پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

17 - باب غزوة الأحزاب ms06572 وبنى قريظة

ج ۲۰، ص ۲۵۲–۲۷۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۰

يعدهم النصر من الله، فانتدبت فوارس من قريش للبراز، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس بن عامر بن لؤي بن غالب، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب، ومرداس الفهري، فلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيؤا يا بني كنانة للحرب ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما تأملوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق فيه ضيق فضربوا خيلهم فاقتحمته، وجاءت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج أمير المؤمنين علي عليه السلام في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها فتقدم عمرو بن عبد ود الجماعة الذين خرجوا معه، وقد أعلم ليرى مكانه، فلما رأى المسلمين وقف هو والخيل التي معه، وقال: هل من مبارز (3)؟ فبرز له أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له عمرو: ارجع يا ابن الأخ فما أحب أن أقتلك، فقال له أمير - المؤمنين عليه السلام: قد كنت يا عمرو عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خصلتين إلا اخترتها منه، قال أجل. فما ذاك؟ قال: إني أدعوك إلى الله ورسوله والاسلام، قال: لا حاجة لي إلى ذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال:

ارجع فقد كان بيني وبين أبيك خلة وما أحب أن أقتلك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لكنني والله أحب أن أقتلك ما دمت آبيا للحق، فحمى عمرو عند ذلك

وقال: أتقتلني؟ ونزل عن فرسه فعقره وضرب وجهه حتى نفر، وأقبل على علي عليه السلام مصلتا بسيفه وبدره بالسيف، فنشب سيفه في ترس علي عليه السلام فضربه أمير المؤمنين ضربة فقتله، فلما رأى عكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب عمروا صريعا ولوا بخيلهم منهزمين حتى اقتحموا الخندق لا يلون إلى شئ وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى مقامه الأول وقد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه إلى الخندق تطير جزعا، وهو يقول:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب فضربته وتركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب وقد روى محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن أبي عون عن الزهري قال:

جاء عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل و هبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة وضرار بن الخطاب في يوم الأحزاب إلى الخندق، فجعلوا يطوفون به يطلبون مضيقا منه فيعبرون حتى انتهوا إلى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت وجعلوا يجيلون خيلهم فيما بين الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم منهم أحد عليهم، وجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويعرض للمسلمين ويقول:

ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز وفي كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام ليبارزه فيأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود والخوف منه وممن معه ووراؤه فلما طال نداء عمرو بالبراز وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه السلام قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني يا علي، فدنا منه فنزع عمامته من رأسه وعممه بها وأعطاه سيفه، وقال له: " امض لشأنك " ثم قال:

" اللهم أعنه " فسعى نحو عمرو ومعه جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله لينظر ما يكون منه ومن عمرو، فلما انتهى أمير المؤمنين عليه السلام إليه قال له: يا عمرو إنك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث واللات والعزى إلا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تسلم لرب العالمين، قال: يا ابن أخ أخر هذه عني، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أما إنها خير لك لو أخذتها، ثم قال: فههنا أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترجع من حيث جئت، قال: لا تحدث نساء قريش بهذا أبدا، قال: فههنا أخرى، قال: وما هي؟ قال: تنزل فتقاتلني، فضحك عمرو و قال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديما. قال علي عليه السلام: لكني أحب أن أقتلك فأنزل إن شئت، فأسف عمرو ونزل وضرب وجه فرسه حتى رجع، فقال جابر رحمه الله: فثارت بينهما قترة، فما رأيتهما، فسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن عليا قد قتله، فانكشف أصحابه حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادروا

أصحاب النبي صلى الله عليه وآله حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد الله في جوف الخندق لم ينهض به فرسه، فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم:

قتلة أجمل من هذه ينزل إلي بعضكم أقاتله، فنزل إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضربه حتى قتله، ولحق هبيرة فأعجزه وضرب قربوس سرجه وسقطت درع كانت عليه، وفر عكرمة، وهرب ضرار بن الخطاب، فقال جابر: فما شبهت قتل علي عمروا إلا بما قص الله من قصة داود وجالوت حيث يقول جل شأنه:

" فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ".

