پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب قصة أبى عامر الراهب، ومسجد الضرار، وفيه ما يتعلق

ج ۲۱، ص ۲۵۱–۲۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۱

تفسير: قال الطبرسي قدس الله روحه في قوله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا " قال المفسرون: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم ابن عوف فقالوا: نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد صلى الله عليه وآله، وكانوا

اثني عشر رجلا، وقيل: خمسة عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، ونبتل بن الحارث، فبنوا مسجدا إلى جنب قباء، فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال صلى الله عليه وآله: إني على جناح السفر ولو قدمنا أتيناكم إنشاء الله فصلينا لكم فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد " ضرارا " أي مضارة بأهل مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله ليقل الجمع فيه " وكفرا " أي ولإقامة الكفر فيه، أو كان اتخاذهم ذلك كفرا أو ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله والاسلام " و تفريقا بين المؤمنين أي لاختلاف الكلمة، وإبطال الألفة، وتفريق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " وهو أبو عامر لراهب وكان من قصته أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة حزب عليه الأحزاب، ثم هرب بعد فتخ مكة إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، وخرج إلى الروم وتنصر، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد، وكان جنبا فغسلته الملائكة، وسمى رسول الله أبا عامر الفاسق، وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر، وآتي من عنده بجنود، واخرج محمدا من المدينة، فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم " و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " أي يحلفون كاذبين ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا

الفعلة الحسنى من التوسعة على أهل الضعف والعلة من المسلمين، فأطلع الله نبيه على خبث سريرتهم فقال: " والله يشهد إنهم لكاذبون " فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم، وكان مالك من بني عمرو بن عوف فقال: لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه، وأمر بأن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف، ثم نهى الله نبيه أن يقوم في هذا المسجد فقال: " لا تقم فيه أبدا " أي لا تصل. ثم أقسم فقال: " لمسجد " أي والله لمسجد " أسس على التقوى " أي بني أصله على تقوى الله وطاعته " من أول يوم " أي منذ أول يوم وضع أساسه " أحق أن تقوم فيه " أي أولى بأن تصلي فيه، واختلف في هذا المسجد فقيل: هو مسجد قباء وقيل: مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وقيل: كل مسجد بني للاسلام وأريد به وجه الله تعالى " فيه " أي في هذا المسجد " رجال يحبون أن يتطهروا " أي يصلوا لله متطهرين بأبلغ الطهارة، وقيل: يحبون أن يتطهروا من الذنوب، وقيل:

يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول ، وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأهل قباء: ماذا تفعلون في طهركم فإن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال: أنزل الله فيكم " والله يحب المطهرين " أي المتطهرين " أفمن أسس بنيانه " إلى قوله:

" شفا جرف هار " الشفا: حرف الشئ وشفيره، وجرف الوادي: جانبه الذي ينحفر بالماء أصله، وهار الجرف يهور هورا فهو هائر، وتهور وانهار، وهار أصله هائر، وهو من المقلوب، كما يقال: شاكي السلاح، أي شائك، وتهور البناء:

تساقط، فالله تعالى شبه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذه صفته " فانهار به في نار جهنم " أي يوقعه ذلك البناء في نار جهنم، وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم " أي شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم وثباتا على

النقاق، وقيل: حزازة في قلوبهم، وقيل: حسرة يترددون فيها " إلا أن تقطع قلوبهم " أي إلا أن يموتوا، وقيل: إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم " والله عليم " بنيتهم في بناء المسجد " حكيم " في أمره بنقضه.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " الذين اتخذوا مسجد ضرارا وكفرا " فإنه كان سبب نزولها أنه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله!

أتأذن لنا فنبني مسجدا في بني سالم للعليل والليلة المطيرة والشيخ الفاني؟ فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على الخروج إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله لو أتيتنا فصليت فيه، قال: أنا على جناح الطير فإذا وافيت إنشاء الله أتيته فصليت فيه فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد وأبي عامر الراهب، وقد كانوا حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله أنهم يبنون ذلك للصلاح والحسنى فأنزل الله على رسوله " والذين اتخذوا مسجدا " إلى قوله تعالى: " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " يعني أبا عامر الراهب، كان يأتيهم فيذكر رسول الله وأصحابه، قوله: " لمسجد أسس على التقوى " يعني مسجد قباء قوله: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " قال: كانوا يتطهرون بالماء، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مسجد الضرار، الذي أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، قوله: " إلا أن تقطع قلوبهم " " إلا " في موضع " حتى " فبعث رسول الله صلى الله عليه و اله مالك بن دخشم الخزاعي وعامر بن عدي أخا بني عمرو بن عوف على أن يهدموه و يحرقوه، فجاء مالك فقال لعامر: انتظرني حتى اخرج نارا من منزلي، فدخل وجاء بنار وأشعل في سعف النخل ثم أشعله في المسجد فتفرقوا

