاف فارس.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله بتبوك رجل يقال له: المضرب من كثرة ضرباته التي أصابته ببدر واحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: عدلي أهل العسكر فعددهم فقال: هم خمسة وعشرون ألف رجل سوى العبيد والتباع، فقال: عد المؤمنين، فعددهم فقال: هم خمسة وعشرون رجلا، وقد كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوم من المنافقين، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق
منهم كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية الرافقي فلما تاب الله عليهم قال كعب: ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم، فكنت أقول: أخرج غدا، أخرج بعد غد، فاني مقوي وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله أياما أدخل السوق ولا أقضي حاجة، فلقيت هلال بن أمية ومرارة ابن الربيع وقد كانا تخلفا أيضا فتوافقنا أن نبكر إلى السوق، فلم تقض لنا حاجة فما زلنا نقول: نخرج غدا وبعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى الله عليه وآله فندمنا، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلناه نهنيه بالسلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام، وأعرض عنا، وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد، ولا يكلمنا فجئن نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا، أفنعتزلهم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تعتزلنهم، ولكن لا يقربونكن، فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قال: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله ولا إخواننا ولا أهلونا؟ فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت، فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة، فكانوا يصومون، وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية، ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم فبقوا على هذا أياما كثيرة يبكون الليل والنهار، ويدعون الله أن يغفر لهم، فلما
طال عليهم الامر قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا، ورسوله قد سخط علينا، وإخواننا سخطوا علينا، وأهلونا سخطوا علينا، فلا يكلمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟ فتفرقوا في الليل وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه، فبقوا على هذه ثلاثة أيام، كل واحد منهم في ناحية من الجبل، لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه، فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله.
قوله: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " قال الصادق عليه السلام: هكذا نزلت وهو أبو ذر، وأبو خيثمة، وعمرو ابن وهب الذين تخلفوا، ثم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال في هؤلاء الثلاثة:
" وعلى الثلاثة الذين خلفوا " فقال العالم: إنما نزل: " وعلى الثلاثة الذين خالفوا " ولو خلفوا لم يكن عليهم عتب " حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت " حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ولا إخوانهم ولا أهلوهم، فضاقت المدينة عليهم حتى خرجوا منها " وضاقت عليهم أنفسهم " حيث حلفوا أن لا يكلم بعضهم بعضا فتفرقوا، وتاب الله عليهم لما عرف من صدق نياتهم.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله في المنافقين: " قل لهم يا محمد: " أنفقوا طوعا أو كرها "
إلى قوله: " وهم كافرون " وكانوا يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وآله أنهم مؤمنون فأنزل الله: " ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات " يعني غارات في الجبال " أو مدخلا " قال: موضعا يلتجئون إليه " لولوا إليه وهم يجمحون " أي يعرضون عنكم.
قوله: " يحلفون بالله لكم ليرضوكم " فإنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يحلفون للمؤمنين أنهم منهم لكي يرضى عنهم المؤمنون، فقال الله: " والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين " وقوله: " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون " قال: كان قوم من المنافقين لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك كانوا يتحدثون فيما بينهم، و يقولون: أيرى محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم؟ لا يرجع منهم أحد أبدا فقال بعضهم: ما أخلقه أن يخبر الله محمدا بما كنا فيه وبما في قلوبنا، وينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه الناس؟ وقالوا هذا على حد الاستهزاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر: الحق القوم فإنهم قد احترقوا، فلحقهم عمار فقال: ما قلتم؟ قالوا: ما قلنا شيئا، إنما كنا نقول شيئا على حد اللعب والمزاح، فأنزل الله: " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ".
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم " قال: هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم، وكانوا أربعة نفر. وقوله: " إن نعف عن طائفة منكم " كان أحد الأربعة
مختبر بن الحمير فاعترف وتاب، وقال: يا رسول الله أهلكني اسمي، فسماه رسول الله عبد الله بن عبد الرحمن، فقال: يا رب اجعلني شهيدا حيث لا يعلم أحد أين أنا، فقتل يوم اليمامة، ولم يعلم أحد أين قتل، فهو الذي عفى الله عنه.
قال: ولما قدم النبي صلى الله عليه وآله من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، فكانوا يحلفون لهم أنهم على الحق وليسوا بمنافقين، لكي يعرضوا عنهم ويرضوا عنهم فأنزل الله سبحانه: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم " الآية قوله: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ " أي عطش " ولا نصب " أي عناء " ولا مخمصة في سبيل الله " أي جوع " ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار " يعني يدخلون بلاد الكفار " ولا ينالون من عدو نيلا " يعني قتلا وأسرا.
أقول: سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أحدها يوم حملوا على رسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة، وهم اثنا عشر رجلا من بني أمية، و خمسة من سائر الناس، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله من على العقبة غير النبي صلى الله عليه وآله و ناقته وسائقه وقائده.
