بحارالانوار · المجلد السادس
28 باب غزوة حنين والطائف وأوطاس وسائر الحوادث إلى غزوة
ج ۲۱، ص ۱۴۵–۱۷۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
وقال تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " 58 ".
تفسير: قوله: " في مواطن كثيرة " قال الطبرسي رحمه الله: ورد عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إنها كانت المواطن ثمانين " ويوم حنين " أي في يوم حنين " إذ
أعجبتكم كثرتكم " أي سرتكم وصرتم معجبين بكثرتكم، وكان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة فانهزموا بعد ساعة، وكانوا اثني عشر ألفا، وقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف والأول أصح " فلم تغن عنكم شيئا " أي فلم تدفع عنكم كثرتكم سوءا " وضاقت عليكم الأرض بما رحبت " أي برحبها والباء بمعنى " مع " والمعنى لم تجدوا من الأرض موضعا للفرار إليه " ثم وليتم مدبرين " أي وليتم عن عدوكم منهزمين " ثم أنزل الله سكينته " أي رحمته التي تسكن إليها النفس ويزول معها الخوف " على رسوله وعلى المؤمنين " حين رجعوا إليهم وقاتلوهم، وقيل: على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله: علي والعباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك، وروى الحسن بن علي بن فضال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال:
السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الانسان، فتكون مع الأنبياء أورده العياشي مسندا. " وأنزل جنودا لم تروها " أراد به جنودا من الملائكة، وقيل: إن الملائكة نزلوا يوم حنين لتقوية قلوب المؤمنين وتشجيعهم ولم يباشروا القتال يومئذ، ولم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة " وعذب الذين كفروا " بالقتل والأسر وسلب الأموال والأولاد " وذلك جزاء الكافرين " أي ذلك العذاب جزاؤهم على كفرهم " ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " أي يقبل توبة من تاب عن الشرك ورجع إلى طاعة الله والاسلام، وندم على ما فعل من القبيح، أو توبة من انهزم من بعد هزيمته.
وفي قوله تعالى: " ومنهم من يلمزك " قال: نزلت في قسمة غنائم حنين وذكر رواية أبي سعيد الخدري كما سيأتي بروايته في إعلام الورى، وسيأتي تفسير الآية في باب جمل ما جرى بينه وبين أصحابه صلى الله عليه وآله.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت
عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " فإنه كان سبب غزات حنين أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، وبلغ الخبر الهوازن فتهيئوا وجمعوا الجموع والسلاح واجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النضري فرأ سوه عليهم، وخرجوا وساقوا معهم أموالهم ونساءهم و ذراريهم، ومروا حتى نزلوا بأوطاس، وكان دريد بن الصمة الجشمي في القوم، و كان رئيس جشم، وكان شيخا كبيرا قد ذهب بصره فلمس الأرض بيده فقال:
في أي واد أنتم؟ قالوا: بوادي أوطاس، قال: نعم مجال خيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمار، وخوار البقر، وثغاء الشاة وبكاء الصبي؟ فقالوا: إن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم ونساءهم و ذراريهم ليقاتل كل امرئ عن نفسه وماله وأهله، فقال دريد: راعي ضأن ورب الكعبة، ماله وللحرب؟ ثم قال: ادعوا لي مالكا، فلما جاء قال له: يا مالك ما فعلت؟ قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ليجعل كل رجل أهله وماله وراء ظهره فيكون أشد لحربه، فقال: يا مالك إنك أصبحت رئيس قوم وإنك تقاتل رجلا كريما، وهذا اليوم لما بعده ولم تصنع في تقدمة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ويحك وهل يلوي المنهزم على شئ؟ أردد بيضة هوازن إلى عليا بلادهم وممتنع محالهم، والق الرجال على متون الخيل، فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه وفرسه، فإن كان لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك لا تكون قد فضحت في أهلك وعيالك، فقال له مالك: إنك قد كبرت وكبر
علمك فلم يقبل من دريد، فقال دريد: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يحضر منهم أحد، قال: غاب الجد والحزم، لو كان يوم علاء وسعادة ما كانت تغيب كعب ولا كلاب، فمن حضرها من هوازن؟ قال: عمرو بن عامر وعوف ابن عامر، قال: ذينك الجذعان لا ينفعان ولا يضران، ثم تنفس دريد وقال:
حرب عوان.
ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع أقود واطفاء الزمع * كأنها شاة صدع وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع هوازن بأوطاس فجمع القبائل ورغبهم في الجهاد، ووعدهم النصر، وأن الله قد وعده أن يغنمه أموالهم ونساءهم وذراريهم فرغب الناس وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممن كانوا معه.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: وكان معه من بني سليم ألف رجل رئيسهم عباس بن مرداس السلمي، ومن مزينة ألف رجل، قال: فمضوا حتى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة، قال: وقال مالك بن عوف لقومه: ليصير كل رجل منكم أهله وماله خلف ظهره واكسروا جفون سيوفكم، واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي الشجر، فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد، وهدوا القوم، فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب، قال: فلما صلى
رسول الله صلى الله عليه وآله الغداة انحدر في وادي حنين وهو واد له انحدار بعيد، وكانت بنو سليم على مقدمته فخرج عليهم كتائب هوازن من كل ناحية، فانهزمت بنو سليم، وانهزم من وراءهم، ولم يبق أحد إلا انهزم، وبقي أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل ومر المنهزمون برسول الله صلى الله عليه وآله لا يلوون على شئ، وكان العباس آخذا بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن يساره، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ينادي: " يا معشر الأنصار أين؟ إلي، أنا رسول الله " فلم يلو أحد عليه، وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول، أين تفرون؟ عن الله وعن رسوله؟ ومر بها عمر فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟ فقال لها: هذا أمر الله، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة ركض نحو علي بغلته فرآه قد شهر سيفه فقال: يا عباس اصعد هذا الظرب، وناد: يا أصحاب البقرة ويا أصحاب الشجرة، إلى أين تفرون؟
هذا رسول الله، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده فقال: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان " فنزل جبرئيل فقال: يا رسول الله دعوت بما دعا به موسى حيث فلق له البحر، ونجاه من فرعون، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفا من حصى، فناوله فرماه في وجوه المشركين ثم قال: " شاهت الوجوه " ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد
وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد " فلما سمعت الأنصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون: لبيك، ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالراية، فقال رسول الله، للعباس: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقال: يا رسول الله هؤلاء الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الآن حمي الوطيس " ونزل النصر من السماء، وانهزمت هوازن، وكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو و انهزموا في كل وجه وغنم الله رسوله أموالهم ونساءهم وذراريهم، وهو قول الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ".
