بحارالانوار · المجلد السادس
17 - باب غزوة الأحزاب ms06572 وبنى قريظة
ج ۲۰، ص ۱۸۵–۲۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
آل عمران " 3 ": قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير * تولج الليل
في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب 27.
الأنفال " 8 ": الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين 56 - 58.
الأحزاب " 33 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعلمون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسؤولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بأدون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قدير 9 - 27.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أم حسبتم ": قيل: نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة وحوصر المسلمون في المدينة، فدعاهم الله إلى الصبر ووعدهم بالنصر، وقيل: نزلت في حرب أحد، لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى متى تقتلون أنفسكم؟ لو كان محمد صلى الله عليه وآله نبيا لما سلط الله عليه الأسر والقتل، وقيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومستهم الضراء " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " أي ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحنوا به فتصبروا كما صبروا " مستهم البأساء والضراء " البأساء: نقيض النعماء، والضراء: نقيض السراء " وزلزلوا " أي حركوا بأنواع البلايا " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " قيل: استعجال للموعود، وإنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر: ألا إن نصر الله قريب " قيل: إن هذا من كلامهم فإنهم قالوا عند الاياس: متى نصر الله، ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده فقالوا ذلك، وقيل: إن الأول كلام المؤمنين، والثاني كلام الرسول.
وقال في قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك ": قيل: لما فتح رسول الله
صلى الله عليه وآله مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ ألم تكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم و فارس؟ فنزلت هذه الآية عن ابن عباس وأنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون و الأنصار في سلمان وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت " قال عمر وبن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب أخرج الله من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فانا لا نحب أن نتجاوز خطك قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون،
ثم ضرب بها رسول الله صلى الله عليه وآله ثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان ورقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت منك شيئا ما رأيته منك قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القوم وقال:
رأيتم ما يقول سلمان؟ فقالوا: نعم، قال: " ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر: من أرض الروم، فكأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي ما رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يمنيكم ويعدكم الباطل ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن: " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ".
وأنزل الله تعالى في هذه القصة " قل اللهم مالك الملك " الآية رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف.
قوله: " مالك الملك " أي مالك كل ملك وملك، وقيل: مالك العباد وما ملكوا، وقيل: مالك أمر الدنيا والآخرة، وقيل: مالك النبوة " تؤتي الملك " أي تؤتي الملك وأسباب الدنيا محمدا وأصحابه وأمته " وتنزعه " من صناديد قريش ومن الروم وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الاسلام، وقيل: تؤتي النبوة و الإمامة من تشاء من عبادك، وتوليه التصرف في خلقك وبلادك، وتنزع الملك على
هذا الوجه من الجبارين " وتعز من تشاء " بالايمان والطاعة " وتذل من تشاء " بالكفر والمعاصي، وقيل: تعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه، وتذل الكافر بالجزية والسبي، وقيل: تعز محمدا وأصحابه، وتذل أبا جهل وأضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب، وقيل: تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا والدين، و تذل من تشاء من أعدائك في الدنيا والآخرة، لأنه سبحانه لا يذل أولياءه وإن أفقرهم وابتلاهم، فإن ذلك ليس على سبيل الاذلال، بل ليكرمهم بذلك في الآخرة " بيدك الخير " أي الخير كله في الدنيا والآخرة.
وقال في قوله تعالى: " الذين عاهدت منهم " أي من جملتهم، أو عاهدتهم، قال مجاهد: أراد به يهود بني قريظة، فأنهم كانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله على أن لا يضروا به ولا يمالوا عليه عدوا، ثم مالوا عليه الأحزاب يوم الخندق وأعانوهم عليه بالسلاح، وعاهدوا مرة بعد أخرى فنقضوا، فانتقم الله منهم " ثم ينقضون عهدهم في كل مرة " أي كلما عاهدتهم نقضوا العهد ولم يفوا به " وهم لا يتقون " نقض العهد أو عذاب الله " فإما تثقفنهم " أي تصادفنهم في الحرب، أي ظفرت بهم " فشرد بهم من خلفهم " أي فنكل بهم تنكيلا يشرد بهم من بعدهم ويمنعهم من نقض العهد، والتشريد: التفريق " لعلهم يذكرون " أي لكي يتذكروا وينزجروا " وإما تخافن من قوم خيانة " أي إن خفت يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد خيانة " فأنبذ إليهم على سواء " أي فألق ما بينك وبينهم من العهد، وأعلمهم بأنك نقضت ما شرطت لهم لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء، وقيل: معنى " على سواء " على عدل، قال الواقدي: هذه الآية نزلت في بني قينقاع، وبهذه الآية سار النبي صلى الله عليه وآله إليهم.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إذ جاءتكم جنود " وهم الذين تحزبوا على
رسول الله صلى الله عليه وآله أيام الخندق " فأرسلنا عليهم ريحا " وهي الصبا، أرسلت عليهم حتى اكفأت قدورهم فنزعت فساطيطهم " وجنودا لم تروها " الملائكة وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، ولكن كانوا يشجعون المؤمنين، ويجبنون الكافرين " وكان الله بما تعملون بصيرا ".
