پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

7. باب نزوله صلى الله عليه وآله المدينة، وبناؤه المسجد والبيوت

ج ۱۹، ص ۱۰۳–۱۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۹

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان فقلن:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع * وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وكان سلمان الفارسي عبدا لبعض اليهود وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتب يخبرونه به، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشأم، فسأله عن ذلك وصحبه، فقال: اطلبه بمكة فثم مخرجه واطلبه بيثرب فثم مهاجره، فقصد يثرب فأخذه بعض الاعراب فسبوه، واشتراه رجل من اليهود، فكان يعمل في نخله، وكان في ذلك اليوم على النخلة يصرمها فدخل على صاحبه رجل من اليهود فقال: يا با فلان أشعرت أن هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيهم؟ فقال سلمان: جعلت فداك ما الذي تقول؟ فقال له صاحبه: مالك وللسؤال عن هذا؟ اقبل على عملك، قال: فنزل وأخذ طبقا فصير عليه من ذلك الرطب وحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا؟ قال: هذه صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سموا وكلوا، فقال سلمان في نفسه وعقد بأصبعه: هذه واحدة يقولها بالفارسية، ثم أتاه بطبق آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا؟ فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أهديتها إليك، فقال صلى الله عليه وآله: سموا و كلوا، وأكل عليه السلام، فعقد سلمان بيده اثنتين، وقال: هذه آيتان، يقولها بالفارسية

ثم دار خلفه فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتفه الإزار، فنظر سلمان إلى خاتم النبوة و الشامة فأقبل يقبلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل فارس قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا، وحدثه بحديثه.

وله حديث فيه طول.

فأسلم وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: أبشر واصبر فإن الله سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي.

فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله بقباء نازلا على كلثوم بن الهدم.

فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله المغرب والعشاء الآخرة جاءه أسعد بن زرارة مقنعا فسلم على رسول الله وفرح بقدومه ثم قال: يا رسول الله ما ظننت أن أسمع بك في مكان فأقعد عنك، إلا أن بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأوس: من يجيره منكم؟ فقالوا: يا رسول الله جوارنا في جوارك فأجره، قال: لا بل يجيره بعضكم فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة: نحن نجيره يا رسول الله، فأجاروه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيتحدث عنده ويصلي خلفه، فبقي رسول الله خمسة عشر يوما فجاءه أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة فإن القوم متشوقون إلى نزولك عليهم، فقال صلى الله عليه وآله: لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي عليه السلام، وكان رسول الله قد بعث إليه أن احمل العيال وأقدم، فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي قال: بلى ما أسرعه إن شاء الله، فبقي خمسة عشر يوما فوافى علي عليه السلام بعياله .

فلما وافى كان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة يكسران أصنام الخزرج وكان كل رجل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيبه، ولكل بطن من الأوس والخزرج صنم في بيت لجماعة يكرمونه ويجعلون عليه منديلا، ويذبحون له، فلما قدم الاثنا عشر من الأنصار أخرجوها من بيوتهم وبيوت من أطاعهم، فلما قدم السبعون كثر الاسلام وفشا، وجعلوا يكسرون الأصنام.

قال: وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قدوم علي عليه السلام يوما أو يومين ثم ركب راحلة فاجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فإنا أهل الجد والجلد والحلقة والمنعة، فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عنها فإنها مأمورة، وبلغ الأوس والخزرج خروج رسول الله صلى الله عليه وآله فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته

لا يمر بحي من أحياء الأنصار إلا وثبوا في وجهه، وأخذوا بزمام ناقته، وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى مر ببني سالم، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من قباء يوم الجمعة فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله هلم إلى الجد والجلد والحلقة والمنعة فبركت ناقته عند مسجدهم وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل في مسجدهم وصلى بهم الظهر وخطبهم، وكان أول مسجد خطب فيه بالجمعة، وصلى إلى بيت المقدس، وكان الذين صلوا معه في ذلك الوقت مائة رجل، ثم ركب رسول الله صلى اله عليه وآله ناقته وأرخى زمامها فانتهى إلى عبد الله بن أبي فوقف عليه، وهو يقدر أنه يعرض عليه النزول عنده، فقال له عبد الله بن أبي بعد أن ثارت الغيرة و أخذ كمه ووضعه على أنفه: يا هذا اذهب إلى الذين غروك وخدعوك وأتوا بك فأنزل عليهم، ولا تغشنا في ديارنا، فسلط الله على دور بني الحبلى الذر فخرب دورهم فصاروا نزالا على غيرهم، وكان جد عبد الله بن أبي يقال له: ابن الحبلى فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شئ، فإنا كنا اجتمعنا على أن نملكه علينا، وهو يرى الآن أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فأنزل علي يا رسول الله فإنه ليس في الخزرج ولا في الأوس أكثر فم بئر مني ونحن أهل الجلد والعز، فلا تجزنا يا رسول الله، فأرخى زمام ناقته ومرت تخب به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم، ولم يكن مسجدا، إنما كان مربدا ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن زيد، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله.

فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت أم أبي أيوب إلى الرحل فحلته فأدخلته منزلها، فلما أكثروا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أين الرحل، فقالوا: أم أبي أيوب قد أدخلته بيتها، فقال صلى الله عليه وآله: المرء مع رحله، و أخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحولها إلى منزله.

وكان أبو أيوب له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي العلو أحب إليك أم السفل؟ فإني أكره أن أعلو فوقك، فقال صلى الله عليه وآله: السفل أرفق بنا لمن يأتينا، قال أبو أيوب: فكنا في العلو أنا وأمي، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن يقع منه قطرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وكنت أصعد وأمي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحس بنا ولا نتكلم إلا خفيا، وكان إذا نام صلى الله عليه وآله لا نتحرك، وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف الباب على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وآله دخان، ولقد سقطت جرة لنا وأهريق الماء فقام أم أبي أيوب إلى قطيفة لم يكن لنا والله غيرها فألقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك شئ، وكان يحضر رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمون من الأوس والخزرج والمهاجرين، وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء وعشاء في قصعة ثريد عليها عراق، فكان يأكل معه من جاء حتى يشبعون، ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل ليلة عشاء ويتعشى معه من حضره، وترد القصعة كما هي، وكانوا يتناوبون في بعثه الغداء والعشاء إليه: أسعد بن زرارة، وسعد بن خيثمة، والمنذر بن عمرو، وسعد بن الربيع وأسيد بن حضير، قال: فطبخ له أسيد يوما قدرا فلم يجد من يحملها فحملها بنفسه وكان رجلا شريفا من النقباء، فوافاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رجع من الصلاة، فقال:

حملتها بنفسك؟ قال: نعم يا رسول الله لم أجد أحدا يحملها، فقال: بارك الله عليكم من أهل بيت.

وفي كتاب دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله المدينة فلما

دخلها جاءت الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول اله، فقال: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضر بن بالدفوف وهن يقلن:

نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أتحبونني؟ فقالوا: بلى والله يا رسول الله، قال: أنا والله أحبكم ثلاث مرات.

قال علي بن إبراهيم بن هاشم: وجاءته اليهود قريظة والنضير وقينقاع فقالوا:

يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأني الذي تجدونني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة، و مهاجري في هذه الحرة،، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال:

" تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة مخرجه بمكة، ومهاجره ههنا، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم، يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، و يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، وهو الضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحدا، ولا نتعرض لاحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لاحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك

فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، الله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حل من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتابا على حدة، وكان الذي تولى أمر بني النضير حي ابن أخطب، فلما رجع إلى منزله قال له إخوته: جدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك؟

قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوا، لان النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعا لولد إسماعيل أبدا.

