بحارالانوار · المجلد السادس
18 - باب غزوة بنى المصطلق في المريسيع 1 وسائر الغزوات
ج ۲۰، ص ۲۸۰–۳۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذا قيل لهم " نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن بني المصطلق يجمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وآله فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له:
المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل، ونفل رسول الله صلى الله عليه وآله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فبينا الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدحم جهجاه وسنان الجهني من بني عوف
ابن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري:
يا معشر المهاجرين، فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له: جعال وكان فقيرا، فقال عبد الله بن أبي لجعال: وإنك لهناك؟ فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟ واشتد لسان جعال على عبد الله، فقال عبد الله: والذي يحلف به لأذرنك ويهمك غير هذا، وغضب ابن أبي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن، فقال ابن أبي: قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم، فقال زيد بن أرقم:
أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب، فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل، وأرسل إلى عبد الله فأتاه فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟
فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط، وإن زيدا
لكاذب، وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار، عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه، فعذره صلى الله عليه وآله وفشت الملامة من الأنصار لزيد، ولما استقل رسول الله فسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل " فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وآله:
بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا.
قالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن
وجدوا مس الأرض وقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي خرج من ابن أبي، ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له: بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، وضلت ناقة رسول الله وذلك ليلا، فقال صلى الله عليه وآله: " مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة " قيل: من هو؟ قال: رفاعة، فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي؟ فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر رسول الله بذلك أصحابه، وقال: " ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب " فإذا هي كما قال فجاؤوا بها وآمن ذلك المنافق، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود قد مات ذلك اليوم.
قال زيد بن أرقم: فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة جلست في البيت لما بي من الهم والحياء، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله باذن زيد فرفعه عن الرحل ثم قال: " يا غلام صدق فوك ووعت أذناك، ووعى قلبك، وقد أنزل الله فيما قلت قرآنا ".
وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فقال: مالك ويلك؟ قال والله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل، فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل إليه أن خل عنه يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات، فلما نزلت هذه الآيات وبان كذب عبد الله قيل له: إنه نزل فيك آي شداد فاذهب إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل: " وإذا قيل لهم تعالوا " أي هلموا " يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم " أي أكثروا تحريكها استهزاء، وقيل: أمالوها إعراضا عن الحق " ورأيتهم يصدون " عن سبيل الحق " وهم مستكبرون " مظهرون أنه لا حاجة لهم إلى استغفاره، " سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم " أي يتساوي الاستغفار لهم وعدمه " لن يغفر الله لهم " لأنهم يبطنون الكفر " إن الله لا يهدي القوم الفاسقين " أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين والايمان إلى طريق الجنة، قال الحسن:
أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله " من المؤمنين المحتاجين " حتى ينفضوا " أي يتفرقوا عنه " ولله خزائن السماوات والأرض " وما بينهما من الأرزاق والأموال والأعلاق، فلو شاء لأغناهم، ولكنه تعالى يفعل ما هو الأصلح لهم ويمتحنهم بالفقر ويتعبدهم بالصبر ليصبروا فيوجروا وينالوا الثواب وكريم المآب " ولكن المنافقين لا يفقهون " ذلك لجهلهم بوجوه الحكمة " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة " من غزوه بني المصطلق " ليخرجن الأعز " يعنون نفوسهم " منها الأذل " يعنون رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين " ولله العزة ولرسوله " بإعلاء الله كلمته، وإظهار دينه على الأديان " وللمؤمنين " بنصرته إياهم في الدنيا، وإدخالهم الجنة في العقبي " ولكن المنافقين لا يعلمون " فيظنون أن العزة لهم.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " قال: نزلت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إليها
