بحارالانوار · المجلد السادس
6. باب الهجرة ومباديها، ومبيت علي عليه السلام على فراش النبي
ج ۱۹، ص ۲۷–۵۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
الأنفال " 8 ": وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30.
وقال تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون 34.
وقال تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير * والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله و الذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم * والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم 72 - 75.
التوبة " 9 ": إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم 39.
النحل " 16 ": والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون 41 و 42.
وقال تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - إلى قوله تعالى: - ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 106 - 110.
الحج " 32 ": والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم 58 و 59.
العنكبوت " 29 ": يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون - إلى قوله تعالى: - وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 56 - 60.
محمد " 47 ": وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم 13.
المزمل " 73 " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا 10.
تفسير: قوله تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة " قال الطبرسي رحمه الله: قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المشركين يوم بدر لم يخلفوا إذ خرجوا أحدا إلا صبيا أو شيخا كبيرا أو مريضا، فخرج معهم ناس ممن تكلم بالاسلام، فلما التقى المشركون و
رسول الله صلى الله عليه وآله نظر الذين كانوا قد تكلموا بالاسلام إلى قلة المسلمين فارتابوا فأصيبوا فيمن أصيب من المشركين، فنزلت فيهم الآية، وهو المروي عن ابن عباس والسدي وقتادة، وقيل: إنهم قيس بن الفاكهة بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن المنبه بن الحجاج، وعلي بن أمية ابن خلف، عن عكرمة، ورواه أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ابن عباس:
كنت أنا من المستضعفين، وكنت غلاما صغيرا، وذكر عنه أيضا أنه قال: كان أبي من المستضعفين من الرجال، وكانت أمي من المستضعفات من النساء، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان. " توفاهم الملائكة " أي تقبض أرواحهم " فيم كنتم " أي في أي شئ كنتم من دينكم على وجه التقرير أو التوبيخ " مستضعفين في الأرض " أي يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا يمنعوننا من الايمان " قالوا " أي الملائكة " فتهاجروا فيها " أي فتخرجوا من أرضكم، وتفارقوا من يمنعكم من الايمان " إلا المستضعفين " أي الذين استضعفهم المشركون ويعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم " ولا يهتدون سبيلا " في الخلاص من مكة " مراغما كثيرا وسعة " أي متحولا من الأرض وسعة في الرزق، وقيل: مزحزحا عما يكره وسعة من الضلالة إلى الهدى، وقيل: مهاجرا فسيحا ومتسعا مما كان فيه من الضيق " ومن يخرج من بيته " قيل: لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو جندع، أو جندب بن ضمرة، وكان بمكة فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله، إني لأجد قوة، وإني لعالم بالطريق، وكان مريضا شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الآية، عن أبي حمزة الثمالي وعن قتادة وعن سعيد بن جبير، وقال عكرمة: وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا، فأنزل الله فيهم: " ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله " فكتب بها المسلمون إليهم، ثم نزلت فيهم:
" ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله " ثم يدركه الموت " قبل بلوغه دار الهجرة " فقد وقع أجره على الله " أي ثواب عمله وجزاء هجرته على الله، وروى الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ يمكر بك " قال المفسرون: إنها نزلت في قصة دار الندوة، وذلك أن نفر من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب وتآمروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال عروة بن هشام: نتربص به ريب المنون، وقال أبو البختري: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه، وقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد، فنرضى حينئذ بنو هاشم بالدية، فصوب إبليس هذا الرأي وكان قد جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد، وخطأ الأولين فاتفقوا على هذا الرأي وأعدوا الرجال والسلاح، وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلى الغار وأمر عليا عليه السلام فبات على فراشه، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا وقد رد الله مكرهم، فقالوا: أين محمد; قال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو كان ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم قدم المدينة " الذين كفروا " وهم مشركو العرب، ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن حارث، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، وأمية بن خلف وغيرهم " ليثبتوك " أي ليقيدوك فيثبتوك في الوثاق أو في الحبس ويسجنوك في بيت، وقيل: ليثخنوك بالجراحة والضرب عن أبان بن
تغلب وغيره " أو يخرجوك " أي من مكة إلى طرف من أطراف الأرض، وقيل: أو يخرجوك على بعير ويطردونه حتى يذهب في وجهه.