وكان الذي ولى امر قريظة كعب بن أسد، والذي ولى أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالا وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنه النبي المبعوث؟ فهلموا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين، فلم يجبه قينقاع إلى ذلك.

قال وكان رسول اله صلى الله عليه وآله يصلي في المربد بأصحابه.

فقال لأسعد بن زرارة: اشتر هذا المربد من أصحابه، فساوم اليتيمين عليه فقالا: هو لرسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا إلا بثمن، فاشتراه بعشرة دنانير، و كان فيه ماء مستنقع، فأمر به رسول الله فسيل، وأمر باللبن فضرب، فبناه رسول الله صلى الله عليه وآله فحفره في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنقلت من الحرة، فكان

المسلمون ينقلونها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل حجرا على بطنه، فاستقبله أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمله عنك، قال: لا اذهب فاحمل غيره، فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتى بلغ وجه الأرض، ثم بناه أولا بالسعيدة:

لبنة لبنه، ثم بناه بالسميط وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالأنثى والذكر: لبنتين مخالفتين، ورفع حائطه قامة، وكان مؤخره مائة ذراع، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا يا رسول الله لو أظللت عليه ظلا، فرفع صلى الله عليه وآله أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب. ثم ظلله وألقى عليه سعف النخل فعاشوا فيه، فقالوا: يا رسول الله لو سقفت سقفا، قال: لا عريش كعريش موسى الامر أعجل من ذلك، وابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله منازله ومنازل أصحابه حول المسجد، وخط لأصحابه خططا، فبنوا فيه منازلهم، وكل شرع منه بابا إلى المسجد وخط لحمزة وشرع بابه إلى المسجد، وخط لعلي بن أبي طالب عليه السلام مثل ما خط لهم، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تأمر كل من كان له باب إلى المسجد أن يسده، ولا يكون لاحد باب إلى المسجد إلا لك ولعلي عليه السلام، ويحل لعلي فيه ما يحل لك، فغضب أصحابه وغضب حمزة وقال: أنا عمه يأمر بسد بابي، ويترك باب ابن أخي وهو أصغر مني، فجاءه فقال: يا عم لا تغضبن من سد بابك وترك باب علي فوالله ما أنا أمرت بذلك ولكن الله أمر بسد أبوابكم وترك باب علي، فقال: يا رسول الله رضيت وسلمت لله ولرسوله.

قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حيث بني منازله كانت فاطمة عليها السلام عنده، فخطبها أبو بكر فقال رسول الله: أنتظر أمر الله، ثم خطبها عمر فقال: مثل ذلك، فقيل

لعلي عليه السلام: لم لا تخطب فاطمة؟ فقال: والله ما عندي شئ، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يسألك شيئا، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحيى أن يسأله، فرجع ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي ألك حاجة؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: لعلك جئت خاطبا؟ قال: نعم يا رسول الله، قال له رسول الله: هل عندك شئ يا علي؟ قال:

ما عندي يا رسول الله شئ إلا درعي، فزوجه رسول الله على اثنتي عشرة أوقية و نش ودفع إليه درعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: هيئ منزلا حتى تحول فاطمة إليه، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما ههنا منزل إلا منزل حارثة بن النعمان وكان لفاطمة عليها السلام يوم بنى بها أمير المؤمنين عليه السلام تسع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

والله لقد استحيينا من حارثة بن النعمان قد أخذنا عامة منازله، فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شئ أحب إلي مما تأخذه والذي تأخذه أحب إلي مما تتركه، فجزاه رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا، فحولت فاطمة إلى علي عليه السلام في منزل حارثة، وكان فراشهما إهاب كبش جعلا صوفه تحت جنوبهما.

قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة، وفي هجرته حتى أتى له سبعة أشر، فلما أتى له سبعة أشهر عيرته اليهود وقالوا له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا، ونحن أقدم منك في الصلاة، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله

من ذلك، وأحب أن يحول الله قبلته إلى الكعبة، فخرج في جوف الليل ونظر إلى آفاق السماء ينتظر أمر الله، وخرج في ذلك اليوم إلى مسجد بني سالم الذي جمع فيه أول جمعة كانت بالمدينة، وصلى بهم الظهر هناك بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، ونزل عليه: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " الآيات.