فلما رجع منها نزل على بئر وكان الماء قليلا فيها، وكان أنس بن سيار:
حليف الأنصار، وكان جهجاه بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب فاجتمعوا على البئر، فتعلق دلو سيار بدلو جهجاه، فقال سيار: دلوي، وقال جهجاه: دلوي، فضرب جهجاه يده على وجه سيار، فسال منه الدم، فنادى سيار بالخزرج، ونادى جهجاه بالقريش، وأخذ الناس السلاح. وكاد أن تقع الفتنة، فسمع عبد الله ابن أبي النداء فقال: ما هذا؟ فأخبروه الخبر، فغضب غضبا شديدا، ثم قال:
قد كنت كارها لهذا المسير إني لأذل العرب، ما ظننت أني أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكون عندي تغيير، ثم أقبل على أصحابه فقال: هذا عملكم، أنزلتموهم منازلكم، وواسيتموهم بأموالكم، ووقيتموهم بأنفسكم، وأبرزتم نحوركم للقتل فأرمل نساءكم وأيتم صبيانكم، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم، ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وكان في القوم زيد بن أرقم وكان غلاما قد راهق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة في وقت الهاجرة وعنده قوم بن أصحابه من المهاجرين والأنصار، فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله بن أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعلك وهمت يا غلام "؟ قال: لا والله ما وهمت، فقال: " فلعلك غضبت عليه "؟ قال: لا والله ما غضبت عليه، قال: " فلعله سفه عليك " قال: لا والله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
لشقران مولاه: " احدج " فحدج راحلته وركب، وتسامع الناس بذلك، فقالوا: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليرحل في مثل هذا الوقت، فرحل الناس ولحقه سعد بن عبادة فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: " وعليكم السلام " فقال:
ما كنت لترحل في مثل هذا الوقت، فقال: " أوما سمعت قولا قال صاحبكم "؟ قال:
وأي صاحب لنا غيرك يا رسول الله؟ قال: " عبد الله بن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " فقال يا رسول الله فأنت وأصحابك الأعز، و هو وأصحابه الأذل فسار رسول الله يومه كله لا يكلمه أحد فأقبلت الخزرج على عبد الله بن أبي يعذلونه، فحلف عبد الله أنه لم يقل شيئا من ذلك، فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تعتذر إليه، فلوى عنقه فلما جن الليل سار رسول الله صلى الله عليه وآله ليله كله والنهار، فلم ينزلوا إلا للصلاة، فلما كان من الغد نزل رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل أصحابه وقد أمهدهم الأرض من السهر الذي أصابهم، فجاء عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلف له أنه لم يقل ذلك، وأنه ليشهد أن لا إله إلا الله، وإنك لرسول الله، وأن زيدا قد كذب علي، فقبل رسول الله منه، وأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه ويقولون له كذبت على عبد الله سيدنا، فلما رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كان زيد معه يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن أبي فما سار إلا قليلا حتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان يأخذه من البرحاء عند نزول الوحي عليه: فثقل حتى كادت ناقته تبرك من ثقل الوحي، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يسلت العرق عن جبهته، ثم أخذ بأذن زيد فرفعه من الرحل ثم قال: " يا غلام صدق قولك، ووعى قلبك، وأنزل الله فيما قلت قرآنا " فلما نزل جمع أصحابه وقرأ عليهم سورة المنافقين:
" بسم الله الرحمن الرحيم * إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون " إلى قوله: " ولكن المنافقين لا يعلمون ".
ففضح الله عبد الله بن أبي.
حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: حدثنا أحمد بن ميثم، عن الحسن بن علي ابن أبي حمزة، عن أبان بن عثمان قال: سار رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وليلة ومن الغد حتى ارتفع الضحى فنزل، ونزل الناس، فرموا بأنفسهم نياما، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكف الناس عن الكلام، وإن ولد عبد الله بن أبي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن كنت عزمت على قتله فمرني أن أكون أنا الذي أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الأوس والخزرج أني أبرهم ولدا بوالد، فإني أخاف أن تأمر غيري فيقتله فلا تطيب نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل نحن لك صاحبه ما دام معنا.
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " كأنهم خشب مسندة " يقول: " لا يسمعون ولا يعقلون.
