بحارالانوار · المجلد السادس
17 - باب غزوة الأحزاب ms06572 وبنى قريظة
ج ۲۰، ص ۲۱۷–۲۵۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
واستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل فقال سلمان: يا رسول الله إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة، قال: فما نصنع؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أشار بصواب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بمسحه من ناحية أحد إلى راتج، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوم من المهاجرين والأنصار يحفرونه فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب من الحفرة، حتى عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وعي وقال: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرين " فلما نظر الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر. وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون
والأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه ذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وآله مستلقى على قفاه، ورداؤه تحت رأسه، وقد شد على بطنه حجرا، فقلت:
يا رسول الله إنه قد عرض لنا جبل لا تعمل المعاول فيه، فقام مسرعا حتى جاؤه، ثم دعا بماء في إناء وغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه، ثم شرب و مج ذلك الماء في فيه ثم صبه على ذلك الحجر، ثم أخذ معولا فضرب ضربة ، فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب أخرى قبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق، ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل.
فقال جابر: فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله مقوى أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله هل لك في الغداء (4)؟ قال: ما عندك يا جابر؟ فقلت:
عناق وصاع من شعير، فقال: تقدم وأصلح ما عندك، قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت، فقام صلى الله عليه وآله إلى شفير الخندق ثم قال: يا معشر المهاجرين والأنصار أجيبوا جابرا، وكان في الخندق سبعمائة رجل، فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والأنصار إلا قال: أجيبوا جابرا،
قال جابر: فتقدمت وقلت لأهلي: قد والله أتاك رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته أنت ما عندنا (2)؟ قال: نعم. قالت: هو أعلم بما أتى، قال جابر: فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي، ثم نظر في التنور، ثم قال: أخرجي وأبقي، ثم دعا بصحفة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل علي عشرة، فأدخلت عشرة، فأكلوا حتى نهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذارع، فأتيته بالذراع فأكلوه، ثم قال: أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته فأكلوا وخرجوا، ثم قال:
أدخل علي عشرة، فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع، فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع (5)؟ قال: ذراعان، فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد أتيتك بثلاثة، فقال: أما لو سكت يا جابر لأكلوا كلهم من الذراع، قال جابر:
فأقبلت ادخل عشرة عشرة، فيأكلون حتى أكلوا كلهم: وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما.
قال: وحفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق وجعل له ثمانية أبواب، وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حفر
الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، وأقبلت قريش ومعهم حيي بن أخطب، فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فدق باب الحصن، فسمع كعب بن أسيد قرع الباب، فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه، وجاء الآن يشأ منا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمد وقد وفى لنا محمد وأحسن جوارنا، فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت؟ قال: حيي بن أخطب قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر، فقال: يا كعب هذه قريش قي قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة، وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، ولا يفلت محمد وأصحابه من هذا الجمع أبدا، فافتح الباب وانقض العهد بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب، ارجع من حيث جئت، فقال حيي: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك التي في التنور تخاف أن أشركك فيها، فافتح فإنك آمن من ذلك، فقال له كعب: لعنك الله لقد دخلت على من باب دقيق، ثم قال: افتحوا له الباب ففتحوا له، فقال: ويلك يا كعب انقض العهد بينك و بين محمد، ولا ترد رأيي فإن محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبدا، قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل
غزال بن شمول، وياسر بن قيس، ورفاعة بن زيد والزبير بن باطا، فقال لهم كعب: ما ترون؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا وعقدنا، فإن نقضت نقضنا معك، وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك، قال الزبير بن باطا، وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه " يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة، ومهاجره في هذه البحيرة، يركب الحمار العري، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسيرات والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه الحمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوي على هذه الجبال الرواسي لغلبها، فقال حيي: ليس هذا ذاك. ذلك النبي من بني إسرائيل، وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكونوا بني إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لان الله قد فضلهم على الناس جميعا، وجعل منهم النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار،
وليس مع محمد آية، وإنما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه، فأخذه حيي بن أخطب ومزقه، وقال: قد وقع الامر فتجهزوا و تهيأوا للقتال، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فغمه غما شديدا، وفزع أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين وكانا من الأوس، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس: ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي وقولا: عضل والقارة، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حصين إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في حجر، لتولين قريش وليحاصرنك رسول الله صلى الله عليه وآله: ولينزلنك على الصغر والقمأ، وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا له: عضل والقارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعنا، نحن أمرناهم بذلك " وذلك أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله عيون لقريش يتجسسون خبره، وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا، وكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل والقارة.
ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وإن أمرت أن اخذل بين
اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
خذل بين اليهود وبين قريش، فإنه أوقع عندي، قال: فتأذن لي أن أقول فيك: ما أريد؟ قال: قل ما بدا لك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم، وقد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه بني النضير وقينقاع، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم و غدرهم، فقال له أبو سفيان: وفقك الله وأحسن جزاءك، مثلك أهدى النصائح، ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال له: يا كعب تعلم مودتي لكم، وقد بلغني أن أبا سفيان قال: نخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم، لأنه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم، فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.
وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك، فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه، فوافى عمرو بن
عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصاروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدموا رسول الله صلى الله عليه وآله بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من إخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو؟
ألا والله ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله، ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت: " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " إلى قوله: " أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا " وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض وأقبل يجول جولة ويرتجز ويقول:
ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع * مواقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد، فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني، فدنا منه فعممه بيده، ودفع إليه سيفه ذا الفقار، وقال له: " اذهب وقاتل بهذا، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته " فمر أمير المؤمنين عليه السلام يهرول في مشيته وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز إني لأرجو وأن أقيم * عليك نائحة الجنايز من ضربة نجلاء يبقى * صوتها بعد الهزاهز فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله و ختنه، فقال: والله إن أباك كان لي صديقا ونديما، وإني أكره أن أقتلك، ما أمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فأتركك شائلا بين السماء والأرض لا حي ولا ميت؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي تلك إذا قسمة ضيزى، فقال علي: دع هذا
يا عمرو، إني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرض علي أحد في الحرب ثلاث خصال: إلا أجبته إلى واحدة منها، وأنا اعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة، قال: هات يا علي، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: نح عني هذا، قال: فالثانية، أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله، فإن يك صادقا فأنتم أعلى به عينا، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره، فقال: إذا تتحدث نساء قريش بذلك وينشد الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب، وخذلت قوما رأسوني عليهم، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فالثالثة أن تنزل إلي فإنك راكب وأنا راجل حتى أنابذك، فوثب عن فرسه وعرقبه، وقال: هذه خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها، ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام بالسيف على رأسه، فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالدرقة فقطها، وثبت السيف على رأسه، فقال له علي: يا عمرو أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير؟ فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين عليه السلام مسرعا على ساقيه فأطنهما جميعا، وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة و نظروا فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، ثم أخذ
رأسه وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم، وهو يقول والرأس بيده:
أنا علي بن عبد المطلب * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله: يا علي ما كرته؟ قال: نعم يا رسول الله الحرب خديعة، و بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير إلى هبيرة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال ضرار: ويلك يا بن صهاك ارمي في مبارزة، والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته، فانهزم عنه عمر، ومر نحوه ضرار و ضرب بالقناة على رأسه، ثم قال: احفظها يا عمر، فإني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولى وولاه.