5 - الخصال: العجلي، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبيه ، عن زياد بن المنذر قال:
حدثني جماعة من المشيخة عن حذيفة بن اليمان أنه قال: الذين نفروا برسول الله
ناقته في منصرفه من تبوك أربعة عشر: أبو الشرور، وأبو الدواهي، وأبو المعازف وأبوه، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وأبو الأعور، والمغيرة، و سالم مولى أبي حذيفة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري وعبد الرحمن بن عوف، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: " وهموا بما لم ينالوا ".
بيان: أبو الشرور وأبو الدواهي وأبو المعازف أبو بكر وعمر وعثمان، فيكون المراد بالأب الوالد المجازي، أو لأنه كان ولد زنا، أو المراد بأبي المعازف معاوية وأبوه أبو سفيان، ولعله أظهر، ويؤيده الخبر السابق.
6 - تفسير الإمام العسكري، الإحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام قال: لقد رامت الفجرة الكفرة ليلة العقبة قتل رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة، ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام، فما قدروا على مغالبة ربهم، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام لما فخم من أمره، وعظم من شأنه من ذلك أنه لما خرج من المدينة وقد كان خلفه عليها وقال له: إن جبرئيل أتاني وقال لي: يا محمد إن العلي الاعلى يقرئك السلام ويقول لك يا محمد: إما أنت تخرج ويقيم علي، أو تقيم أنت ويخرج علي، لابد من ذلك، فإن عليا قد ندبته لاحدى اثنتين، لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما، و عظيم ثوابه غيري، فلما خلفه أكثر المنافقون الأقوال فيه، قالوا: مله و سئمه، وكره صحبته، فتبعه علي عليه السلام حتى لحقه، وقد وجد بما قالوا فيه
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما أشخصك عن مركزك؟ " قال: بلغني عن الناس كذا و كذا، فقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟ " فانصرف علي إلى موضعه، فدبروا عليه أن يقتلوه، وتقدموا في أن يحفروا له في طريقه حفيرة طويلة بقدر خمسين ذراعا، ثم غطوها بحصر دقاق ونثروا فوقها يسيرا من التراب، بقدر ما غطوا وجوه الحصر وكان ذلك على طريق علي الذي لابد له من سلوكه، ليقع هو دابته في الحفيرة التي قد عمقوها، وكان ما حوالي المحفور أرضا ذات حجارة، دبروا على أنه إذا وقع مع دابته في ذلك المكان كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه، فلما بلغ علي عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه، وأطاله الله فبلغت جحفلته اذنه وقال: يا أمير المؤمنين قد حفر ههنا ودبر عليك الحتف، وأنت أعلم لا تمر فيه، فقال له علي عليه السلام: جزاك الله من ناصح خيرا، كما تدبر تدبيري فإن الله عز و جل لا يخليك من صنعه الجميل، وسار حتى شارف المكان فتوقف الفرس خوفا
من المرور على المكان، فقال علي عليه السلام: سر بإذن الله سالما سويا، عجيبا شأنك بديعا أمرك، فتبادرت الدابة، فإذا ربك عز وجل قد متن الأرض وصلبها ولام حفرها، وجعلها كسائر الأرض، فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ووضع جحفلته على اذنه ثم قال: ما أكرمك على رب العالمين، أجازك على هذا المكان الخاوي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جازاك الله بهذه السلامة عن تلك النصيحة التي نصحتني ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها، والقوم معه بعضهم كان أمامه، وبعضهم خلفه، وقال: اكشفوا عن هذا المكان فكشفوا عنه فإذا هو خاو، ولا يسير عليه أحد إلا وقع في الحفرة فأظهر القوم الفزع والتعجب مما رأوا فقال علي عليه السلام للقوم: أتدرون من عمل هذا؟ قالوا: لا ندري، قال علي عليه السلام: لكن فرسي هذا يدري، يا أيها الفرس كيف هذا؟ ومن دبر هذا؟
فقال الفرس: يا أمير المؤمنين إذا كان الله عز وجل يبرم ما يروم جهال الخلق نقضه، أو كان ينقض ما يروم جهال الخلق إبرامه فالله هو الغالب والخلق هم المغلوبون فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان وفلان إلى أن ذكر العشرة بمواطاة عن أربعة وعشرين هم مع رسول الله صلى الله عليه وآله في طريقه، ثم دبروا هم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة، والله عز وجل من وراء حياطة رسول الله صلى الله عليه وآله، وولي الله لا يغلبه الكافرون، فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام عليه بأن يكاتب رسول
