بحارالانوار · المجلد السادس
6. باب الهجرة ومباديها، ومبيت علي عليه السلام على فراش النبي
ج ۱۹، ص ۵۸–۸۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
قولوا قولكم، فقال له أبو جهل: لكن أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كل قبيلة منها رجلا نجدا، ثم تسلحوه حساما عضبا، وتمهد الفتية حتى إذا غسق الليل وغور بيتوا بابن أبي كبشة بياتا فيذهب دمه في قبائل قريش جميعا، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم، فيرضون حينئذ بالعقل منهم، فقال صاحب رأيهم: أصبت يا با الحكم، ثم أقبل عليهم فقال: هذا الرأي، فلا تعدلن به رأيا، وأوكئوا في ذلك أفواهكم حتى
يستتب أمركم، فخرج القوم عزين، وسبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل عليه السلام فتلا هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " فلما أخبره جبرئيل بأمر الله في ذلك ووحيه وما عزم له من الهجرة دعا رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب لوقته، فقال له: يا علي إن الروح هبط علي بهذه الآية آنفا، يخبرني أن قريشا اجتمعت على المكر بي وقتلي، وإنه أوحى إلي عن ربي عز وجل أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي وأنه آمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال: مضجعي - لتخفي بمبيتك عليه أثرى، فما أنت قائل وصانع؟ فقال علي عليه السلام: أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله؟ قال: نعم، فتبسم علي عليه السلام ضاحكا، وأهوى إلى الأرض ساجدا، شكرا لما أنبأه به رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته، فكان علي عليه السلام أول من سجد لله شكرا، و أول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رفع رأسه قال له: امض لما أمرت ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، و مرني بما شئت أكن فيه كمسرتك واقع منه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله، وقال: وأن القي عليك شبه مني، أو قال: شبهي، قال: إن يمنعني نعم، قال: فارقد على فراشي، واشتمل ببردي الحضرمي، ثم إني أخبرك يا علي أن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد امتحنك يا بن أم وامتحنني فيك بمثل ما امتحن
به خليله إبراهيم عليه السلام والذبيح إسماعيل عليه السلام، فصبرا صبرا، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله إلى صدره وبكى إليه وجدا به، وبكى علي عليه السلام جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله، واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه مع علي عليه السلام يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشائين، ثم خرج صلى الله عليه وآله في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين، فخرج وهو يقرأ هذه الآية:
" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم، و مضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر، فنهضا معه حتى وصلوا إلى الغار، ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر إلى الغار، فلما خلق الليل وانقطع الأثر أقبل القوم على علي عليه السلام قذفا بالحجارة والحلم، فلا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا برق الفجر، وأشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على علي عليه السلام، وكانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها فلما بصر بهم علي عليه السلام قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه بها يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة وثب به علي عليه السلام فختله وهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص
البكر، وإذا له رغاء فابذعر الصبح وهم في عرج الدار من خلفه، وشد عليهم علي عليه السلام بسيفه، يعني سيف خالد، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار وتبصروه، فإذا علي عليه السلام، قالوا: وإنك لعلي؟ قال: أنا علي، قالوا: فإنا لم نردك، فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به، وقد كان علم - يعني عليا - أن الله تعالى قد أنجى نبيه صلى الله عليه وآله بما كان أخبره من مضيه إلى الغار واختبائه فيه، فأذكت قريش عليه العيون، وركبت في طلبه الصعب والذلول، وأمهل علي عليه السلام حتى إذا اعتم من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر:
قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فقال: إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن، قال: فهي لك بذلك، فأمر صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فأقبضه الثمن، ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته، وكانت قريش تدعوا محمدا صلى الله عليه وآله في الجاهلية الأمين، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءته النبوة والرسالة والامر كذلك، فأمر عليا عليه السلام أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة وعشيا: من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلنؤد إليه أمانته، قال: فقال صلى الله عليه وآله: إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما، فأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم من أزمع للهجرة معه من بني هاشم.
قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع: أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إني سألت أبي عما سألتني، وكان يحدث لي هذا الحديث
فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفك في مالها الغارم والعاني، ويحمل الكل، ويعطي في النائبة، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، و يحمل من أراد منهم الهجرة، وكانت قريش إذا رحلت غيرها في الرحلتين يعني رحلة الشتاء والصيف كانت طائفة من العير لخديجة عليها السلام وكانت أكثر قريش مالا، وكان صلى الله عليه وآله ينفق منه ما شاء في حياتها، ثم ورثها هو وولدها، قال: و قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وهو يوصيه: فإذا أبرمت ما أمرتك من أمر فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إلي لقدوم كتابي عليك ولا تلبث، و انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله لوجه يؤم المدينة، وكان مقامه في الغار ثلاثا، ومبيت علي عليه السلام على الفراش أول ليلة.
قال عبيد الله بن أبي رافع: وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام يذكر مبيته على الفراش ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر محمد لما خاف أن يمكروا به * فوقاه ربي ذو الجلال من المكر وبت أراعيهم متى ينشرونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله صلى الله في الغار آمنا * هناك وفي حفظ الاله وفي ستر
أقام ثلاثا ثم زمت قلائص * قلائص يفرين الحصى أينما تفري ولما ورد رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، فأراده أبو بكر على دخوله المدينة وألاصه في ذلك، فقال: فما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي وابنتي، عليا وفاطمة عليهما السلام.