فبقي رسول الله يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما، فقال أبو سفيان لحيي بن أخطب: ويلك يا يهودي أين قومك؟ فصار حيي بن أخطب إليهم فقال:
ويلكم أخرجوا فقد نابذتم محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد ولا أنتم مع قريش، فقال كعب: لسنا خارجين حتى يعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد علينا محمد عهدنا وعقدنا، فإنا لا نأمن أن تمر قريش ونبقى نحن في عقر دارنا، ويغزونا محمد فيقتل رجالنا ويسبي نساؤنا وذرارينا، وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا، فقال له حيي بن أخطب:
تطمع في غير مطمع، فقد نابذت محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد، ولا أنتم مع قريش، فقال
كعب: هذا من شؤومك، إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ويغزونا محمد، فقال له: لك الله علي وعهد موسى إنه إن لم تظفر قريش بمحمد أني أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك، فقال كعب: هو الذي قد قلته لك إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا، وإلا لم نخرج، فرجع حيي بن أخطب إلى قريش فأخبرهم، فلما قال يسألون الرهن، فقال أبو سفيان: هذا والله أول الغدر، قد صدق نعيم بن مسعود، لا حاجة لنا في إخوان القردة والخنازير، فلما طال على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الامر واشتد عليهم الحصار وكانوا في وقت برد شديد، وأصابتهم مجاعة، وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم، ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا نافق إلا القليل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أصحابه أن العرب تتحزب علي، ويجيئونا من فوق، تغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وإنه يصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنها في أطراف المدينة وهي عورة، ونخاف اليهود أن يغيروا
عليها، وقال قوم: هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالاعراب، فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائم وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين عليه السلام هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله وناجاه فيما وعده وقال: " يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين، ويا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا كرب هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك " فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد سمع مقالتك، وأجاب دعوتك، وأمر الدبور مع الملائكة أن تهزم قريشا و الأحزاب، وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا، وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك، فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان وكان قريبا منه فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه ثالثا فقال: لبيك يا رسول الله، فقال: أدعوك فلا تجيبني؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع، فقال:
ادخل في القوم وأتني بأخبارهم، ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش وهزمهم، قال حذيفة: فمضيت وأنا أنتقض من البرد، فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيتيه على النار، وهو ينتفض من شدة البرد، ويقول: يا معشر قريش إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، وإن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا، قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني من أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص، ثم قلت للذي عن يساري: من أنت؟ قال: أنا معاوية ، وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي لقدرت أن أقتله، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا با سليمان لا بد من أن أقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا إنا مرتحلون، ففروا منهزمين، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: لا تبرحوا، فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله في نفر يسير، وكان ابن عرقة الكناني رمى سعد بن معاذ رحمه الله بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدم، فقبض سعد على أكحله بيده ثم قال: " اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فلا أحد أحب إلي محاربتهم من قوم
حاربوا الله ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة " فأمسك الدم وتورمت يده فضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " إلى قوله: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله " وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر " إلى قوله: " إن يريدون إلا فرارا " وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فإنها في أطراف المدينة، ونخاف اليهود عليها، فأنزل الله فيهم: " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " إلى قوله: " وكان ذلك على الله يسيرا " ونزلت هذه الآية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف:
هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا " يحسبون الأحزاب لم يذهبوا " إلى قوله : " وذكر الله كثيرا " ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله ما يصيبهم في الخندق من الجهد فقال: " ولما رأى المؤمنون الأحزاب " إلى قوله:
" وما زادهم إلا إيمانا " يعني ذلك البلاء والجهد والخوف إلا إيمانا " وتسليما ".
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ألا يفروا أبدا " فمنهم من قضى نحبه " أي أجله، وهو حمزة وجعفر بن أبي طالب " ومنهم من ينتظر " أجله يعني عليا عليه السلام، يقول الله: " وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء " الآية.
وقال علي بن إبراهيم في قوله " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ": بعلي بن أبي طالب عليه السلام " وكان الله قويا عزيزا ".
ونزل في بني قريظة " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب " إلى قوله:
" وكان الله على كل شئ قديرا ".