الله صلى الله عليه وآله في ذلك ويبعث رسولا مسرعا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله إلى محمد أسرع، وكتابه إليه أسبق، فلا يهمنكم فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وآله من العقبة التي بإزائها فضائح المنافقين والكافرين نزل دون العقبة، ثم جمعهم فقال لهم: هذا جبرئيل الروح الأمين يخبرني أن عليا دبر عليه كذا وكذا، فدفع الله عز وجل عنه من ألطافه وعجائب معجزاته بكذا وكذا، إنه صلب الأرض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه، ثم انقلب على ذلك الموضع علي عليه السلام وكشف عنه فرئيت الحفيرة، ثم إن الله عز وجل لائمها كما كانت لكرامته عليه، وإنه قيل له: كاتب بهذا وأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: رسول الله إلى رسول الله أسرع، وكتابه إليه أسبق، ولم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال علي عليه السلام على باب المدينة: إن مع رسول الله صلى الله عليه وآله منافقين سيكيدونه، ويدفع الله تعالى عنه فلما سمع الأربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قاله صلى الله عليه وآله في أمر علي عليه السلام قال بعضهم لبعض: ما أمهر محمدا بالمخرقة، إن فيجا مسرعا أتاه، أو طيرا من المدينة من بعض أهله وقع عليه؟ أن عليا قتل بحيلة كذا فهو الذي واطأنا عليه أصحابنا فهو الآن لما بلغه كتم الخبر، وقلبه إلى ضده، يريد أن يسكن من معه، لئلا يمدوا أيديهم عليه، وهيهات والله ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه ولا أخرج محمدا إلى هاهنا إلا حينه وقد هلك علي عليه السلام وهو ههنا هالك لا محالة، ولكن تعالوا حتى نذهب إليه ونظهر له السرور بأمر علي ليكون أسكن لقبه إلينا، إلى
أن نمضي فيه تدبيرنا، فحضروه وهنؤوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه ثم قالوا له أخبرنا عن علي أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي، وقبولها لولايتهما؟
إنه لا أحد من محبي علي عليه السلام نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم؟ إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوهم عنها إلا وهم يعنون أنفسهم أفضل منهم في الدين فضلا، وأعلم بالله وبدينه علما، فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطؤوا في ظنونهم واعتقاداتهم فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها، ثم عرضها عليهم فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم أن ينبئهم بها، وعرفهم فضله في العلم عليهم، ثم أخرج من صلب آدم ذرية منهم الأنبياء والرسل، والخيار من عباد الله، أفضلهم محمد، ثم آل محمد صلى الله عليه وآله، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد؟ وخيار أمة محمد، وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه من الأثقال وقاسوا ما هم فيه بعرض من أعوان الشياطين ومجاهدة النفوس، واحتمال أذى ثقل العيال والاجتهاد في طلب الحلال، ومعاناة مخاطرة الخوف من الأعداء من لصوص مخوفين، ومن سلاطين جورة قاهرين، و صعوبة في المسالك في المضائق والمخاوف، والاجزاع والجبال والتلال
لتحصيل أقوات الأنفس والعيال من الطيب الحلال، عرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين سيحتملون هذه البلايا، ويتخلصون منها، ويحاربون الشياطين و يهزمونهم، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها، ويغلبونها مع ما ركب فيهم من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام والعز والرياسة والفخر والخيلاء ومقاساة العناء والبلاء من إبليس لعنه الله وعفاريته، وخواطرهم وإغوائهم و استهوائهم، ودفع ما يكابدونه من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء الله وسماع الملاهي والشتم لأولياء الله، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم والهرب من أعداء دينهم، والطلب لما يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم، قال الله عز وجل: يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل، لا شهوات الفحولة تزعجكم ولا شهوة الطعام تحفزكم ولا خوف من أعداء دينكم ودنياكم ينخب في قلوبكم، ولا لإبليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل على إغواء ملائكتي الذين قد عصمتهم منهم، يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوا، واكتسب من القربات إلي ما لم تكتسبوا فلما عرف الله ملائكته فضل خيار أمة محمد صلى الله عليه وآله وشيعة علي و خلفائه عليهم السلام واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار المتقين بالفضل عليهم، ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على أنوار هذه الخلائق الأفضلين، ولم يكن سجودهم لآدم، إنما كان آدم قبلة لهم