قالا: قال أبو اليقظان: فحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن معه بقباء عما أرادت قريش من المكر به، ومبيت علي عليه السلام على فراشه، قال: أوحى الله عز وجل إلى جبرئيل وميكائيل عليهما السلام: أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فأيكما يؤثر أخاه؟ وكلاهما كره الموت، فأوحى الله إليهما: عبداي ألا كنتما مثل وليي علي آخيت بينه وبين محمد نبيي، فآثره بالحياة على نفسه؟ ثم ظل - أو قال: رقد - على فراشه يقيه بمهجته، اهبطا إلى الأرض جميعا فاحفظاه من عدوه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب؟ والله عز وجل يباهي بك الملائكة، قال: فأنزل الله عز وجل في علي عليه السلام وما كان من مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله:
" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ".
قال أبو عبيدة: قال أبي وابن أبي رافع: ثم كتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام كتابا يأمره فيه بالمسير إليه، وقلة التلوم، وكان الرسول إليه أبا واقد الليثي، فلما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله تهيأ للخروج والهجرة،
فآذن من كان معه من ضعفاء المؤمنين فأمرهم أن يستللوا ويتخففوا - إذا ملا الليل بطن كل واد - إلى ذي طوى، وخرج علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام بنت رسول - الله صلى الله عليه وآله وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقد قيل: هي ضباعة، وتبعهم أيمن بن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبوه واقد رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فقال علي عليه السلام ارفق بالنسوة أبا واقد! إنهن من الضعائف، قال: إني أخاف أن يدركنا الطالب - أو قال: الطلب - فقال علي عليه السلام: أربع عليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي:
يا علي إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه، ثم جعل يعني عليا عليه السلام يسوق بهن سوقا رفيقا وهو يرتجز ويقول:
ليس إلا الله فارفع ظنكا * يكفيك رب الناس ما أهمكا وسار فلما شارف ضجنان أدركه الطلب سبع فوارس من قريش مستلئمين وثامنهم مولى الحارث بن أمية يدعى جناحا، فأقبل علي عليه السلام على أيمن وأبي واقد وقد تراءى القوم فقال لهما: أنيخا الإبل واعقلاها، وتقدم حتى أنزل النسوة، ودنا القوم فاستقبلهم علي عليه السلام منتضيا سيفه، فأقبلوا عليه فقالوا:
ظننت أنك يا غدار ناج بالنسوة، ارجع لا أبا لك، قال: فإن لم أفعل؟ قالوا:
لترجعن راغما، أو لنرجعن بأكبرك سعرا، وأهون بك من هالك، ودنا الفوارس من النسوة والمطايا ليثوروها فحال علي عليه السلام بينهم وبينها، فأهوى له جناح بسيفه، فراغ علي عليه السلام عن ضربته، وتختله علي عليه السلام فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضيا فيه حتى مس كاثبة فرسه، فكان علي عليه السلام يشد على قدمه شد الفرس، أو الفارس على فرسه، فشد عليهم بسيفه وهو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد * آليت لا أعبد غير الواحد فتصدع القوم عنه، فقالوا له: اغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب، قال:
فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله بيثرب، فمن سره أن افري لحمه وأهريق دمه فليتبعني، أو فليدن مني، ثم أقبل على صاحبيه: أيمن وأبي واقد فقال لهما: أطلقا مطاياكما، ثم سار ظاهرا قاهرا حتى نزل ضجنان، فتلوم بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى ليلته تلك هو والفواطم: أمه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة بنت الزبير، يصلون لله ليلتهم و يذكرونه قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فلن يزالوا كذلك حتى طلع الفجر، فصلى علي عليه السلام بهم صلاة الفجر، ثم سار لوجهه، فجعل وهم يصنعون ذلك منزلا بعد منزل يعبدون الله عز وجل ويرغبون إليه كذلك حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا و على جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا " إلى قوله: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " الذكر: علي عليه السلام، والأنثى فاطمة، عليها السلام، " بعضكم من بعض " يقول: علي
من فاطمة أو قال: الفواطم، وهن من علي " فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب " وتلا صلى الله عليه وآله:
" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد " قال: و قال له: يا علي أنت أول هذه الأمة إيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله، لا يحبك والذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر.
بيان: اللقى: الملقى على الأرض وقيل: أصل اللقى أنهم كانوا إذا طافوا خلعوا ثيابهم وقالوا: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها فيلقونها عنهم، ويسمون ذلك الثوب لقى فإذا قضوا نسكهم لم يأخذوها وتركوها بحالها ملقاة، والرفق بالتحريك: الكدورة، ويقال: تضيفته أي نزلت به:
وتنمر: تمدد في الصوت عند الوعيد، وتشبه بالنمر وله تنكر وتغير، وأوعده، وحدب بالكسر: تعطف، والأنشوطة كأنبوبة: عقدة يسهل انحلالها كعقد التكة، وكتف فلانا: شد يديه إلى خلفه بالكتاف، وهو حبل يشد به، والدكادك جمع الدكداك وهو أرض فيها غلظ، ومن الرمل: ما تكبس أو ما التبد منه بالأرض، والإرب بالكسر: العضو، والأفاريق جمع أفراق وهو جمع فرق، وهو جمع فرقة، والطلاوة مثلثة: الحسن والبهجة، والقبول.