قوله: " يحسبون كل صيحة عليهم " يعني كل صوت " هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون " فلما نعتهم الله لرسوله وعرفه مشى إليهم عشائرهم فقالوا لهم: قد افتضحتم، ويلكم فأتوا نبي الله يستغفر لكم فلووا رؤسهم، وزهدوا في الاستغفار
يقول الله: " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ".
بيان: قال الفيروزآبادي: المريسيع مصغر مرسوع: بئر أو ماء لخزاعة على يوم من الفرع، وإليه تضاف غزوة بني المصطلق. وقال الجزري: الحدج: شد الأحمال وتوثيقها، وشد الحداجة وهي القتب بأداته. والعذل: الملامة كالتعذيل.
قوله وقد أمهدهم الأرض، أي صارت لهم مهادا، فلما وقعوا عليها ناموا. وبرحاء الحمى وغيرها: شدة الأذى: وسري عنه الهم على بناء المجهول مشددا وانسرى:
انكشف، ويقال: سلت الدم، أماطه.
2 - الإرشاد: ثم كان من بلائه صلى الله عليه وآله ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء، وكان الفتح له في هذه الغزاة بعد أن أصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب، فقتل أمير - المؤمنين عليه السلام رجلين من القوم، وهما مالك وابنه، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وآله منهم سبيا كثيرا وقسمه في المسلمين، وكان ممن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث أبي ضرار، وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق: " يا منصور أمت " وكان الذي سبا جويرية أمير المؤمنين عليه السلام، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فاصطفاها النبي صلى الله عليه وآله فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد إسلام بقية القوم فقال: يا رسول الله إن ابنتي لا تسبا، لأنها امرأة كريمة، فقال له: اذهب فخيرها، قال: أحسنت
وأجملت، وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنية لا تفضحي قومك، فقالت: قد اخترت الله ورسوله، فقال لها أبوها: فعل الله بك وفعل، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلها في جملة أزواجه.
3 - إعلام الورى: كانت بعد غزوة بني قريظة غزوة بني المصطلق من خزاعة، ورأسهم الحارث بن أبي ضرار، وقد تهيأ للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهي غزوة المريسيع وهو ماء، وقعت في شعبان سنة خمس، وقيل: في شعبان سنة ست والله أعلم، قالت جويرية بنت الحارث زوجة الرسول: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن على المريسيع، فاسمع أبي وهو يقول: أتانا مالا قبل لنا به، قالت وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح مالا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنه رعب من الله عز وجل يلقيه في قلوب المشركين، قالت: ورأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن اخبر بها أحدا من الناس فلما سبينا رجوت الرؤيا فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وتزوجني، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم واسر سائرهم، وكان شعار المسلمين يومئذ: " يا منصور أمت " وسبى رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال والنساء والذراري والنعم والشاء، فلما بلغ الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله، فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما علم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأنزلت الآيات.
وفيها كانت قصة إفك عائشة.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله في سنة ست في شهر ربيع الأول عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة، وبكر القوم فهربوا وأصاب مائتي بعير لهم فساقها إلى المدينة.
وفيها بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة في أربعين رجلا فأغار عليهم و أعجزهم هربا في الجبال، وأصابوا رجلا واحدا، فأسلم.
وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم فأصابوا نعما وشاء وأسرى.
وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادي الأولى.
وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيرا.
وفيها كانت غزوة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر.
وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم " فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن
تماضر بنت الأصبغ، وكان أبوها رأسهم وملكهم.
وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله في قول الواقدي إلى العرينين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وآله، واستاقوا الإبل عشرين فارسا، فاتي بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا بالحرة حتى ماتوا.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا عليهم فقال: " اللهم أعم عليهم الطريق " قال: فعمي عليهم الطريق.
