پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب غزوة تبوك وقصة العقبة

ج ۲۱، ص ۱۸۵–۲۱۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۱

وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير * إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا.

إلى قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين * لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين * لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون * قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون * قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم

منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون " 37 - 57 ".

إلى قوله سبحانه: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " 61 ".

إلى قوله: يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين " 63 ".

إلى قوله: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين.

إلى قوله: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير " 74 ".

وقال تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسون * فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم

وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم * وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم * ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون * يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون * سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (81 - 96).

إلى قوله سبحانه: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " 102 ".

إلى قوله تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم " 106 ".

إلى قوله سبحانه: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم " 118 ".

إلى قوله: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطأ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح أن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزي الله أحسن ما كانوا يعملون " 121.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ": قيل: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك عن مجاهد، وقيل: هي على العموم. " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " أي موسى وعيسى من كتمان بعث محمد صلى الله عليه وآله، أو ما حرمه محمد صلى الله عليه وآله " ولا يدينون دين الحق " أي دين الله، أو لا يعترفون بالاسلام الذي هو الدين الحق " من الذين أوتوا الكتاب " وصف الذين ذكرهم بأنهم من أهل الكتاب " حتى يعطوا الجزية عن يد " أي نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب أو عن قدرة لكم عليهم وقهر لهم، أو يد لكم عليهم ونعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية منهم " وهم صاغرون " أي ذليلون مقهورون.

وقال في قوله تعالى: " انفروا في سبيل الله " أي اخرجوا إلى مجاهدة المشركين قال المفسرون: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، و ذلك في زمان إدراك الثمرات فأحبوا المقام في المسكن والمال، وشق عليهم الخروج إلى القتال، وكان صلى الله عليه وآله قل ما خرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها إلا غزوة تبوك لبعد شقتها، وكثرة العدو ليتأهب الناس فأخبرهم بالذي يريد

فلما علم الله سبحانه تثاقل الناس أنزل الآية وعاتبهم على التثاقل. " أرضيتم " استفهام إنكار، أي آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية " فما متاع " أي فما فوائد الدنيا ومقاصدها في فوائد الآخرة ومقاصدها " إلا قليل " لانقطاع هذه ودوام تلك " يعذبكم " أي في الآخرة أو في الدنيا " ويستبدل " بكم " قوما غيركم " لا يتخلفون عن الجهاد، قيل: هم أبناء فارس، وقيل: أهل اليمن، و قيل: هم الذين أسلموا بعد نزول هذه الآية " ولا تضروه " أي ولا تضروا الله بهذا القعود شيئا لأنه غني، أو لا تضروا الرسول، لان الله عاصمه وناصره بالملائكة أو بقوم آخرين " انفروا " أي اخرجوا إلى الغزو " خفافا وثقالا " أي شبانا و شيوخا، وقيل: نشاطا وغير نشاط، أو مشاغيل وغير مشاغيل، أو أغنياء وفقراء وقيل: أراد بالخفاف أهل العسرة من المال وقلة العيال، وبالثقال أهل الميسرة في المال وكثرة العيال وقيل: ركبانا ومشاة، وقيل: ذا ضيعة وغير ذي ضيعة وقيل: عزابا ومتأهلين، والوجه أن يحمل على الجميع " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " وهذا يدل على أن الجهاد بالنفس والمال واجب على من استطاع بهما، ومن لم يستطع على الوجهين فعليه أن يجاهد بما استطاع " ذلكم خير لكم " من التثاقل " إن كنتم تعلمون " أن الله صادق في وعده ووعيده، قال السدي:

لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله: " ليس على الضعفاء " الآية.

" لو كان عرضا قريبا " أي لو كان ما دعوتهم إليه غنيمة حاضرة " وسفرا قاصدا " أي قريبا هينا، وقيل: أي ذا قصد، وقيل: سهلا متوسطا غير شاق " لاتبعوك " طمعا في المال " ولكن بعدت عليهم الشقة " أي المسافة، يعني غزوة تبوك، أمروا فيها بالخروج إلى الشام " وسيحلفون بالله " فيه دلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وآله، إذ

أخبر بحلفهم قبل وقوعه " يهلكون أنفسهم " بما أسروه من الشرك وقيل: باليمين الكاذبة، والعذر الباطل " والله يعلم إنهم لكاذبون " في هذا الاعتذار والحلف " عفا الله عنك لم أذنت لهم " في التخلف عنك " حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " أي حتى تعرف من له العذر منهم في التخلف، ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على علم، قال ابن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يعرف المنافقين يومئذ، وقيل: إنه إنما خيرهم بين الظعن والإقامة متوعدا لهم ولم يأذن لهم، فاغتنم القوم ذلك، وفي هذا إخبار من الله سبحانه أنه كان الأولى أن يلزمهم الخروج معه حتى إذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم، لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم أن للنفاق كان تأخرهم أم لغيره. وكان الذين استأذنوه منافقين، ومنهم الجد بن قيس ومعتب بن قشير، وهما من الأنصار.

أقول: قد مر الكلام في هذه الآية في باب عصمته صلى الله عليه وآله.