وقد روى قيس بن الربيع قال: حدثنا أبو هارون العبدي، عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي، فهل أنت محدثي بحديث فيه؟

فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي؟ فوالذي نفسي بيده ولو وضع جميع أعمال أصحاب محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا إلى يوم القيمة ووضع عمل علي عليه السلام في الكفة الأخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم، فقال ربيعة:

هذا الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل؟

وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يوم عمرو بن عبد ود، وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا عليه السلام فإنه برز إليه وقتله الله على يده (1)؟ والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة.

وقد روى هشام بن محمد، عن معروف بن خربوذ قال: قال علي بن أبي طالب في يوم الخندق:

أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنها خبروا أصحابي اليوم يمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مجرب قضاب فصددت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي وروى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام عمروا أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل: فقال له عمر بن الخطاب:

هلا سلبت يا علي درعه؟ فإنه ليس في العرب درع مثلها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي.

وروى عمر بن الأزهر عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أن عليا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود اجتز رأسه وحمله فألقاه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام.

وروى علي بن الحكيم الأودي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها، يعني ضربة عمرو بن عبد ود، و لقد ضرب عليه السلام ضربة ما ضرب في الاسلام أشأم منها، يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله.

وفي الأحزاب أنزل الله تعالى: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم و إذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ".

إلى قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ".

فتوجه العتب إليهم والتوبيخ والتقريع ولم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير المؤمنين عليه السلام، إذ كان الفتح له وعلى يديه، وكان قتله عمروا ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قتله هؤلاء النفر: الآن نغزوهم ولا يغزونا، وقد روى يوسف بن كليب، عن سفيان بن زيد، عن قرة و

غيره عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا ".

وفي قتل عمرو بن عبد ود يقول حسان بن ثابت:

أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي * بجنوب يثرب غارة لم تنظر ولقد وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر ولقد رأيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب المحسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر ويقال: إنه لما بلغ شعر حسان بن ثابت بني عامر اجابه فتى منهم فقال يرد عليه في افتخاره بالأنصار:

كذبتم وبيت الله لا تقتلوننا * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغا * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا ولم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكم * ولكنه الكفؤ الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال بناؤه * ولا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر

فقالوا: نعم أكفاء صدق فأقبلوا * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما عتوا وتكبروا فليس لكم فخر علينا بغيرنا * وليس لكم فخر يعد ويذكر وقد روى أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا سليمان بن أيوب، عن أبي الحسن المدائني قال: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام عمرو بن عبد ود نعي إلى أخته فقالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: ابن أبي طالب عليه السلام، فقالت: لم يعد موته على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الابطال، وبارز الاقران، وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر.

ثم أنشأت تقول:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الأبد لكن قاتل عمرو لا يعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد وقالت أيضا في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه:

اسدان في ضيق المكر تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل

فتخالسا مهج النفوس كلاهما * وسط المدار مخائل ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * قول سديد ليس فيه تحامل والثأر عندي يا علي فليتني * أدركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * فالذل مهلكها وخزي شامل ثم قالت: والله لا تأرت قريش بأخي ما حنت النيب.