وفيها اخذت أموال أبي العاص بن الربيع، وقد خرج تاجرا إلى الشام، و معه بضايع قريش، فلقيته سرية لرسول الله واستاقوا عيره وأفلت، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسألها أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله السرية وقال: " إن هذا الرجل منا بحيث قد علمتم، فإن رأيتم تردوا عليه فافعلوا " فردوا عليه ما أصابوا، ثم خرج وقد مكة ورد على الناس بضايعهم، ثم قال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا توقيا
أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بأموالكم، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
4 - أقول: قال الكازروني في حوادث السنة الخامسة: في هذه السنة كانت غزاة المريسيع: وذلك أن بني المصطلق كانوا ينزلون على بئر يقال لها: المريسيع، وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار، فسار في قومه ومن قدر عليه، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله فأجابوه، وتهيأوا للمسير معه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل بريدة بن الحصيب ليعلم علم ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فندب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس إليهم فأسرعوا الخروج، ومعهم ثلاثون فرسا، وخرج معهم جماعة من المنافقين، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة زيد بن حارثة، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث ابن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه قتل عينه الذي كان يأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فسئ بذلك وخاف وتفرق من معه من العرب، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المريسيع وضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة فتهيأوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فقتل عشرة من العدو، واسر الباقون، وسبي رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف والسبي مائتي أهل بيت، سوى رجل واحد، ولما رجع
المسلمون بالسبي قدم أهاليهم فافتدوهم، وخلصت جويرة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس وابن عم له فكاتباها، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابتها فأدى عنها وتزوجها وسماها برة، وقيل: إنه جعل صداقها عتق أربعين من قومها وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا نضلة الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع.
وروي عن عائشة أنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله نساء بني المصطلق، فأخرج الخمس منه، ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفارس سهمين، فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، وكانت تحت ابن عم لها يقال له: صفوان بن مالك فقتل عنها، وكاتبها ثابت بن قيس على تسع أواق، وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي صلى الله عليه وآله عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وآله، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من الامر ما قد علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، وكاتبني على تسع أواق، فأعني في فكاكي، فقال: " أو خير من ذلك " (2)؟ فقالت: وما هو؟
فقال: " أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك " فقالت: نعم يا رسول الله، فقال: " قد فعلت " وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله يسترقون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من نساء بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها، ولا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وفي هذه الغزاة نزلت آية التيمم.
وفيها كان حديث الإفك.
وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله زينب بنت جحش بن رباب، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وكانت ممن هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطبها رسول الله صلى الله عليه وآله لزيد، فقالت: لا أرضاه لنفسي، قال: فإني قد رضيته لك، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله لهلال ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.
أقول: ستأتي قصتها في أبواب أحوال أزواجه صلى الله عليه وآله.
ثم قال: وفي هذه السنة في ذي الحجة ركب رسول الله صلى الله عليه وآله فرسا إلى الغابة فسقط عنه، فجحش فخذه الأيمن، فأقام في البيت خمسا يصلي قاعدا.
وفي هذه السنة نزلت فريضة الحج وأخره رسول الله صلى الله عليه وآله من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة، ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر على الحاج سنة تسع، وحج رسول الله سنة عشر.
وقال عند ذكر حوادث السنة السادسة: فيها زار رسول الله صلى الله عليه وآله أمه مرجعه من غزاة بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، وكانت في ربيع الأول سنة ست، فسمعت بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدروا على أحد منهم، فجاز على قبر أمه.
وفيها كانوا غزاة رسول الله صلى الله عليه وآله الغابة وهي على بريد من المدينة بطريق الشام في ربيع الأول، روي عن سلمة بن الأكوع قال: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد - الرحمن بن عوف فقال: اخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: من أخذها؟ قال:
غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بنبل وكنت راميا، وأقول:
أنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة قال: وجاء النبي صلى الله عليه وآله والناس، فقلت: يا رسول الله قد حميت الماء وهم عطاش فابعث إليهم
الساعة، فقال: " يا بن الأكوع إذا ملكت فأسجح " قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقته حتى دخلنا المدينة.