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا " وهو القتل " وذلك جزاء الكافرين " قال: وقال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له شجرة بن ربيعة، للمؤمنين وهو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق، والرجال عليهم الثياب البيض؟ فإنما كان قتلنا بأيديهم، وما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة قالوا: تلك الملائكة.
بيان: أوطاس: موضع على ثلاث مراحل من مكة. والحزن: ما غلظ من الأرض. والضرس بالكسر: الأكمة الخشنة. والدهس بالفتح: المكان السهل اللين. والرغاء بالضم: صوت البعير. والثغاء بالفتح: صوت الشاة والمعز وما شاكلهما. وبيضة القوم: مجتمعهم وموضع سلطانهم. ويقال: لا يلوي أحد على أحد، أي لا يلتفت ولا يعطف عليه. وقوله: وكبر علمك أي ضعف علمك وأصابه ضعف الكبر، وفي بعض النسخ: وساخ علمك، أي غار، وفي مجمع البيان: و ذهب علمك وقال الجزري: فيه: ليتني فيها جذعا، أي ليتني كنت شابا عند
ظهور النبوة حتى أبالغ في نصرتها. وقال الجوهري: الخبب: ضرب من العدة، تقول: خب الفرس يخب خبا وخبيبا: إذا راوح بين يديه ورجليه، و أخبه صاحبه، وقال: وضع البعير وغيره: أسرع في سيره، وقال دريد:
يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع وقال الفيروزآبادي: الزمع محركة: شبه الرعدة تأخذ الانسان، والدهش والخوف، وقال: الصدع محركة من الأوعال والظباء والحمر والإبل: المتى الشاب القوي، وتسكن الدال. والغبش محركة: بقية الليل، أو ظلمة آخره.
والكتائب جمع كتيبة وهي الجيش. والظرب ككتف: الجبل المنبسط أو الصغير.
2 - أمالي الطوسي: جماعة عن أبي المفضل، عن الحسن بن موسى بن خلف، عن جعفر بن محمد بن فضل، عن عبد الله بن موسى العبسي، عن طلحة بن خير المكي، عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: لما افتتح النبي صلى الله عليه وآله مكة انصرف إلى الطائف، يعني إلى حنين فحاصرهم ثم إلى عشرة أو سبع عشرة، فلم يفتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة ثم نزل ثم هجر، فقال :
" أيها الناس إني لكم فرط، وإن موعدكم الحوض، وأوصيكم بعترتي خيرا " ثم قال: " والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتليكم وليسبين ذراريكم " فرأى أناس أنه يعني أبا بكر أو عمر، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: هو هذا، قال المطلب بن عبد الله: فقلت لمصعب بن عبد الرحمن: فما حمل أباك على ما صنع؟ قال: أنا والله أعجب من ذلك.
وأخبرنا جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن إسحاق بن فروخ، عن محمد بن
عثمان بن كرامة في مسند عبيد الله بن موسى قال: وحدثني محمد بن أحمد بن عبد الله ابن صفوة الضرير، وكتبه من أصل كتابه عن يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي عن عبيد الله بن موسى، عن علي بن خير عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب، عن أبيه وذكر نحوه.
3 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن إبراهيم بن حفص العسكري، عن عبيد ابن الهيثم عن عباد بن صهيب الكلبي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما أوقع - وربما قال: فزع - رسول الله صلى الله عليه وآله من هوازن سار حتى نزل الطائف فحصر أهل و ج أياما فسأله القوم أن يبرح عنهم ليقدم عليه وفدهم فيشترط له ويشترطون لأنفسهم، فسار صلى الله عليه وآله حتى نزل مكة فقدم عليه:
نفر منهم بإسلام قومهم، ولم يبخع القوم له بالصلاة ولا الزكاة، فقال صلى الله عليه وآله: " إنه لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، أما والذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة و ليؤتين الزكاة أو لأبعثن إليهم رجلا هو مني كنفسي فليضرب أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم، هو هذا " وأخذ بيد علي عليه السلام فأشالها فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فأقروا له بالصلاة، وأقروا له بما شرط عليهم، فقال صلى الله عليه وآله: " ما استعصى علي أهل مملكة ولا أمة إلا رميتهم بسهم الله عز وجل " قالوا: يا رسول الله وما سهم الله؟ قال: علي بن أبي طالب ما بعثته في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملكا أمامه وسحابة تظله حتى يعطي الله عز وجل حبيبي النصر والظفر.