قال: ولما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجوه من مكة أنزل الله سبحانه: " وما لهم ألا يعذبهم الله " الآية، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر " وما كانوا أولياءه " أي ما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وإن سعوا في عمارته، وما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا " قيل: نزلت في الميراث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، وجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، وكان الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر وكانوا يعملون بذلك حتى نزل: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فنسخت هذا، وصار الميراث لذوي الأرحام المؤمنين، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي " والذين آووا " أي النبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين بالمدينة وهم الأنصار " أولئك بعضهم أولياء بعض " في النصرة أو التوارث، وقيل: في نفوذ أمان بعضهم على بعض، وعن أبي جعفر عليه السلام أنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الأولى " وإن استنصروكم في الدين " أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار وإعانتهم في الدين " فعليكم النصر " ة والمعونة لهم في
الدين " إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا أن يطلبوا منكم النصرة على قوم من المشركين بينكم وبينهم أمان وعهد يجب الوفاء به فلا تنصروهم عليهم لما فيه من نقض العهد " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " أي أنصار بعض أو أولى ببعض في الميراث " إلا تفعلوه " أي ما أمرتم به في الآية الأولى والثانية " تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " على المؤمنين الذين لم يهاجروا، والفتنة: المحنة بالميل إلى الضلال، والفساد الكبير: ضعف الايمان.
وقال في قوله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله ": أي إن لم تنصروا النبي صلى الله عليه وآله على قتال العدو فقد فعل الله به النصر " إذ أخرجه الذين كفروا " من مكة فخرج يريد المدينة " ثاني اثنين إذ هما في الغار " يعني أنه كان هو وأبو بكر في الغار ليس معهما ثالث، وأراد به هنا غار ثور، وهو جبل بمكة " إذ يقول لصاحبه " أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لأبي بكر: " لا تحزن " أي لا تخف " إن الله معنا " يريد أنه مطلع علينا، عالم بحالنا، فهو يحفظنا وينصرنا، قال الزهري:
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر الغار أرسل الله زوجا من الحمام حتى باضا في أسفل الثقب، والعنكبوت حتى نسج بيتا، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ بيت العنكبوت فانصرف، وقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم أعم أبصارهم " فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار. وقال أبو بكر: لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا، ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار، فقال أبو بكر:
قد أبصرونا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم
" فأنزل الله سكينته عليه " يعني على محمد صلى الله عليه وآله، أي ألقى في قلبه ما سكن به " وأيده بجنود لم تروها " أي بملائكة يضربون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه، وقيل:
قواه بالملائكة يدعون الله تعالى له، وقيل: أعانه بالملائكة يوم بدر، وقال بعضهم:
يجوز أن يكون الهاء في " عليه " راجعة إلى أبي بكر، وهذا بعيد، لان الضمائر قبل هذا وبعده تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف، فكيف يتخللها ضمير عائد إلى غيره هذا وقد قال سبحانه في هذه السورة " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " وقال في سورة الفتح كذلك، فتخصيص النبي في هذه الآية بالسكينة يدل على عدم إيمان من معه " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " المراد بكلمتهم وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم له، أو كلمة الشرك، وكلمة الله وعده بالنصر، أو كلمة التوحيد.
وقال في قوله تعالى: " والذين هاجروا في الله ": نزلت في المعذبين بمكة مثل صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم، مكنهم الله في المدينة، وذكر أن
صهيبا قال لأهل مكة: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرركم، فخذوا مالي ودعوني، فأعطاهم ماله، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له أبو بكر: ربح البيع يا صهيب " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " أي بلدة حسنة وهي المدينة، أو حالة حسنة وهي النصر على الأعداء.
وقال في قوله تعالى: " إلا من اكره ": نزل في جماعة أكرهوا، وهم عمار وياسر أبوه وأمه سمية، وصهيب وبلال وخباب عذبوا، وقتل أبو عمار وأمه فأعطاهم عمار بلسانه مما أرادوا منه، ثم اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال قوم:
كفر عمار، فقال صلى الله عليه وآله: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، وجاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقال صلى الله عليه وآله: ما وراك، قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، فنزلت الآية، عن ابن عباس وقتادة، وقيل: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين عن مجاهد وقيل: إن ياسر وسمية أبوا عمار أول شهيدين في الاسلام، وقوله: " من كفر بالله * ومن شرح بالكفر صدرا " هو عبد الله بن سعيد بن أبي سرح من بني عامر بن لوي، وأما قوله: " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية، قيل: إنها نزلت في عباس بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو
والوليد بن المغيرة، وغيرهم من أهل مكة، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم " وقلبه مطمئن " أي ساكن " بالايمان " ثابت عليه، فلا حرج عليه في ذلك " ولكن من شرح بالكفر صدرا " أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به " من بعد ما فتنوا " أي عذبوا في الله و ارتدوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم " ثم جاهدوا " مع النبي صلى الله عليه وآله " وصبروا " على الدين والجهاد " إن ربك من بعدها " أي من بعد تلك الفتنة أو الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر.