وقعد زيد بن حارثة حتى احترقت البنية ثم أمر بهدم حائطه.

2 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل ابن شاذان، عن صفوان بن يحيى، وابن أبي عمير جميعا، عن معاوية بن عمار قال:

قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تدع إتيان المشاهد كلها مسجد قباء فإنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.

3 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ابدأ بقبا فصل فيه وأكثر فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة.

4 - تفسير العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: مسجد قبا.

5 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم " قال: مسجد قباء، و أما قوله: " أحق أن تقوم فيه " يعني من مسجد النفاق، وكان على طريقه إذا أتى مسجد قباء فكان ينضح بالماء والسدر، ويرفع ثيابه عن ساقيه، ويمشي على حجر في ناحية الطريق، ويسرع المشي، ويكره أن يصيب ثيابه منه شئ فسألته هل كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي في مسجد قبل؟ قال: نعم، كان منزله على سعد بن خيثمة الأنصاري.

6 - تفسير العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " قال: الذين يحبون أن يتطهروا نظف الوضوء وهو الاستنجاء بالماء، وقال: نزلت هذه الآية في أهل قبا.

وفي رواية ابن سنان عنه عليه السلام قال: قلت: ما ذلك الطهر؟ قال: نظف الوضوء إذا خرج أحدهم من الغائط، فمدحهم الله بتطهرهم.

بيان: نظف الوضوء كأن المراد بالوضوء الاستنجاء، أي النظافة الحاصلة بالاستنجاء، أو المراد بالنظف المبالغة في إزالة الغائط من قولهم: استنظف الشئ:

إذا أخذه كله، ويحتمل الوضوء المصطلح، أي التنظف قبل الوضوء ولاجله.

7 - تفسير الإمام العسكري: لما مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرحمك الله يا سعد، فلقد كنت شجا في حلوق الكافرين، لو.

بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضه الاسلام كعجل قوم موسى، قالوا:

يا رسول الله صلى الله عليه وآله أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه؟ قال: بلى، والله يراد ولو كان لهم سعد حيا ما استمر تدبيرهم، ويستمرون ببعض تدبيرهم، ثم الله يبطله، قالوا: أتخبرنا كيف يكون ذلك؟ قال: دعوا ذلك لما يريد الله أن يدبره.

قال موسى بن جعفر عليه السلام: ولقد اتخذ المنافقون من أمة محمد صلى الله عليه وآله بعد موت سعد بن معاذ وبعد انطلاق محمد صلى الله عليه وآله إلى تبوك أبا عامر الراهب أميرا ورئيسا، وبايعوا له وتواطؤوا على إنهاب المدينة وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وسائر أهله وصحابته ودبروا التبييت على محمد ليقتلوه في طريقه إلى تبوك، فأحسن الله الدفاع عن محمد صلى الله عليه وآله وفضح المنافقين وأخزاهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لتسلكن سبل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا ابن رسول الله من كان هذا العجل وما ذا كان هذا التدبير؟

فقال عليه السلام: اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتيه الاخبار عن صاحب دومة الجندل وكان ملك تلك النواحي له مملكة عظيمة مما يلي الشام، وكان يهدد رسول الله صلى الله عليه وآله

بأنه يقصده، ويقتل أصحابه ويبيد خضراءهم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خائفين وجلين من قبله، حتى كانوا يتناوبون على رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم عشرون منهم وكلما صاح صائح ظنوا أنه قد طلع أوائل رجاله وأصحابه. وأكثر المنافقون الأراجيف والأكاذيب، وجعلوا يتخللون أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، ويقولون: إن أكيدر قد أعد من الرجال كذا، ومن الكراع كذا، ومن المال كذا، وقد نادى فيما يليه من ولايته ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة، ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم فأين يقع أصحاب محمد من أصحاب أكيدر؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها ويسبي ذراريها ونساءها، حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما هم عليه من الخدع ثم إن المنافقين اتفقوا وبايعوا أبا عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الفاسق، وجعلوه أميرا عليهم وبخعوا له بالطاعة، فقال لهم:

الرأي أن أغيب عن المدينة، لئلا أتهم بتدبيركم وكاتبوا أكيدر في دومة الجندل ليقصد المدينة ليكونوا هم عليه، وهو يقصدهم فيصطلموه، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وعرفه ما اجتمعوا عليه من أمرهم، وأمره بالمسير إلى تبوك. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد غزوا ورى بغيره إلا غزاة تبوك، فإنه أظهر ما كان يريده، و أمرهم أن يتزودوا لها، وهي الغزاة التي افتضح فيه المنافقون، وذمهم الله تعالى في تثبيطهم عنها، وأظهر رسول الله صلى الله عليه وآله ما أوحى إليه أن سيظفره بأكيدر حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية من ذهب في صفر، وألف أوقية من ذهب في رجب، ومائتي حلة في صفر، ومائتي حلة في رجب، وينصرف سالما إلى ثمانين يوما، فقال لهم

رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى وعد قومه أربعين ليلة، وإني أعدكم ثمانين ليلة ثم أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب يكون ولا أحد يستأسر من المؤمنين، فقال المنافقون: لا والله، ولكنها آخر كسراته التي لا ينجبر بعدها، إن أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، ورياح البوادي، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر، وقتيل وجريح، واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها بعضهم يعتل بالحر، وبعضهم بمرض يجده، وبعضهم بمرض عياله، وكان يأذن لهم، فلما صح عزم رسول الله صلى الله عليه وآله على الرحلة إلى تبوك عمد هؤلاء المنافقون فبنوا مسجدا خارج المدينة وهو مسجد الضرار، يريدون الاجتماع فيه ويوهمون أنه للصلاة، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة فيتم لهم به ما يريدون، ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك وإنا نكره الصلاة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجدا فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه لتيمن ونتبرك بالصلاة في موضع مصلاك، فلم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما عرفه الله من أمرهم و نفاقهم، وقال: ائتوني بحماري، فاتي باليعفور فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلما بعثه هو وأصحابه لم ينبعث ولم يمش، فإذا صرف رأسه إلى غيره، سار أحسن سير وأطيبه، قالوا: لعل هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئا كرهه، فلذلك لا ينبعث نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إيتوني

بفرس فركبه، فكلما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حركوه نحوه لم يتحرك حتى إذا ولوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير، فقالوا: لعل هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق ، فقال: تعالوا نمش إليه فلما تعاطى هو و أصحابه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم ولم يقدروا على الحركة، و إذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، وحنت أبدانهم، ونشطت قلوبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذا أمر قد كرهه الله، فليس يريده الآن وأنا على جناح سفر فأمهلوا حتى أرجع إنشاء الله تعالى ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله تعالى، وجد في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلفيهم إذا خرجوا فأوحى الله تعالى إليه: يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: (إما أن تخرج أنت ويقيم علي وإما أن يخرج علي وتقيم أنت) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذاك لعلي فقال علي: السمع والطاعة لأمر الله وأمر رسوله، وإن كنت أحب أن لا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حال من الأحوال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فقال: رضيت يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن! إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، وإن الله قد جعلك أمة وحدك، كما جعل إبراهيم أمة، تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وشيعه علي عليه السلام خاض المنافقون وقالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له، وملاله منه، وما أراد بذلك إلا أن يبيته المنافقون فيقتلوه ويحاربوه فيهلكوه فاتصل

ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله، فقال علي عليه السلام: تسمع ما يقولون يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما يكفيك أنك جلدة ما بين عيني ونور بصري، وكالروح في بدني.