بيان: قال الجوهري: بخع بالحق بخوعا: أقر به وخضع له.
4 - الخرائج: روي أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: ما كان أحد أبغض إلي من محمد، وكيف لا يكون وقد قتل منا ثمانية، كل منهم يحمل اللواء، فلما فتح مكة آيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه، فمتى أدرك ثأري منه؟ فلما اجتمعت هوازن بحنين قصدتهم لآخذ منه غرة فأقتله ودبرت في نفسي كيف أصنع، فلما انهزم الناس وبقي محمد وحده، و النفر الذين معه جئت من ورائه ورفعت السيف حتى إذا كدت أحطه غشي فؤادي فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع.
وروي أنه قال: رفع إلي شواظ من نار حتى كاد أن يمحيني ثم التفت إلي محمد فقال لي: ادن يا شيبة فقاتل، ووضع يده في صدري، فصار أحب الناس إلي، وتقدمت وقاتلت بين يديه، فلو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله فلما انقضى القتال دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: " الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك " وحدثني بجميع ما رويته في نفسي، فقلت: ما اطلع على هذا إلا الله وأسلمت.
بيان: قوله: أن يمحيني، أي يبطلني ويذهب بأثري، يقال: محاه يمحوه محوا، ويمحيه محيا ويمحاه وفي بعض النسخ: يحمسني بالحاء المهملة أي يقليني و يحرقني، وهو أظهر، وفي بعضها يمحشني كما سيأتي.
5 - الخرائج: روي أنه لما حاصر النبي صلى الله عليه وآله أهل الطائف قال عتبة بن الحصين: ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن فقال: ادن فدخل
عليهم، فقال: فداكم أبي وأمي لقد سرني ما رأيت منكم، وما في العرب أحد غيركم، والله ما في محمد مثلكم، ولقد قل المقام وطعامكم كثير، وماؤكم وافر لا تخافون قطعه، فلما خرج قال ثقيف لأبي محجن: فإنا قد كرهنا دخوله، و خشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا، فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس أحد منا أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قلت لهم: ادخلوا في الاسلام، فوالله لا يبرح محمد من عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانا فخذلتهم ما استطعت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد كذبت، لقد قلت لهم: كذا وكذا، وعاتبه جماعة من الصحابة، وقال: أستغفر الله وأتوب إليه ولا أعود أبدا.
بيان: عقر الدار بالضم: وسطها وأصلها قد يفتح.
6 - الإرشاد: ثم كانت غزاة حنين حين استظهر رسول الله فيها بكثرة الجمع فخرج صلى الله عليه وآله متوجها إلى القوم في عشرة آلاف من المسلمين، فظن أكثرهم أنهم لم يغلبوا لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عدتهم وسلاحهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن نغلب اليوم من قلة، وكان الامر في ذلك بخلاف ما ظنوا وعانهم أبو بكر بعجبه بهم، فلما التقوا مع المشركين لم يلبثوا حتى انهزموا بأجمعهم، ولم يبق منهم مع النبي صلى الله عليه وآله إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة، وعاشرهم أيمن بن أم أيمن، فقتل أيمن رحمة الله عليه، وثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من كان انهزم، فرجعوا أولا فأولا حتى تلاحقوا، وكانت لهم الكرة على المشركين، وفي ذلك أنزل الله تعالى وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة: " ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا " وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على
رسوله وعلى المؤمنين " يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين عليه السلام تاسعهم: العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله، والفضل بن العباس عن يساره، وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند نفر بغلته وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه يضرب بالسيف، و نوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وعتبة و معتب ابنا أبي لهب حوله، وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه، وفي ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي:
لم يواس النبي غير بني هاشم * عند السيوف يوم حنين هرب الناس غير تسعة رهط * فهم يهتفون بالناس أين ثم قاموا مع النبي على الموت * فآتوا زينا لنا غير شين وسوى أيمن الأمين من القوم * شهيدا فاعتاض قرة عين وقال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه * على القوم أخرى يا بني ليرجعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه * لما ناله في الله لم يتوجع يعني به أيمن بن أم أيمن رحمه الله، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة القوم عنه قال للعباس وكان رجلا جهوريا صيتا: ناد بالقوم، وذكرهم العهد، فنادى العباس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرون؟
اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول اله صلى الله عليه وآله، والقوم على وجوههم قد ولوا مدبرين، وكانت ليلة ظلماء، ورسول الله صلى الله عليه وآله في الوادي، والمشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي، وجنباته ومضايقه مصلتين سيوفهم وعمدهم وقسيهم
قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس ببعض وجهه في الظلماء فأضاء كأنه القمر ليلة البدر ثم نادى المسلمين: " أين ما عاهدتم الله عليه؟ " فأسمع أولهم وآخرهم فلم يسمعها رجل إلا رمى بنفسه إلى الأرض فانحدروا إلى حيث كانوا من الوادي حتى لحقوا بالعدو فقاتلوه.
قال: وأقبل رجل من هوازن على جمل أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفرا من المسلمين أكب عليهم، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه من المشركين فاتبعوه وهو يرتجز ويقول:
أنا أبو جرول لا براح * حتى نبيح القوم أو نباح فصمد له أمير المؤمنين عليه السلام فضرب عجز بعيره فصرعه ثم ضربه فقطره ثم قال:
قد علم القوم لدى الصباح * إني في الهيجاء ذو نصاح فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول لعنه الله، ثم التأم الناس وصفوا للعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم إنك أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرها نوالا " وتجالد المسلمون والمشركون، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وآله قام في ركابي سرجه حتى أشرف على جماعتهم، ثم قال: الآن حمي الوطيس.
أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب فما كان بأسرع من أن ولى القوم أدبارهم وجئ بالأسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مكتفين ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أبا جرول وخذل القوم بقتله
وضع القوم سيوفهم فيهم، وأمير المؤمنين عليه السلام يقدمهم حتى قتل بنفسه أربعين رجلا من القوم، ثم كانت الهزيمة والأسر حينئذ، وكان أبو سفيان صخر بن حرب ابن أمية في هذه الغزاة فانهزم في جملة من انهزم من المسلمين.
وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: لقيت أبي منهزما مع بني أمية من أهل مكة، فصحت به يا ابن حرب والله ما صبرت من ابن عمك، ولا قاتلت عن دينك، ولا كففت هؤلاء الاعراب عن حريمك، فقال: من أنت؟ قلت:
معاوية، قال: ابن هند؟ قلت: نعم، قال: بأبي وأمي ثم وقف، واجتمع معه الناس من أهل مكة وانضمت إليهم، ثم حملنا على القوم فضعضعناهم وما زال المسلمون يقتلون المشركين ويأسرون منهم حتى ارتفع النهار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكف ونادى أن لا يقتل أسير من القوم، وكانت هذيل بعث رسولا يقال له: ابن الأكوع أيام الفتح عينا على النبي صلى الله عليه وآله حتى علم علمه فجاء إلى هذيل بخبره، واسر يوم حنين فمر به عمر بن الخطاب، فلما رآه أقبل على رجل من الأنصار وقال: هذا عدو الله الذي كان علينا عينا، هاهو أسير، فاقتله فضرب الأنصاري عنقه، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فكره ذلك، وقال: " ألم آمركم أن لا تقتلوا أسيرا؟ " وقتل بعده جميل بن معمر بن زهير وهو أسير، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأنصار وهو مغضب فقال: " ما حملكم على قتله وقد جاءكم الرسول أن لا تقتلوا أسيرا؟ " فقالوا: إنما قتلناه بقول عمر، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله حتى كلمه عمير بن وهب في الصفح عن ذلك، وقسم رسول الله صلى الله عليه وآله غنائم حنين في قريش خاصة، وأجزل القسم للمؤلفة قلوبهم كأبي سفيان صخر بن حرب، وعكرمة
ابن أبي جهل، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وزهير ابن أبي أمية، وعبد الله بن أبي أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، وهشام بن المغيرة والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن في أمثالهم، وقيل: إنه جعل للأنصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور لمن سميناه، فغضب قوم من الأنصار لذلك، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم مقال أسخطه، فنادى فيهم فاجتمعوا وقال لهم: اجلسوا ولا يقعد معكم أحد من غيركم، فلما قعدوا جاء النبي صلى الله عليه وآله يتبعه أمير المؤمنين صلوات الله عليهما حتى جلس وسطهم وقال لهم: إني سائلكم عن أمر فأجيبوني عنه فقالوا: قل: يا رسول الله، قال: " ألستم كنتم ضالين فهداكم الله بي؟ " فقالوا:
بلى فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله بي؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا قليلا فكثركم الله بي؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، ثم سكت النبي صلى الله عليه وآله هنيئة ثم قال: " ألا تجيبوني بما عندكم ؟ " قالوا: بم نجيبك فداؤك آباؤنا وأمهاتنا قد أجبناك بأن لك الفضل والمن والطول علينا، قال: " أما لو شئتم لقلتم: وأنت قد كنت جئتنا طريدا فآويناك، وجئتنا خائفا فآمناك، وجئتنا مكذبا فصدقناك " فارتفعت أصواتهم بالبكاء، وقام شيوخهم وساداتهم إليه فقبلوا يديه ورجليه ثم قالوا: رضينا بالله وعنه، وبرسوله وعنه، وهذه أموالنا بين يديك، فإن شئت فاقسمها على قومك، وإنما قال من قال منا على غير وغر صدر وغل في قلب ولكنهم ظنوا سخطا عليهم وتقصيرا لهم، وقد استغفروا الله من ذنوبهم فاستغفر لهم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم اغفر للأنصار ولابناء الأنصار، و
لأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول الله؟ " قالوا: بلى رضينا، قال النبي صلى الله عليه وآله حينئذ: " الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار " وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى العباس بن مرداس أربعا من الإبل فسخطها وأنشأ يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس * يفوقان شيخي في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لم يرفع فبلغ النبي صلى الله عليه وآله قوله فاستحضره وقال له: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال له أبو بكر: بأبي أنت وأمي لست بشاعر، فقال:
وكيف؟ قال: قال: بين عيينة والأقرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: قم يا علي واقطع لسانه، قال: فقال العباس بن مرداس: والله لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم حين أتونا في ديارنا، فأخذ بيدي علي بن أبي طالب عليه السلام فانطلق بي ولو أدري أن أحدا يخلصني منه لدعوته، فقلت:
يا علي إنك لقاطع لساني؟ قال: إني لممض فيك ما أمرت، قال: ثم مضى بي فقلت: يا علي إنك لقاطع لساني؟ قال إني لممض فيك ما أمرت قال: فما زال بي حتى أدخلني الحظاير فقال لي أعقل ما بين أربع إلى مائة، قال: فقلت:
بأبي أنت وأمي ما أكرمكم وأحلمكم وأعلمكم؟ قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاك أربعا وجعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة و
كن مع أهل المائة، قال: قلت: أشر علي، قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك رسول الله صلى الله عليه وآله وترضى، قلت: فإني أفعل، ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله غنائم حنين أقبل رجل طويل آدم أحنى بين عينيه أثر السجود، فسلم ولم يخص النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: قد رأينك وما صنعت في هذه الغنائم، قال: وكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال المسلمون: ألا نقتله؟ قال: " دعوه فإنه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي " فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيمن قتل يوم النهروان من الخوارج.