والمقانب جمع المقنب بالكسر، وهو جماعة الخيل والفرسان، والنجد بالفتح وككتف: الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره، والعضب: القطع، والتغوير و التغور: الدخول في الشئ، وناهضة : قاومه، وتناهضوا في الحرب: ينهض كل إلى صاحبه، والعقل: الدية، ويقال: أوكى على سقائه: إذا شده بالوكاء، وهو ما يشد به رأس القربة، واستتب الامر: تهيأ واستقام، والعزة الفرقة من الناس: والجمع عزون ومنه قوله تعالى: " عن اليمين وعن الشمال
عزين " وسويداء القلب: حبته، والجشع أشد الحرص، والرصد بالتحريك القوم يرصدون ويرقبون.
قوله: فلما خلق الليل، أي مضى كثير منه، كما أن الثوب يخلق بمضي الزمان عليه، قوله: والحلم، قال الفيروزآبادي: الحلمة: شجرة السعدان، و نبات آخر، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة، قال: هو مربض الضبية أو كناسها قوله سوائب، تسييب الدواب: إرسالها تذهب وتجئ كيف شاءت، استعير هنا لعدم المنع من الدار، وكونها بلا باب، ونضا السيف وانتضاه: سله من غمده، قوله:
ختله بالتاء، أي خدعه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة، أي حبسه ومنعه، والهمز: الغمز، والضغط، والنخس، والدفع، والضرب، والعض، والكسر.
والقمص: الضرب بالرجل، والبكر بالضم والفتح: ولد الناقة، أو الفتى منها، ويقال: رغا البعير يرغو رغاء: إذا ضج، وابذعر: تفرق، قوله: في عرج الدار، أي منعطفها أو مصعدها وسلمها، وأجفل القوم: هربوا مسرعين، ويقال:
أذكيت عليه العيون: إذا أرسلت عليه الطلائع، قوله: اعتم، أي دخل في العتمة، وأزمع على الامر: ثبت عليه عزمه، والعاني: الأسير، والكل: العيال والثقل والنائبة: المصيبة، والنازلة، وما يقع على القوم من الديات وغيرها، والقلائص جمع القلوص، وهي الناقة الشابة، وفرى الأرض: سارها وقطعها، وفي الديوان المنسوب إليه صلوات الله عليه بيت آخر:
أردت به نصر الاله تبتلا * وأضمرته حتى أوسد في قبري وقال الجوهري: يقال: ألاصه على كذا، أي أداره على الشئ الذي يرومه منه انتهى.
أقول: إنما قال لعلي عليه السلام ابن أمي لان فاطمة رضي الله عنها كانت
مربية له صلى الله عليه وآله، وكان يلقبها بالأم، ولذا قال صلى الله عليه وآله حين قال له أمير المؤمنين عليه السلام ماتت أمي: بل والله أمي.
والتلوم: الانتظار والتمكث، قوله: أن يتسللوا، أي يذهبوا خفية، و يتخففوا، أي لا يحملوا معهم شيئا يثقل عليهم، وربع كمنع: وقف وتحبس، ومنه قولهم: أربع عليك، أو على نفسك، أو على ظلعك، قوله عليه السلام: ليس إلا الله أقول في الديوان.
لا شئ إلا الله فارفع همكا.
واستلام الرجل أي لبس اللامة وهي الدرع، والروغ: الحيد والميل، قوله: وتختله، لعل المراد هنا أنه أخذ السيف من يده، والكاثبة من الفرس:
مقدم المسنج حيث تقع عليه يد الفارس.
19 - قصص الأنبياء: أقام صلى الله عليه وآله بعد البعثة بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيام ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول، وبقي بها عشر سنين.
20 - إعلام الورى، قصص الأنبياء: بقي رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثة أيام، ثم أذن الله تعالى له في الهجرة، وقال: اخرج عن مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن أريقط، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا ابن أريقط أئتمنك على دمي عليه السلام فقال: إذا والله أحرسك وأحفظك، ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب، قال: لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيها أحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فهيئ لي زادا وراحلة، وقال له أبو بكر: ائت
أسماء ابنتي وقل لها: تهيئي لي زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - و كان من موالي أبي بكر، وكان قد أسلم - وقل له ائتنا بالزاد والراحلتين، فجاء ابن أريقط إلى علي عليه السلام فأخبره بذلك، فبعث علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بزاد وراحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار، وأخذ به ابن أريقط على طريق نخلة بين الجبال، فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد فنزلوا على أم معبد هناك وقد مر حديث شاة أم معبد والمعجزة التي ظهرت فيها في أبواب المعجزات، وكذا حديث سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي، ورسوخ قوائم فرسه في الأرض وغيرهما من المعجزات فرجع عنه سراقة فلما كان من الغد وافته قريش فقالوا: يا سراقة هل لك علم بمحمد؟ فقال: بلغني أنه خرج عنكم وقد نفضت هذه الناحية لكم، ولم أر أحدا ولا أثرا فارجعوا فقد كفيتكم ما ههنا، وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم، وكانوا يتوقعون قدومه إلى أن وافى مسجد قبا، ونزل، فخرج الرجال والنساء يستبشرون بقدومه إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي.
21 - بصائر الدرجات: عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن سعيد الثقفي، عن يحيى بن الحسين بن الفرات، عن يحيى بن المساور، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله الغار طلبه علي بن أبي طالب عليه السلام وخشي أن يغتاله المشركون، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله على حراء، وعلي عليه السلام على ثبير، فبصر به النبي صلى الله عليه وآله فقال: مالك يا علي؟ قال: بأبي أنت وأمي خشيت أن يغتالك المشركون فطلبتك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ناولني يدك يا علي فزحف الجبل حتى خطا برجله إلى الجبل الآخر، ثم رجع الجبل إلى قراره
الاختصاص: إبراهيم بن محمد مثله.