ولما انهزم الأحزاب وولوا عن المسلمين الدبر عمل رسول الله على قصد بني قريظة، وأنفذ أمير المؤمنين عليه السلام إليهم في ثلاثين من الخزرج، وقال له: انظر بني قريظة هل نزلوا حصونهم، فلما شارف سورهم سمع منهم الهجر، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال: دعهم فإن الله سيمكن منهم، إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ود لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر من عند الله، فإن الله تعالى قد نصرني بالرعب من بين يدي مسيرة شهر، قال علي عليه السلام فاجتمع الناس إلي وسرت حتى دنوت من سورهم فأشرفوا علي، فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم الرعب، وسمعت راجزا يرتجز: قتل علي عمروا * صاد علي صقرا

قصم علي ظهرا * أبرم علي أمرا هتك علي سترا فقلت: الحمد لله الذي أظهر الاسلام وقمع الشرك، وكان النبي صلى الله عليه وآله قال لي حين توجهت إلى بني قريظة: " سر على بركة الله تعالى، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم " فسرت متيقنا لنصر الله عز وجل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني في صياصيهم يسبون رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما سمعت سبهم له كرهت أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فعملت على الرجوع إليه، فإذا به صلى الله عليه وآله قد طلع وسمع سبهم له، فناداهم: " يا أخوة القردة والخنازير، إنا إذا حللنا بساحة قوم فسآء صباح المنذرين " فقالوا له: يا أبا القاسم ما كنت جهولا ولا سبابا فاستحيى رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع القهقرى قليلا ثم أمر فضربت خيمته بإزاء حصونهم، فأقام النبي صلى الله عليه وآله حاصرا لبني قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى سألوه النزول على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم سعد بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " يا سعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " وأمر النبي صلى الله عليه وآله بانزال الرجال منهم وكانوا تسعمائة رجل فجئ بهم إلى المدينة، وقسم الأموال، واسترق الذراري والنسوان، ولما جئ بالأسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار، وخرج رسول -

الله صلى الله عليه وآله إلى موضع السوق اليوم فخندق فيه خنادق، وحضر أمير المؤمنين عليه السلام ومعه المسلمون وأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يضرب أعناقهم في الخندق، فاخرجوا إرسالا، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وهما إذ ذاك رئيسا القوم، فقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ فقال: في كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، ومن ذهب منكم لا يرجع ، هو والله القتل، وجئ بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لابد من أمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم أقيم بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف: فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرارهم يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الأخيار الاشراف، والسعادة لمن قتله الأرذال الكفار، فقال:

صدقت لا تسلبني حلتي، فقال: هي أهون علي من ذاك، فقال: سترتني سترك الله، ومد عنقه فضربها علي عليه السلام ولم يسلبه من بينهم، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام لمن جاء به: ما كان يقول حيي وهو يقاد إلى الموت؟ قال كان يقول:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل فجاهد حتى بلغ النفس جهدها * وحاول يبقى العز كل مقلقل فقال أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام:

لقد كان ذا جد وجد بكفره * فقيد إلينا في المجامع يعتل فقلدته بالسيف ضربة محفظ * فصار إلى قعر الجحيم يكبل فذاك مآب الكافرين ومن يطع * لأمر إله الخلق في الخلد ينزل واصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله من نسائهم بنت عمرة خناقة وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت أرسلت عليه حجرا، وقد جاء باليهود يناظرهم قبل مباينتهم له فسلمه الله تعالى من ذلك الحجر، وكان الظفر ببني قريظة وفتح الله على النبي صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين عليه السلام، وما كان من قتله من قتل منهم، وما ألقاه الله عز وجل في قلوبهم من الرعب فيه وماثلت هذه الفضيلة ما تقدمها من فضائله، وشابهت هذه المنقبة ما سلف ذكره من مناقبه عليه السلام.

بيان: قوله: إلا قرى، أي ضيافة. قوله: تعنق بهم من باب الافعال أي تسرع، والعنق بالتحريك: ضرب من سير الدابة. وسلع: جبيل بالمدينة. قوله عليه السلام: نصر الحجارة، أقول في الديوان المنسوب إليه صلى الله عليه وآله زيادة وتغيير:

أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي

اليوم تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الهام ليس بنابي آلى ابن عبد حين شد ألية * وحلفت فاستمعوا من الكذاب أن لا يصد ولا يهلل فالتقى * رجلان يضطربان كل ضراب فصددت حين رأيته منقطرا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب عرف ابن عبد حين أبصر صارما * يهتز أن الامر غير لعاب أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مهذب قضاب لا تحسبوا الرحمن خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب قوله عليه السلام: أخروا أصحابي، أي أخروا أنفسكم يا أصحابي، ويحتمل أن يكون أصحابي مفعولا، والحفيظة: الغضب والحمية. وصمم السيف: أي مضى في العظم وقطعه، ويقال نبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة. قوله: آلى، أي حلف. والالية بكسر اللام وتشديد الياء: اليمين. وشد عليه أي حمل عليه. قوله:

أن لا يصد، أي لا يعرض عن الحرب ولا يرجع. ولا يهلل، أي لا يسلم. والاضطراب:

التضارب. وقطره تقطيرا، أي ألقاه على أحد جنبيه فتفطر. والدكادك جمع الدكداك، وهو ما التبد من الرمل بالأرض ولم يرتفع. والرابية: ما ارتفع من الأرض. ويقال: طعنه فجدله، أي رماه بالأرض فانجدل، أي سقط. وبزه ثوبه، أي سلبه. والصارم: السيف القاطع. والاهتزاز: التحرك. قوله: غير لعاب، أي ملاعبة. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند. والقضب: القطع. قوله:

كأن على رؤوسهم الطير، أي لا يتحركون للخوف، فإن الطير إنما يجلس على شئ ساكن، أو لان من كان على رأسه طير يريد أن يصيده لا يتحرك. وأسف عليه كعلم: غضب. والقترة بالتحريك: الغبار. وأحجم عن الامر: كف وتأخر. و خطر الرجل بسيفه: رفعه مرة ووضعه أخرى. قولها: لم يعد موته، أي لم يتجاوز موته عن أن كان على يد كفو كريم. وقولها: لا رقأت دمعتي، دعاء على نفسها على وجه الحلف، أي لا سكنت دمعتي أبدا إن صببتها عليه بعد سماع هذا الخبر. وبيضة البلد: واحده الذي يجتمع إليه ويقبل قوله. والتصاول: التواثب. والباسل: الشجاع قولها: وسط المدار، أي عليهما يدور أمر الحرب، أو كل أمر. والمخاتلة: المخادعة.

وقال الجوهري: الناب: المسنة من النوق، والجمع النيب. وفي المثل: لا أفعل ذلك ما حنت النيب. وقال: عتلت الرجل أعتله وأعتله: إذا جذبته جذبا عنيفا.

20 - تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن أحمد معنعنا عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الأحزاب قال له جبرئيل: عفى الله عنك وضعت السلاح؟ ما زلت بمن معي من الملائكة نسوق المشركين حتى نزلنا بهم حمراء الأسد. اخرج وقد أمرت بقتالهم. وإني غاد بمن معي، فنزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا، فأعطى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الراية، وخرج في أثر جبرئيل عليه السلام، وتخلف النبي صلى الله عليه وآله، ثم لحقهم، فجعل كلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بأحد فقال: مر بكم الفارس؟

فقالوا: مر بنا دحية بن خليفة، وكان جبرئيل يشبه به، قال: فخرج يومئذ على فرس وكف بقطيفة ارجوان أحمر، فلما نزلت بهم جنود الله نادى مناديهم:

يا أبا لبابة بن عبد المنذر مالك؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يدعون فأتهم وقل:

معروفا، فلما اطلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة لا طاقة لنا اليوم بقتال من وراءك.

21 - الكافي: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان وأحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عز وجل: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " الآية، فقال: نزلت في خوات بن جبير الأنصاري، وكان مع النبي صلى الله عليه وآله في الخندق وهو صائم، فأمسى وهو على تلك الحال. وكانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب، فجاء خوات إلى أهله حين أمسى فقال: هل عندكم طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصلح لك طعاما، فاتكأ فنام، فقالوا له: قد فعلت، قال: نعم، فبات على تلك الحال فأصبح، ثم غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمر به رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره، فأنزل الله عز وجل فيه الآية: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ".