بيان: عانه يعينه عينا: أصابه بالعين. وأقشع الريح السحاب: كشفته فأقشع وانقشع. وقولي مبتداء وأخرى خبره، أي أحمل حملة أخرى، والجملة حالية، أو التقدير كأن قولي، والحمام ككتاب: الموت أو قدره، وفي النهاية:
جهوري أي شديد عال، والواو زائدة. قوله: " يا أصحاب سورة البقرة " كأنه وبخهم بذلك لقوله تعالى فيها: " فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم " أو لاختتامها بقوله: " فانصرنا على القوم الكافرين " أو لاشتمالها على آيات الجهاد كقوله تعالى: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " وقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " كما ورد في أخبار العامة هذا مقام الذي انزل عليه سورة البقرة وقالوا: حضها لان معظم أحكام المناسك فيها سيما ما يتعلق بوقت الرمي انتهى أو لان أكثر آيات النفاق وذم المنافقين فيها، أو لأنها أول سورة ذكر فيها قصة مخالفة بني إسرائيل موسى بعبادة العجل ، وترك دخول باب حطة، والجهاد مع
العمالقة، أو أراد جماعة حفظوا سورة البقرة تعريضا بأنه لا يناسب حالهم تلك فعلهم ذلك، هذه الوجوه خطر بالبال في ذلك، وفي أكثر روايات المخالفين " يا أصحاب السمرة " فقط، وهي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان ويقال: طعنه فقطره تقطيرا، أي ألقاه على أحد قطريه، وهما جانباه، فتقطر، أي سقط.
وقال الجزري: في حديث حنين الآن حمي الوطيس، الوطيس: التنور، و هو كناية عن شدة الامر واضطرام الحرب، ويقال: إن هذه الكلمة أول من قالها النبي صلى الله عليه وآله لما اشتد البأس يومئذ، ولم تسمع قبله، وهي من أحسن الاستعارات وقال في موضع آخر: الوطيس شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحرب، و قيل: هو الوطئ الذي يطس الناس، أي يدقهم، وقال الأصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأها، عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. وقال: فيه الأنصار كرشي وعيبتي، أراد أنهم بطانته وموضع سره و أمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك لان المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال: عليه كرش من الناس، أي جماعة.
وقال الفيروزآبادي: الكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان.
قوله صلى الله عليه وآله: بين الأقرع وعيينة، لعله صلى الله عليه وآله إنما تعمد ذلك لئلا يجري على لسانه الشعر فلم يفهم أبو بكر، والآدم من الناس: الأسمر.
أقول: زاد الطبرسي رحمه الله بعد قوله صلى الله عليه وآله: لسلكت شعب الأنصار: ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، وساق القصة نحوه في التفسير.
7 - الإرشاد: لما فض الله تعالى جمع المشركين بحنين تفرقوا فرقتين، فأخذت الاعراب ومن تبعهم إلى أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف، فبعث
النبي صلى الله عليه وآله أبا عامر الأشعري إلى أوطاس في جماعة، منهم أبو موسى الأشعري وبعث أبا سفيان صخرا إلى الطائف، فأما أبو عامر فإنه تقدم بالراية وقاتل حتى قتل دونها، فقال المسلمون لأبي موسى: أنت ابن عم الأمير وقد قتل، فخذ الراية حتى نقاتل دونها، فأخذها أبو موسى فقاتل المسلمون حتى فتح الله عليهم وأما أبو سفيان فإنه لقيته ثقيف فضربوه على وجهه فانهزم ورجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: بعثتني مع قوم لا يرفع بهم الدلاء من هذيل والاعراب، فما أغنوا عني شيئا، فسكت النبي صلى الله عليه وآله عنه، ثم سار بنفسه إلى الطائف فحاصرهم أياما، وأنفذ أمير المؤمنين عليه السلام في خيل، وأمره أن يطأ ما وجده ويكسر كل صنم وجده فخرج حتى لقيته خيل خثعم في جمع كثير فبرز لهم رجل من القوم يقال له: شهاب في غبش الصبح فقال: هل من مبارز؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: من له؟ فلم يقم إليه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين عليه السلام فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي صلى الله عليه وآله فقال: تكفاه أيها الأمير، فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس، فبرز إليه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهو يقول:
إن على كل رئيس حقا * أن يروي الصعدة أو يدقا ثم ضربه وقتله ومضى في تلك الخيل حتى كسر الأصنام، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو محاصر أهل الطائف فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله كبر للفتح، و أخذ بيده فخلا به وناجاه طويلا، فروى عبد الرحمن بن سيابة والأجلح جميعا عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خلى بعلي
عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا؟ وتخلو به دوننا؟ فقال:
يا عمر ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه، قال: فأعرض عمر وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين فلم ندخله. وصددنا عنه، فناداه النبي صلى الله عليه وآله: لم أقل لكم: إنكم تدخلونه في ذلك العام، ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف، فلقيه أمير المؤمنين عليه السلام ببطن و ج فقتله، وانهزم المشركون ولحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي صلى الله عليه وآله فأسلموا، وكان حصار النبي صلى الله عليه وآله للطائف بضعة عشر يوما توضيح: قال الجزري: في حديث الأحنف:
إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو تندقا الصعدة: القناة التي تنبت مستقيمة. ووج بالتشديد: اسم بلد بالطائف.