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة واللواء معقود أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرائيل: عذيرك من محارب، والله ما وضعت الملائكة لامتها، كيف تضع لامتك؟ إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتى بلغوا حمراء الأسد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له: ما الخبر يا حارثة (3)؟ فقال:
بأبي وأمي يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال: ذاك جبرئيل، ادعوا عليا، فجاء علي عليه السلام فقال له: " ناد في الناس أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فنادى فيهم فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله و علي عليه السلام بين يديه مع الراية العظمى وكان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فأحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله
على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال: بأبي وأمي يا رسول الله لا تدنو من الحصن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لعلهم شتموني إنهم لو رأوني لأذلهم الله، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم فقال: " يا أخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم " فأشرف عليهم كعب ابن أسيد من الحصن فقال: والله يا أبا القاسم ما كنت جهولا، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله، وكان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وآله العسكر حول حصنهم فحصارهم ثلاثة أيام فلم يطلع أحد منهم رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال بن شمول فقال: يا محمد.
تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير: احقن دماءنا، ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئا؟ فقال: لا، أو تنزلون على حكمي، فرجع بقوا أياما فبكى النساء والصبيان إليهم، وجزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمائة، وأمر بالنساء فعزلوا وقامت الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله حلفاؤنا وموالينا
من دون الناس، نصرونا على الخزرج في المواطن كلها، وقد وهبت لعبد الله بن أبي سبعمائة دراع، وثلاثمائة حاسر في صبيحة واحدة، وليس نحن بأقل من عبد الله بن أبي فلما أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ فقالوا: بلى، فمن هو؟ قال: سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا بحكمه ، فأتوا به في محفة واجتمعت الأوس حوله يقولون له: يا با عمرو اتق الله وأحسن في حلفائك ومواليك، فقد نصرونا ببغاث والحدائق والمواطن كلها، فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقالت الأوس:
وا قوماه ذهب والله بنو قريظة وبكى النساء والصبيان إلى سعد، فلما سكتوا قال لهم سعد: يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم؟ قالوا: بلى قد رضينا بحكمك والله قد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك، فأعاد عليهم القول، فقالوا:
بلى يا با عمرو، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إجلالا له فقال: ما ترى بأبي أنت
وأمي (1)؟ فقال: احكم فيهم يا سعد، فقد رضيت بحكمك فيهم، فقال: قد حكمت يا رسول الله أن تقتل رجالهم، وتسبي نساءهم وذراريهم، وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والأنصار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزفه الدم حتى مضى رحمه الله وساقوا الأسارى إلى المدينة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأخدود، فحفرت بالبقيع، فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل وكان يضرب عنقه، فقال حيي بن أخطب لكعب بن أسيد: ما ترى يصنع بهم؟ فقال له: ما يسوءك، أما ترى الداعي لا يقلع، والذي يذهب لا يرجع؟ فعليكم بالصبر والثبات على دينكم، فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يديه إلى عنقه وكان جميلا وسيما، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس الحبر الذكي
الذي قدم عليكم من الشام؟ فقال: " تركت الخمر والحمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، مخرجه بمكة ومهاجره في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسر والتميرات، ويركب الحمار العري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فقال: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهود عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
قدموه واضربوا عنقه فضربت، ثم قدم حيي بن أخطب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاسق كيف رأيت الله صنع بك؟ فقال: والله يا محمد ما ألوم نفسي في عداوتك، ولقد قلقلت كل مقلقل، وجهدت كل الجهد، ولكن من يخذل الله يخذل ثم قال حين قدم للقتل.
لعمري ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل فقدم وضرب عنقه، فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البردين: بالغداة والعشي في
ثلاثة أيام، وكان يقول: " اسقوهم العذب، وأطعموهم الطيب، وأحسنوا أسارهم " حتى قتلهم كلهم، وأنزل الله على رسوله فيهم: " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " إلى قوله: " و كان الله على كل شئ قديرا.
بيان: الموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترا وترة.