" إذ جاؤكم " أي اذكروا حين جاءكم جنود المشركين " من فوقكم " أي من فوق الوادي قبل المشرق قريظة والنضير وغطفان " ومن أسفل منكم " أي من المغرب من ناحية مكة أبو سفيان في قريش ومن تبعه " وإذ زاغت الابصار " أي مالت عن كل شئ فلم تنظر إلا عدوها مقبلا من كل جانب، أو عدلت الابصار عن مقرها من الدهش والحيرة كما يكون الجبان فلا يعلم ما يبصر " وبلغت القلوب الحناجر " الحنجرة: جوف الحلقوم، أي شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، عن قتادة، وقال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال:
قولوا: " اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا " قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح، فهزموا، قال الفراء: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن ينتفخ سحره، والسحر الرية، فإذا انتفخت الرية رفعت القلوب إلى الحنجرة " وتظنون بالله الظنونا " أي اختلفت الظنون فظن بعضهم النصر، و بعضهم ايس وقنط، وقيل: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد صلى الله عليه وآله، وظن المؤمنون أنه ينصر، وقيل: ظن بعضهم أن الكفار تغلبهم، وظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة وظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت، وظن بعضهم أن ما وعد الله ورسوله من نصرة الدين وأهله غرور، فأقسام الظنون كثيرة خصوصا ظن الجبناء.
" هنالك ابتلي المؤمنون " أي اختبروا وامتحنوا " وزلزلوا زلزالا شديدا "
أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي شك: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " قال ابن عباس: إن المنافقين قالوا:
يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء، هذا والله الغرور " وإذ قالت طائفة منهم " يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: هم بنو سالم من المنافقين، وقيل: القائل أوس بن قبطي ومن وافقه على رأيه " يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا " أي لا إقامة لكم ههنا، أو لامكان لكم تقومون فيه للقتال إذا فتح الميم، فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة، وأرادوا الهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله " ويستأذن فريق منهم النبي " في الرجوع إلى المدينة وهم بنو حارثة وبنو سلمة " يقولون إن بيوتنا عورة " ليست بحريزة، مكشوفة ليست بحصينة، أو خالية من الرجال نخشى عليها السراق، وقيل: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو لا نأمن على أهلينا " وما هي بعورة " بل هي رفيعة السمك حصينة عن الصادق عليه السلام: " إن يريدون " أي ما يريدون " إلا فرارا " وهربا من القتال ونصرة المؤمنين " ولو دخلت " البيوت أو المدينة " عليهم " أي لو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب على الذين يقولون: إن بيوتنا عورة وهم المنافقون " من أقطارها " من نواحي المدينة أو البيوت " ثم سئلوا الفتنة لاتوها " أي ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك لأشركوا " وما تلبثوا بها إلا يسيرا " أي وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، أو لما أقاموا بعد إعطائهم الكفر إلا قليلا حتى يعاجلهم الله بالعذاب " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل " أي من قبل الخندق " لا يولون الادبار " أي بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وحلفوا له أنهم ينصرونه ويدفعون عنه كما يدفعون عن نفوسهم ولا يرجعون عن مقاتلة العدو ولا ينهزمون، قال مقاتل: يريد ليلة العقبة " وكان عهد الله مسؤولا " يسئلون عنه في الآخرة " قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل " إن كان حضر آجالكم فإنه لابد من واحد منهما، وإن هربتم فالهرب لا يزيد في آجالكم " وإذا لا تمتعون إلا قليلا " أي وإن لم يحضر آجالكم وسلمتم من الموت أو
القتل في هذه الوقعة لم تمتعوا في الدنيا إلا أياما قلائل " قل من ذا الذي يعصمكم من الله " أي يدفع عنكم قضاء الله " إن أراد بكم سوءا " أي عذابا وعقوبة " أو أراد بكم رحمة " أي نصرا وعزا، فإن أحدا لا يقدر على ذلك " ولا يجدون لهم من دون الله وليا " يلي أمورهم " ولا نصيرا " ينصرهم ويدفع عنهم " قد يعلم الله المعوقين منكم " وهم الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويثبطونهم ويشغلونهم لينصرفوا عنه، وذلك بأنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وهؤلاء الأحزاب " والقائلين لإخوانهم " يعني اليهود، قالوا لإخوانهم المنافقين: " هلم إلينا " أي تعالوا، وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا وقيل: القائلون هم المنافقون، قالوا لإخوانهم من ضعفة المسلمين: لا تحاربوا و خلوا محمدا فإنا نخاف عليكم الهلاك " ولا يأتون البأس " أي ولا يحضرون القتال في سبيل الله " إلا قليلا " يخرجون رياء وسمعة قدر ما يوهمون أنهم معكم، وقيل لا يحضرون القتال إلا كارهين يكون قلوبهم مع المشركين " أشحة عليكم " أي يأتون البأس بخلا بالقتال معكم وقيل بخلا بالنفقة في سبيل الله والنصرة " كالذي يغشى عليه من الموت " وهو الذي قرب من حال الموت، وغشيته أسبابه فيذهل و يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم من شدة خوفهم " فإذا ذهب الخوف " وجاء الامن والغنيمة " سلقوكم بألسنة حداد " أي آذوكم بالكلام، وخاصموكم سليطة ذربة، وقيل: معناه بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطونا فلستم بأحق بها منا عن قتادة، قال: فأما عند البأس فأجبن قوم واخذله للحق وأما عند الغنيمة فأشح قوم، وهو قوله: " أشحه على الخير " أي بخلا بالغنيمة يشاحون
المؤمنين عند القسمة، وقيل: بخلا بأن يتكلموا بكلام فيه خير " أولئك لم يؤمنوا " وإلا لما فعلوا ذلك " فأحبط الله أعمالهم " لأنها لم تقع على الوجوه التي يستحق عليها الثواب " وكان ذلك " أي الاحباط أو نفاقهم " على الله يسيرا " أي هينا " يحسبون الأحزاب لم يذهبوا " أي يظنون أن الجماعات من قريش وغطفان و أسد واليهود الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينصرفوا وقد انصرفوا. وإنما ظنوا ذلك لجبنهم وفرط حبهم قهر المسلمين " وإن يأت الأحزاب " أي وإن يرجع الأحزاب إليهم ثانية للقتال " يودوا لو أنهم بأدون في الاعراب يسألون عن أنبائكم " أي يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الاعراب يسألون الناس عن أخباركم ولا يكونوا معكم حذرا من القتل وتربصا للدوائر " ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا " أي ولو كانوا معكم لم يقاتلوا إلا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم " لقد كان لكم " معاشر المكلفين " في رسول الله أسوة حسنة " أي قدوة صالحة، أي كان لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته ، والصبر معه في مواطن القتال " لمن كان يرجو الله " بدل من قوله: " لكم " يعني أن الأسوة برسول الله إنما يكون لمن يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم " واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " أي ذكرا كثيرا " ولما رأى المؤمنون الأحزاب " مع كثرتهم " قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله و صدق الله ورسوله " قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله كان أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الأحزاب ووعدهم الظفر بهم، فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزا له، و قيل: إن الله وعدهم في سورة البقرة بقوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا " إلى قوله: " إن نصر الله قريب " ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا هذه المقالة علما منهم أنه لا يصيبهم إلا ما أصاب الأنبياء والمؤمنين قبلهم " وما زادهم مشاهدة عدوهم إلا إيمانا " أي تصديقا بالله ورسوله " وتسليما " لامره " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " أي بايعوا أن لا يفروا فصدقوا في لقائهم العدو " فمنهم من قضى
نحبه " أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب، وقيل:
قضى نحبه معناه فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني من استشهد يوم أحد " ومنهم من ينتظر " وعد الله من نصرة، أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه " وما بدلوا تبديلا " أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون " ليجزي الله الصادقين بصدقهم " في عهودهم " ويعذب المنافقين " بنقض العهد " إن شاء أو يتوب عليهم " إن تابوا " ورد الله الذين كفروا " يعني الأحزاب أبا سفيان وجنوده وغطفان ومن معهم من قبائل العرب " بغيظهم " أي بغمهم الذي جاؤوا به وحنقهم لم يشفوا بنيل ما أرادوا " لم ينالوا خيرا " أملوه. وأرادوه من الظفر بالنبي والمؤمنين وإنما سماه خيرا لان ذلك كان خيرا عندهم وقيل: أراد بالخير المال " وكفى الله المؤمنين القتال " أي مباشرة القتال بما أنزل على المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم، وبما أرسل من الملائكة وبما قذف في قلوبهم من الرعب، وقيل:
بعلي بن أبي طالب عليه السلام وقتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. " وكان الله قويا " أي قادرا على ما يشاء " عزيزا " لا يمتنع عليه شئ من الأشياء.