وقال في قوله تعالى: " يا عبادي الذين آمنوا ": قيل: إنها نزلت في المستضعفين من المؤمنين بمكة، أمروا بالهجرة عنها، ونزل قوله: " وكأين من دابة " في جماعة كانوا بمكة يؤذيهم المشركون، فأمروا بالهجرة إلى المدينة، فقالوا: كيف نخرج إليها وليس لنا بها دار ولا عقار؟ من يطعمنا ومن يسقينا؟ " إن أرضي واسعة " فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الايمان والاخلاص في عبادتي.
وقال أبو عبد الله عليه السلام: معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها " وكأين من دابة " أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا، وقيل:
معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها، وتأكل بأفواهها.
وفي قوله تعالى: " من قريتك ": يعني مكة " التي أخرجتك " أي أخرجك أهلها، والمعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة " أهلكناهم فلا ناصر لهم " يدفع عنهم إهلاكنا إياهم، فما الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك.
قوله تعالى: واهجرهم هجرا جميلا " ذهب المفسرون إلى أن المراد مجانبتهم ومداراتهم وعدم مكافأتهم، ولا يبعد أن يكون المراد الهجرة من مكة إلى المدينة.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: " وما كانوا ألياءه " يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة " إن أولياؤه إلا المتقون " أنت وأصحابك يا محمد، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: " إن الذين آمنوا وهاجروا " إلى قوله: " أولياء بعض " فإن الحكم كان في أول النبوة أن المواريث كانت على الاخوة لا على الولادة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين والمهاجرين، وبين الأنصار والأنصار وآخى بين المهاجرين والأنصار، فكان إذا مات الرجل يرثه أخوه في الدين ويأخذ المال، وكان ما ترك له دون ورثته، فلما كان بعد بدر أنزل الله:
" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " فنسخت آية الاخوة " بعضهم أولى ببعض ". قوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا " الآية فإنها نزلت في الاعراب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله صالحهم على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا إلى المدينة، وعلى أنه إن أرادهم رسول الله صلى الله عليه وآله غزا بهم ولم يكن لهم في الغنيمة شئ، وأوجبوا على النبي صلى الله عليه وآله أنه إن أرادهم الاعراب من غيرهم أو دهاهم دهم من عدوهم أن ينصرهم إلا على قوم بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله عهد و ميثاق إلى مدة " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " يعني يوالي بعضهم بعضا، ثم قال: " إلا تفعلوه " يعني إن لم تفعلوه، فوضع حرف مكان حرف " تكن فتنة " أي كفر في الأرض " وفساد كبير " ثم قال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " قال: نسخت قوله: " والذين عاهدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " والذين هاجروا في الله " أي هاجروا وتركوا الكفار في الله " لنبوئنهم " أي لنثبتنهم. 4 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة " يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك، فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: " وكأين من قرية " الآية قال: إن الذين أهلكناهم من الأمم السالفة كانوا أشد قوة من قريتك، يعني أهل مكة الذين أخرجوك منها، فلم يكن لهم ناصر.
6 - أقول: قال في المنتقى كانت الهجرة سنة أربع عشرة من المبعث، وهي سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى پرويز، سنة تسع لهرقل، وأول هذه السنة المحرم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مقيما بمكة لم يخرج منها، وقد كان جماعة خرجوا في ذي الحجة، وقال محمد بن كعب القرظي: اجتمع قريش على بابه وقالوا:
إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم جنان كجنان الأرض وإن لم تفعلوا كان لكم من الذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون بها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ حفنة من تراب ثم قال: نعم أنا أقول ذلك، فنثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ " يس " إلى قوله:
" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فلم يبق منهم رجل وضع على رأسه التراب إلا قتل يوم بدر، ثم انصرف إلى حيث أراد فأتاهم آت لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد والله خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متشحا ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقولون: إن هذا لمحمد نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي من الفراش فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا به.