وفي هذه السنة صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الاستسقاء بالاسناد عن الزهري، عن أنس قال: قحل الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قحط المطر، ويبس الشجر وهلكت المواشي، وأسنت الناس، فاستسق لنا ربك عز وجل، فقال: " إذا كان يوم كذا وكذا فاخرجوا، وأخرجوا معكم بصدقات " قال: فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله والناس معه يمشي ويمشون عليهم السكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم النبي صلى الله عليه وآله فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان صلى الله عليه وآله يقرأ في العيدين والاستسقاء في الأولى بفاتحة الكتاب والأعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب والغاشية، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه، وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال " اللهم اسقنا وأغثنا، غيثا مغيثا وحيا ربيعا وجدا طبقا غدقا مغدقا عاما هنيئا مريئا مريعا وابلا شاملا مسبلا مجلجلا دائما دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث غيثا اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها وأنزل عليها سكنها، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيي به بلدة ميتا، و أسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا " قال: فما برحنا حتى أقبل قزع من السحاب فالتأم بعضه إلى بعض، ثم مطرت عليهم سبعة أيام ولياليهن لا تقلع عن المدينة، فأتاه
المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، وتهدمت البيوت، وانقطعت السبل فادع الله تعالى أن يصرفها عنها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على المنبر حتى بدت نواجده تعجبا لسرعة ملالة ابن آدم، ثم رفع يديه ثم قال: " حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤوس الظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية، وظهور الآكام " فتصدعت عن المدينة حتى كانت في مثل الترس عليها كالفسطاط تمطر مراعيها ولا تمطر فيها قطرة.
وفي بعض الروايات: إنه لما صارت المدينة كالفسطاط ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجده، ثم قال: " لله أبي طالب. لو كان حيا قرت عيناه، من الذي ينشدنا قوله؟ " فقام علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا رسول الله كأنك أردت:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أجل " فقام رجل من كنانة فقال:
لك الحمد والشكر ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلا كالقا الردا * وأسرع حتى رأينا المطر دفاق العزايل جم البعاق * أغاث به الله عليا مضر و كان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر
به الله يسقى صوب الغمام * وهذا العيان لذاك الخبر فمن يشكر الله يلقى المزيد * ومن يكفر الله يلقى الغير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أن يك شاعر أحسن فقد أحسنت.
بيان الجحش: سحج الجلد أي تقشره. قوله يوم الرضع، بضم الراء و تشديد الضاد جمع راضع، وهو اللئيم، أي خذ الرمية، واليوم يوم هلاك اللئام.
قوله: فأسجح، أي فسهل وأحسن العفو. قوله: قحل الناس، قال الجزري: أي يبسوا من شدة القحط، وقد قحل يقحل قحلا: إذا التزق جلده بعظمه من الهزال.
وأسنت الناس، أي دخلوا في السنة وهي القحط. والحيا مقصورا: المطر، وقيل: الخصب وما يحيى به الناس. والجدا بالقصر أيضا: المطر العام. والطبق:
الذي يطبق الأرض، أي يعم وجهها. والغدق: الكبير القطر.
قوله صلى الله عليه وآله: مريعا، أي عاما يغني عن الارتياد والنجعة، فالناس يربعون حيث شاؤوا، أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلاء، أو من أربع الغيث: إذا أنبت الربيع، ويروى " مرتعا " بالتاء المثناة من فوق، من رتعت الإبل إذا رعت، وأرتعها الله، أي أنبت لها ما ترتع فيه، والوابل: المطر شديد الكبير القطر. والمسبل من السبل وهو المطر أيضا. والمجلل: الذي يستر الأرض بمائه أو بالنبات الذي ينبت بمائه كأنه يكسوها ذلك. قوله صلى الله عليه وآله: دائما، وفي بعض النسخ " ديما " وهي جمع ديمة، وهي مطر يدوم في سكون. والدرر جمع الدرة. ودرة السحاب: صبه. والرائث: البطئ.
قوله: بلاغا، أي ما يكفي أهل حضرنا وبدونا. وزينة الأرض: حياتها بنباتها. والسكن: القوت الذي يسكن به في الدار، كالنزل، وهو الطعام الذي ينزل عليه ويكتفى به.