ثم نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله آية القتال وأذن له في محاربة قريش وهي قوله:

" اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ".

توضيح: التوكف: التوقع والانتظار، وقال الجوهري: الآل: الذي تراه في أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس هو السراب انتهى.

وفي بعض رواياتهم " رأى رجلا مبيضا يزول به السراب " قال في النهاية:

أي يرفعه ويظهره، يقال: زال به السراب: إذا ظهر شخصه فيه خيالا.

وقال: الاطم مثل الاجم يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة. وقال: تشوفت إلى الشئ أي تطلعت يقال: النساء يتشوفن إلى السطوح أي ينظرن ويتطاولن. قوله: لا أريم أي لا أبرح ولا أزول، قوله: والحلقة في بعض النسخ بالحاء المهملة والقاف، وهي بالفتح وسكون اللام: السلاح، وفي بعضها بالفاء وهي بالكسر المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد.

قوله: أكثر فم بئر، لعله جعل كثرة الناس في فم البئر، أو كثرة البئر كناية عن كثرة الاتباع والأضياف. والخبب: ضرب من العدو.

وقال الجزري: فيه أن مسجده كان مربدا ليتيمين، المربد: الموضع الذي يحبس فيه الإبل والغنم، وبه سمي مربد المدينة والبصرة، بكسر الميم وفتح

الباء من ربد بالمكان: إذا أقام فيه، وربده: إذا حسبه، والمربد أيضا: الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف.

2 - الكافي: في الروضة: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي ابن الحسين عليهما السلام ابن كم كان علي بن أبي طالب عليه السلام يوم أسلم فقال: أو كان كافرا قط؟ إنما كان لعلي عليه السلام حيث بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وآله عشر سنين، ولم يكن يومئذ كافرا، ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله عليه السلام وسبق الناس كلهم إلى الايمان بالله وبرسوله وإلى الصلاة بثلاث سنين، وكانت أول صلاة صلاها مع رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر ركعتين، وكذلك فرضها الله تبارك وتعالى على من أسلم بمكة ركعتين ركعتين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصليها بمكة ركعتين ويصليها علي عليه السلام معه بمكة ركعتين مدة عشر سنين حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وخلف عليا عليه السلام في أمور لم يكن يقوم بها أحد غيره، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة في أول يوم من ربيع الأول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث، وقدم المدينة لاثني عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول مع زوال الشمس، فنزل بقباء فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، ثم لم يزل مقيما ينتظر عليا عليه السلام يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين، وكان نازلا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك مسجدا (1)؟ فيقول: لا، إني أنتظر علي بن أبي طالب وقد أمرته أن يحلقني ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي، وما أسرعه إن شاء الله، فقدم علي عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله في بيت عمرو بن عوف فنزل معه، ثم إن رسول - الله صلى الله عليه وآله لما قدم علي تحول من قبا إلى بني سالم بن عوف وعلي عليه السلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس، فخط لهم مسجدا، ونصب قبلته وصلى بهم فيه الجمعة ركعتين، وخطب خطبتين، ثم راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم

عليها وعلي عليه السلام معه لا يفارقه يمشي بمشيه، وليس يمر رسول الله صلى الله عليه وآله ببطن من بطون الأنصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول لهم: خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة فانطلقت به ورسول الله صلى الله عليه وآله واضع لها زمامها حتى انتهت إلى الموضع الذي ترى - وأشار بيده إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يصلي عنده بالجنائز - فوقفت عنده وبركت ووضعت جرانها على الأرض، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل أبو أيوب مبادرا حتى احتمل رحله، فأدخله منزله، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام معه حتى بنى له مسجده، وبنيت له مساكنه ومنزل علي عليه السلام فتحولا إلى منازلهما.