وروى الواقدي عن أشياخه أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الليلة من المشركين أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر ابن الحارث، وأمية بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعمة بن عدي وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا قام علي عليه السلام من الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا علم لي به.
وروي أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة ثم تركوه.
وأورد الغزالي في كتاب إحياء العلوم أن ليلة بات علي بن أبي طالب عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بحياته؟ فاختار كل منهما الحياة وأحباها، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السلام، آخيت بينه وبين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل عليه السلام ينادي: بخ بخ، من مثلك يا بن أبي طالب؟ يباهي الله بك الملائكة، فأنزل الله عز وجل: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله
والله رؤوف بالعباد ".
أقول: وساق حديث الغار إلى أن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أتى الغار دعا بشجرة فأتته فأمرها أن تكون على باب الغار، وبعث الله حمامتين فكانتا على فم الغار، و نسج العنكبوت على فم الغار، ثم أقبل فتيان قريش، وكان أبو جهل قد أمر مناديا ينادي بأعلى مكة وأسفلها: من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دل عليه فله مائة بعير، فلما رأوا الحمامتين ونسج العنكبوت على فم الغار انصرفوا فدعا النبي صلى الله عليه وآله للحمام، وفرض جزاءهن، وانحدرن في الحرم، ونهى عن قتل العنكبوت، وقال: هي جند من جنود الله.
وروي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يتطير ، وكان يتفأل، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل فيمن يأخذ نبي الله صلى الله عليه وآله فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله صلى الله عليه وآله، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله: من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح، ثم قال: وممن أنت؟ قال: من أسلم قال صلى الله عليه وآله: سلمنا، قال: ممن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله: من أنت؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، فحل عمامته ثم شدها في رمح، ثم مشى بين يديه فقال: يا نبي الله تنزل علي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: إن ناقتي هذه مأمورة، قال بريدة: الحمد لله أسلمت بنو سهم طائعين غير مكرهين.
بيان: قال في الفائق: برد أمرنا، أي سهل، من العيش البارد، وهو الناعم السهل، وقيل: ثبت، من برد لي عليه حق، خرج سهمك: أي ظفرت، وأصله أن يجيلوا السهام على شئ، فمن خرج سهمه حازه.
ثم قال في المنتقى: وروي بالاسناد المتصل عن خرام بن هشام بن جيش عن أبيه، عن جده صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج مهاجرا من مكة خرج هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط فمروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فإذا القوم مرملون مسنتون، فقالت: والله لو كان عندنا شئ ما أعوزناكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت شاة خلفها الجهد من الغنم، قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال:
أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح بيده ضرعها، وسمى الله عز وجل ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب رسول الله صلى الله عليه وآله آخرهم ثم أراضوا ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الاناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا، مخاخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، و الشاة عازب حيال ولا حلوبة بالبيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة
أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، وفي رواية: نحلة، ولم يزريه صقلة وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره غطفة، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، و في لحيته كثافة أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما به وعلاه البهاء أكمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأعلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يأس من طول ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال نصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكروا لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا ، فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه أبياتا منها:
فيا لقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب * يرددها في مصدر ثم مورد فأصبح القوم قد فقدوا نبيهم وأخذوا على خيمتي أم معبد، فلما سمع بذلك حسان بن ثابت نشب يجاوب الهاتف:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقدس من يسري إليهم ويقتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
بيان: قوله: برزة، أي كبيرة السن تبرز للناس، ولا تستر منهم، وفي النهاية يقال: امرأة برزة: إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، ومع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم، من البروز وهو الظهور والخروج، جلدة أي عاقلة والاحتباء نوع للجلوس معروف، والمرملون: الذين فنيت أزوادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل للفقير: الترب، والمسنتون: الذين لم يصب أرضهم مطر فلم تنبت شيئا، والتاء التي في آخره بدل من حروف العلة الملقاة وصارت كالأصلية فيه، وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها: الشقة السفلى من الخباء ترفع وقتا وترخى وقتا، وقيل: هي في مقدم الخيمة، وقيل: في مؤخرها، وقيل: لكل بيت كسران عن يمين وشمال، خلفها الجهد بالفتح، أي المشقة والهزال، والتفاج المبالغة في التفريج ما بين الرجلين، درت: أرسلت اللبن، واجترت من الجرة وهي ما يخرجها البهيمة من كرشها يمضغها، وإنما يفعل ذلك الممتلئ علفا، فصارت هذه الشاة كذلك مع ما بها من قلة الاعتلاف، يربض أي يروي الرهط حتى يربضوا أي يقعوا على الأرض للنوم والاستراحة، يحكي سعة الاناء وعظمه، والثج:
السيلان، أي لبنا سائلا كثيرا، والبهاء : وبيض رغوة اللبن، ثم أراضوا - وفي بعض الروايات حتى أراضوا - أي شربوا عللا بعد نهل حتى رووا، من أراض الوادي:
إذا استنقع فيه الماء، وقيل: أراضوا، أي ناموا على الأرض، وهو البساط، وقيل:
حتى صبوا اللبن على الأرض، قوله: ثم بايعها، أي أعطاها ثمن اللبن، أو اشترى منها شيئا آخر، ويحتمل البيعة أيضا، عازب، أي بعيدة المرعى، لا تأوي إلى المنزل
في الليل، غادره أي تركه، يتساوكن هزالا، أي يتمايلن من الضعف، وفي بعض رواياتهم تساوك هزالا، وفي بعضها: ما تساوك، يقال: تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الهزال، ويقال: أيضا: جاءت الإبل ما تساوك هزالا، أي ما تحرك رؤوسها والمخاخ جمع مخ مثل كم وكمام، وإنما لم يقل قليلة لأنه أراد أن مخاخهن شئ قليل [قال عبيد الله بن حر الجعفي:
إلى الله نشكو ما نرى من جيادنا * تساوك هزلى مخهن قليل.
وقلة المخ ورقته تدل على الهزال (1)] حيال، أي لم تحمل، والوضاءة: الحسن، أبلج الوجه: مشرقه وليس المراد بلج الحاجب وهو نقارة بين الحاجبين لأنها وصفه بالأقرن] نحلة، من رواه بالنون والحاء قال: من نحل جسمه نحولا، ومن رواه بالثاء والجيم قال: هو من قولهم: رجل أثجل، أي عظيم البطن، ولم يزريه صقلة أي لم يصر سببا لحقارته ونحوله، وقيل: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحالا جدا، ويروى بالسين بالابدال من الصاد. ويروى بالصاد والعين، وهي صغر الرأس، والوسامة والقسامة: الحسن، والغطف بالغين المعجمة: طول الأشفار وانعطافها وروي بالعين وهو التثني. وقيل، أي طول كأنه طال وانعطف، وفي رواية وطف وهو الطول أيضا، صهل أي حدة وصلابة، من صهيل الخيل، وفي رواية صحل بالحاء وهو كالبحة في الصوت، والسطع: طول العنق، وسما به أي علا به وارتفع أي بكلامه على من حوله، وقيل: علا برأسه أو بيده. فصل أي بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل، والنزر: القليل، والهذر من الكلام: ما لا فائدة فيه، قوله:
لا يأس أي لا يؤيس من طوله، لأنه كان إلى الطول أقرب منه إلى القصر، وروي لا يأس قيل: معناه لا ميؤوس من أجل طوله، فاعل بمعنى مفعول، أي لا ييأس مباريه من مطاولته، وروي لا باين من طول، أي لا يجاوز الناس طولا، لا تقتحمه أي لا تحقره، أنضر الثلاثة من النضرة وهي الحسن والنعمة، محفود، أي مخدوم، محشود أي تجتمع الناس حواليه، ولا مفند أي لا ينسب إلى الجهل، وروي ولا معتد، أي
ظالم، واللام في قوله يالقصي للتعجب، نحو يا للماء، قوله: ما زوى الله عنكم، أي ما قبضه منكم، ومنعه عنكم، قوله: ليهن أصلها الهناء، وطرح الهمزة منه تخفيف وتمهيد لوزن الشعر، والصريح: اللبن الخالص الذي لم يمزج، والضرة: الضرع وقيل لحمه؟ والمزبد: الذي علاه الزبد، وهو معنى قوله: حتى علاه البهاء، وهو صفة الصريح، وإعرابه بخلاف إعرابه، وقيل: إنه جر على الجوار، قوله: فغادرها رهنا، أي ترك الشاة لتكون معجزة له عند من أراد حلبها، وتصديقا لحكاية أم معبد عنه، والمرصد موضع الرصد، وهم القوم الذي يرصدون الطرق، قوله نشب بالنون، أي أخذ في الشعر وعلق فيه، ويروى شبب أي ابتدأ في جوابه من تشبيب الكتب، وهو الابتداء بها والاخذ فيها، وليس من تشبيب النساء في الشعر.