بيان: زحف إليه كمنع: مشى قدما، وفي بعض النسخ بالراء المهملة و الجيم أي تحرك.
22 - بصائر الدرجات: ابن عيسى وابن أبي الخطاب معا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ومعه أبو الفضيل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأنظر الآن إلى جعفر وأصحابه الساعة، تعوم بهم سفينتهم في البحر، إني لأنظر إلى رهط من الأنصار في مجالسهم محتبين بأفنيتهم، فقال له أبو الفصيل : أتراهم يا رسول الله الساعة؟ قال: نعم، قال:
فأرنيهم، قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر فرآهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرأيتهم؟ قال: نعم، وأسر في نفسه أنه ساحر.
بيان: أبو الفصيل: أبو بكر، وكان يكنى به في زمانه أيضا لان الفصيل ولد الناقة، والبكر: الفتى من الإبل، والعوم: السباحة، وسير السفينة.
23 - بصائر الدرجات: موسى بن عمر، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر الصديق؟
قال: نعم، قال: فكيف؟ قال: حين كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة، قال: يا رسول الله وإنك لتراها؟ قال: نعم، قال: فتقدر أن ترينيها؟ قال: ادن مني، قال: فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر ثم نظر إلى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال رسول الله: الصديق أنت.
24 - الخرائج: من معجزاته صلى الله عليه وآله ما هو مشهور، وهو أنه في توجهه إلى المدينة أوى إلى غار بقرب مكة يعتوره النزال، ويأوي إليه الرعاء قلما يخلو من جماعة نازلين يستريحون به، فأقام صلى الله عليه وآله به ثلاثا لا يطوره بشر، وخرج القوم في أثره، فصدهم عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه فآيسهم من الطلب فيه، و انصرفوا وهو نصب أعينهم.
بيان: قال الجزري: في حديث علي عليه السلام: والله لا أطور به ما سمر سمير، أي لا أقر به أبدا.
25 - الخرائج: روي أن نفرا من قريش اجتمعوا وفيهم عتبة وشيبة وأبو جهل وأمية بن أبي خلف، فقال أبو جهل: زعم محمد أنكم إن اتبعتموني كنتم ملوكا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم فقبض قبضة من تراب فذرها على رؤوسهم، وقرأ: يس حتى بلغ العشر منها، ثم قال:
إن أبا جهل هذا يزعم أني أقول: إن خالفتموني فإن لي فيكم ريحا، و صدق، وأنا أقول ذلك، ثم انصرف فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولم يشعروا به ولا كانوا رأوه.
26 - الخرائج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما كانت الليلة التي خرج فيها رسول - الله صلى الله عليه آله إلى الغار كانت قريش اختارت من كل بطن منهم رجلا ليقتلوا محمدا، فاختارت خمسة عشر رجلا من خمسة عشر بطنا، كان فيهم أبو لهب من بطن بني هاشم ليتفرق دمه في بطون قريش فلا يمكن بني هاشم أن يأخذوا بطنا واحدا،
فيرضون عند ذلك بالدية فيعطون عشر ديات، فقال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه: لا يخرج الليلة أحد من داره، فلما نام الرسول قصدوا جميعا إلى باب عبد المطلب، فقال لهم أبو لهب: يا قوم إن في هذه الدار نساء بني هاشم وبناتهم، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهن فيبقى ذلك علينا مسبة وعارا إلى آخر الدهر في العرب، ولكن اقعدوا بنا جميعا على الباب نحرس محمدا في مرقده، فإذا طلع الفجر تواثبنا إلى الدار فضربناه ضربة رجل واحد وخرجنا، فإلى أن تجتمع الناس، وقد أضاء الصبح فيزول عنا العار عند ذلك فقعدوا بالباب يحرسونه، قال علي عليه السلام: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قريشا دبرت كيت وكيت في قتلي، فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة، فقد أمرني الله بذلك، فقلت له: السمع والطاعة، فنمت على فراشه، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله الباب وخرج عليهم وهم جميعا جلوس ينتظرون الفجر، وهو يقول: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " ومضى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس من خبره، وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم فأخرجه معه إلى الغار، فلما طلع الفجر تواثبوا إلى الدار وهم يظنون أني محمد صلى الله عليه وآله، فوثبت في وجوههم وصحت بهم، فقالوا: علي؟ قلت:
نعم، قالوا: وأين محمد؟ قلت: خرج من بلدكم، قالوا: إلى أين خرج: قلت:
الله أعلم، فتركوني وخرجوا، فاستقبلهم أبو كرز الخزاعي وكان عالما بقصص الآثار، فقالوا: يا أبا كرز اليوم نحب أن تساعدنا في قصص أثر محمد، فقد خرج
عن البلد، فوقف على باب الدار فنظر إلى أثر رجل محمد صلى الله عليه وآله، فقال: هذه أثر قدم محمد، وهي والله أخت القدم التي في المقام، ومضى به على أثره حتى إذا صار إلى الموضع الذي لقيه فيه أبو بكر، قال: هنا قد صار مع محمد آخر، وهذه قدمه، إما أن تكون قدم أبي قحافة أو قدم ابنه، فمضى على ذلك إلى باب الغار، فانقطع عنه الأثر، وقد بعث الله قبجة فباضت على باب الغار، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، فقال: ما جاز محمد هذا الموضع، ولا من معه، إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو نزلا في الأرض، فإن باب هذا الغار كما ترون عليه نسج العنكبوت، والقبجة حاضنة على بيضها بباب الغار، فلم يدخلوا الغار، وتفرقوا في الجبل يطلبونه.