22 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تأتي مسجد الأحزاب فتصلي فيه وتدعو الله فيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا فيه يوم الأحزاب، وقال: " يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين، ويا مغيث المهمومين، اكشف همي وكربي فقد ترى

حالي وحال أصحابي ".

23 - الكافي: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن هشام بن سالم، عن أبان بن عثمان عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله على التل الذي عليه مسجد الفتح في غزوة الأحزاب في ليلة ظلماء قرة، فقال: " من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة "؟ فلم يقم أحد ثم أعادها فلم يقم أحد، فقال أبو عبد الله عليه السلام بيده: وما أراد القوم؟ أرادوا أفضل من الجنة؟ ثم قال: " من هذا؟ " فقال: حذيفة، فقال:

" أما تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلم؟ اقترب " فقام حذيفة وهو يقول: القر والضر جعلني الله فداك منعني أن أجيبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم " فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده " وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا حذيفة لا تحدث شيئا حتى تأتيني " فأخذ سيفه وقوسه وحجفته، قال حذيفة:

فخرجت وما لي من ضر ولا قر، فمررت على باب الخندق وقد اعتراه المؤمنون والكفار، فلما توجه حذيفة قام رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى: " يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي " فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله عز ذكره قد سمع مقالتك ودعاءك وقد أجابك وكفاك هول عدوك، فجثا رسول الله صلى الله عليه وآله على ركبتيه وبسط يديه وأرسل عينيه، ثم قال: " شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد بعث الله عز وجل عليهم ريحا من سماء الدنيا فيها حصى، وريحا من السماء الرابعة فيها جندل، قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم وأقبل جند الله الأول

ريح فيها حصى فما تركت لهم نارا إلا أذرتها، ولا خباء إلا طرحته، ولا رمحا إلا ألقته حتى جعلوا يتترسون من الحصى، فجعلنا نسمع وقع الحصى في الأترسة، فجلس حذيفة بين رجلين من المشركين فقام إبليس في صورة رجل مطاع في المشركين فقال:

أيها الناس إنكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا وإنه لن يفوتكم من أمره شئ فإنه ليس سنة مقام، قد هلك الخف والحافر، فارجعوا فلينظر كل رجل منكم من جليسه، قال حذيفة: فنظرت عن يميني فضربت بيدي فقلت: من أنت؟ فقال معاوية، فقلت للذي عن يساري: من أنت؟ فقال: سهيل بن عمرو، قال حذيفة: وأقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته، ثم صاح في قريش:

النجاء النجاء، وقال طلحة الأزدي: لقد رادكم محمد بشر، ثم قام إلى راحلته وصاح في بني أشجع: النجاء النجاء، وفعل عيينة بن حصن مثلها، ثم فعل الحارث بن عوف المزني مثلها، ثم فعل الأقرع بن حابس مثلها، وذهب الأحزاب، و رجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر، وقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه كان ليشبه بيوم القيامة.

بيان: القر بالضم: البرد. والضر بالضم: سوء الحال. والجندل:

الحجارة، وهي أكبر من الحصى قوله: النجاء، قال الجزري: هو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي أنجو النجاء، وتكراره للتأكيد، والنجاء: السرعة، ونجا من الأرض: خلص، وأنجاه غيره. والرود: الطلب.

24 - الكافي: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق مروا بكدية فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد أمير المؤمنين عليه السلام أو من يد سلمان رضي الله عنه فضرب بها ضربة فتفرق بثلاث فرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد فتح علي في ضربتي هذه

كنوز كسرى وقيصر، فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا كنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا يخرج يتخلى.

بيان: الكدية بالضم: الأرض الصلبة، والضمير في أحدهما راجع إلى أبي بكر وعمر.

أقول: قد مضى كثير من أخبار تلك الواقعة في أبواب المعجزات.

وذكر الطبرسي في إعلام الورى وابن شهرآشوب في المناقب نحوا مما مر، وقالا: كان غزوة الخندق في شوال سنة خمس.