7 - الخصال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب اليهودي الذي سأل عما فيه من علامات الأوصياء فقال فيما قال: وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الآراء، وتعمل الحيل في قتل النبي صلى الله عليه وآله حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار: دار الندوة، وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمها فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنباه بذلك، وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه، فمضى صلى الله عليه وآله لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلى الله عليه وآله، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس، ثم أقبل على أصحابه
فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
8 - إعلام الورى، قصص الأنبياء، تفسير علي بن إبراهيم: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " فإنها نزلت بمكة قبل الهجرة، وكان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة قدمت عليه الأوس والخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعوني وتكونون لي جارا حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة؟ فقالوا: نعم، خذ لربك ولنفسك ما شئت، فقال لهم: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق، فحجوا ورجعوا إلى منى، وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير، فلما كان اليوم الثاني من أيام التشريق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما، ولينسل واحد فواحد، فجاء سبعون رجلا من الأوس والخزرج، فدخلوا الدار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام: نعم يا رسول الله، اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أما ما أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهاليكم وأولادكم، فقالوا: فما لنا على ذلك؟ فقال:
الجنة في الآخرة وتملكون العرب وتدين لكم العجم في الدنيا وتكونون ملوكا في الجنة فقالوا قد رضينا، فقال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فأشار إليهم جبرئيل فقال:
هذا نقيب، وهذا نقيب، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج أسعد ابن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن
مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت، ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان، وهو من اليمن، وأسيد بن حضير وسعد بن خيثمة، فلما اجتمعوا وبايعوا لرسول الله صاح إبليس يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم، فأسمع أهل منى وهاجت قريش، فأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله النداء فقال للأنصار: تفرقوا، فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أؤمر بذلك. ولم يأذن الله لي في محاربتهم، قالوا:
فتخرج معنا؟ قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح وخرج حمزة وأمير المؤمنين عليهما السلام ومعهما السيف فوقفا على العقبة، فلما نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟ فقال حمزة: ما اجتمعنا وما ههنا أحد، والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ضربته بسيفي فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد، فاجتمعوا في دار الندوة وكان لا يدخل دار الندوة إلا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البواب: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم مني رأي صائب، إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لأشير عليكم، فقال: ادخل، فدخل إبليس فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا، نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة
مرتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع، فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله، فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله، وأن أخبار السماء تأتيه، فسفه أحلامنا وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار، فلم يرد علينا شئ أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا، قالوا: وما رأيت؟
قال رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات، فقال الخبيث: هذا رأي خبيث، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: لان قاتل محمد مقتول لا محالة. فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم، فإنه إذا قتل محمد تعصب بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على وجه الأرض، فيقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا، فقال آخر منهم:
فعندي رأي آخر، قال: وما هو؟ قال: نلقيه في بيت ونلقي إليه قوته حتى يأتيه ريب المنون، فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس، فقال إبليس،: هذا أخبث من الآخر، قال: وكيف ذاك؟ قال: لان بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم، واجتمعوا عليكم فأخرجوه، قال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من بلادنا، ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا، فقال إبليس:
هذا أخبث من الرأيين المتقدمين، قالوا: وكيف؟ قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، وأنطلق الناس لسانا، وأفصحهم لهجة، فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه، فلا يفجأكم إلا وقد ملاها عليكم خيلا ورجلا فبقوا حائرين، ثم قالوا لإبليس: فما الرأي فيه يا شيخ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد،
قالوا: وما هي (1)؟ قال: يجتمع من كل بطن من بطون قريش وقبائل العرب ما أمكن ويكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو - هاشم أن يطلبوا بدمه، وقد شاركوه فيه فان سألوكم أن تعطوهم الدية فأعطوهم ثلاث ديات، فقالوا: نعم وعشر ديات، ثم قال: الرأي رأي الشيخ النجدي، فاجتمعوا فيه ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وآله، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك وأنزل الله عليه في ذلك:
" وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت، فأنزل الله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " فالمكاء: التصفير، والتصدية: صفق اليدين وهذه الآية معطوفة على قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " وقد كتبت بعد آيات كثيرة، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت قريش ليدخلوا عليه، فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل، فإن في الدار صبيانا ونساء، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة، فنحرسه الليلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه، فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمر رسول - الله صلى الله عليه وآله أن يفرش له، ففرش له، فقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: افدني بنفسك، قال: نعم يا رسول الله، قال: نم على فراشي، والتحف ببردتي، فنام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله والتحف ببردته وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم
فهم لا يبصرون " وقال جبرئيل: خذ على طريق ثور، وهو جبل على طريق منى، له سنام كسنام الثور، فدخل الغار، وكان من أمره ما كان، فلما أصبحت قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي عليه السلام في وجوههم، فقال:
ما شأنكم؟ قالوا له: أين محمد؟ قال: أجعلتموني عليه رقيبا؟ ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم، فأقبلوا على أبي لهب يضربونه، ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: هذه قدم محمد، والله لأنها لأخت القدم التي في المقام، وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فرده معه، فقال أبو كرز: وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه، ثم قال: وههنا غير ابن أبي قحافة، فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال: ما جازوا هذا المكان، إما إن يكونوا صعدوا إلى السماء، أو دخلوا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار، ثم قال: ما في الغار أحد، فتفرقوا في الشعاب، وصرفهم الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أذن لنبيه في الهجرة.