فقال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين عليهما السلام: جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله حين أقبل إلى المدينة فأين فارقه؟ فقال: إن أبا بكر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قباء فنزل بهم ينتظر قدوم علي عليه السلام، فقال له أبو بكر: انهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يستريثون إقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم هيهنا تنتظر عليا، فما أظنه يقدم إليك إلى شهر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله كلا ما أسرعه. ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عز وجل، وأحب أهل بيتي إلي، فقد وقاني بنفسه من المشركين قال: فغضب عند ذلك أبو بكر و أشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي عليه السلام وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام، وأول خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله، فانطلق حتى دخل المدينة، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله بقباء حتى ينتظر عليا.

قال: فقلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: فمتى زوج رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام؟ فقال: بالمدينة بهد الهجرة بسنة، وكان لها يومئذ تسع سنين.

قال علي بن الحسين عليهما السلام: ولم يولد لرسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة عليها السلام على فطرة الاسلام إلا فاطمة عليه السلام، وقد كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب رضي الله عنه بعد موت خديجة رضي الله عنها بسنة، فلما فقدهما رسول - الله صلى الله عليه وآله سئم المقام بمكة ودخله حزن شديد، وأشفق على نفسه من كفار قريش فشكى إلى جبرئيل عليه السلام ذلك فأوحى الله عز وجل إليه: اخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر إلى المدينة فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حربا فعند ذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة.

فقلت: فمتى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم عليه اليوم؟ فقال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة، وقوي الاسلام، وكتب الله عز وجل على المسلمين الجهاد زاد رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات: في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، و في المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت لتعجيل نزول ملائكة النهار من السماء، ولتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، وكان ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الفجر، فلذلك قال الله عز وجل: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " يشهده المسلمون وتشهده ملائكة النهار وملائكة الليل.

بيان: البضع: ما بين الثلاث إلى العشرة، وجران البعير بالكسر: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره. قوله: وهم يستريثون: أي يستبطؤن. قوله: على فطرة الاسلام: أي بعد بعثته صلى الله عليه وآله.

قوله عليه السلام: لتعجيل نزول ملائكة الليل.

أقول: تعليل قصر الصلاة بتعجيل عروج ملائكة الليل ظاهر، وأما تعليله بتعجيل ملائكة النهار فيمكن أن يوجه بوجوه:

الأول: أن يقال: إن صلاة الفجر إذا كانت قصيرة يعجلون في النزول ليدركوه، بخلاف ما إذا كانت طويلة لامكان تأخيرهم النزول إلى الثالثة أو الرابعة وفيه أن هذا إنما يستقيم إذا لم يكن شهودهم من أول الصلاة لازما وهو خلاف ظاهر الخبر.

الثاني: أن يقال: لعل الحكمة اقتضت عدم اجتماع ملائكة الليل والنهار كثيرا في الأرض، فيكون تعجيل عروج ملائكة الليل أمرا مطلوبا في نفسه و معللا أيضا بتعجيل نزول ملائكة النهار.

الثالث: أن يكون شهود ملائكة النهار لصلاة الفجر في الهواء، ويكون المراد بنزولهم نزولهم إلى الأرض، فلا ينزلون إلا مع عروج ملائكة الليل.

الرابع: ما قيل: إن معناه أنه لما كانت ملائكة النهار تنزل بالتعجيل لأجل فعل ما هي مأمورة به في الأرض من كتابة الاعمال وغيرها. فكان مما يتعلق بها أول النهار ناسب ذلك تخفيف الصلاة ليشتغلوا بما أمروا به، كما أن ملائكة الليل تتعجل العروج، إما لمثل ما ذكر من كونها تتعلق بها أمور بحيث تكون من أول الليل كعبادة ونحوها، بل لو لم يكن إلا أمرها بالعروج إذا انقضت مدة عملها لكفى، فتعجيل النزول للفرض المذكور علة للتخفيف، كما أن تعجيل العروج علة مع تحصيلهم جميعا الصلاة معه، ولا يضر كون التعجيل في الأول علة العلة.