وقال في قوله تعالى: " لا يستأذنك " أي في القعود، وقيل: في الخروج لأنه مستغن عنه بدعائك، بل يتأهب له " أن يجاهدوا " أي في أن يجاهدوا " وارتابت قلوبهم " أي اضطربت وشكت " فهم في ريبهم يترددون " أي في شكهم يذهبون و يرجعون ويتحيرون، وأراد به المنافقين، أي يتوقعون الاذن لشكهم في دين الله وفيما وعد المجاهدون، ولو كانوا مخلصين لوثقوا بالنصر وبثواب الله فبادروا إلى الجهاد ولم يستأذنوك فيه " ولو أرادوا الخروج " في الجهاد كالمؤمنين " لاعدوا له عدة " أي أهبة الحرب من الكراع والسلاح " ولكن كره الله انبعاثهم " أي خروجهم إلى الغزو لعلمه إنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين، وكانوا عيونا للمشركين. وكان الضرر في خروجهم أكثر من الفائدة " فثبطهم " عن

الخروج الذي عزموا عليه، لا عن الخروج الذي أمرهم به، لان الأول كفر، و الثاني طاعة " وقيل اقعدوا مع القاعدين " أي مع النساء والصبيان والقائلون أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله للجهاد أو النبي صلى الله عليه وآله على وجه التهديد والوعيد، لا على وجه الاذن، ويجوز أن يكون على وجه الاذن لهم في العقود الذي عاتبه الله عليه، إذ كان الأولى أن لا يأذن لهم ليظهر للناس نفاقهم، ثم بين سبحانه وجه الحكمة في كراهية انبعاثهم وتثبيطهم عن الخروج فقال: " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا " أي شرا وفسادا، وقيل: غدرا ومكرا، و قيل: عجزا وجبنا، أي أنهم كانوا يجبنونكم عن لقاء العدو بتهويل الامر عليكم " ولأوضعوا خلالكم " أي لأسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب والافساد والنميمة يريد ولسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين، وقيل: أي لأوضعوا إبلهم خلالكم يتخلل الراكب الرجلين حتى يدخل بينهما فيقول ما لا ينبغي " يبغونكم الفتنة " بعدو الإبل وسطكم، ومعنى يبغونكم يبغون لكم أو فيكم، أي يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة والفرقة، وقيل أي يبغونكم أن تكونوا مشركين، والفتنة:

الشرك، وقيل: أي يخوفونكم بالعدو، ويخبرونكم أنكم منهزمون وأن عدوكم سيظهر عليكم " وفيكم سماعون لهم " أي وفيكم عيون للمنافقين ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، وقيل: معناه وفيكم قابلون منهم عند سماع قولهم، يريد ضعفة المسلمين " والله عليم بالظالمين " أي بهؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم، لما أضمروا عليه من الفساد، منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، وأوس بن قبطي ثم أقسم الله سبحانه فقال: " لقد ابتغوا الفتنة من قبل " الفتنة اسم يقع على كل سوء و شر، والمعنى لقد طلب هؤلاء المنافقون اختلاف كلمتكم، وتشتيت أهوائكم، و افتراق آرائكم من قبل غزوة تبوك، أي في يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي بأصحابه، وخذل النبي صلى الله عليه وآله فصرف الله سبحانه عن المسلمين فتنتهم، وقيل: أراد

بالفتنة صرف الناس عن الايمان، وإلقاء الشبهة إلى ضعفاء المسلمين، وقيل: أراد بالفتنة الفتك بالنبي صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك ليلة العقبة، وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على الثنية ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وآله عن ابن جبير وابن جريح " وقلبوا لك الأمور " أي احتالوا في توهين أمرك، وإيقاع الاختلاف بين المؤمنين وفي قتلك بكل ما أمكنهم فيه فلم يقدروا عليه، وقيل: إنهم كانوا يريدون في كيده وجها من التدبير فإذا لم يتم ذلك فيه تركوه وطلبوا المكيدة في غيره، فهذا تقليب الأمور " حتى جاء الحق " أي النصر والظفر " وظهر أمر الله " أي دينه، و هو الاسلام وظفر المسلمين " وهم كارهون " أي في حال كراهتهم لذلك " ومنهم من يقول ائذن لي " قيل إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما استنفر الناس إلى تبوك قال:

انفروا لعلكم تغنمون بنات الأصفر، فقام جد بن قيس أخو بني سلمة من بني الخزرج فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر فإني أخاف أن أفتن بهن، فقال: قد أذنت لك فنزلت، عن ابن عباس ومجاهد، فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبني سلمة: من سيدكم؟ قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان، فقال صلى الله عليه وآله: وأي داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد: بشر بن براء بن معرور " ولا تفتني " أي ببنات الأصفر، قال الفراء: سميت الروم أصفر لان حبشيا غلب على ناحية الروم، فكان له بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشية، فكن صفرا لعسا وقيل: معناه لا تؤثمني بمخالفة أمرك في الخروج