بيان: قال الجزري: فيه جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة مثل للعرب
يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع، و قال الجوهري: الندوة والنادي: مجلس القوم ومتحدثهم، ومنه سميت دار الندوة بمكة التي بناها قصي، لأنهم كانوا يندون فيها، أي يجتمعون فيها للمشاورة انتهى والدس: الاخفاء. والدسيس: من تدسه ليأتيك بالاخبار. قوله: وههنا غير ابن أبي قحافة، لعله استفهام إنكاري، أي ليس ههنا أحد يشبه قدمه هذا القدم إلا ابن أبي قحافة، وفي بعض النسخ عبر بالعين المهملة والباء الموحدة كما في (عم) وهو أصوب أي أشار إلى موضع عبوره أو مبدأ لحوقه، وعلى الأول يحتمل أن لا يكون استفهاما إنكاريا، بل يكون إشارة إلى موضع قدم شخص آخر تبعهما إلى الغار ثم رجع كما سيأتي.
9 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام أن قريشا اجتمعت فخرج من كل بطن أناس، ثم انطلقوا إلى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا هم بشيخ قائم على الباب، وإذا ذهبوا إليه ليدخلوا قال: أدخلوني معكم، قالوا: ومن أنت يا شيخ قال: أنا شيخ من مضر، ولي رأي أشير به عليكم، فدخلوا وجلسوا وتشاوروا وهو جالس، وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه، فقال: ليس هذا لكم برأي: إن أخرجتموه أجلب عليكم الناس فقاتلوكم، قالوا: صدقت ما هذا برأي، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يوثقوه، قال: هذا ليس بالرأي إن فعلتم هذا ومحمد رجل حلو اللسان أفسد عليكم أبناء كم وخدمكم، وما ينفعكم أحدكم إذا فارقه أخوه وابنه أو امرأته، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن
يقتلوه، يخرجون من كل بطن منهم بشاهر فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكتفين، ثم قرأ الآية: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " إلى آخر الآية.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن بعض رجاله، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار قال لأبي بكر: كأني أنظر إلى سفينة جعفر في أصحابه يعوم في البحر. وأنظر إلى الأنصار محتبين في أفنيتهم، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال في نفسه:
الآن صدقت أنك ساحر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت الصديق. 11 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن سفيان بن العباس، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، عن محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، عن إبراهيم بن
إسماعيل، عن داود بن حصين، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله، وأتى جبرئيل رسول الله فأخبره الخبر، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله المبيت أمر عليا عليه السلام أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات علي عليه السلام، وتغشى ببرد أخضر حضرمي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ينام فيه، وجعل السيف إلى جنبه، فلما اجتمع أولئك النفر من قريش يطيفون ويرصدونه يريدون قتله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهم جلوس على الباب خمسة وعشرون رجلا، فأخذ حفنة من البطحاء ثم جعل يذرها على رؤوسهم وهو يقرأ " يس والقرآن الحكيم " حتى بلغ " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فقال لهم قائل: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخزيتم قد والله مر بكم، فما منكم رجل إلا وقد جعل على رأسه ترابا، قالوا: والله ما أبصرناه قال: فأنزل الله عز وجل: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ".