25 - وقال ابن شهرآشوب: كان المشركين ثمانية عشر ألف رجل. والمسلمون ثلاثة آلاف، وكان المشركون على الخمر والغناء والمدد والشوكة، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو، والنبي صلى الله عليه وآله جاث على ركبتيه، باسط يديه، باك عينيه ينادي بأشجى صوت: " يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي وكربي فقد ترى حالي " ودعا عليهم فقال: " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب " وكانت غزوة بني قريظة في ذي القعدة.

26 - وقال الطبرسي. لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة الأحزاب ودخل المدينة ضربت له ابنته فاطمة غسولا فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من إستبرق، معلق عليها الدر والياقوت، عليه الغبار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبرئيل: " رحمك ربك، وضعت السلاح ولم يضعه أهل السماء؟ ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء " ثم قال جبرئيل عليه السلام: " انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب فوالله لأدقنهم دق البيضة على الصخرة " فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فقال: " قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة " وقال: " عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة " فأقبل علي عليه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل وبنو النجار كلها لم يتخلف عنه منهم أحد، وجعل النبي صلى الله عليه وآله يسرب إليه الرجال، فما صلى بعضهم العصر إلا بعد العشاء، فأشرفوا عليه وسبوه، وقالوا: " فعل الله بك وبابن عمك " وهو واقف لا يجيبهم، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حوله تلقاه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: لا تأتهم يا رسول الله صلى الله عليه وآله جعلني الله فداك فإن الله سيجزيهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله

أنهم قد شتموه فقال: " أما أنهم لو رأوني ما قالوا شيئا مما سمعت " وأقبل ثم قال:

" يا إخوة القردة إنا إذا نزلنا بساحة قوم فسآء صباح المنذرين، يا عباد الطواغيت، اخسأوا أخسأكم الله " فصاحوا يمينا وشمالا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشا، فما بدا لك؟

قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداؤه من خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم.

27 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: فأما الجراحة التي جرحها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد فإنها أجل من أن يقال: جليلة، وأعظم من أن يقال: عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل، وقد سأله سائل:

أيما أعظم منزلة عند الله؟ علي أم أبو بكر فقال: يا ابن أخي والله لمبارزة علي عمروا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها، فضلا عن أبي بكر وحده، وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما هو أبلغ منه، ثم ذكر خبر حذيفة كما مر في رواية المفيد رحمه الله، وذكر أكثر الروايات التي رواها المفيد في هذا الباب، وقال: وجاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك اليوم حين برز إليه: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال عند قتل عمرو: " ذهب ريحهم ولا يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إنشاء الله ".

ثم ساق القصة إلى أن قال: فقال عمرو: من أنت؟ وكان شيخا كبيرا قد جاوز

الثمانين، وكان نديم أبي طالب في الجاهلية، فانتسب علي عليه السلام له، وقال: أنا ابن أبي طالب، فقال: أجل لقد كان أبوك نديما لي وصديقا، فارجع فإني لا أحب أن أقتلك.

وكان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع: والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر واحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيى أن يظهر الفشل فأظهر الابقاء وإنه لكاذب فيها.

ثم ساق القصة إلى أن قال: لما قتل عمرو فر أصحابه ليعبروا الخندق فطفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق، فنزل إليه علي عليه السلام فقتله، وناوش عمر بن خطاب ضرار بن عمرو فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه، وقال: إنها لنعمة مشكورة فاحفظها يا ابن الخطاب إني كنت آليت أن لا يمكنني يداي من قتل قرشي فأقتله، وانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد، ذكرهما الواقدي في كتاب المغازي.