ثم اعلم أنه ورد في الفقيه والعلل هكذا: " وأقر الفجر على ما فرضت بمكة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، ولتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض فكانت ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون ".

فعلى هذا يزيد احتمال خامس وهو أن يكون قصر الصلاة معللا بتعجيل العروج فقط، وأما تعجيل النزول فيكون علة لما بعده، أعني شهود ملائكة الليل والنهار جميعا.

3 - الكافي: علي بن محمد ومحمد بن الحسين، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بنى مسجده بالسميط ثم إن المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه وبناه بالسعيدة، ثم إن المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه وبنى جداره بالأنثى والذكر ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، فقال: نعم فأمر به فأقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض والخصف والإذخر، فعاشوا فيه حتى أصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: لا، عريش كعريش موسى عليه السلام، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان جداره قبل أن يظلل قامة، فكان إذا كان الفئ ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر.

وقال عليه السلام: السميط: لبنة لبنة، والسعيدة: لبنة ونصف، والذكر والأنثى:

لبنتان مخالفتان.

4 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن الحسن بن علي، عن عبيس بن

هشام، عن عبد الصمد بن بشير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وآله المدينة خط دورها برجله، ثم قال: اللهم من باع رباعه فلا تبارك له. بيان: خط دورها بالفتح، أي حولها، أو بالضم جمع الدار، فالمراد بها الدور التي بناها له ولأهل بيته وأصحابه صلى الله عليه وآله، والرباع بالكسر جمع الربع بالفتح وهي الدار.

5 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدا؟ فقال: ابدأ بقباء فصل فيه وأكثر، فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة، ثم ائت مشربة أم إبراهيم فصل فيها، وهي مسكن رسول الله صلى اله عليه وآله ومصلاه، ثم تأتي مسجد الفضيح فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك صلى الله عليه وآله.

6 - الكافي: علي، عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن حماد عن الحلبي، عن

أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال مسجد قباء.

7 - مناقب ابن شهرآشوب: سلمان قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة تعلق الناس بزمام الناقة فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا قوم دعوا الناقة فهي مأمورة، فعلى باب من بركت فأنا عنده فأطلقوا زمامها وهي تهف في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ولم يكن في المدينة أفقر منه، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي صلى الله عليه وآله، فنادى أبو أيوب: يا أماه افتحي الباب، فقد قدم سيد البشر، وأكرم ربيعة ومضر، محمد المصطفى، والرسول المجتبى، فخرجت وفتحت الباب وكانت عمياء فقالت: وا حسرتاه ليت كانت لي عين أبصر بها وجه سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان أول معجزة النبي صلى الله عليه وآله في المدينة أنه وضع كفه على وجه أم أبي أيوب فانفتحت عيناها. بيان: الهفيف: سرعة السير، 8 - مناقب ابن شهرآشوب: هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وأمر أصحابه بالهجرة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وكانت هجرته يوم الاثنين، وصار ثلاثة أيام في الغار، وروي ستة أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل: الحادي عشر وهي السنة الأولى من الهجرة، فرد التاريخ إلى المحرم، وكان نزل بقباء في دار كلثوم بن الهدم، ثم بدار خيثمة الأوسي ثلاثة أيام، ويقال: اثنا عشر

يوما إلى بلوغ علي عليه السلام وأهل البيت، وكان أهل المدينة يستقبلون كل يوم إلى قباء وينصرفون، فأسس بقباء مسجدهم، وخرج يوم الجمعة ونزل المدينة وصلى في المسجد الذي ببطن الوادي.

قال النسوي في تاريخه: أول صلاة صلاها في المدينة صلاة العصر، ثم نزل على أبي أيوب. فلما أتى لهجرته شهر وأيام تمت صلاة المقيم، وبعد ثمانية أشهر آخى بين المؤمنين، وفيها شرع الاذان.