قوله: حوالينا، في موضع نصب، أي أمطر حوالينا، ولا تمطر علينا، والظراب جمع ظرب ككتف، وهي الجبال الصغار. والقزع بالتحريك، قطع من السحاب رقيقة، الواحدة قزعة وهو ما يفرق بين جمعه وواحده بالتاء كما يقال: سحاب و سحابة. وقوله: عليها أي على المدينة، وكلمة " في " كأنها زائدة، أي حتى كانت المدينة أو السماء مثل الترس وسط السحاب، والسحاب عليها كالفسطاط، وهي الخيمة. والثمال بالكسر: الملجأ والغياث، أو المطعم في الشدة. عصمة للأرامل أي يمنعهن من الضياع والحاجة. ويبزى، أي يقهر ويغلب.
قوله: ممن شكر، أي الذي يحمد الله، إنما يشكره بما أولاه من نعمه، أو الحمد بتوفيق الله الذي شكر من عباده العمل اليسير في جنب النعمة الكثيرة.
قوله: إليه، أي إلى إنزال الغيث، قوله: كإلقا الرداء، هذا من الممدود الذي قصر لأجل الشعر كما يمد المقصور للشعر. والدفاق: المطر الواسع الكثير المندفق والعزايل مقلوب من العزالي جمع العزلاء، وهي فم المزادة، شبه ما يمطر من السحاب بما يتدفق من فم المزادة. والبعاق بالضم: السحاب الذي يتبعق بالماء، أي يتصبب وقيل: البعاق: المطر العظيم، والجم الكثير. قوله: به الله يسقي، فيه انكسار اللفظ والوزن، ويرويه بعضهم: به الله أنزل. والصوب: نزول المطر. والغير: التغير ومن يكفر الله في نعمه تغير حاله.
قال: وفي هذه السنة كانت سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، وقيل: سلام بن أبي الحقيق، باسنادي في سماع البخاري إليه بإسناده عن البراء قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي رافع اليهودي جماعة من الأنصار، و أمر عليهم عبد الله، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجته، وقد دخل الناس فهتف به البواب
يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على ود قال: فقمت على الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلق علي من داخل فقلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع (5)! قال: من هذا؟
فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا با رافع؟
فقال: لامك الويل إن معي رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله فحدثته، فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها
وكأنما لم أشتكها قط.
السرح: الإبل والمواشي تسرح للرعي بالغداة، والأغاليق: المفاتيح والأقاليد جمع إقليد وهو المفتاح في لغة اليمن، والود بفتح الواو: الوتد، وهي لغة تميم. والعلالي جمع علية وهي الغرفة. قوله: نذروا، بكسر الذال. أي علموا.
وفي هذه السنة كان قصة العرنيين في شوالها. قالوا: قدم نفر من عرنية ثمانية على رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا واجتووا المدينة، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى لقاحه، وقال: " لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من ألبانها " فقتلوا الراعي وقطعوا يده ورجله، وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا ، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم حتى قدموا بهم المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بالغابة فخرجوا بهم نحوه فأمرهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وصلبوا هناك، وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة فردوها إلا واحدة نحروها.
5 - أقول: وقال ابن الأثير في الكامل في حوادث السنة السادسة: كانت غزوة بني لحيان في جمادي الأولى منها، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، وأغذ السير حتى نزل على عرار منازل بني لحيان فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان تخويفا لأهل مكة، وأرسل فارسين من الصحابة حتى بلغا كراع الغميم ثم عادوا.