يسجدون نحوه لله عز وجل، وكان بذلك معظما له مبجلا، ولا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله يخضع له خضوعه لله، ويعظم به السجود كتعظيمه لله ولو أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله لأمرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين أن يسجدوا لمن توسط في علوم علي وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، ومحض وداد خير خلق الله علي بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار حقوق الله ولم ينكر علي حقا أرقبه عليه قد كان جهله أو أغفله.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عصى الله إبليس فهلك لما كانت معصيته بالكبر على آدم، وعصى الله آدم بأكل الشجرة فسلم ولم يهلك لما لم يقارن بمعصيته التكبر على محمد وآله الطيبين، وذلك أن الله تعالى قال له: يا آدم عصاني فيك إبليس، وتكبر عليك فهلك، ولو تواضع لك بأمري وعظم عز جلالي لأفلح كل الفلاح كما أفلحت وأنت عصيتني بأكل الشجرة وبالتواضع لمحمد وآل محمد تفلح كل الفلاح، و تزول عنك وصمة الزلة فادعني بمحمد وآله الطيبين عليهما السلام لذلك، فدعا بهم فأفلح كل الفلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالرحيل في أول نصف الليل الأخير، وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلى العقبة ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة فينظر من يمر به، ويخبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن يتشبه بحجر فقال حذيفة: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني أتبين الشر في وجوه رؤساء عسكرك، وإني أخاف إن قعدت في أصل الجبل وجاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك للتدبير عليك يحس بي فيكشف عني فيعرفني وموضعي
من نصيحتك فيتهمني ويخافني فيقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك إذا بلغت أصل العقبة فاقصد أكبر صخرة هناك إلى جانب أصل العقبة وقل لها: إن رسول الله صلى الله واله يأمرك أن تنفرجي لي حتى جوفك ثم، يأمرك أن ينثقب فيك ثقبة أبصر منها المارين، ويدخل علي منها الروح لئلا أكون من الهالكين، فإنها تصير إلى ما تقول لها بإذن الله رب العالمين، فأدى حذيفة الرسالة، ودخل جوف الصخرة، وجاء الأربعة والعشرون على جمالهم وبين أيديهم رجالتهم، يقول بعضهم لبعض: من رأيتموه ههنا كائنا من كان فاقتلوه لئلا يخبروا محمدا أنهم قد رأونا هنا فينكص محمد، ولا يصعد هذه العقبة إلا نهارا فيبطل تدبيرنا عليه، فسمعها حذيفة واستقصوا فلم يجدوا أحدا، وكان الله قد ستر حذيفة بالحجر عنهم فتفرقوا فبعضهم صعد على الجبل وعدل عن الطريق المسلوك، وبعضهم وقف على سفح الجبل عن يمين وشمال، وهم يقولون: ألا ترون حين محمد كيف أغراه، بأن يمنع الناس من صعود العقبة حتى يقطعها هو لنخلو به ههنا فيمضي فيه تدبيرنا وأصحابه عنه بمعزل، وكل ذلك يوصله الله من قريب أو بعيد إلى اذن حذيفة ويعيه حذيفة فلما تمكن القوم على الجبل حيث أرادوا كلمت الصخرة حذيفة وقالت: انطلق الآن إلى رسول الله فأخبره بما رأيت وما سمعت، قال حذيفة: كيف أخرج عنك وإن رآني القوم قتلوني مخافة على أنفسهم من نميمتي عليهم؟ قالت الصخرة: إن الذي مكنك في جوفي، وأوصل إليك الروح من الثقبة التي أحدثها في هو الذي
يوصلك إلى نبي الله وينقذك من أعداء الله، فنهض حذيفة ليخرج وانفرجت الصخرة فخوله الله طائرا فطار في الهواء محلقا حتى انقض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أعيد إلى صورته، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما رأى وسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
أو عرفتهم بوجوههم؟ قال: يا رسول الله كانوا متلثمين، وكنت أعرف أكثرهم بجمالهم فلما فتشوا الموضع فلم يجدوا أحدا أحدروا اللثام فرأيت وجوههم فعرفتهم بأعيانهم وأسمائهم فلان وفلان حتى عد أربعة وعشرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
يا حذيفة إذا كان الله يثبت محمدا لم يقدر هؤلاء ولا الخلق أجمعون أن يزيلوه، إن الله تعالى بالغ في محمد أمره ولو كره الكافرون، ثم قال: يا حذيفة فانهض بنا أنت وسلمان وعمار، وتوكلوا على الله، فإذا جزنا الثنية الصعبة فائذنوا للناس أن يتبعونا، فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها، و الآخر خلفها يسوقها، وعمار إلى جانبها، والقوم على جمالهم ورجالتهم منبثون حوالي الثنية على تلك العقبات، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه وآله لتقع في المهوى الذي يهول الناظر النظر إليه من بعده، فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله أذن الله تعالى لها فارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سقطت في جانب المهوى، ولم يبق منها شئ إلا صار كذلك، وناقة رسول الله صلى الله عليه وآله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات التي كانت للدباب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: اصعد الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم فارم بها، ففعل ذلك عمار فنفرت بهم وسقط بعضهم فانكسر عضده
ومنهم من انكسرت رجله، ومنهم جنبه، واشتدت لذلك أوجاعهم، فلما جبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حذيفة وأمير المؤمنين عليه السلام إنهما أعلم الناس بالمنافقين، لقعوده في أصل الجبل ومشاهدته من مر سابقا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وكفى الله رسوله أمر من قصد له، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، فكسى الله الذل والعار من كان قعد عنه، وألبس الخزي من كان دبر على علي عليه السلام ما دفع الله عنه.