9 - مناقب ابن شهرآشوب: روي أنه كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يستقبلونه وينصرفون عند الظهيرة فدخلوا يوما فقدم النبي صلى الله عليه وآله فأول من رآه رجل من اليهود، فلما رآه صرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء، فنزل النبي صلى الله عليه وآله على كلثوم بن هدم وكان يخرج فيجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وكان قيام علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله ثلاث ليال، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل معه على كلثوم، وكان أبو بكر في بيت حبيب بن إساف فأقام النبي صلى الله عليه وآله بقباء يوم الاثنين والثلاثاء و الأربعاء والخميس، وأسس مسجده وصلى يوم الجمعة في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوقا، فكانت أول صلاة صلاها بالمدينة، ثم أتاه غسان بن

مالك وعباس بن عبادة من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، يعني ناقته، ثم تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقال كذلك، ثم اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فانطلقت حتى إذا وازت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وآله لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وآله واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت، ثم تجلجلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب

رحله فوضعه في بيته، ونزل النبي صلى الله عليه وآله في بيت أبي أيوب، وسأل عن المربد فأخبره أنه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون، فقال بعضهم:

لئن قعدنا والنبي يعمل * فذاك منا العمل المضلل والنبي صلى الله عليه وآله يقول: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة. وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقول:

لا يستوي من يعمل المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا.

ثم انتقل من بيت أبي أيوب إلى مساكنه التي بنيت له، وقيل: كان مدة مقامه بالمدينة إلى أن بنى المسجد وبيوته من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة القابلة.

بيان: قال الجزري: في حديث سلمان ابني قيلة، يريد الأوس والخزرج قبيلتي الأنصار، وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل انتهى.

قوله: هذا جدكم، أي صاحب جدكم وسلطانكم، ويحتمل أن يريد هذا سعدكم ودولتكم.

أقول: قال الطبرسي رحمه الله في تفسير آية الجمعة: قال ابن سيرين:

جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، وقيل: قبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضا مثل ذلك، فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز وجل ونشكره، أو كما قالوا فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة وذلك لقلتهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: " إذا نودي للصلاة " الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الاسلام، فأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فقيل: إنه قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مهاجرا حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن وادلهم قد اتخذوا

اليوم في ذلك الموضع مسجدا، وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله في الاسلام، فخطب في هذه الجمعة، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل.

فقال صلى الله عليه وآله:

الحمد لله الذي أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوا من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط و ضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم، أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا

بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد " فاتقوا الله في عاجل أمره وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، و عادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، وهو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولا جول ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما يبنه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، و يملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ".

فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة انتهى.

وقال في المنتقى في حوادث السنة الأولى من الهجرة: إنه صلى الله عليه وآله لبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم دخل المدينة، ثم ذكر كيفية دخوله المدينة، وصلاة الجمعة والخطبة نحو ما تقدم، ثم قال: وإنه لما بنى رسول الله صلى الله عليه وآله مسجده طفق ينقل معهم اللبن ويقول وهو ينقل اللبن:

هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر

ويقول: " اللهم إن الاجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة ".

قوله: هذا الحمال، أي هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر أي أبقى ذخرا وأدوم منفعة، لا حمال خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها الذي يغتبطه حاملوه، والذي كنا من قبل نحمله ونعطيه، والحمال والحمل واحد، وروي بالجيم وله وجه، والأول أظهر.

وفي هذه السنة تكلم الذئب خارج المدينة ينذر برسول الله صلى الله عليه وآله كما روي عن أبي هريرة قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر، وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته مني، فقال الرجل: بالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن عندكم، و كان الرجل يهوديا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره خبره، وصدقه النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال صلى الله عليه وآله: إنها أمارة من أمارات الساعة، أو شك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه بما أحدث أهله بعده.

وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع فحملاهن من مكة إلى المدينة، ولما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، و صحبهم طلحة بن عبيد الله ومعهم أم رومان أم عائشة وعبد الرحمن حتى قدموا المدينة.

وفي هذه السنة بنى رسول الله صلى الله عليه وآله بعائشة في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر وقيل: في السنة الثانية، والأول أصح، وكان تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين.

وفي هذه السنة زيد في صلاة الحضر، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين غير

المغرب، وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر.

وفى هذه السنة آخى بين المهاجرين والأنصار، وذلك أنه لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعين رجلا من المهاجرين وخمسة وأربعين رجلا من من الأنصار، وقيل: كانوا خمسين ومائة من الأنصار، وخمسين ومائه من المهاجرين، وكان ذلك قبل بدر، فلما كانت وقعة بدر أنزل الله تعالى: " و أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " نسخت هذه الآية ما كان قبلها ورجع كل إنسان إلى نسبه، وورثه ذو رحمه.

وفي هذه السنة صام عاشورا، وأمر بصيامه.

وفى هذه السنة أسلم عبد الله بن سلام، قال: أنس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة أخبر عبد الله بن سلام بقدومه فأتاه فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، فإن أخبرتني بها آمنت بك، قال: وما هن؟ قال: سأله عن الشبه، و عن أول شئ يأكله أهل الجنة، وعن أول شئ يحشر الناس.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني بهن جبرئيل آنفا، قال: ذاك عدو اليهود، قال: أما الشبه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة ذهب بالشبه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه، وأما أول شئ يأكله أهل الجنة فزائد كبد الحوت، وأما أول شئ يحشر الناس فنار تجئ من قبل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، فأمسك، وقال: أشهد أنك رسول الله، وقال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن سمعوا بإسلامي بهتوني فأخبأني عندك، وابعث إليهم فسلهم عني، فخبأه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث إليهم فجاؤوا، فقال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟

قالوا: هو خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال:

أرأيتم إن أسلم أتسلمون، فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فقال: يا عبد الله بن سلام اخرج إليهم، فلما خرج إليهم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، فقال ابن سلام: قد أخبرتك يا رسول الله إن اليهود قوم بهت.

وفيها أسلم سلمان رضي الله عنه، على ما سيأتي شرحه.

وفيها شرع الاذان.

ومما كان في هذه السنة ما روي أنه كان امرأة من بنى النجار يقال لها: فاطمة بنت النعمان لها تابع من الجن، وكان يأتيها، فأتاها حين هاجر النبي صلى الله عليه وآله فأنقض على الحائط، فقالت: مالك لم تأت كما كنت تأتي؟ قال: قد جاء النبي الذي يحرم الزنا والحرام.

وفيها مات البراء بن معرور، وكان أول من تكلم ليلة العقبة حين لقي رسول الله صلى الله عليه وآله السبعون من الأنصار فبايعوه، وهو أحد النقباء توفي قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة بشهر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق بأصحابه فصلى على قبره، وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وقد فعلت " وهو أول من مات من النقباء.

وفيها مات أسعد بن زرارة أحد النقباء مات قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من بناء مسجده، ودفن بالبقيع، والأنصار يقولون: هو أول من دفن فيها، و المهاجرون يقولون : عثمان بن مظعون، ولما مات أسعد بن زرارة جاءت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: قد مات نقيبنا فنقب علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

أنا نقيبكم.

وفيها مات كلثوم بن الهدم وكان شريفا كبير السن قبل قدومه، فلما هاجر نزل عليه، ونزل عليه جماعة منهم أبو عبيد والمقداد وخباب في آخرين،

وتوفي بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير.

وفيها مات من المشركين العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة بمكة، وروي عن الشعبي قال: لما حضر الوليد بن المغيرة جزع فقال له أبو جهل: يا عم ما يجزعك؟ قال: والله ما بي جزع من الموت، ولكني أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: لا تخف أنا ضامن أن لا يظهر.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.