ومنها: أن أبا بكر اضطرب في الغار اضطرابا شديدا خوفا من قريش فأراد الخروج إليهم، فقعد واحد من قريش مستقبل الغار يبول، فقال أبو بكر: هذا قد رآنا، قال: كلا لو رآنا ما استقبلنا بعورته، وقال له النبي صلى الله عليه وآله: " لا تخف إن الله معنا " لن يصلوا إلينا فلم يسكن اضطرابه، فلما رأى صلى الله عليه وآله ذلك منه رفس ظهر الغار فانفتح منه باب إلى بحر وسفينة، فقال له: أسكن الآن، فإنهم إن دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب وركبنا السفينة، فسكن عند ذلك، فلم يزالوا إلى أن يمسوا في الطلب فيئسوا وانصرفوا، ووافى ابن الأريقط بأغنام يرعاها إلى باب الغار وقت الليل يريد مكة بالغنم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أفيك مساعدة لنا؟ قال: إي والله، فوالله ما جعل الله هذه القبجة على باب الغار حاضنة لبيضها، ولا نسج العنكبوت عليه إلا وأنت صادق، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقال: الحمد لله على هدايتك، فصر الآن إلى علي فعرفه موضعنا، ومر بالغنم إلى أهلها إذ نام
الناس، ومر إلى عبد أبي بكر، فصار ابن الأريقط إلى مكة وفعل ما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتى علي عليه السلام وعبد أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعدلنا يا أبا الحسن زادا وراحلة، وابعثها إلينا، وأصلح ما نحتاج إليه، واحمل والدتك وفاطمة وألحقنا بهما إلى يثرب، وقال أبو بكر لعبده مثله، ففعلا ذلك، فأردف رسول الله صلى الله عليه وآله ابن الأريقط، وأبو بكر عبده.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج وهؤلاء أصبحوا من تلك الليلة التي خرجوا فيها على حي سراقة بن جعشم، فلما نظر سراقة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أتخذ يدا عند قريش، وركب فرسه وقصدا محمدا صلى الله عليه وآله قال: قد لحق بنا هذا الشيطان، فقال:
إن الله سيكفينا أمره، فلما قرب قال صلى الله عليه وآله: " اللهم خذه " فارتطم فرسه في الأرض فصاح: يا محمد خلص فرسي، لا سعيت لك في مكروه. أبدا، وعلم أن ذلك بدعاء محمد صلى الله عليه وآله، فقال: " اللهم إن كان صادقا فخلصه " فوثب الفرس فقال: يا أبا القاسم ستمر برعائي وعبيدي فخذ سوطي، فكل من تمر به فخذ ما شئت فقد حكمتك في مالي، فقال: لا حاجة لي في مالك، قال: فسلني حاجة، قال: رد عنا من يطلبنا من قريش، فانصرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم:
انصرفوا عن هذا الطريق، فلم يمر فيه أحد، وأنا أكفيكم هذا الطريق، فعليكم بطريق اليمن والطائف.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله سار حتى نزل بخيمة أم معبد فطلبوا عندها قرى فقالت: ما يحضرني شئ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في ناحية الخيمة قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: أتأذين في حلبها؟ قالت: نعم ولا خير فيها، فمسح يده على ظهرها فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ظهرها فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيرا، فقال: يا أم معبد هاتي العس، فشربوا
جميعا حتى رووا، فلما رأت أم معبد ذلك قالت: يا حسن الوجه إن لي ولدا له سبع سنين وهو كقطعة لحم لا يتكلم ولا يقوم فأتته به، فأخذ تمرة وقد بقيت في الوعاء ومضغها وجعلها في فيه فنهض في الحال ومشى وتكلم، وجعل نواها في الأرض فصارت في الحال نخلة وقد تهدل الرطب منها، وكان كذلك صيفا وشتاء، وأشار من الجوانب فصار ما حولها مراعي، ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما توفي عليه السلام لم ترطب تلك النخلة. وكانت خضراء، فلما قتل علي عليه السلام لم تخضر بعد وكانت باقية، فلما قتل الحسين عليه السلام سال منها الدم فيبست، فلما انصرف أبو معبد ورأي ذلك فسأل عن سببه قالت: مربي رجل من قريش من حاله وقصته كذا وكذا، قال: يا أم معبد إن هذا الرجل هو صاحب أهل المدينة الذي هم ينتظرونه، ووالله ما أشك الآن أنه صادق في قوله: إني رسول الله، فليس هذا إلا من فعل الله، ثم قصد إلى رسول الله صلى اله عليه وآله فآمن هو وأهله.
27 - الخرائج: روي أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام: أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال: " ثاني اثنين إذ هما في الغار "؟ فقال عليه السلام: ويلك يا ابن الكوا كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طرح علي ريطته، فأقبل قريش مع كل رجل منهم هراوة فيها شوكها، فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلوا علي يضربوني حتى ينفط جسدي، وأوثقوني بالحديد، وجعلوني في بيت، واستوثقوا الباب بقفل وجاؤوا بعجوز تحرس الباب ، فسمعت صوتا يقول: يا علي، فسكن الوجه فلن أجده وسمعت صوتا آخر يقول: يا علي، فإذا الحديد الذي علي قد تقطع، ثم سمعت صوتا: يا علي فإذا الباب فتح وخرجت والعجوز لا تعقل. بيان: الريطة: الملاة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، والنفطة:
الجدري، والبثرة، وقد نفطت كفه كفرحت قرحت عملا أو مجلت، وأنفطها العمل.