ثم ذكر سبحانه ما فعل باليهود من بني قريظة فقال: " وأنزل الذين ظاهروهم " أي عاونوا المشركين من الأحزاب ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا ينصروا عليه عدوا " من أهل الكتاب " يعني من اليهود، واتفق المفسرون على أنهم بنو قريظة إلا الحسن، فإنه قال: هم بنو النضير، والأول أصح " من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " أي الخوف من النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه " فريقا تقتلون " يعني الرجال " وتأسرون فريقا " يعني الذراري والنساء " وأورثكم " أي أعطاكم " أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها " أي وأورثكم أرضا لم
تطئوها بأقدامكم بعد وسيفتحها الله عليكم وهي خيبر وقيل: هي الروم وفارس وقيل: هي كل أرض يفتح إلى يوم القيامة، وقيل: هي ما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
أقول: قال الطبرسي رحمه الله في سياق غزوة الخندق: ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا: كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم، فقال لهم قريش: يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فديننا خير أم دين محمد؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منهم، فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " إلى قوله: " وكفى بجهنم سعيرا " فسر قريشا ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه صلى الله عليه وآله، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في فزارة والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان، وكتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش، فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، وكان
أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يومئذ حر، قال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى أحكموه.
فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق عام الأحزاب أربعين ذراعا بين عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقالت الأنصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون، سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت ".
أقول: وساق الحديث في كسر الصخرة وظهور البرق ما مر برواية الثعلبي.
ثم قال: ومما ظهر أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالاسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال: حدثني أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله إن كدية عرضت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
رشوا عليها ماء ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت له: أئذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل فقلت للمرأة: هل عندك من شئ؟ فقال: عندي صاع من شعير وعناق، فطحنت الشعير وعجنته وذبحت العناق وسلختها وخليت بين المرأة وبين ذلك ثم أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجلست عنده ساعة، ثم قلت: ائذن لي يا
رسول الله ففعل، فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك فقال: وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق، فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر، فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق، فدخلت على المرأة وقلت: قد افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وآله بالخلق، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا، فكشفت عني غما شديدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يثرد ويفرق اللحم، ثم يحم هذا، ويحم هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملا ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلي واهدي، فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع. أورده البخاري في الصحيح.
وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول:
لا هم لولا أنت لما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنه أبينا
يرفع بها صوته، رواه البخاري أيضا في الصحيح عن أبي الوليد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء.
قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة. وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب صوت ابن اخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه يا كعب افتح لي فقال: ويحك يا حيي إنك رجل مشؤوم إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بينه وبيني، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، وقال: ويحك
افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: إن أغلقت دوني إلا على جشيشة تكره أن نأكل منها معك، فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على سادتها وقادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها، قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال كعب:
جئتني والله بذل الدهر بجهام قد اهراق ماؤه برعد وببرق وليس فيه شئ، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم، قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة، وشامتوه، فقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة. ثم أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و قالوا: عضل والقارة، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خبيب بن عدي وأصحابه أصحاب الرجيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين ".