8 - تفسير العياشي: عن سماعة، عن أبي عبد الله أو أبي الحسن عليهما السلام قال: ذكر أحدهما أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غنيمة حنين وكان يعطي المؤلفة قلوبهم يعطي الرجل منهم مائة راحلة ونحو ذلك، وقسم رسول الله صلى الله عليه وآله حيث أمر، فأتاه ذلك الرجل قد أزاغ الله قلبه وران عليه، فقال له: ما عدلت حين قسمت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ويلك ما تقول؟ ألا ترى قسمت الشاة حتى لم يبق معي شاة؟
أولم أقسم البقر حتى لم يبق معي بقرة واحدة؟ أو لم أقسم الإبل حتى لم يبق معي بعير واحد؟ فقال بعض أصحابه له: اتركنا يا رسول الله حتى نضرب عنق هذا الخبيث، فقال: لا هذا يخرج في قوم يقرؤن القرآن لا يجوز تراقيهم، بلى قاتلهم غيري.
9 - إعلام الورى: كان سبب غزوة حنين أن هوازن جمعت له جمعا كثيرا فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله أن صفوان بن أمية عنده مائة درع، فسأله ذلك، فقال: أغصبا يا محمد؟
قال: لا، ولكن عارية مضمونة قال: لا بأس بهذا، فأعطاه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه، فقال أحد أصحابه: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله سبحانه: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم " الآية.
وأقبل مالك بن عوف النصري فيمن معه من قبائل قيس وثقيف، فبعث رسول الله عبد الله بن أبي حدرد عينا فسمع ابن عوف يقول: يا معشر هوازن إنكم أحد العرب وأعده، وإن هذا الرجل لم يلق قوما يصدقونه القتال، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا عليه حملة رجل واحد، فأتى ابن أبي حدرد رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: " قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر، وابن أبي حدرد صادق ".
قال الصادق عليه السلام: وكان مع هوازن دريد بن صحه خرجوا به شيخا كبيرا يتيمنون برأيه فلما نزلوا بأوطاس قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير؟ قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم، قال: فأين مالك؟ فدعي مالك له فأتاه فقال:
يا مالك أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء (6)؟ قال: أردت أن أجعل خلف
كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: ويحك لم تصنع شيئا، قدمت بيضة هوازن في نحور الخيل، وهل يرد وجه المنهزم شئ، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، قال: إنك قد كبرت و كبر عقلك، فقال دريد: إن كنت قد كبرت فتورث غدا قومك ذلا بتقصير رأيك وعقلك، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه، ثم قال: حرب عوان.
يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع قال جابر: فسرنا حتى إذا استقبلنا وادي حنين، كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضايقه، فما راعنا إلا كتائب الرجل بأيديها السيوف والعمد والقنى فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب، وأقبل مالك ابن عوف يقول: أروني محمدا، فأروه فحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان رجلا أهوج فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا فقتله مالك، وقيل: إنه أيمن بن أم أيمن، ثم أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وآله، وصاح كلدة بن الحنبل وهو أخو صفوان بن أمية لامه وصفوان يومئذ مشرك: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
قال محمد بن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار:
اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذلك فعرفت أنه ممنوع.
وروى عكرمة عن شيبة قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: أدرك ثأري اليوم من محمد فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء
كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني و بينه كأنه برق، فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى والتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: " يا شيب يا شيب ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان " قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، وقال: يا شيب قاتل الكفار.
وعن موسى بن عقبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعو ويقول: " اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وذمرهم: " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم " وقيل: إنه قال: " يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بني الخزرج " وأمر العباس بن عبد المطلب فنادى في القوم بذلك فأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون.
وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: " الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " قال سلمة بن الأكوع: ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم وقال: " شاهت الوجوه " فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا عينه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، وأتبعهم المسلمون فقتلوهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه وأسلم عند ذلك كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله وإعزاز دينه.
قال أبان: وحدثني محمد بن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين أربعة آلاف رأس، واثنى عشر ألف ناقة، سوى مالا يعلم من الغنائم، وخلف رسول الله صلى الله عليه وآله الأنفال والأموال والسبايا بالجعرانة، وافترق المشركون فرقتين: فأخذت الاعراب ومن تبعهم أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعهم الطائف، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن عمه فقاتل بها حتى فتح عليه.
ثم كانت غزوة الطائف، سار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الطائف في شوال سنة ثمان فحاصرهم بضعة عشر يوما، وخرج نافع بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف فلقيه علي عليه السلام في خيله فالتقوا ببطن و ج فقتله علي عليه السلام، وانهزم المشركون ونزل من حصن الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من أرقائهم منهم أبو بكرة، و كان عبدا للحارث بن كلدة، والمنبعث وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله المنبعث، ووردان وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة فأسلموا، فلما قدم وفد الطائف على رسول الله فأسلموا قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك ، فقال:
لا، أولئك عتقاء الله.
وذكر الواقدي عن شيوخه قال: شاور رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه في حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فعمل منجنيق، ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين
ويقال: خالد بن سعيد، فأرسل عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة، فأمر رسول الله بقطع أعنابهم وتحريقها، فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي:
لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله والرحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإني أدعها لله والرحم، فتركها.
وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا في خيل عند محاصرته أهل الطائف، وأمر أن يكسر كل صنم وجده، فخرج فلقيته جمع كثير من خثعم فبرز له رجل من القوم وقال: هل من مبارز؟ فلم يقم أحد فقام إليه علي عليه السلام فوثب أبو العاص ابن الربيع زوج بنت النبي صلى الله عليه وآله فقال: تكفاه أيها الأمير فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس، فبرز إليه علي عليه السلام وهو يقول:
إن على كل رئيس حقا * أن تروي الصعدة أو تندقا ثم ضربه فقتله ومضى حتى كسر الأصنام، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بعد محاصر لأهل الطائف ينتظره، فلما رآه كبر وأخذ بيده وخلا به.
فروى جابر بن عبد الله قال: لما خلا رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا؟ وتخلو به دوننا؟ فقال:
يا عمر ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه، قال: فأعرض وهو يقول: هذا كما قلت لنا يوم الحديبية: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين " فلم ندخله، و صددنا عنه، فناداه صلى الله عليه وآله: " لم أفل لكم إنكم تدخلونه ذلك العام ".
قال: فلما قدم علي فكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله على وجل فارتحل، فنادى سعيد بن عبيد: ألا إن الحي مقيم، فقال: لا أقمت ولا ظعنت، فسقط فانكسر فخذه وعن محمد بن إسحاق: قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم فجاءه وفده في شهر رمضان فأسلموا.
ثم رجع رسول الله إلى الجعرانة بمن معه من الناس وقسم بها ما أصاب من
الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير، قيل: إنه جعل للأنصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور للمتألفين قال محمد بن إسحاق: وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ومعاوية ابنه مائة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى مائة بعير وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة بعير، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني وهدة مائة بعير وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة، و جبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة، ومالك بن عوف النصري مائة فهؤلاء أصحاب المائة، وقيل: إنه أعطى علقمة بن علاثة مائة، والأقرع بن حابس مائة، وعيينة بن حصن مائة، وأعطى العباس بن مرداس أربعا فتسخطها، أنشأ يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع وما كنت امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم اعط شيئا ولم امنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي لست بشاعر، قال: كيف؟ قال: فأنشده أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي قم إليه فاقطع لسانه، قال عباس: فوالله لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم، فأخذ علي بيدي فانطلق بي، وقلت:
يا علي إنك لقاطع لساني؟ قال: إني ممض فيك ما أمرت، حتى أدخلني الحظائر، فقال: أعقل ما بين أربعة إلى مائة، قال: قلت: بأبي أنتم وأمي ما أكرمكم وأحلمكم وأجملكم وأعلمكم؟ فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاك أربعا، وجعلك مع المهاجرين فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة، فقال: فقلت لعلي عليه السلام: أشر أنت علي، قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى، قال:
فإني أفعل.
قال: وغضب قوم من الأنصار لذلك وظهر منهم كلام قبيح حتى قال قائلهم: لقي الرجل أهله وبني عمه، ونحن أصحاب كل كريهة.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما دخل على الأنصار من ذلك، أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثم أتاهم شبه المغضب يتبعه علي عليهما السلام حتى جلس وسطهم، فقال: " ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله منها بي؟ "
قالوا: بلى، ولله ولرسوله المن والطول والفضل علينا، قال: " ألم آتكم و أنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ " قالوا: أجل، ثم قال: " ألم آتكم وأنتم قليل فكثركم الله بي؟ " وقال ما شاء الله أن يقول، ثم سكت، ثم قال: " ألا تجيبوني؟ " قالوا: بم نجيبك يا رسول الله فداك أبونا وامنا؟ لك المن والفضل والطول، قال:
" بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريدا مكذبا فآويناك وصدقناك، وجئتنا خائفا فآمناك " فارتفعت أصواتهم وقام إليه شيوخهم، فقبلوا يديه ورجليه وركبتيه، ثم قالوا:
رضينا عن الله وعن رسوله، وهذه أموالنا أيضا بين يديك فاقسمها بين قومك إن شئت فقال: " يا معشر الأنصار أوجدتم في أنفسكم إذا قسمت مالا أتألف به قوما، ووكلتم إلى إيمانكم؟ أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم، ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم؟ " ثم قال صلى الله عليه وآله: " الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار، ولابناء الأنصار، ولابناء أبناء الأنصار ". قال: وقد كان فيما سبي أخته بنت حليمة، فلما قامت على رأسه قالت: يا محمد أختك سبي بنت حليمة، قال: فنزع رسول الله صلى الله عليه وآله برده فبسطه لها فأجلسها عليه، ثم أكب عليها يسائلها، وهي التي كانت تحضنه إذا كانت أمها ترضعه.
وأدرك وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إنا لو ملحنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم ولى منا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله وعطفه وأنت خير المكفولين، وإنما في الحظائر خالاتك وبنات خالاتك، وحواضنك وبنات حواضنك اللاتي أرضعنك، ولسنا نسألك مالا إنما نسألكهن، وقد كان
رسول الله قسم منهن ما شاء الله، فلما كلمته أخته قال: أما نصيبي ونصيب بني عبد المطلب فهو لك، وأما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم، فلما صلوا الظهر قامت فتكلمت وتكلموا فوهب لها الناس أجمعون إلا الأقرع بن حابس وعيينة ابن حصن، فإنهما أبيا أن يهبا، وقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا، فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا، فأقرع رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم ثم قال: " اللهم توه سهميهما " فأصاب أحدهما خادما لبني عقيل، وأصاب الآخر خادما لبني نمير، فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا قال: ولولا أن النساء وقعن في القسمة لوهبهن لها كما وهب ما لم يقع في القسمة، ولكنهن وقعن في أنصباء الناس فلم يأخذ منهم إلا بطيبة النفس.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرايض من أول فيئ يصيبه " فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم. قال: وكلمته أخته في مالك بن عوف فقال: إن جاءني فهو آمن، فأتاه فرد عليه ماله، وأعطاه مائة من الإبل.