وذلك غير متيسر لي " ألا في الفتنة سقطوا " أي في العصيان والكفر وقعوا بمخالفتهم أمرك وقيل: معناه لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر. ألا قد سقطوا في حر أعظم من ذلك وهو حر جهنم " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها " إن تصبك حسنة " أي نعمة من الله وفتح وغنيمة " تسؤهم " يحزن المنافقون بها " وإن تصبك مصيبة " أي شدة ونكبة " يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل " أي أخذنا حذرنا واحترزنا بالقعود من قبل هذه المصيبة " و يتولوا وهم فرحون " بما أصاب المؤمنين " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " أي كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو مما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ من أمرنا، وليس على ما تظنون من إهمالنا، وقيل: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتبه الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا، وإنا نظفر بالأعداء فتكون النصرة حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا فقد كتب الله لنا ما يصيبنا وعملنا ما لنا فيه الحظ " هو مولانا " أي مالكنا ونحن عبيده، أو ولينا وناصرنا " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " أمر من الله تعالى بالتوكل " قل هل تربصون بنا " أي هل تنتظرون لنا " إلا إحدى الحسنيين " أي إحدى الخصلتين الحميدتين: إما الغلبة والغنيمة في العاجل، وإما الشهادة والثواب الدائم في الآجل " ونحن نتربص بكم " أي نتوقع لكم " أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا " أي يوقع الله بكم عذابا من عنده يهلككم به، أو بأن ينصرنا عليكم فيقتلكم بأيدينا " فتربصوا " أمر للتهديد " إنا معكم متربصون " أي منتظرون إما الشهادة والجنة، وإما الغنيمة والاجر لنا، وإما البقاء في الذل والخزي وإما الموت والقتل مع المصير إلى النار لكم.

" قل أنفقوا طوعا أو كرها " أي طائعين أو مكرهين " لن يتقبل منكم إنكم .

كنتم قوما فاسقين " أي إنما لم يتقبل منكم لأنكم كنتم متمردين عن طاعة الله " وما منعهم " أي ما يمنع هؤلاء المنافقين أن يثابوا على نفقاتهم إلا كفرهم بالله و برسوله، وذلك مما يحبط الأعمال " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى " أي متثاقلين " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " لذلك لأنهم إنما يصلون وينفقون للرياء والتستر بالاسلام، لا لابتغاء مرضاة الله " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد جميع المؤمنين، وقيل: لا تعجبك أيها السامع، أي لا تأخذ بقلبك ما تراه من كثرة أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم ولا تنظر إليهم بعين الاعجاب " إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا " فيه وجوه: أحدها أن فيه تقديما وتأخيرا، أي لا نسرك أموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، عن ابن عباس وقتادة.

وثانيها: إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا بالتشديد عليهم في التكليف وأمرهم بالانفاق في الزكاة والغزو فيؤدونها على كره منهم، ومشقة، إذ لا يرجون به ثوابا في الآخرة فيكون ذلك عذابا لهم.

وثالثها: أن معناه إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا، أي بسبي الأولاد وغنيمة الأموال عند تمكن المؤمنين من أخذها وغنمها فيتحسرون عليها، ويكون ذلك جزاء على كفرهم.

ورابعها: أن المراد: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها وكل هذا عذاب، وكذلك خروجهم عنها بالموت، لأنهم يفارقونها ولا يدرون إلى ما ذا يصيرون.

وخامسها: إنما يريد الله ليعذبهم بحفظها والمصائب فيها مع حرمان المنفعة بها واللام في قوله: " ليعذبهم " يحتمل أن تكون لام العاقبة والتقدير إنما

يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم " وتزهق أنفسهم " أي تهلك " وهم كافرون " في موضع الحال " ويحلفون بالله إنهم لمنكم " أي يقسم هؤلاء المنافقون إنهم من جملتكم أي مؤمنون أمثالكم " وما هم منكم " أي ليسوا مؤمنين بالله " ولكنهم قوم يفرقون " أي يخافون القتل والأسر إن لم يظهروا الايمان " لو يجدون ملجأ " أي حرزا أو حصنا " أو مغارات " أي غيرانا في الجبال أو سراديب " أو مدخلا " أي موضع دخول يأوون إليه، وقيل: نفقا كنفق اليربوع، وقيل: أسرابا في الأرض عن ابن عباس وأبي جعفر عليه السلام، وقيل: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله " لولوا إليه " أي لعدلوا إليه، وقيل: لأعرضوا عنكم إليه " وهم يجمحون " أي يسرعون في الذهاب إليه " ومنهم الذين " قيل: إنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون فنزلت.

أقول: سيأتي تفسير الآيات في باب جمل ما جرى بينه وبين أصحابه صلى الله عليه وآله.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يحذر المنافقون " قيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وآله عند رجوعه من تبوك، فأخبر جبرئيل عليه السلام رسول الله بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم، و عمار كان يقود دابة رسول الله صلى الله عليه وآله وحذيفة يسوقها، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم فقال: لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه فلان وفلان حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم عن ابن كيسان، وروي عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلا أنه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن نقتله، وقيل: إن جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك:

ظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله على ذلك فقال: " احبسوا علي الركب " فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا، يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، وحلفوا على ذلك فنزلت الآية " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " عن الحسن وقتادة، و قيل: كان ذلك عند منصرفه من تبوك إلى المدينة، فكان بين يديه أربعة نفر أو ثلاثة نفر يستهزؤن ويضحكون، واحدهم يضحك ولا يتكلم، فنزل جبرئيل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فدعا عمار بن ياسر وقال: إن هؤلاء يستهزؤن بي وبالقرآن أخبرني جبرئيل بذلك، ولئن سألتهم ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب.