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه وأقام علي عليه السلام بالمدينة، وكان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي عليه السلام، وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك، وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤب منها فلما صار بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أكيدر مرحلة قال: تلك العشية يا زبير بن العوام يا سماك بن خرشة امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر أكيدر فخذاه وائتياني به، قال الزبير: وكيف يا رسول الله صلى الله عليه وآله نأتيك به ومعه من الجيش الذي قد علمت ومعه في قصره سوى حشمه ألف ما دون عبد وأمة وخادم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

تحتالان عليه وتأخذانه، قال: يا رسول الله وكيف وهذه ليلة قمراء، وطريقنا أرض ملساء، ونحن في الصحراء لا نخفى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتحبان أن يستركما الله عن عيونهم، ولا يعجل لكما ظلا إذا سرتما، ويجعل لكما نورا كنور القمر لا لا تتبينان منه (7)؟ قالا: بلى، قال: عليكما بالصلاة على محمد وآله الطيبين معتقدين أن أفضل آله علي بن أبي طالب، وتعتقد يا زبير أنت خاصة أن لا يكون علي عليه السلام في قوم إلا كان هو أحق بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدمه، فإذا أنتما فعلتما ذلك وبلغتما الظل الذي بين يدي قصره من حائط قصره فإن الله سيبعث الغزلان والأوعال إلى بابه، فتحك قرونها به فيقول: من لمحمد في مثل هذا؟

فيركب فرسه لينزل فيصطاد فيقول له امرأته: إياك والخروج فإن محمدا قد أناخ بفنائك، ولست آمن أن يحتال عليك ودس من يغزونك. فيقول لها: إليك عني فلو كان أحد يفصل عنه في هذه الليلة لتلقاه في هذا القمر عيون أصحابنا في الطريق وهذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، فلو كان في ظل قصرنا هذا إنسي لنفرت منه الوحش، فينزل ليصطاد الغزلان والأوعال فتهرب من بين يديه ويتبعها فتحيطان به وتأخذانه وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذوه، فقال: لي إليكم حاجة، قالوا: ما هي فإنا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك ، قال: تنزعون عني ثوبي هذا وسيفي ومنطقتي وتحملونها إليه وتحملوني في قميصي لئلا يراني في هذا الزي، بل يراني في زي تواضع فلعله أن يرحمني، ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون والاعراب يلبسون ذلك الثوب ويقولون: هذا من حلل الجنة، وهذا من حلي الجنة يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه ثوب أكيدر وسيفه ومنطقته، ولمنديل ابن عمتي الزبير وسماك في الجنة أفضل من هذا إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر، قالوا: وذلك أفضل من هذا؟ قال: بل خيط من منديل بأيديهما في الجنة أفضل من ملء الأرض إلى السماء مثل هذا الذهب فلما اتي به رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا محمد أقلني وخلني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك، فقال له رسول الله: فان لم تف به؟ قال: يا محمد إن لم أف لك فإن

كنت رسول الله فسيظفرك بي من منع ظلال أصحابك أن يقع على الأرض حتى أخذوني، ومن ساق الغزلان إلى بابي حتى استخرجتني من قصري وأوقعتني في أيدي أصحابك، وإن كنت غير نبي فإن دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة والسبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها، قال: فصالحه رسول الله صلى الله عليه وآله على ألف أوقية من ذهب في رجب ومأتي حلة، وألف أوقية في صفر ومائتي حلة وعلى أنهم يضيفون من مر بهم من العساكر ثلاثة أيام، ويزودونهم إلى المرحلة التي تليها، على أنهم إن نقضوا شيئا من ذلك فقد برئت منهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم كر رسول الله راجعا إلى المدينة إلى إبطال كيد المنافقين في نصب ذلك العجل الذي هو أبو عامر الذي سماه النبي صلى الله عليه وآله الفاسق، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله غانما ظافرا وأبطل الله كيد المنافقين وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بإحراق مسجد الضرار وأنزل الله عز وجل: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا " الآيات.

وقال موسى بن جعفر عليهما السلام: فهذا العجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله دمر الله عليه وأصابه بقولنج وفالج وجذام ولقوة وبقي أربعين صباحا في أشد عذاب صار إلى عذاب الله.

بيان: قال الجوهري: قولهم: أباد الله خضراءهم أي سوادهم ومعظمهم، قوله: وحنت أبدانهم لعله من الحنين بمعنى الشوق، وفي بعض النسخ خبت بالخاء المعجمة والباء الموحدة، ولعله من الخبب وهو ضرب من العدو، والأوعال جمع الوعل بالفتح وككتف وهو تيس الجبل.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.