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق من بعض المنافقين، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل ألا أن فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود أخو بني عامر ابن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيأوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم اقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ منهم الثغرة التي منها اقتحموا، وأقبلت الفرسان نحوهم و كان عمرو بن عبد ود فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث وأثبته الجراح فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس وكان يسمى فارس يليل، لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد، فقال لأصحابه: امضوا، فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان اسم
الموضع الذي حفر فيه الخندق المداد، وكان أول من طفره عمرو وأصحابه، فقيل في ذلك:
عمرو بن عبد، كان أول فارس * جزع المداد وكان فارس يليل وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي: من يبارز؟ فقام علي عليه السلام وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا له يا نبي الله، فقال: إنه عمرو، اجلس، ونادى عمرو: ألا رجل ويؤنبهم ويسبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، فقام علي عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، ثم نادى الثالثة فقال:
ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف البطل المناجز إن السماحة والشجاعة * في الفتى خير الغرائز فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله أنا فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان عمروا، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن له.
وفيما رواه لنا السيد أبو محمد الحسيني القائني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالاسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن حذيفة قال: فألبسه رسول الله صلى الله عليه وآله درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه عمامة السحاب على رأسه تسعة أكوار، ثم قال له: تقدم، فقال لما ولى: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ".
قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى * ذكرها عند الهزاهز قال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال: غيرك يا بن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمر وفي الدرقة فقدها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل العاتق فسقط.
وفي رواية حذيفة: وتسيف على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه.
وثارت بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قتله و الذي نفسي بيده، فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي عليه السلام يمسح سيفه بدرع عمرو، فكر عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله قتله، فجز علي رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل، فقال عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خيرا منها (8)؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته فاستحييت من ابن عمي أن أستلبه.
قال حذيفة: فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو.
وعن الحاكم أبي القاسم أيضا بالاسناد عن سفيان الثوري، عن زبيد الشامي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي " وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق، فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم:
قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم أقاتله، فقتله الزبير بن العوام.
وذكر ابن إسحاق إن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى.
وذكر علي عليه السلام أبياتا منها:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب
فضربته وتركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي وروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري قال: إن علينا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام.
وروي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها. - يعني ضربة عمرو بن عبد ود - وضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أشام منها - يعني ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله.
قال ابن إسحاق: ورمى حيان بن قيس بن العرقة سعد بن معاذ بسهم
وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقطع أكحله، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
قال: وجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني بأمرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإنما الحرب خدعة " فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم: إني لكم صديق، والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإنما قريش وغطفان بلادهم غيرها، وإنما جاؤوا حتى نزلوا معكم، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا، فقالوا له: قد أشرت برأي، ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش، فقال: يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم و فراقي محمدا ودينه، وإني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي، فقالوا: نفعل ما أنت عندنا بمتهم، فقال: تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك فقال: بلى، فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا، واحذروا، ثم جاء غطفان فقال: يا معشر غطفان إني رجل منكم، ثم
قال لهم ما قال لقريش، فلما أصبح أبو سفيان وذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة، بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش إن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود إن الكراع والخف قد هلكتا، وإنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه فبعثوا إليه إن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا وتدعونا حتى نناجز محمدا، فقال أبو سفيان: قد حذرنا والله هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان إنا لا نعطيكم رجلا واحدا، فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا، وإن شئتم فاقعدوا، فقالت اليهود: هذا والله الذي قال لنا نعيم، فبعثوا إليهم أنا والله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا و خذل الله بينهم وبعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين.
قال محمد بن كعب: قال حذيفة اليماني: والله لقد رأينا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى ما شاء الله من الليل، ثم قال ": ألا رجل يأتينا بخبر القوم يجعله الله رفيقي في الجنة "؟
قال حذيفة: فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع، فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك، قال: " اذهب فجئني بخبر القوم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل ما يستمسك لهم بناء ولا يثبت لهم نار، ولا يطمئن لهم قدر، فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله، ثم قال: يا معشر قريش لينظر أحدكم
من جليسه، قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان، قال: ثم عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر قريش والله ما أنتم بدار مقام، هلك الخف والحافر، وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شئ. ثم عجل فركب راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها، قال: قلت في نفسي: لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت قوسي، ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا أريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: فحططت القوس ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته و أرسل علي طائفة من مرطه، فركع وسجد، ثم قال: ما الخبر؟ فأخبرته.