قوله صلى الله عليه وآله: " لا عيش " أقول: في بعض روايات المخالفين:
اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر للأنصار والمهاجرة وفى بعضها: كانت الأنصار: تقول:
نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة * فأكرم الأنصار والمهاجرة وفى بعضها:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة * فبارك في الأنصار والمهاجرة ويقال: مج الشراب من فيه: إذا رمى به، ولعل المراد هنا المضمضة، و يقال: هال عليه التراب فانهال، أي صبه فانصب. وأقوى الرجل: أي فني زاده، ومنه قوله تعالى: " ومتاعا للمقوين " وقوي كرضي: جاع شديدا. والعناق كسحاب
الأنثى من أولاد المعز. ويقال: مالي به قبل بكسر القاف وفتح الباء، أي طاقة. و النهل محركة: أول الشرب، ومن الطعام: ما اكل، والناهل: الريان، والمراد هنا الشبع. والزغابة بالضم: موضع بقرب المدينة، ويقال: شأمهم وعليهم كمنع، أي صار شوما عليهم.
وقال الجزري البحيرة، مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وهي تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مكبرا، والعرب تسمى المدن والقرى البحار انتهى.
والمناواة بالهمز: المعاداة، وقد يترك الهمز. والقمأ: الذل والصغار.
قوله صلى الله عليه وآله: لعنا على بناء المجهول، أي لعن العضل والقارة، والمراد كل من غدر ثم قال صلى الله عليه وآله على سبيل التورية: " نحن أمرناهم بذلك " أي نحن أمرنا بني قريظة أن يظهروا الغدر للمصلحة، وهم موافقون لنا في الباطن، وإنما قال ذلك لئلا يكون هناك عين من عيون قريش فيعلموا بالغدر فيصير سببا لجرأتهم، ويقال: خذل عنه أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه.
قوله: وقال رجل من المهاجرين أي عمر، والرجل الذي بجنبه عبد الرحمن ابن عوف كما سيأتي آنفا، ويقال: بححت بالكسر: إذا أخذته بحة وخشونة وغلظ في صوته، والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والهزاهز: تحريك البلايا و والحروب بين الناس. والغريزة الطبيعة.
وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
يا عمرو ويحك قد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز إلى قوله:
ولقد دعوت إلى البراز فتى يجيب إلى المبارز يعليك أبيض صارما كالملح حتفا للمناجز.
ويقال: طعنة نجلاء أي واسعة، قوله شائلا أي مرتفعا قوله: كلتاهما لك، قاله لعنه الله على سبيل الاستهزاء، قوله: قسمة ضيزى، أي جائرة. قوله: أعلى به عينا، أي أبصر به وأعلم بحاله. وذؤبان العرب: لصوصها، وقد يترك الهمز، ويقال سام فلانا الامر: كلفه إياه، أو أولاه إياه كسومه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر وسوم فلانا: خلاه، وسومه لما يريده في ماله: حكمه. وقال الجوهري:
الطنين: صوت الذباب. وضربه فأطن ساقه، أي قطعه، يراد بذلك صوت القطع.
والعجاج كسحاب: الغبار.
قوله: انتزع له، أي السهم. والمنابذة: المكاشفة والمقاتلة. والغلوة بالفتح مقدار رمية. والنشاب بالضم والتشديد: السهام، الواحد نشابة. والأكحل:
عرق في اليد أو هو عرق الحياة. ونزفه الدم، أي سال كثيرا حتى أضعفه. وقال الجزري: يقال: عذيرك من فلان بالنصب، أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل انتهى. واللامة: الدرع. وكتف فلانا كضرب شد يديه إلى خلف بالكتاف وهو حبل يشد به. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع.
وقال الجزري في قوله: سبعة أرقعة: يعني سبع سماوات، وكل سماء يقال لها: رقيع، والجمع أرقعة، وقيل: الرقيع: اسم سماء الدنيا فاعطي كل سماء اسمها انتهى.
والأخدود: الحفرة المستطيلة. قوله: " ما يسوءك " أي لا تحزن من ذلك، أو ما استفهامية، أي أي شئ يعتريك من السوء فصرت بحيث لا تعقل مثل هذا الامر الواضح أو موصولة، أي الذي يسوءك وهو القتل.