بيان: كبست البئر: طممتها. والجحفلة للحافر كالشفقة للانسان والمخرقة:
الكذب. والحين بالفتح: الهلاك. وحفزه: دفعه من خلفه. والنخب: النزع، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو السير السريع.
7 - الخرائج: روي أن الناس في غزاة تبوك لما ساروا يومهم نالهم عطش كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا، فدعا بركوة فصب فيها ماء قليلا من أدوات كانت معه، ووضع أصابعه عليها، فنبع الماء من تحت أصابعه فاستقوا وارتووا والعسكر ثلاثون ألف رجل سوى الخيل والإبل.
8 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله إني أكره أن تقول العرب: خذل ابن عمه وتخلف عنه، فقال: أما نرضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال: بلى، قال: فاخلفني.
9 - أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي، عن جعفر
بن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن علي، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جده عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وآله عليا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني بعدك؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
10 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن النضر، عن موسى بن بكر قال: قال بعض أصحابنا لأبي عبد الله عليه السلام علم رسول الله صلى الله عليه وآله أسماء المنافقين؟ فقال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان في غزوة تبوك كان يسير على ناقته والناس أمامه، فلما انتهى إلى العقبة وقد جلس عليها أربعة عشر رجلا، ستة من قريش، وثمانية من أفناء الناس - أو على عكس هذا - فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن فلانا وفلانا وفلانا فقد قعدوا لك على العقبة لينفروا ناقتك، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان ويا فلان ويا فلان أنتم القعود لتنفروا ناقتي؟ وكان حذيفة خلفه فلحق بهم فقال: يا حذيفة سمعت؟ قال: نعم قال: اكتم.
11 - الخرائج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما زال القرآن ينزل بكلام المنافقين حتى تركوا الكلام، واقتصروا بالحواجب يغمزون، فقال بعضهم:
تأمنون أن تسموا في القرآن فتفتضحوا أنتم وعقبكم هذه عقبة بين أيدينا لو رمينا به منها ينقطع، فقعدوا على العقبة ويقال لها: عقبة ذي فتق وقال حذيفة كان رسول الله، إذا أراد النوم على ناقته اقتصدت في السير، فقال حذيفة قلت ليلة
من الليالي: لا والله لا أفارق رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فجعلت أحبس ناقتي عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذا فلان وفلان وفلان حتى عدهم قد قعدوا ينفرون بك، فقال رسول الله: يا فلان يا فلان يا فلان يا أعداء الله حتى سماهم بأسمائهم كلهم، ثم نظر فإذا حذيفة، فقال: عرفتهم؟ قلت: نعم برواحلهم وهم متلثمون، فقال:
لا تخبر بهم أحدا فقلت: يا رسول الله أفلا تقتلهم؟ قال: إني أكره أن يقول الناس:
قاتل بهم حتى ظفر فقتلهم، فكانوا من قريش.
12 - الخرائج: روي أنه صلى الله عليه وآله لما توجه إلى تبوك ضلت ناقته القصوى وعنده عمارة بن حزم قال كالمستهزئ: يخبرنا محمد بخبر السماء ولا يدري أين ناقته، فقال عليه السلام: إني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد أخبرني الآن أنها بشعب كذا وكذا، و زمامها ملتف بشجرة، فكان كما قال.
13 - الخرائج: من معجزاته أنه لما غزا بتبوك كان معه من المسلمين خمسة و عشرون ألفا سوى خدمهم، فمر صلى الله عليه وآله في مسيره بجبل يرشح الماء من أعلاه إلى أسفله من غير سيلان، فقالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل؟ فقال: إنه يبكي، قالوا: والجبل يبكي؟ قال أتحبون أن تعلموا ذلك؟ قالوا: نعم، قال: أيها الجبل مم بكاؤك؟
فأجابه الجبل وقد سمعه الجماعة بلسان فصيح: يا رسول الله صلى الله عليه وآله مر بي عيسى بن مريم وهو يتلو: " نار وقودها الناس والحجارة " فأنا أبكي منذ ذلك اليوم خوفا من أن أكون من تلك الحجارة، فقال: أسكن مكانك فلست منها إنما تلك الحجارة الكبريت، فجف ذلك الرشح من الجبل في الوقت حتى لم ير شئ من ذلك الرشح، ومن تلك الرطوبة التي كانت.