وروى الحافظ بالاسناد عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله على الأحزاب فقال: " اللهم أنت منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ".
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شئ بعده.
وعن سلمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حين اجلي عنه الأحزاب:
" الآن نغزوهم ولا يغزونا " فكان كما قال صلى الله عليه وآله فلم يغزهم قريش بعد ذلك وكان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة.
ثم قال في غزوة بني قريظة: روى الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله مع المسلمين عن الخندق و وضع عنه اللامة واغتسل واستحم تبدى له جبرئيل فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت عنك اللامة، وما ضعناها بعد، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة. فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس واختصم الناس، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة، وإنما نحن في عزمة رسول الله صلى الله عليه وآله فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاؤوا من بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وآله واحدا من الفريقين.
وذكر عروة أنه بعث علي بن أبي طالب عليه السلام على المفدم، ودفع إليه اللواء، وأمره أن ينطلق حتى يقف بهم على حصن بني قريظة، ففعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله على آثارهم فمر على مجلس من أنصار في بني غنم ينتظرون رسول - الله صلى الله عليه وآله، فزعموا أنه قال: مر بكم الفارس آنفا؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بدحية، ولكنه جبرئيل عليه السلام أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب، قالوا:
وسار علي عليه السلام حتى إذا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وآله بالطريق: فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: أظنك سمعت لي منهم أذى، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم قال: " يا إخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته "؟ فقالوا:
يا أبا القاسم ما كنت جهولا، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا وعشرين ليلة حتى
أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله غير منصرف عنهم حتى يناجز، قال كعب بن أسد: يا معشر اليهود قد نزل بكم من الامر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخيروا أيها شئتم، قالوا:
ما هن؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، و أنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم، فقالوا:
لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك لم نترك وراءنا نسلا يهمنا، و إن نظهر لنجدن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فلا خير في العيش بعدهم، قال: فإذا أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة، فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيها ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ، فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما.
قال الزهري: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا:
اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسلاحهم: فجعل في قبة وامر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سعد
ابن معاذ فجئ به، فحكم فيهم بأن يقتل مقاتليهم، ويسبي ذراريهم ونسائهم ويغنم أموالهم، وإن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، وقال للأنصار: إنكم ذووا عقار وليس للمهاجرين عقار، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل.
وفي بعض الروايات: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
وأرقعة جمع رقيع: اسم سماء الدنيا.
فقتل رسول الله صلى الله عليه وآله مقاتليهم، وكانوا فيما زعموا ستمائة مقاتل، وقيل: قتل منهم أربعة مائة وخمسين رجلا، وسبى سبعمائة وخمسين.
وروي أنهم قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إرسالا يا كعب ما ترى يصنع بنا؟ فقال كعب: أفي كل موطن تقولون ألا ترون أن الداعي لا ينزع، ومن يذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل.
وأتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فاختية قد سفقها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما بصر برسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره [و] ملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضرب عنقه، ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله نساءهم وأبناهم على المسلمين، وبعث سبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الأنصاري فابتاع بهم خيلا وسلاحا.
قال: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، فرجعه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد.
وروي عن جابر قال: جاء جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا سعد بن معاذ قد قبض.
بيان: الكدية بالضم: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس. ذكره الجزري، وفي بعض النسخ كذانة بفتح الكاف والذال المعجمة والنون، قال الجزري: الكذان: حجارة رخوة إلى البياض، وقال: في حديث المغيرة فإذا أنا معصوب الصدر كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشد جوفه بعصابة، وربما جعل تحته حجرا، وقال: فعادت كثيبا أهيل أي رملا سائلا.
وفي القاموس: ثرد الخبز: فته، وقال: حم له ذلك: قدر، وحم حمه:
قصد قصده، وارتحال البعير: عجله، والله له كذا: قضاه له، كأحمه، واحتم:
دنا وحضر، والامر فلانا: أهمه كحمه.
وفي المصباح: حم الشئ كضرب. قرب ودنا، وأحمه غيره انتهى.
وأقول: الأظهر عندي أنه كان يخمر في الموضعين فصحف، أي كان يستر القدر والتنور بثوب لئلا يطلع الناس على ما فيهما، وكيف يبارك الله عليهما، و كان هذا دأبه صلى الله عليه وآله في سائر ما ظهرت فيه هذه المعجزة، ويؤيده أن في روايات العامة فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه.