قوله: لا يقلع، أي لا يكف عن دعوتهم وإذهابهم، يذهب بواحد بعد واحد
والوسيم: الحسن الوجه. ويقال: قلقله فتقلقل: إذا حركه فتحرك. والابردان والبردان: الغداة والعشي.
4 - الخصال، أمالي الصدوق: محمد بن أحمد المعاذي ومحمد بن إبراهيم بن أحمد الليثي عن محمد ابن عبد الله بن الفرج الشروطي، عن محمد بن يزيد بن المهلب، عن أبي أسامة، عن عوف، عن ميمون، عن البراء بن عازب قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر الخندق عرضت له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ منها المعاول، فجاء رسول - الله صلى الله عليه وآله فلما رآها وضع ثوبه وأخذ المعول وقال: " بسم الله " وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة " ثم ضرب الثانية فقال: " بسم الله " ففلق ثلثا آخر فقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض " ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب الصنعاء مكاني هذا ".
5 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي رفعه قال: قال الصادق عليه السلام: كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم، يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار، وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان. وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقال له: خوات بن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكله بفم الشعب في يوم أحد في خمسين من الرماة، ففارقه أصحابه، وبقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب العشب، وكان أخوه هذا خوات
ابن جبير شيخا ضعيفا وكان صائما، فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم علي الاكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط والأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان، والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال: هو بياض النهار من سواد الليل.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يقول أهلكت مالا لبدا " قال: هو عمرو بن عبد ود حين عرض عليه علي بن أبي طالب عليه السلام الاسلام يوم الخندق وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا؟ وكان أنفق مالا في الصد عن سبيل الله فقتله علي عليه السلام.
بيان: مالا لبدا، أي كثيرا، من تلبد الشئ: إذ اجتمع.
7 - تفسير علي بن إبراهيم: " يمنون عليك أن أسلموا " نزلت في عثكن يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار بن ياسر وهو يحفر الخندق وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كمه على أنفه ومر، فقال عمار:
لا يستوي من يبتني المساجدا * يظل فيها راكعا وساجدا كمن يمر بالغبار حائدا * يعرض عنه جاحدا معاندا فالتفت إليه عثكن فقال: يا بن السوداء إياي تعني؟ ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: لم ندخل معك لتسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل الله عز وجل: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين " أي ليس هم صادقين " إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ".
بيان: قوله: في عثكن المراد به عثمان كما هو المصرح في بعض النسخ و سائر الأخبار.
أقول: نسب في الديوان الأبيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام هكذا:
لا يستوي من يعمر المساجدا * ومن يبيت راكعا وساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا * ومن يكر هكذا معاندا ومن يرى عن الغبار حائدا 8 - الخصال: في خبر اليهودي الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن خصال الأوصياء فقال عليه السلام فيما قال: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت و
عقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثم أقبلت بحدها وحديدها حتى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها فيما توجهت له، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوها إلى الله عز وجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحة مرة، وبسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم ولا يطمع فيه طامع، لا حمية تهيجه، ولا بصيرة تشجعه، فانهضني إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار - فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواكي إشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عز وجل بيدي والعرب لا تعد لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة وأوما بيده إلى هامته، فهزم الله قريشا والعرب بذلك، وبما كان مني فيهم من النكاية، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
بيان: رعد وبرق، وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد ذكره الجزري. وهدر البعير يهدر هدرا وهديرا: صوت في غير شقشقة. واغتلام البعير. هيجانه من شهوة الضراب: ويقال: نكيت في العدو أنكى نكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح و القتل.
9 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيي، عن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن يحيي بن عباد، عن أبي الزبير، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب أنها قالت: كنا مع حسان بن ثابت في حصن فارع والنبي صلى الله عليه وآله بالخندق، فإذا يهودي يطوف بالحصن فخفنا أن يدل على عورتنا، فقلت لحسان:
لو نزلت إلى هذا اليهودي فإني أخاف أن يدل على عورتنا، قال: يا بنت عبد - المطلب لقد علمت ما أنا بصاحب هذا، قالت فتحزمت ثم نزلت وأخذت عمودا وقتلته به، ثم قلت لحسان: اخرج فاسلبه، قال: لا حاجة لي في سلبه.