14 - الخرائج: روي أنه صار بتبوك فاختلف الرسل بين رسول الله صلى الله عليه وآله وملك الروم فطالت في ذلك الأيام حتى نفد الزاد فشكوا إليه نفاده، فقال: من كان معه شئ من الدقيق أو التمر، أو السويق فليأتني، فجاء أحد بدقيق، والآخر بكف تمر، والآخر بكف سويق، فبسط رداءه وجعل ذلك عليه ووضع يده على كل واحد منها، ثم قال: نادوا في الناس: من أراد الزاد فليأت، فأقبل الناس يأخذون الدقيق والتمر والسويق حتى ملأوا جميع ما كان معهم من الأوعية، وذلك الدقيق والتمر والسويق على حاله ما نقص من واحد منها شئ ولا زاد عما كان ثم سار إلى المدينة فنزل يوما على واد كان يعرف فيه الماء فيما تقدم فوجدوه يابسا لا ماء فيه، فقالوا: ليس في الوادي ماء يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ سهما من كنانته فقال لرجل: خذه فانصبه في أعلى الوادي فنصب فتفجرت من حول السهم اثنتا عشرة عينا تجري في الوادي من أعلاه إلى أسفله وارتووا وملأوا القرب.
15 - تفسير العياشي: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " قال: هم أصحاب العقبة.
16 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قول الله: " لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك " الآية، إنهم يستطيعون وقد كان في علم الله أنه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لفعلوا.
بيان: كأن المعنى أن الغرض بيان أنهم كانوا مستطيعين للفعل ولم يفعلوا إذ كان في علم الله أنه لو كان موافقا لاغراضهم لفعلوا.
17 - تفسير العياشي: عن المغيرة قال: سمعته يقول في قول الله: " ولو أرادوا الخروج
لاعدوا له عدة " قال: يعني بالعدة النية يقول: لو كان لهم نية لخرجوا.
بيان: لا يبعد أن يكون النية تصحيف التهيئة.
18 - تفسير العياشي: عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام نزلت هذه الآية:
" ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " إلى قوله: " نعذب طائفة " قال قلت لأبي جعفر عليه السلام تفسير هذه الآية؟ قال: تفسيرها والله ما نزلت آية قط إلا ولها تفسير، ثم قال: نعم نزلت في عدد بني أمية والعشرة معهم، إنهم اجتمعوا اثنا عشر فكمنوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة، وائتمروا بينهم ليقتلوه، فقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن لنقتلنه، فأنزل الله هذه الآية: " ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله " قل أبالله وآياته ورسوله " يعني محمدا صلى الله عليه وآله " كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم " يعني عليا، إن يعف عنهما في أن يلعنهما على المنابر ويلعن غيرهما فذلك قوله تعالى إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بيان: لعل المعنى أن العفو والعذاب اللذين نسبهما إلى نفسه إنما هو عفو علي عليه السلام وانتقامه إذ كانا بأمره تعالى وقد عفا أمير المؤمنين عن اثنين منهم يعني أبا بكر وعمر فلم يجاهر بلعنهما والبراءة منهما، وجاهر بسب العشرة الباقية وحاربوهم تبرأ منهم.
19 - تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " قال مع النساء. 20 - تفسير العياشي: عن عبيد الله الحلبي قال: سألته عن قوله: " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " فقال: النساء. إنهم قالوا: إن بيوتنا عورة وكانت بيوتهم في أطراف
البيوت حيث يتقرر الناس فأكذبهم الله قال: " وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " وهي رفيعة السمك حصينة.
بيان: لعلهم في تلك الغزوة أيضا قالوا: إن بيوتنا عورة، وإن لم يذكر الله تعالى فيها، مع أنه عليه السلام إنما فسر الآيتين ولا يلزم أن تكونا في غزوة واحدة ويحتمل أن يكون الاختصار المخل من الراوي.
21 - تفسير العياشي: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " قال كعب، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.
22 - تفسير العياشي: عن فيض بن المختار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كيف تقرأ هذه الآية في التوبة: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " قال: قلت: خلفوا، قال: لو خلفوا لكانوا في حال طاعة.
وزاد الحسين بن المختار عنه: لو كانوا خلفوا ما كان عليهم من سبيل، ولكنهم خالفوا: عثمان وصاحباه، أما والله ما سمعوا صوت حافر ولا قعقعة سلاح إلا قالوا:
اتينا، فسلط الله عليهم الخوف حتى أصبحوا.
قال صفوان: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال: كان أبو لبابة أحدهم، يعنى في " و على الثلاثة الذين خلفوا ".
23 - تفسير العياشي: عن سلام، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ثم تاب عليهم ليتوبوا " قال: أقالهم، فوالله ما تابوا.
بيان: على هذا يكون المراد بقوله تعالى: " تاب عليهم " دعاهم إلى التوبة.