ثم ذكر بعد ذلك غزوة ذي قرد كما ذكرناها سابقا، وقال: والرواية الصحيحة عن سلمة أنها كانت بعد مقدمه المدينة منصرفا من الحديبية.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " إلى قوله:
" ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا " فإنها نزلت في أشجع وبني ضمرة، وكان خبره أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر لموعد مر قريبا من بلادهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله صادر بني ضمرة ووادعهم قبل ذلك، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله:
يا رسول الله هذه بنو ضمرة قريبا منا ونخاف أن يخالفونا إلى المدينة، أو يعينوا علينا قريشا، فلو بدأنا بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " كلا إنهم أبر العرب بالوالدين
وأوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد " وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة، وهم بطن من كنانة، وكانت أشجع بينهم وبين بني ضمرة حلف بالمراعاة والأمان، فأجدبت بلاد أشجع، وأخصبت بلاد بني ضمرة، فصارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مسيرهم إلى بني ضمرة تهيأ للمسير إلى أشجع فيغزوهم للموادعة التي كانت بينه وبين بني ضمرة، فأنزل الله: " ودوا لو تكفرون كما كفروا " الآية، ثم استثنى بأشجع فقال: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم و بينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " إلى قوله:
" فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ".
وكانت أشجع محالها البيضاء والحل والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فهابوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبعث إليهم من يغزوهم، و كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه شيئا، فهم بالمسير إليهم، فبينا هو على ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة وهم سبعمائة، فنزلوا شعب سلع، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أسيد بن حصين فقال له: " اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما أقدم أشجع " فخرج أسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم فقال: ما أقدمكم؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة وهو رئيس أشجع فسلم على أسيد وعلى أصحابه، وقالوا:
جئنا لنوادع محمدا، فرجع أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا الصلح بيني وبينهم " ثم بعث إليهم بعشرة أحمال تمر فقدمها أمامه، ثم قال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة، ثم أتاهم فقال: يا معشر أشجع ما أقدمكم؟ قالوا: قربت دارنا منك، وليس في قومنا أقل عددا منا، فضقنا بحربك لقرب دارنا منك وضقنا لحرب قومنا لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك، فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم فأقاموا يومهم ثم رجعوا إلى بلادهم، وفيهم نزلت هذه الآية: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " الآية.
7 - مناقب ابن شهرآشوب: ثم بعد غزاة بني قريظة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق.
بنو المصطلق من خزاعة وهو المريسيع ، غزاهم علي عليه السلام في شعبان، و رأسهم الحارث بن أبي ضرار، وأصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب، فقتل علي عليه السلام مالكا وابنه، فأصاب النبي صلى الله عليه وآله سبيا كثيرا، وكان سبى علي عليه السلام جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وآله، فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله بفداء ابنته، فسأله النبي صلى الله عليه وآله عن جملين خباهما في شعب كذا، فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما عرفهما أحد سواي، ثم قال: يا رسول الله إن ابنتي لا تسبى، إنها امرأة كريمة، قال: " فاذهب فخيرها " قال:
قد أحسنت وأجملت، وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنية لا تفضحي قومك، فقالت:
قد اخترت الله ورسوله، فدعا عليها أبوها، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلها في جملة أزواجه.
وفي هذه الغزاة نزلت " إن الذين جاؤوا بالإفك ".
وفيها: قال عبد الله بن أبي: " لئن رجعنا إلى المدينة ".
8 - مناقب ابن شهرآشوب: سنة ست في شهر ربيع الأول بعث عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة فهربوا وأصاب مائتي بعير.
وفيها بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة في أربعين رجلا فأغار عليهم.
وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم فأصابوا، ووصلوا إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربوا، وأصاب منهم عشرين بعيرا.
وغزوة زيد إلى العيص في جمادي الأولى.
وغزوة بني قرد، وذلك أن أناسا من الاعراب قدموا وساقوا الإبل، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدم أبا قتادة الأنصاري مع جماعة فاسترد منهم.
وبعث محمد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وأفلت محمد وقتل أصحابه.
ذات السلاسل وهو حصن، وذلك أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن لي نصيحة، قال: " وما نصيحتك "؟ قال: اجتمع بنو سليم بوادي الرمل عند الحرة على أن يبيتوك بها القصة.
وفيها غزوة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر.
وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان. وسرية العرنيين الذين قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وآله واستاقوا الإبل، وكانوا عشرين فارسا.
وفيها اخذت أموال أبي العاص بن الربيع.
وفيها غزوة الغابة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.