والآطام جمع اطم بالضم: وهو البناء المرتفع الاعلى. جشيشه في أكثر النسخ
بالجيم المفتوحة والشين المكسورة، وهي أن تطحن الحنطة طحنا جليلا ثم تجعل في القدور، ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ ذكره الجزري.
وفي بعضها بالخاء المعجمة وهو كزبير: الغزال الصغير وأحفظه: حمله على الحفيظة وهي الحمية والغضب. وطمى الماء: ارتفع. والجهام بالفتح: السحاب لا ماء فيه.
قوله: يفتل منه، قال الجزري جعل فتل وبرذروه البعير وغاربه مثلا لإزالته عن رأيه، كما يفعل بالجمل النفور إذا أريد تأنيسه وإزالة نفاره، والغارب: مقدم السنام، والذروة: أعلاه.
وفي القاموس: لحن له: قال قولا يفهمه عنه، ويخفى على غيره. وقال: الفت الدق والكسر بالأصابع، وفت في ساعدة: أضعفه. وقال: الرجيع: ماء لهذيل على سبعة أميال من الهدة وبه غدر بمرثد بن أبي مرثد وسريته لما بعثها صلى الله عليه وآله مع رهط عضل والقارة فغدروا بهم انتهى.
ويليل بفتح اليائين وسكون اللام: وادي بينبع. والطفرة: الوثبة في ارتفاع.
وفي القاموس: جزع الأرض والوادي كمنع: قطعه، وقال: مراق البطن مارق منه ولان.
وفي النهاية: فيه: الحرب خدعة، يروى بفتح الخاء وضمها وسكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالأول معناه أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي أن المقاتل إذ خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع
الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة، للذي يكثر اللعب والضحك انتهى.
والكراع كغراب: اسم لجمع الخيل.
1 - كنز الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن صفوة، عن الحسن بن علي العلوي، عن أحمد بن العلا، عن صباح بن يحيى، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الأحزاب: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة ابن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين.
2 - أقول: وروى الكراجكي رحمه الله قصة قتل عمرو نحوا مما مر، و ذكر أنه قال النبي صلى الله عليه وآله ثلاث مرات: " أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة "؟ وفي كل مرة كان يقوم علي عليه السلام، والقوم ناكسوا رؤسهم، فاستدناه وعممه بيده، فلما برز قال صلى الله عليه وآله: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " وكان عمرو يقول:
ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز إلى قوله:
إن الشجاعة في الفتى والجود * من كرم الغرائز إلى قوله: فما كان أسرع أن صرعه أمير المؤمنين عليه السلام وجلس على صدره، فلما هم أن يذبحه وهو يكبر الله ويمجده قال له عمرو: يا علي قد جلست
مني مجلسا عظيما، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلتي، فقال عليه السلام: هي أهون علي من ذلك، وذبحه وأتى برأسه وهو يخطر في مشيته، فقال عمر: الا ترى يا رسول الله إلى علي كيف يمشي (2)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية لا يمقتها الله في هذا المقام " فتلقاه ومسح الغبار عن عينيه، وقال: " لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أمة محمد لرجح عملك على عملهم، وذاك أنه لم يبق بيت من المشركين إلا وقد دخله ذل بقتل عمرو، ولم يبق بيت من المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو " ولما قتل علي عليه السلام عمروا سمع مناديا ينادي ولا يرى شخصه: قتل علي عمروا * قصم علي ظهرا أبرم علي أمرا ووقعت الجفلة بالمشركين فانهزموا أجمعين، وتفرقت الأحزاب خائفين مرعوبين.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " الآية.
فإنها نزلت في قصة الأحزاب من قريش، والعرب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وذلك أن قريشا قد تجمعت في سنة خمس من الهجرة، و
ساروا في العرب وجلبوا واستنفروهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، وهم يهود من بني هارون عليه السلام، فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حيي بن أخطب إلى قريش بمكة وقال لهم: إن محمدا قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلا بني عمنا بني قينقاع، فسيروا في الأرض، وأجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير إليهم فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد، ويكونون معنا عليهم فتأتونه أنتم من فوق، وهم من أسفل، وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى ببئر بني المطلب، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والأقرع بن حابس في قومه وعباس بن مرداس في بني سليم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله،
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.