28 - مناقب ابن شهرآشوب: علي بن إبراهيم بن هاشم: ما زال أبو كرز الخزاعي يقفو أثر النبي صلى الله عليه وآله فوقف على باب الحجر، يعني الغار، فقال: هذه قدم محمد، والله أخت القدم التي في المقام، وقال: هذه قدم أبي قحافة أو ابنه، وقال: ما جازوا هذا المكان إما أن يكونوا صعدوا في السماء، أو دخلوا في الأرض، وجاء فارس من الملائكة في صورة الانس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم: اطلبوه في هذه الشعاب، فليس ههنا، وتبعه القوم فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدهم عنه وهم دهاة العرب وكان الغار ضيق الرأس، فلما وصل إليه النبي صلى الله عليه آله اتسع بابه، فدخل بالناقة فعاد الباب وضاق كما كان في الأول.
الواقدي: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار فبلغ الجبل وجده مصمتا فانفرج حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وآله الغار.
زيد بن أرقم وأنس والمغيرة: أمر الله شجرة صغيرة فنبتت في وجه الغار، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار.
وروي أنه أنبت الله تعالى على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة.
الزهري: ولما قربوا من الغار بقدر أربعين ذراعا تعجل بعضهم لينظر من فيه، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لا تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد، وسمع النبي صلى الله عليه وآله ما قال فدعا لهن، وفرض جزاءهن، فانحدرن في الحرم.
ورأي أبو بكر واحدا يبول قبلهم، فقال: قد أبصرونا، فقال النبي صلى الله عليه وآله لو أبصرونا لما استقبلونا بعوراتهم. 29 - تفسير العياشي: عن سعيد بن المسيب، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة فلما فقدهما رسول الله صلى الله عليه وآله شنأ المقام بمكة، ودخله حزن شديد، وأشفق على نفسه من كفار قريش، فشكا إلى جبرئيل ذلك، فأوحى الله إليه: يا محمد اخرج من القرية الظالم أهلها، وهاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حربا، فعند ذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة. 30 - تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما قوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد " فإنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حين بذل نفسه لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ليلة اضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله لما طلبته كفار قريش. 31 - تفسير العياشي: عن ابن عباس قال: فدى علي عليه السلام بنفسه، لبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله ثم نام مكانه، فكان المشركون يرمون رسول الله، قال: فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: أين نبي الله؟ فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرك، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل عليه السلام يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتضور قد لف رأسه، فقالا: إنك كنت، لو كان صاحبك لا يتضور قد استنكرنا
ذلك منك. بيان: قال الجزري: فيه أنه دخل على امرأة وهي تتضور من شدة الحمى أي تتلوى وتصيح وتتقلب ظهرا لبطن، وقيل: تتضور: تظهر الضور بمعنى الضر يقال: ضاره يضوره ويضيره.
32 - مناقب ابن شهرآشوب: تاريخ الطبرسي: إن أمير المؤمنين عليه السلام نزل بقباء على أم كلثوم بنت هدم وقت الهجرة ليلتين أو ثلاثا، فرآها تخرج كل ليلة نصف الليل
إلى طارق وتأخذ منه شيئا، فسألها عن ذلك فقالت: هذا سهل بن حنيف قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها، و قال: احتطبي بهذا، فكان أمير المؤمنين عليه السلام يحترمه بعد ذلك.
33 - تفسير العياشي: عن عبد الله بن محمد الحجال قال: كنت عند أبي الحسن الثاني عليه السلام ومعي الحسن بن الجهم، فقال له الحسن: إنهم يحتجون علينا بقول الله تبارك و تعالى: " ثاني اثنين إذ هما في الغار " قال: وما لهم في ذلك؟ فوالله لقد قال الله:
فأنزل الله سكينته على رسوله، وما ذكره فيها بخير، قال: قلت له أنا: جعلت فداك وهكذا تقرؤونها؟ قال: هكذا قرأتها.