فاتبعهم عمار وقال لهم: لم تضحكون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب، فقال عمار: صدق الله وصدق رسوله، احترقتم، أحرقكم الله، فأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله يعتذرون، فأنزل الله الآيات، عن الكلبي وعلي بن إبراهيم وأبي حمزة، وقيل:

إن رجلا قال في غزوة تبوك: ما رأيت أكذب لسانا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء يعني رسول الله وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، و أراد أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فجاءه وقد سبقه الوحي، فجاء الرجل معتذرا وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، ففيه نزلت الآية، عن ابن عمر وزيد بن أسلم و محمد بن كعب، وقيل: إن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، أو ما يدريه ما أمر الغيث فنزلت الآية، عن مجاهد، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه عن الضحاك " أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم " فيه قولان:

أحدهما: أنه إخبار بأنهم يخافون أن يفشوا سرائرهم، وقيل: إن ذلك الحذر أظهروه على وجه الاستهزاء.

والثاني: أن لفظه الخبر ومعناه الامر، " قل استهزؤا " أمر على الوعيد " إن الله مخرج ما تحذرون " أي مبين لنبيه صلى الله عليه وآله باطن حالكم ونفاقكم " و لئن سألتهم " عن طعنهم في الدين واستهزائهم بالنبي صلى الله عليه وآله و بالمسلمين " ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " اللام للتأكيد والقسم، أي لقالوا كنا نخوض خوض الركب في الطريق لا على طريق الجد " قل أبالله وآياته " أي حججه وبيناته وكتابه ورسوله " كنتم تستهزؤون " ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم: " لا تعتذروا " بالمعاذير الكاذبة " قد كفرتهم بعد إيمانكم " أي بعد إظهاركم الايمان " إن نعف عن طائفة منكم " إذا تابوا " نعذب طائفة " لم يتوبوا " بأنهم كانوا مجرمين " أي كافرين مصرين على النفاق.

قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " أقول: قد مر في باب إعجاز القرآن أنها نزلت في غزوة تبوك وقصصها، قال: يعني أنهم حلفوا كاذبين: ما قالوا ما حكي عنهم، ثم حقق عليهم وأقسم بأنهم قالوا ذلك " وكفروا بعد إسلامهم " يعني ظهر كفرهم بعد أن كانا باطنا. " وهموا بما لم ينالوا " فيه أقوال.

أحدها أنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله ليلة العقبة والتنفير بناقته.

وثانيها: أنهم هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وآله من المدينة فلم يبلغوا ذلك.

وثالثها: أنهم هموا بالفساد والتضريب بين أصحابه. ونقم منه شيئا، أي أنكر وعاب. " فرح المخلفون " أي المنافقون الذين خلفهم النبي صلى الله عليه وآله ولم يخرجهم معه إلى تبوك لما استأذنوه في التأخر " بمقعدهم " أي بقعودهم عن الجهاد " خلاف رسول الله " أي بعده، وقيل: بمخالفتهم له " وقالوا " أي للمسلمين، أو بعضهم لبعض: " لا تنفروا " أي لا تخرجوا إلى الغزو " في الحر قل نار جهنم " التي وجبت لهم بالتخلف عن أمر الله " أشد حرا " من هذا الحر " لو كانوا يفقهون " أوامر الله ووعده ووعيده " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " هذا تهديد لهم في

صورة الامر أي فليضحك هؤلاء المنافقون في الدنيا قليلا، لان ذلك يفنى، وإن دام إلى الموت، ولان الضحك في الدنيا قليل لكثرة أحزانها وهمومها، و ليبكوا كثيرا في الآخرة لان ذلك يوم مقداره خمسون ألف سنة " فإن رجعك الله " أي ردك الله عن غزوتك هذه وسفرك هذا " إلى طائفة منهم " أي من المنافقين الذين تخلفوا عنك وعن الخروج معك " فاستأذنوك للخروج " معك إلى غزوة أخرى " فقل " لهم " لن تخرجوا معي أبدا " إلى غزوة " ولن تقاتلوا معي عدوا " ثم بين تعالى سبب ذلك فقال: " إنكم رضيتم بالقعود أول مرة " أي عن غزوة تبوك " فاقعدوا مع الخالفين " في كل غزوة.

واختلف في المراد بالخالفين فقيل: معناه مع النساء والصبيان، وقيل: مع الرجال الذين تخلفوا من غير عذر، وقيل: مع المخالفين، قال الفراء: يقال:

فلان عبد خالف، وصاحب خالف: إذا كان مخالفا، وقيل: مع الخساس والأدنياء، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان أدونهم، وقيل: مع أهل الفساد، من قولهم:

خلف الرجل على أهله خلوفا: فسد وقيل: مع المرضى والزمني وكل من تأخر لنقص " ولا تصل علي أحد منهم " أي من المنافقين " مات أبدا " أي بعد موته " ولا تقم على قبره " للدعاء فإنه صلى الله عليه وآله كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة ويدعو له، فما صلى بعد ذلك على منافق حتى قبض.