بيان: في القاموس: فارع: حصن بالمدينة.
10 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما هذه الكسيرة؟ قالت: قرصا خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث.
صحيفة الرضا (ع): عنه عليه السلام مثله.
11 - قرب الإسناد: أبو البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام إنه قال:
الحرب خدعة إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا فوالله لئن أخر من السماء أو يخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا حدثتكم عني فإنما الحرب خدعة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان انكم إذا التقيتم أنتم ومحمد أمددناكم وأعناكم، فقام النبي صلى الله عليه وآله فخطبنا فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا انا إذا التقينا نحن وأبو سفيان أمددونا وأعانونا، فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم.
12 - قرب الإسناد: أبو البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام يوم بني قريظة بالراية، وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض.
بيان: الراية: العلم الكبير، واللواء: أصغر منها، قال في المصباح: لواء الجيش: علمه، وهو دون الراية.
13 - قرب الإسناد: عنه، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه قال: عرضهم رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ يعني بني قريظة على العانات، فمن وحده أنبت قتله، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذراري.
14 - أمالي الطوسي: ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير عن الحسين بن كميت عن المعلى بن مهدي، عن أبي شهاب، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن عمر
عن عطية رجل من بني قريظة قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كانت له عانة قتله، ومن لم تكن له عانة تركه، فلم تكن لي عانة فتركني.
15 - إكمال الدين: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معا، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بكعب بن أسد ليضرب عنقه فاخرج وذلك في غزوة بني قريظة نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: يا كعب اما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام فقال: " تركت الخمر والحمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، هذا أوان خروجة، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود تعيرني أني جبنت عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهودية عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه فاضربوا عنقه، فقدم وضربت عنقه.
16 - الخرائج: روي أن عام الخندق أصاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مجاعة لما حاصرهم المشركون، فدعا بكف من تمر، وأمر بثوب فبسط، وألقى ذلك التمر عليه، و أمر مناديا ينادي في الناس: هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل المدينة فأكلوا و صدروا والتمر تبض من أطراف الثوب.
بيان: بض الماء: سال قليلا قليلا.
17 - الخرائج: روي أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق، ورأي رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الضجر لما كان فيه من الضر صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعدها في الأرض " فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة فقالت يا رسول الله إن الله قد أمرنا بالطاعة لك، فمرنا بما شئت، قال: زعزعي المشركين وارعبيهم، وكونوا من ورائهم ففعلت بهم ذلك، وأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود " يعني أحزاب المشركين " فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم " أي أحزاب العرب " ومن أسفل منكم " يعني بني قريظة حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وصاروا مع الأحزاب على المسلمين ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان وكان قد ناداه ثلاثا فقال في الثالثة: لبيك يا رسول الله، قال: تسمع صوتي ولا تجيبني؟ فقال: منعني شدة البرد، فقال: " اعبر الخندق فاعرف خبر قريش والأحزاب وارجع، ولا تحدث حدثا حتى ترجع إلي " قال: فقمت وأنا أنتفض من البرد، فعبرت الخندق وكأني في الحمام فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة وتخبو أخرى، فانسللت فجلست بينهم فقال أبو سفيان: إن كنا نقاتل أهل الأرض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا
نقاتل أهل السماء كما يقول محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، انظروا بينكم لا يكون لمحمد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضا، قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت: من أنت؟ قال: خالد بن الوليد، وقلت للذي عن يساري: من أنت؟ قال:
فلان، فلم يسألني أحد منهم، ثم قال أبو سفيان لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع الناس ليلحق بعضهم بعضا فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا وتكون على الساقة قال: بل أتقدم أنا وتتأخر أنت، فقاموا جميعا فتقدموا وتأخر أبو سفيان، فخرج من الخيمة واختفيت في ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي " فكففت ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثم صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: " لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس " فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه، فلما دخل منزله أمر فنودي: ألا لا يصلي أحد إلا في بني قريظة، فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم، ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " ما لكم لا تنزلون؟ " فقالوا: ما لنا مكان، فنزل من اشتباك النخل فدخل في طريق بين النخل فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض، وأشار بيده يسرة فانضم النخل كذلك واتسع لهم الموضع فنزلوا.