قال زرارة: قال أبو جعفر عليه السلام: " فأنزل الله سكينته على رسوله " ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " فقال:
هو الكلام الذي يتكلم به عتيق. رواه الحلبي عنه. 24 - تفسير الإمام العسكري: إن الله تعالى أوحى إلى النبي يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن أبا جهل والملا من قريش قد دبروا يريدون قتلك، وآمرك أن تبيت عليا في موضعك، وقال لك: إن منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، وروحه لروحك وقاء، وأمرك
أن تستصحب أبا بكر، فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنة من رفقائك، وفي غرفاتها من خلصائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أرضيت إن اطلب فلا أوجد وتوجد، فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت أن يكون روحي لروحك وقاء، ونفسي لنفسك فداء، بل رضيت أن يكون روحي ونفسي فداء لأخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها، وهل أحب الحياة إلا لخدمتك. والتصرف بين أمرك ونهيك، ولمحبة أوليائك، ونصرة أصفيائك، ومجاهدة أعدائك؟ لولا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة، فأقبل رسول الله صلى لله عليه وآله على علي عليه السلام فقال له: يا أبا حسن قد قرأ علي كلامك هذا الموكلون باللوح المحفوظ وقرؤوا علي ما أعد الله لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، ولا رأى مثله الراؤون، ولا خطر مثله ببال المتفكرين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر:
أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه فتحمل عني أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول الله أما أنا لو عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل علي موت مريح ولا منهج متيح وكان ذلك في محبتك لكان ذلك أحب إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
لا جرم إن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، ومنزلة الروح من البدن، كعلي الذي هو مني كذلك، وعلي فوق ذلك لزيادة فضائله وشرف خصاله، يا أبا بكر إن من عاهد ثم لم ينكث ولم يغير ولم يبدل ولم يحسد من قد أبانه الله
بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الاعلى، وإذا أنت مضيت على طريقة يحبها منك ربك ولم تتبعها بما يسخط ووافيته بها إذا بعثك بين يديه كنت لولاية الله مستحقا ولمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا، انظر أبا بكر، فنظر في آفاق السماء فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار، بأيديهم رماح من نار، وكل ينادي: يا محمد مرنا بأمرك في مخالفيك نطحطحهم، ثم قال: تسمع على الأرض، فتسمع فإذا هي تنادي: يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك، ثم قال: تسمع على الجبال فسمعها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم، ثم قال: تسمع على البحار فأحضرت البحار بحضرته وصاحت أمواجها: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله ثم سمع السماء والأرض والجبال والبحار كل يقول: يا محمد ما أمرك ربك بدخول الغار لعجزك عن الكفار. ولكن امتحانا وابتلاء ليخلص الخبيث من الطيب من عباده وإمائه بأناتك وصبرك وحلمك عنهم، يا محمد من وفى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وهو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي أنت مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، والروح من البدن، حببت إلي كالماء البارد إلي ذي الغلة الصادي ثم قال له: يا با حسن تغش ببردتي، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك فإن الله يقرن بك توفيقه وبه تجيبهم، فلما جاء أبو جهل والقوم شاهرون سيوفهم قال لهم أبو جهل:
لا تقعوا به وهو نائم لا يشعر، ولكن ارموه بالأحجار ليتنبه بها ثم اقتلوه، فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، وقال: ماذا شأنكم، فعرفوه فإذا هو علي عليه السلام فقال أبو جهل: أما ترون محمدا كيف أبات هذا ونجا بنفسه لتشتغلوا به
وينجو محمد، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد، وإلا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربه يمنع عنه كما يزعم؟ فقال علي عليه السلام: ألي تقول هذا يا با جهل؟ بل الله قد أعطاني من العقل ما لو قسم على جميع حمقاء الدنيا ومجانينها لصاروا به عقلاء ومن القوة ما لو قسم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، ومن الشجاعة ما لو قسم على جميع جبناء الدنيا لصاروا به شجعانا، ومن الحلم ما لو قسم على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي ولكم شأن، ولأقتلنكم قتلا، ويلك يا أبا جهل إن محمدا قد استأذنه في طريقه السماء والأرض والجبال والبحار في إهلاككم فأبى إلا أن يرفق بكم، ويداريكم، ليؤمن من في علم الله أنه ليؤمن منكم، ويخرج مؤمنون من أصلاب وأرحام كافرين وكافرات، أحب الله أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم، ولولا ذلك لأهلككم ربكم، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء لا يدعوكم إلى طاعته وأنتم مضطرون، بل مكنكم بما كلفكم وقطع معاذيركم فغضب أبو البختري بن هشام أخو أبي جهل فقصده بسيفه، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، والأرض قد انشقت لتخسف به، وأمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، ورأي السماء انحطت لتقع عليه، فسقط سيفه وخر مغشيا عليه واحتمل ويقول أبو جهل: دير به لصفراء هاجت به، يريد أن يلبس على من معه أمره، فلما التقى رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام قال: يا علي إن الله رفع صوتك في مخاطبتك
أبا جهل إلى العلو، وبلغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزان والحور الحسان:
من هذا المتعصب لمحمد إذ قد كذبوه وهجروه؟ وقيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه يجعل نفسه لنفسه وقاء، وروح لروحه فداء، فقال الخزان والحور الحسان: يا ربنا فاجعلنا خزانه، وقالت الحور الحسان: فاجعلنا نساءه فقال الله تعالى: فأنتم له ولمن اختاره، وهو من أوليائه ومحبيه يقسمكم عليهم بأمر الله على من هو أعلم به من الصلاح، أرضيتم؟ قالوا: بلى ربنا وسيدنا. بيان: متيح بضم الميم: أي مهيئ للنجاة، وفي النسخ المصححة: منج، و هو أظهر معنى، وطحطحت الشئ: كسرته وفرقته، والغلة بالضم: حرارة العطش والصدى العطش.
35 - إعلام الورى: قال ابن عباس: لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار أنا عليا في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش تريد أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعلوا يرمون عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله، فجعل يتضور، فلما نظروا إذا هو علي عليه السلام.
وروى علي بن هاشم، عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: كان علي عليه السلام يجهز النبي صلى الله عليه وآله حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب، واستأجر له ثلاث رواحل للنبي صلى الله عليه وآله ولأبي بكر، ولدليلهم رقيد، وخلفه النبي صلى الله عليه وآله ليخرج إليه أهله، فأخرجهم، وأمره أن يؤدي
عنه أماناته ووصاياه وما كان بمؤتمن عليه من مال، فأدى علي عليه السلام أماناته كلها.