وروي أنه صلى الله عليه وآله صلى على عبد الله بن أبي وألبسه قميصه قبل أن ينهى عن الصلاة على المنافقين وقيل أراد صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه فأخذ جبرئيل بثوبه وتلا عليه " لا تصل على أحد منهم مات أبدا " وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: لم وجهت بقميصك إليه يكفن فيه وهو كافر؟! فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا وإني أؤمل من الله أن يدخل بهذا السبب في الاسلام خلق كثير " فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاع بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، ذكره الزجاج

وقال الأكثر في الرواية أنه لم يصل عليه " ولا تعجبك " إنما كرر للتذكير في موطنين مع بعد أحدهما من الآخر، ويجوز أن تكون الآيتان في فريقين من المنافقين " استأذنك " أي في العقود " أولوا الطول " أي أولوا المال والقدرة " منهم " أي من المنافقين " مع القاعدين " أي المتخلفين عن الجهاد من النساء والصبيان " مع الخوالف " أي النساء والصبيان والمرضى والمقعدين " وجاء المعذرون من الاعراب " أي المقصرون الذين يعتذرون وليس لهم عذر، وقيل: هم المعتذرون الذين لهم عذر وهم نفر من بني غفار عن ابن عباس " ليؤذن لهم " في التخلف " وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " أي وقعدت طائفة من المنافقين من غير اعتذار " ليس على الضعفاء " قيل: نزلت في عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير ضعيف الحال، نحيف الجسم وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي صلى الله عليه وآله فأنزل الله الآية، وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه، والضعفاء هم الذين قوتهم ناقصة بالزمانة والعجز عن ابن عباس: وقيل هم الذين لا يقدرون على الخروج " ولا على المرضى " وهم أصحاب العلل المانعة من الخروج " ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون " أي من ليست معه نفقة الخروج وآلة السفر " حرج " أي ضيق وجناح في التخلف و ترك الخروج " إذا نصحوا لله ورسوله " بأن يخلصوا العمل من الغش " ما على المحسنين من سبيل " أي ليس على من يفعل الحسن الجميل في التخلف عن الجهاد أو مطلقا طريق للتقريع في الدنيا والعذاب في الآخرة " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " أي يسألونك مركبا يركبونه فيخرجون معك " قلت لا أجد ما أحملكم عليه " أي مركبا، ولا ما أسوي به أمركم " حزنا أن لا يجدوا " أي لحزنهم على أن لا يجدوا " يعتذرون إليكم " من تأخرهم عنكم بالأباطيل والكذب " إذا رجعتم إليهم " من غزوة تبوك " لن نؤمن لكم " أي لا نصدقكم على ما تقولون " قد نبأنا الله من أخباركم " ما علمنا به كذبكم، وقيل: أراد به قوله: " لو خرجوا فيكم ما زادوكم

إلا خبالا " الآية " وسيرى الله عملكم ورسوله " أي سيعلم الله فيما بعد ورسوله عملكم هل تتوبون من نفاقكم أم تتمون عليه، وقيل: سيعلم الله أعمالكم وعزائمكم في المستقبل، ويظهر ذلك لرسوله، فيعلمه الرسول بإعلامه إياه " ثم تردون " بعد الموت " إلى عالم الغيب والشهادة " أي الذي يعلم ما غاب وما حضر ولا يخفى عليه السر والعلانية " فينبئكم بما كنتم تعملون " أي فيخبركم بأعمالكم كلها: حسنها و قبيحها فيجازيكم عليها أجمع " سيحلفون بالله لكم " أي سيقسم هؤلاء المنافقون المتخلفون فيما يعتذرون به إليكم " إذا انقلبتم إليهم " أنهم إنما تخلفوا بعذر " لتعرضوا عنهم " أي لتصفحوا عن جرمهم ولا توبخوهم " فأعرضوا عنهم " إعراض رد وإنكار وتكذيب " إنهم رجس " أي نجس ومعناه أنهم كالشئ المنتن الذي يجب الاجتناب عنه.

" وآخرون اعترفوا بذنوبهم " قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وثعلبة بن وديعة، وأوس بن حذام، تخلفوا عن رسول الله عند مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما أنزل فيمن تخلف عن نبيه صلى الله عليه وآله أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله محلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر، فلما نزل " عسى الله أن يتوب عليهم عمد رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فحلهم فانطلقوا فجاؤوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها وتصدق بها عنا فقال صلى الله عليه وآله: ما أمرت فيها بأمر، فنزل " خذ من أموالهم صدقة " الآيات، وقيل: إنهم كانوا عشرة رهط، منهم أبو لبابة، عن ابن عباس

وقيل: كانوا ثمانية منهم أبو لبابة، وهلال، وكردم، وأبو قيس عن ابن جبير و زيد بن أسلم، وقيل: كانوا سبعة، وقيل: خمسة، وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنها نزلت في أبي لبابة، ولم يذكر معه غيره، وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح، وبه قال مجاهد، وقيل: نزلت فيه خاصة حين تأخر عن النبي صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية على ما تقدم ذكره، عن الزهري قال: ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله، قال: " يجزيك يا أبا لبابة الثلث " وفي جميع الأقوال أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ثلث أموالهم وترك الثلثين لان الله تعالى قال: " خذ من أموالهم " ولم يقل: خذ أموالهم " وآخرون مرجون لأمر الله " أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله فيهم، قال مجاهد وقتادة:

نزلت الآية في هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، و هم من الأوس والخزرج، وكان كعب رجل صدق غير مطعون عليه، وإنما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى فاته المسير، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: والله مالي من عذر، ولم يعتذر إليه بالكذب، فقال صلى الله عليه وآله: " صدقت قم حتى يقضي الله فيك أمره " وجاء الآخران فقالا مثل ذلك، وصدقا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن مكالمتهم وأمر نساءهم باعتزالهم " حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت " فأقاموا على ذلك خمسين ليلة، وبنى كعب خيمة على سلع يكون فيها وحده، وقال في ذلك:

أبعد دور بني القين الكرام وما * شادوا علي بنيت البيت من سعف ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل وهي قوله " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " الآية، فأصبح المسلمون يبتدرونهم ويبشرونهم، قال كعب: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد وكان صلى الله عليه وآله إذا سر يستبشر كأن وجهه فلقة قمر، فقال لي ووجهه يبرق من السرور: " أبشر بخير يوم طلع عليك شرفه مذ ولدتك أمك "

قال كعب: فقلت له: أمن عند الله أم من عندك يا رسول الله؟ فقال: من عند الله، و تصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته.

" لقد تاب الله " نزلت في غزاة تبوك وما لحق المسلمين فيها من العسرة حتى هم قوم بالرجوع، ثم تداركهم لطف الله سبحانه، قال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، والإهالة السنخة وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمر فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب عليها جرعة من ماء، كذلك حتى يأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة.

قالوا: وكان أبو خيثمة عبد الله بن خيثمة تخلف إلى أن مضى من مسير رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة أيام، ثم دخل يوما على امرأتين له في يوم حار في عريشين لهما قد رشتاهما وبردتا الماء وهيأتا له الطعام، فقام على العريشين وقال:

سبحان الله! رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح والحر والقر يحمل سلاحه على عاتقه، وأبو خيثمة في ظلال باردة، وطعام مهيأ، وامرأتين حسناوين، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أكلم واحدة منكما كلمة، ولا أدخل عريشا حتى ألحق بالنبي صلى الله عليه وآله، فأناخ ناضحة واشتد عليه وتزود وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما، ثم سار حتى إذا دنا من تبوك

قال الناس: هذا راكب على الطريق، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " كن أبا خيثمة أولى لك " فلما دنا قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فأناخ راحلته و سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أولى لك " فحدثه الحديث فقال له خيرا ودعا له وهو الذي زاع قلبه للمقام ثم ثبته الله " على النبي والمهاجرين والأنصار " إنما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله مفتاحا للكلام، وتحسينا له، ولأنه سبب توبتهم، و إلا فلم يكن منه ما يوجب التوبة، وقد روي عن الرضا عليه السلام أنه قرأ " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه - في الخروج معه إلى تبوك - في ساعة العسرة " وهي صعوبة الامر، قال جابر: يعني عسرة الزاد وعسرة الظهر، وعسرة الماء، والمراد وقت العسرة، لان الساعة تقع على كل زمان " من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم " عن الجهاد فهموا بالانصراف فعصمهم الله " ثم تاب عليهم " بعد ذلك الزيغ " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " أي عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم من المنافقين كما قال: وآخرون مرجون لأمر الله " أو خلفوا عن غزاة تبوك لما تخلفوا، وأما قراءة أهل البيت عليهم السلام " خالفوا " فإنهم قالوا: لو كانوا خلفوا لما توجه عليهم العتب، ولكنهم خالفوا وهذه الآية نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، و ذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يخرجوا معه لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة جاؤوا إليه واعتذروا فلم يكلمهم

النبي صلى الله عليه وآله، وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلن: يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال:

لا و لكن لا يقربوكن. فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيؤن لهم بالطعام ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس، ولا يكلمنا أحد فهلا نتهاجر نحن أيضا؟ فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوما يتضرعون إلى الله ويتوبون إليه، فقبل الله توبتهم، وأنزل فيهم هذه الآية " حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت " أي برحبها وهذه صفة من بلغ غاية الندم حتى كأنه لا يجد لنفسه مذهبا، لأنه كان نزلت توبة الناس ولم تنزل توبتهم لتشديد المحنة عليهم واستصلاحهم واستصلاح غيرهم لئلا يعودوا إلى مثله " وضاقت عليهم أنفسهم " عبارة عن المبالغة في الغم حتى كأنهم لم يجدوا لأنفسهم موضعا يخفونها فيه.

وقيل: معنى ضيق أنفسهم صدورهم بالهم الذي حصل لهم فيها " وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه " أي أيقنوا وعملوا أن لا معتصم من الله إلا به " ثم تاب عليهم ليتوبوا " أي سهل الله عليهم التوبة حتى تابوا وقيل: ليعودوا إلى حالتهم الأولى قبل المعصية، وقيل: أنزل توبة الثلاثة ليتوب المؤمنون من ذنوبهم " ما كان لأهل المدينة " ظاهره خبر ومعناه نهي، أي ما كان يجوز " ومن حولهم من الاعراب " قيل إنهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم " أن يتخلفوا عن رسول الله " أي في غزوة تبوك " ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " أي يطلبوا نفع نفوسهم بتوقيتها دون نفسه وقيل: ولا يرضوا لأنفسهم بالحفظ والدعة، ورسول الله في الحر والمشقة، يقال: رغبت بنفسي عن هذا الامر، أي ترفعت عنه، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي صلى الله عليه وآله " ذلك " أي ذلك النهي والزجر عن التخلف " بأنهم لا يصيبهم ظمأ " أي عطش " ولا نصب ". ولا تعب في أبدانهم " ولا مخمصة " وهي شدة الجوع " في سبيل الله " أي في طاعته " ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار " أي لا يضعون أقدامهم موضعا يغيظ