24 - تفسير الإمام العسكري: قال علي بن الحسين عليهما السلام: لقد كان من المنافقين والضعفاء من
أشباه المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا قصد إلى تخريب المساجد بالمدينة، و إلى تخريب مساجد الدنيا كلها بما هموا به من قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالمدينة، ومن قتل رسول الله صلى الله عليه وآله في طريقهم إلى العقبة، ولقد زاد الله في ذلك السير إلى تبوك في بصائر المستبصرين وفي قطع معاذير متمرديهم زيادات تليق بجلال الله وطوله على عباده، منها لما كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسيره إلى تبوك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام، وكانت آية رسول الله صلى الله عليه وآله الظاهرة لهم في ذلك أعظم من الآية الظاهرة لقوم موسى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أمر بالمسير إلى تبوك أمر بأن يخلف عليا بالمدينة، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما كنت أحب أن أتخلف عنك في شئ من أمورك، وأن أغيب عن مشاهدتك، والنظر إلى هديك وسمتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وإن لك في مقامك من الاجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولك مثل أجور كل من خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله موفيا طائعا، وإن لك على الله يا علي لمحبتك أن تشاهد من محمد سمته في سائر أحواله إن الله يأمر جبرئيل في جميع مسيرنا هذا أن يرفع الأرض التي نسير عليها، والأرض التي تكون أنت عليها، ويقوي بصرك حتى تشاهد محمدا وأصحابه، في سائر أحوالك وأحواله، فلا يفوتك الانس من رؤيته ورؤية أصحابه، ويغنيك ذلك عن المكاتبة والمراسلة، فقام إليه رجل من مجلس زين العابدين عليه السلام لما ذكر هذا وقال: يا بن رسول الله كيف يكون هذا لعلي؟ إنما يكون هذا للأنبياء دون غيرهم
فقال زين العابدين عليه السلام: هذا هو معجزة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله لا لغيره، لان الله لما رفعه بدعاء محمد زاد في نوره وضيائه بدعاء محمد حتى شاهد ما شاهد، و أدرك ما أدرك، ثم قال الباقر عليه السلام: يا عباد الله ما أكثر ظلم كثير من هذه الأمة لعلي ابن أبي طالب عليه السلام وأقل إنصافهم له؟ يمنعون هذا ما يعطونه سائر الصحابة وعلي عليه السلام أفضلهم، فكيف يمنع منزلة يعطونها غيره؟ قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: إنكم تتولون محبي أبي بكر بن أبي قحافة، و تتبرؤون من أعدائه كائنا ما كان، وتتولون محبي عمر بن الخطاب، وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، وتتولون محبي عثمان بن عفان، وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، حتى إذا صار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: نتولى محبيه، و لن نتبرأ من أعدائه، بل نحبهم، وكيف يجوز هذا لهم ورسول الله يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله "؟
فترونهم لا يعادون من عاداه، ولا يخذلون من خذله، ليس هذا بإنصاف، ثم أخرى إنهم إذا ذكر لهم ما اختص الله به عليا عليه السلام بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله و كرامته على ربه عز وجل جحدوه، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما الذي منع عليا عليه السلام ما جعلوه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ هذا
عمر بن الخطاب إذا قيل لهم: إنه كان على المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية الجبل، وعجبت الصحابة وقالوا: ما هذا الكلام الذي في هذه الخطبة؟ فلما قضى الخطبة والصلاة قالوا: ما قولك في خطبتك: يا سارية الجبل؟ فقال: اعلموا أنني كنت أخطب رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها إخوانكم إلى غزو الكافرين بنهاوند، وعليهم سعد بن أبي وقاص، ففتح الله لي الأستار والحجب، وقوى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك، وقد جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية فيهجموا عليه وعلى سائر من معه من المسلمين فيحيطوا بهم فيقتلونهم فقلت: يا سارية الجبل، ليتنحى عنهم فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا بهم ثم يقاتلوا، ومنح الله إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين وفتح الله عليهم بلادهم، فاحفظوا هذا الوقت فسيرد عليكم الخبر، بذلك، وكان بين المدينة ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما. قال الباقر عليه السلام: فإذا كان مثل هذا لعمر فكيف لا يكون مثل هذا الآخر لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟ ولكنهم قوم لا ينصفون، بل يكابرون.