وروى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله وهو يقسم إذا أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم، فقال : يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ويلك من يعدل إن أنا لم أعدل؟ وقد خبت أو خسرت إن أنا لم أعدل " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في قذذه فلا
يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة، تدردر، يخرجون على خير فرقة من الناس ".
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأشهد أن علي ابن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله الذي نعت، رواه البخاري في الصحيح.
قالوا: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وانبعه الناس يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيئنا، حتى ألجؤه إلى شجرة فانتزع عنه رداؤه، فقال: " أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجرتها نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا " ثم قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين أصبعيه فقال: " يا أيها الناس والله مالي من فيئكم هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " فجاءه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذا لاخيط بها برذعة بعير لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما حقي منها فلك " فقال الرجل: أما إذا بلغ الامر هذا فلا حاجة لي بها، ورمى بها من يده.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الجعرانة في ذي القعدة إلى مكة فقضى بها عمرته، ثم صدر إلى المدينة، وخليفته على أهل مكة معاذ بن جبل، وقال محمد ابن إسحاق: استخلف عتاب بن أسيد، وخلف معه معاذا يفقه الناس في الدين و يعلمهم، وحج بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمان عتاب بن أسيد، وأقام صلى الله عليه وآله بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب.
بيان: قال الجوهري: يقال: صدقوهم القتال، ويقال للرجل الشجاع و الفرس الجواد: إنه لذو مصدق بالفتح، أي صادق الحملة، وصادق الجري، كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك.
وفي القاموس: أبو حدرد الأسلمي صحابي، ولم يجئ فعلع بتكرير العين غيره. والحدرد: القيصر، كذا في التسهيل. قوله صلى الله عليه وآله: " قد كنت ضالا " لعله كان يكذبه لكونه جديد الاسلام. فقال صلى الله عليه وآله: أنت أيضا كنت كذلك. والنهيق بالفتح والنهاق بالضم: صوت الحمار. لم أشهده ولم أغب عنه، أي أنا حاضر بنفسي لكن لما لم يمكنني القتال فيه ولا تعملون برأيي فكأني غائب، أو أني وإن لم أر مثل هذا القوم لكن أعلم عاقبة الامر فيه. والعوان من الحرب التي قوتل فيها مرة وكأنه ليس من المصرع.
وفي الدر النظيم: أخب فيها تارة ثم أقع.
وفي النهاية: فلم يرعني إلا رجل أخذ بمنكبي، أي لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه، كأنه فاجأه بغتة من غير موعد ولا معرفة فراعه ذلك وأفزعه.
وقال الجوهري: رجل أهوج أي طويل وبه تسرع وحمق، وقال: ربيت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم، ومنه قول صفوان: لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
قوله: فأدرت أي رأيي، أو نظري، أو هو بمعنى درت.
قد عري أي بقي بلا أعوان. إلا أن أسوره، هكذا فيما عندنا من النسخ بالسين يقال: سار الرجل إليه سورا، أي وثب، وسرت الحائط أي تسلقته، ولعل الأصواب أنه بالصاد، من صار الشئ أي قطعه وفصله، والشواظ بالضم والكسر:
لهب لا دخان فيه أو دخان النار وحرها ذكره الفيروزآبادي، وقال: الماحش:
المحرق كالممحش، وامتحش: احترق. وقال: الذمر: الملامة.
وقال الجوهري: الذمر: الشجاع، وذمرته أذمره ذمرا: حثثته، وفلان حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمي.
الله، أي أذكركم الله في الكرة والرجعة إليه، أو أسألكم الكرة.
وقال الفيروزآبادي: الدبابة مشددة: آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. قوله: على وجل، كناية عن سرعة ارتحاله صلى الله عليه وآله بعد مجيئه. ألا إن الحي مقيم، أي من كان حيا ينبغي أن لا يزول حتى يفتح أو المراد بالحي القبيلة، إظهارا لعدم براحه.
وقوله صلى الله عليه وآله: لا أقمت ولا ظعنت. دعاء عليه بعدم قدرته على الإقامة كما بريد ولا الظعن بنفسه فصار كذلك. وقال الجوهري: الملح: الرضاع. والملح بالفتح مصدر قولك: ملحنا لفلان ملحا: أرضعناه. قوله صلى الله عليه وآله: توه سهميهما، أي أهلك وضيع، من التوى وهو الهلاك، والهاء للسكت أو من التوه وهو الهلاك والذهاب.
وقال الجزري: في حديث الخوارج يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، أي يجوزونه ويخرقونه ويبعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به، و يخرج منه، وقال: الرصاف، هو عقب يلوى على مدخل النصل فيه، وقال: في حديث الخوارج فينظر في نضيه، النضي: نصل السهم وقيل: هو السهم قبل أن ينحت إذا كان قدحا وهو أولى لأنه جاء في الحديث ذكر النصل بعد النضي وهو من السهم ما بين الريش والنصل. والقذذ: ريش السهم، واحدتها قذة انتهى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.