28 - أقول: وقال الكازروني: إن بني قريظة لما حوصروا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن ابعث إلينا أبا لبابة عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمورنا، فأرسله صلى الله عليه وآله إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه الصبيان

والنساء يبكون في وجهه، فرق لهم، فقالوا: يا با لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، قال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله خبره وأبطأ عليه قال:

" أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل ما أنا بالذي أطلقه عن مكانه حتى يتوب الله عليه " ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يضحك، فقلت:

مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك، قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت، قال: فقامت على باب حجرتها و ذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا با لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال:

فثار الناس عليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا إلى الصبح أطلقه.

قال: ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسيد بن عبيد، وهم نفر من بني هذيل ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله.

وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وآله و عليها محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام،، ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله شأنه فقال: " ذاك رجل قد نجاه الله بوفائه " وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمته فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله تلك المقالة.

وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا كان قد مر على ثابت

بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بغاث، فأخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله، فجاء يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا با عبد الرحمن هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إني أريد أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي بجزاء الكريم، قال: ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله قد كان للزبير عندي يد وله علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو لك، فأتاه فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وهب لي دمك فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:

يا رسول الله أهله وولده، قال: هم لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني امرأتك وولدك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك! فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ماله يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أعطاني مالك فهو لك وفاء، فقال: أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة حسنة تترا أي فيه عذارى الحي: كعب بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي: حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحسامنا إذا كررنا: غزال بن شمول؟ قال: قتل، قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه.

ثم قسم النبي صلى الله عليه وآله أموال بني قريظة ونساءهم على المسلمين، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن زيد الأنصاري بسبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى توفي عنها، وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الاسلام وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: " إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، فبشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.

أقول: سيأتي بعض أخبار غزوة الخندق في باب أحوال أولاد النبي صلى الله عليه وآله.

29 - وفي الديوان في وصف الظفر في الخندق:

وكانوا على الاسلام إلبا ثلاثة * فقد خر من تلك الثلاثة واحد وفر أبو عمرو هبيرة لم يعد * ولكن أخو الحرب المجرب عائد نهتهم سيوف الهند أن يقفوا لنا * غداة التقينا والرماح مصائد بيان: الضمير في " كانوا " راجع إلى بني قريظة وغطفان وقريش. وألبت الجيش: جمعته، وهم ألب بالفتح والكسر: إذا كانوا مجتمعين، والذي خر:

قريش، إذ قتل منهم ابن عبد ود، ونوفل بن عبد الله. وغداة مضاف إلى الجملة.

ومنه في مثله قاله يوم الخندق رواه محمد بن إسحاق:

الحمد لله الجميل المفضل * المسبغ المولي العطاء المجزل شكرا على تمكينه لرسوله * بالنصر منه على الغواة الجهل كم نعمة لا أستطيع بلوغها * جهدا ولو أعلمت طاقة مقول لله أصبح فضله متظاهرا * منه علي سألت أم لم أسال قد عاين الأحزاب من تأييده * جند النبي وذي البيان المرسل ما فيه موعظة لكل مفكر * إن كان ذا عقل وإن لم يعقل.

بيان: المقول بالكسر: اللسان. و " اللام " في لله للقسم، و " الجند " مفعول التأييد، و " ما فيه " مفعول " عاين ".

ومنه مخاطبا لعمرو بن عبد ود:

يا عمرو قد لا قيت فارس بهمة * عند اللقاء معاود الاقدام من آل هاشم من سناء باهر * ومهذبين متوجين كرام يدعو إلى دين الاله ونصره * وإلى الهدى وشرائع الاسلام

بمهند عضب رقيق حده * ذي رونق يقري الفقار حسام ومحمد فينا كأن جبينه * شمس تجلت من خلال غمام والله ناصر دينه ونبيه * ومعين كل موحد مقدام شهدت قريش والقبائل كلها * أن ليس فيها من يقوم مقامي بيان: قال الجوهري: البهمة بالضم: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال أيضا للجيش: بهمة، ومنه قولهم: فلان فارس بهمة، وليث غابة. ومعاود الاقدام: أي معاود فيه، ويقال: الشجاع معاود.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.