ثم عاد الباقر عليه السلام إلى حديثه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: وكان تعالى يرفع البقاع التي كان عليها محمد صلى الله عليه وآله ويسير فيها، لعلي بن أبي طالب عليه السلام حتى يشاهدهم على أحوالهم، قال علي عليه السلام: وإن رسول الله كان كلما أراد غزوة
ورى بغيرها إلا غزاة تبوك، فإنه عرفهم أنه يريدها وأمرهم أن يتزودوا لها فتزودوا لها دقيقا كثيرا يختبزونه في طريقهم، ولحما مالحا وعسلا وتمرا، و كان زادهم كثيرا، لان رسول الله كان حثهم على التزود لبعد الشقة، وصعوبة المفاوز، وقلة ما بها من الخيرات، فساروا أياما، وعتق طعامهم، وضاقت من بقاياه صدورهم، فأحبوا طعاما طريا، فقال قوم منهم: يا رسول الله قد بشمنا هذا الذي معنا من الطعام فقد عتق، وصار يابسا وكاد يريح ولا صبر لنا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما معكم؟ قالوا: خبز ولحم قديد مالح وعسل وتمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فأنتم الآن كقوم موسى لما قالوا: لن نصبر على طعام واحد، فما الذي تريدون؟ قالوا: نريد لحما طريا قديدا ولحما مشويا من لحم الطيور ومن الحلواء المعمول، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولكنكم تخالفون في هذه الواحدة بني إسرائيل، لأنهم أرادوا البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأنتم تستبدلون الذي هو أفضل بالذي هو دونه، وسوف أسأله لكم ربي، قالوا: يا رسول الله فإن فينا من يطلب مثل ما طلبوا من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
سوف يعطيكم الله ذلك بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله يا عباد الله إن قوم عيسى لما سألوا عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء قال الله: " إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " فأنزلها عليهم، فمن
كفر بعد منهم مسخه الله إما خنزيرا، وإما قردا وإما دبا، وإما هرا و إما على صورة بعض الطيور والدواب التي في البر والبحر حتى مسخوا على أربعمائة نوع من المسخ، وإن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله لا يستنزل لكم ما سألتموه من السماء حتى يخل بكافركم ما حل بكفار قوم عيسى عليه السلام، وإن محمدا أرأف بكم من أن يعرضكم لذلك، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى طائر في الهواء فقال لبعض أصحابه: قل لهذا الطائر: إن رسول الله يأمرك أن تقع على الأرض، فقالها فوقع، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الطائر إن الله يأمرك أن تكبر، فازداد عظما حتى صار كالتل العظيم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: أحيطوا به فأحاطوا به وكان عظم ذلك الطير أن أصحاب رسول الله وهم فوق عشرة آلاف اصطفوا حوله، فاستدار صفهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الطائر إن الله يأمرك أن تفارقك أجنحتك وزغبك وريشك، ففارقه ذلك أجمع، وبقي الطائر لحما على عظم وجلده فوقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يأمرك أن تفارق عظام بدنك ورجليك ومنقارك، ففارقه ذلك أجمع، وصار حول الطائر والقوم حول ذلك أجمع، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يأمر هذه العظام أن تعود قثا، فعادت كما قال، ثم قال: إن الله يأمر هذه الأجنحة والزغب والريش أن يعود بقلا وبصلا وفوما وأنواع البقول، فعادت كما قال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
يا عباد الله ضعوا الآن أيديكم عليها، فمزقوا منها بأيديكم، وقطعوا منها بسكاكينكم فكلوه ففعلوا، فقال بعض المنافقين وهو يأكل: إن محمدا يزعم أن في الجنة طيورا يأكل منه الجناني من جانب له قديدا، ومن جانب مشويا فهلا أرانا نظير ذلك في الدنيا! فأوصل الله تعالى علم ذلك إلى قلب محمد صلى الله عليه وآله، فقال:
عباد الله ليأخذ كل واحد منكم لقمته وليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على محمد وآله الطيبين، وليضع لقمته في فيه فإنه يجد طعم ما شاء قديدا وإن شاء مشويا، وإن شاء مرقا طبيخا، وإن شاء سائر ما شاء من ألوان الطبيخ أو ما شاء من ألوان الحلواء، ففعلوا فوجدوا الامر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى شبعوا، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله شبعنا ونحتاج إلى ماء نشربه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولا تريدون اللبن؟ أولا تريدون سائر الأشربة؟ قالوا: بلى يا رسول الله فينا من يريد ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليأخذ كل واحد منكم لقمة منها فيضع في فيه وليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، فإنه يستحيل في فيه ما يريد، إن أراد لبنا وإن أراد شرابا آخر من الأشربة، ففعلوا فوجدوا الامر على ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يأمرك أيها الطائر أن تعود كما كنت، ويأمر هذه الأجنحة والمناقير والريش والزغب التي قد استحالت إلى البقل والقثاء والبصل و الفوم أن تعود جناحا وريشا وعظما كما كانت على قدر قلتها فانقلبت وعادت أجنحة وريشا وزغبا وعظما ثم تركبت على قدر الطائر كما كانت، ثم قال
رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الطائر إن الله يأمر الروح التي كانت فيك فخرجت أن تعود إليك، فعادت روحه في جسده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الطائر إن الله يأمرك أن تقوم وتطير كما كنت تطير، فقام وطار في الهواء وهم ينظرون إليه، ثم نظروا إلى ما بين أيديهم فإذا لم يبق هناك من ذلك البقل والقثاء والبصل والفوم شئ.
الإحتجاج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام قال يوما في مجلسه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أمر بالمسير إلى تبوك أمر بأن يخلف عليا عليه السلام بالمدينة.
أقول: وساق الحديث مثل ما مر إلى قوله: ولكنهم قوم لا ينصفون، بل يكابرون.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.