الكفار وطؤهم إياه أي دار الحرب " ولا ينالون من عدو نيلا " أي ولا يصيبون من المشركين أمرا من قتل أو جراحة أو مال أمر يغمهم ويغيظهم " إلا كتب لهم به عمل صالح " وطاعة رفيعة " إن الله لا يضيع أجر المحسنين " أي الذين يفعلون الأفعال الحسنة " ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة " في الجهاد ولا في غيره من سبل الخير والمعروف " ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم " ثواب ذلك " ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " أي يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها بقدر استحقاقهم، ويزيدهم من فضله حتى يصير الثواب أكثر وأحسن من عملهم، وقيل: إن الأحسن من صفة فعلهم، لان الأعمال على وجوه: واجب، ومندوب، ومباح. وإنما يجازى على الواجب والمندوب دون المباح، فيقع الجزاء على أحسن الأعمال.

بيان: قال في القاموس: اللعس بالتحريك: سواد مستحسن في الشفة، لعس كفرح، والنعت ألعس ولعساء من لعس. والسرب: الحفير تحت الأرض. والقين الحداد، وبنو القين حي من أسد. وشاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد، وهو ما طلي به حائط من جص ونحوه. وقوله: " على " متعلق بقوله: بنيت، أو حال عن الدور وفي بعض النسخ: شاروا بالراء، من قولهم: شرت الدابة شورا: عرضتها على البيع فالظرف متعلق بقوله: شاروا، والشورة والشارة: الحسن، والهيئة، واللباس، و الزينة، والشوار: متاع البيت. والدال أنسب.

وفي النهاية: كل شئ من الادهان مما يؤتدم به إهالة، وقيل: هو ما أذيب من الالية والشحم، وقيل: الدسم الجامد. والنسخة المتغيرة الريح. وقال: في حديث أبي خيثمة: يكون رسول الله في الضح والريح، وأنا في الظل، أي يكون بارزا لحر الشمس وهبوب الرياح، والضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض هكذا هو أصل الحديث ومعناه. وذكره الهروي فقال: أراد كثرة الخيل والجيش يقال: جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وهبت عليه الريح يغنون المال الكثير والأول أشبه بهذا الحديث.

وقال في قوله: كن أبا خيثمة: أي صر، يقال للرجل يرى من بعد: كن فلانا أي أنت فلان، أو هو فلان، وقال: أولى لك، أي قرب منك ما نكره، وهي كلمة تلهف يقولها الرجل إذا أفلت من عظيمة، وقيل: هي كلمة تهدد ووعيد، قال الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه.

1 - الإرشاد: ثم كانت غزاة تبوك، فأوحى الله عز اسمه إلى نبيه صلى الله عليه وآله: أن يسير إليها بنفسه، ويستنفر الناس للخروج معه، وأعلمه أنه لا يحتاج فيها إلى حرب، ولا يمني بقتال عدو، وأن الأمور تنقاد له بغير سيف، وتعيده بامتحان أصحابه بالخروج معه، واختبارهم ليتميزوا بذلك، وتظهر به سرائرهم، فاستنفرهم النبي صلى الله عليه وآله إلى بلاد الروم، وقد أينعت ثمارهم واشتد القيظ عليهم، فأبطأ أكثرهم عن طاعته، رغبة في العاجل، وحرصا على المعيشة وإصلاحها، وخوفا من شدة القيظ و بعد المسافة، ولقاء العدو، ثم نهض بعضهم على استثقال للنهوض، وتخلف آخرون ولما أراد النبي صلى الله عليه وآله الخروج استخلف أمير المؤمنين في أهله وولده وأزواجه ومهاجره، وقال: يا علي إن المدينة لا تصلح إلا بي أوبك، ودلك أنه صلى الله عليه وآله علم خبث نيات الاعراب، وكثير من أهل مكة ومن حولها ممن غزاهم وسفك دماءهم فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها وحصوله ببلاد الروم أو نحوها فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن من معرتهم وإيقاع الفساد في دار هجرته والتخطي إلى ما يشين أهله ومخلفيه، وعلم صلى الله عليه وآله أنه لا يقوم مقامه في إرهاب العدو وحراسة دار الهجرة وحياطة من فيها إلا أمير المؤمنين عليه السلام، فاستخلفه استخلافا ظاهرا، و