18 - الخرائج: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه الحسن عليه السلام وقال: قل لامك: تغسل هذا الصيقل، فرده وعلي عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وآله وفي وسطه نقطة لم تنق، قال: أليس قد غسلته الزهراء؟ قال: نعم قال: فما هذه النقطة؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي سل ذا الفقار يخبرك، فهزه وقال:
أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس؟ فأنطق الله السيف فقال: بلى،
ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو بن عبد ود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه، وهو حظي منه، فلا تنتضيني يوما إلا ورأته الملائكة وصلت عليك.
بيان: نضى السيف وانتضاه: سله.
19 - الإرشاد: كانت غزاة الأحزاب بعد بني النضير، وذلك أن جماعة من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس الوالبي وأبو عمارة الوالبي في نفر من بني والبة خرجوا حتى قدموا مكة فصاروا إلى أبي سفيان صخر بن حرب لعلمهم بعداوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وتسرعه إلى قتاله، فذكروا له ما نالهم منه، وسألوه المعونة لهم على قتاله، فقال لهم أبو سفيان:
أنا لكم حيث تحبون، فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه واضمنوا النصرة لهم والثبوت معهم حتى تستأصلوه، فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الأول، والعلم السابق، وقد عرفتم الدين الذي جاء به محمد، وما نحن عليه من الدين، فديننا خير من دينه، أم هو أولى بالحق منا؟ فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، فنشطت قريش لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاءهم أبو سفيان فقال لهم: قد مكنكم الله من عدوكم وهذه اليهود: تقاتله معكم ولن تنفك عنكم حتى يؤتى على جميعها أو نستأصله
ومن اتبعه، فقويت عزائمهم إذ ذاك في حرب النبي صلى الله عليه وآله، ثم خرج اليهود حتى جاؤوا غطفان وقيس غيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وضمنوا لهم النصرة والمعونة وأخبروهم باتباع قريش لهم على ذلك، فاجتمعوا معهم، و خرجت قريش وقائدها إذ ذاك أبو سفيان صخر بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع، واجتمعت قريش معهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع الأحزاب عليه وقوة عزيمتهم في حربه استشار أصحابه فأجمع رأيهم على المقام بالمدينة وحرب القوم إن جاؤوا إليهم على أنقابها، فأشار سلمان الفارسي رحمه الله على رسول الله صلى الله عليه وآله بالخندق، فأمر بحفره، وعمل فيه بنفسه، وعمل فيه المسلمون، وأقبلت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فهال المسلمين أمرهم و ارتاعوا من كثرتهم وجمعهم، فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين
ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان يدعوهما إلى صلحه والكف عنه، والرجوع بقومهما عن حربه على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة، واستشار سعد بن عبادة فيما بعث به إلى عيينة والحارث، فقال: يا رسول الله إن كان هذا الامر لابد لنا من العمل به لان الله أمرك فيه بما صنعت والوحي جاءك به فافعل ما بدا لك، وإن كنت تختار أن تصنعه لنا كان لنا فيه رأي، فقال صلى الله عليه وآله: " لم يأتني وحي به، ولكني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وجاؤكم من كل جانب، فأردت إن اكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما " فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعرف الله ولا نعبده، ونحن لا نطعمهم من ثمرنا إلا قرى أو بيعا، والآن حين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا به وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما بنا إلى هذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما أنتم عليه، فإن الله تعالى لم يخذل نبيه ولن يسلمه حتى ينجز له وما وعده.
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله في المسلمين يدعوهم إلى جهاد العدو ويشجعهم و
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.