وقال له النبي صلى الله عليه وآله: إن قريش لن يفتقدوني ما رأوك، فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت قريش يرى رجلا على فراش النبي صلى الله عليه وآله، فيقولون هو محمد، فحبسهم الله عن طلبه، وخرج علي عليه السلام إلى المدينة ماشيا على رجليه فتورمت قدماه، فلما قدما المدينة رآه النبي صلى الله عليه وآله، فاعتنقه وبكى رحمة مما رأى بقدميه من الورم وإنما يقطران دما، فدعا له بالعافية، ومسح رجليه فلم يشكهما بعد ذلك. 36 - الروضة، الفضائل: لما آخى سبحانه وتعالى بين الملائكة آخى بين جبرئيل وميكائيل فقال سبحانه وتعالى: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحد كما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر أخاه بالحياة على نفسه فاختار كلاهما الحياة فقال الله عز وجل: أفلا تكونا مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين حبيبي محمد فآثره بالحياة على نفسه في هذه الليلة، وقد بات على فراشه يفديه بنفسه: اهبطا فاحفظاه من عدوه، فهبطا إلى الأرض فجلس جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وهما يقولان: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، من مثلك وقد باهى الله بك ملائكة
السماوات وفاخر بك؟. 37 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى أحمد بن حنبل، عن عمير بن ميمون قال: قوله عز وجل " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء " وذلك حين نام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ألبسه ثوبه، وجعله مكانه، وكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله.
وروى الثعلبي في تفسيره قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وآله الهجرة خلف عليا عليه السلام لقضاء ديونه، ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار، وقال له يا علي: اتشح ببردي الحضرمي : ثم نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله، ففعل ما أمره، فأوحى عز وجل إلى جبرئيل وميكائيل: أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله عز وجل إليها: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟ آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض
فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، يباهي الله بك ملائكته فأنزل الله عز وجل على رسوله الله صلى الله عليه وآله وهو متوجه إلى المدينة في شان علي بن أبي طالب عليه السلام:
" ومن الناس من يشري نفسه " الآية.
وروى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نزل علي جبرئيل صبيحة يوم الغار، فقلت: حبيبي جبرئيل!
أراك فرحا، فقال: يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: بماذا أكرمه الله؟ قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته، وقال: ملائكتي! انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه، وعفر حده في التراب تواضعا لعظمتي، أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي.
38 - المصباحين: في أول ليلة من شهر ربيع الأول هاجر النبي صلى اله عليه وآله من مكة إلى المدينة سنة ثلاث عشرة من مبعثه، وفيها كان مبيت أمير المؤمنين عليه السلام على فراشه، وكانت ليلة الخميس، وفي ليلة الرابع منه كان خروجه من الغار متوجها إلى المدينة.
39 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن الحكم، عن يحيى بن عبد الحميد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس رضي الله عنه قال في علي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار فأنامه النبي صلى الله عليه وآله في مكانه وألبسه برده، فجاء قريش يريدون أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله فجعلوا يرمون عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله وقد ألبسه النبي صلى الله عليه وآله برده، فجعل يتضور، فنظروا فإذا هو علي عليه السلام فقالوا: إنك لنائم؟! لو كان صاحبك ما
تضور لقد استنكرنا ذلك منك.
40 - الكافي: حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل يقول لأبي بكر في الغار: أسكن فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله صلى اله عليه وآله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون (2)؟ قال: نعم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله بيده على وجهه، فنظر إلى الأنصار يتحدثون ونظر إلى جعفر رضي الله عنه وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة، أنه ساحر 41 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم اكفني شر سراقة بما شئت " فساخت قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتد، فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادع الله أن يطلق لي فرسي، فلعمري إن لم يصبكم خير مني لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطلق الله عز وجل فرسه، فعاد في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فعل ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يدعو رسول الله فيأخذ الأرض قوائم فرسه، فلما أطلقه في الثالثة قال:
يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، وإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه، و
هذا سهم من كنانتي علامة، وأنا أرجع فأرد عنك الطلب، فقال: لا حاجة لي فيما عندك. 42 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله ثم لحاقه به: فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فأطأ ذكره حتى انتهيت إلى العرج.
في كلام طويل فقوله عليه السلام: فأطأ ذكره، من الكلام الذي رمي إلى غايتي الايجاز والفصاحة، وأراد أنني كنت أعطي خبره صلى الله عليه وآله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع، فكنى ذلك بهذه الكناية العجيبة. 43 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " وذلك أن الرجل كان إذا أراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعلق به ابنه وامرأته، فقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع أهله فيقيم، فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم عن طاعتهم ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشئ أبدا، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره الله أن يبوء بحسن وبصلة فقال: " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم. 44 - عيون أخبار الرضا (ع): الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن أحمد بن محمد بن إسحاق الطالقاني، عن أبيه قال: حلف رجل بخراسان بالطلاق أن معاوية
ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أيام كان الرضا عليه السلام بها، فأفتى الفقهاء بطلاقها فسئل الرضا عليه السلام فأفتى أنها لا تطلق، فكتب الفقهاء رقعة فأنفذوها إليه وقالوا له:
من أين قلت يا بن رسول الله أنها لم تطلق؟ فوقع عليه السلام في رقعتهم: قلت: هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمسلمة الفتح وقد كثروا عليه: " أنتم خير، وأصحابي خير، ولا هجرة بعد الفتح " فأبطل الهجرة ولم يجعل هؤلاء أصحابا له، فرجعوا إلى قوله. 45 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالوا: سألناهما عن قوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " قالا: بأن أهل مكة لا يرثون أهل المدينة. 46 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عمار بن ياسر أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عز وجل فيه: " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.