نص عليه بالإمامة من بعده نصا جليا، وذلك فيما تظاهرت به الرواية أن أهل النفاق لما علموا باستخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله عليا على المدينة حسدوه لذلك، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنها تتحرس به ولا يكون فيها للعدو مطمع، فساءهم ذلك، وكانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الفساد و الاختلاط عند نأي رسول الله صلى الله عليه وآله عن المدينة، وخلوها من مرهوب مخوف يحرسها وغبطوه عليه السلام على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله، وتكلف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر، فأرجفوا به عليه السلام وقالوا: لم يستخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله إكراما له، وإجلالا ومودة. وإنما خلفه استثقالا له، فبهتوا بهذا الارجاف كبهت قريش للنبي صلى الله عليه وآله بالجنة تارة، وبالشعر أخرى، وبالسحر مرة، و بالكهانة أخرى، وهم يعلمون ضد ذلك ونقيضه، كما علم المنافقون ضد ما أرجفوا به على أمير المؤمنين عليه السلام وخلافه، وأن النبي صلى الله عليه وآله كان أخص الناس بأمير المؤمنين عليه السلام، وكان هو أحب الناس إليه وأسعدهم عنده، وأفضلهم لديه فلما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن المنافقين يزعمون أنك خلفتني استثقالا ومقتا فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " ارجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ " فتضمن هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله نصه عليه بالإمامة، وإبانته من الكافة بالخلافة، ودل به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، وأوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلا ما خصه العرف من

الاخوة واستثناه هو من النبوة، ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله جعل له كافة منازل هارون من موسى إلا المستثنى منها لفظا وعقلا، وقد علم من تأمل معاني القرآن و تصفح الروايات والاخبار أن هارون كان أخا موسى عليه السلام لأبيه وأمه، وشريكه في أمره، ووزيره على نبوته، وتبليغه رسالات ربه، وأن الله سبحانه شد به أزره وأنه كان خليفته على قومه، وكان له من الإمامة عليهم وفرض الطاعة كإمامته وفرض طاعته، وأنه كان أحب قومه إليه، وأفضلهم لديه، قال الله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام: " رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري " الآية، فأجاب الله تعالى مسألته، وأعطاه أمنيته حيث يقول: " قد أوتيت سؤلك يا موسى " وقال تعالى حاكيا عن موسى: " وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " فلما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلا ما خصه العرف من الاخوة واستثناه من النبوة لفظا، وهذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من المخلوقين أمير المؤمنين، ولا ساواه في معناها ولا قاربه فيها على حال، ولو علم الله عز وجل أن لنبيه صلى الله عليه وآله في هذه الغزاة حاجة إلى الحرب والأنصار لما أذن له في تخليف أمير المؤمنين عليه السلام عنه

حسب ما قدمناه، بل علم أن المصلحة في استخلافه، وأن إقامته في دار هجرته مقامه أفضل الأعمال، فدبر الخلق والدين بما قضاه في ذلك وأمضاه، على ما بيناه وشرحناه.

أقول: سيأتي تمام القول في هذا الخبر، وكونه نصا على إمامته عليه السلام في أبواب النصوص عليه صلوات الله عليه.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: " انفروا خفافا وثقالا " قال: شبابا وشيوخا، يعني إلى غزوة تبوك، وفي رواية أبي الجارود في قوله: " لو كان عرضا قريبا " يقول: غنيمة قريبة " لاتبعوك " قوله: " ولكن بعدت عليهم الشقة " يعني إلى تبوك، وذلك أن رسول الله لم يسافر سفرا أبعد منه، ولا أشد منه، وكان سبب ذلك أن الصيافة كانوا يقدمون المدينة من الشام معهم الدرنوك والطعام وهم الأنباط فأشاعوا بالمدينة أن الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله صلى الله عليه وآله في عسكر عظيم، وأن هرقل قد سار في جنوده وجلب معهم غسان وجذام وفهرا وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء، ونزل هو حمص، فأمر رسول الله أصحابه التهيؤ إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة و جهينة، فحثهم على الجهاد، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعسكره فضرب في ثنية الوداع وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، ومن كان عنده شئ أخرجوا وحملوا وقووا وحثوا على ذلك، وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد أن حمد الله وأثنى

عليه: " أيها الناس إن أصدق الحديث كتاب الله وأولى القول كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنة سنن محمد وأشرف الحديث ذكر الله، و أحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عزائمها وشر الأمور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذب وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما القي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والتباعد من عمل الجاهلية و الغلول من جمر جهنم والسكر جمر النار والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم والنساء حبائل إبليس والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره، والشقي

من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والامر إلى آخره، وملاك العمل خواتيمه، وأربى الربا الكذب، وكل ما هو آت قريب وشنآن المؤمن فسق وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن توكل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف الله عنه ومن كظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصم يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي، أستغفر الله لي ولكم ".

قال: فرغب الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدمت القبائل من العرب ممن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم، ولقي رسول الله الجد بن قيس فقال له: يا با وهب ألا تنفر معنا في هذه القرى لعلك أن تحتفد بنات الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، والله إن قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشد عجبا بالنساء مني، وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت

بنات الأصفر، فلا تفتني، وائذن لي أن أقيم، وقال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحر، فقال ابنه: ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول له ما تقول، ثم تقول لقومك: لا تنفروا في الحر؟ والله لينزلن الله في هذا قرآنا يقرأه الناس إلى يوم القيامة، فأنزل الله على رسوله في ذلك: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ".

ثم قال الجد بن قيس: أيطمع محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم؟ لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة " أما الحسنة فالغنيمة والعافية، وأما المصيبة فالبلاء و الشدة. " يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون " إلى قوله: " و على الله فليتوكل المؤمنون " وقوله: " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " يقول: الغنيمة والجنة، إلى قوله: " إنا معكم متربصون " ونزل أيضا في الجد بن قيس في رواية علي بن إبراهيم لما قال لقومه: لا تخرجوا في الحر:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.