12 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن صفوان، عن محفوظ بن بحر، عن الهيثم بن جميل، عن قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن علي بن الحسين عليهما السلام في قول الله عز وجل: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
مرضات الله " قال: نزلت في علي عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله. 13 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن العباس النحوي، عن الخليل ابن أسد، عن سعيد بن أوس قال: كان أبو عمرو بن العلاء إذا قرأ " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " قال: كرم الله عليا عليه السلام فيه نزلت هذه الآية. 14 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن محمد ابن الصباح، عن محمد بن كثير، عن عوف الاعرابي من أهل البصرة، عن الحسن ابن أبي الحسن، عن أنس بن مالك قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار ومعه أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وآله عليا أن ينام على فراشه ويتغشى ببردته، فبات علي عليه السلام موطنا نفسه على القتل، وجاءت رجال قريش من بطونها يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكون أنه محمد فقالوا: أيقظوه ليجد ألم القتل، ويرى السيوف تأخذه، فلما أيقظوه فرأوه عليا تركوه، وتفرقوا في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله عز وجل " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ".
15 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن الحسين بن حفص، عن محمد
ابن عبيد، عن أبي يحيى التيمي، عن عبد الله بن جندب، عن أبي ثابت، عن أبيه، عن مجاهد قال: فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار فقال عبد الله بن شداد بن الهاد : وأين أنت من علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه و هو يرى أنه يقتل؟ فسكتت ولم تحر جوابا.
أقول: سيأتي في باب أحوال إبليس، عن جابر الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور - إلى أن قال: - تصور يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، فأشار عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بما أشار، فأنزل الله تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " الآية.
16 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن الحسين بن عبد الرحمن الأزدي عن أبيه، عن عبد النور بن عبد الله بن المغيرة القرشي، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس قال: بات علي عليه السلام ليلة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المشركين على فراشه ليعمى على قريش، وفيه نزلت هذه: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ".
17 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين، عن إبراهيم العلوي. عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن
عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن جعدة بن هبيرة، عن أمه أم هانئ بنت أبي طالب عليه السلام قالت: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالهجرة وأنام عليا عليه السلام على فراشه وسجاه ببرد حضرمي ثم خرج فإذا وجوه قريش على بابه، فأخذ حفنة من تراب فذرها على رؤوسهم فلم يشعر به أحد منهم ودخل على بيتي، فلما أصبح أقبل علي وقال: أبشري يا أم هانئ فهذا جبرئيل يخبرني أن الله عز وجل قد أنجى عليا عليه السلام من عدوه، قالت: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مع جناح الصبح إلى غار ثور، فكان فيه ثلاثا حتى سكن عنه الطلب، ثم أرسل إلى علي عليه السلام وأمره بأمره وأداء الأمانة. بيان: لعل المراد بجناح الصبح أوله، شبه أول امتداد ظهوره بالجناح المبسوط وفي القاموس جنوح الليل: إقباله، والجناح: اليد، والعضد، والجانب، ونفس الشئ، ومن الدر: نظم يعرض، أو كل ما جعلته في نظام، والكنف، والناحية والطائفة من الشئ انتهى. وربما يناسب بعض تلك المعاني مع تكلف.
18 - أمالي الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي سنة خمسين ومائتين، قال: حدثني الحسن بن حمزة أبو محمد النوفلي قال: حدثني أبي، وخالي يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب، عن يزيد بن سعيد الهاشمي، قال: حدثنيه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه بين القبر والروضة، عن أبيه، و
عبيد الله بن أبي رافع جميعا، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه وأبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله، قال أبو عبيدة: وحدثنيه سنان بن أبي سنان الدئلي، وكان ممن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وآله، فأخبرني سنان بن أبي سنان أن هند بن أبي هند بن أبي هالة الأسيدي، حدثه عن أبيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمه خديجة رضي الله عنه زوج النبي وأخته لامه فاطمة صلوات الله عليها، قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة هند بن أبي هالة، وأبو رافع، وعمار بن ياسر جميعا يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه آله بالمدينة ومبيته قبل ذلك على فراشه قال: وصدر هذا الحديث عن هند بن أبي هالة، واقتصاصه عن الثلاثة: هند، وعمار وأبي رافع، وقد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان الله عز وجل مما يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبي طالب عليه السلام فما يخلص إليه امرؤ بسوء من قومه مدة حياته فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله بغيتها، وأصابته بعظيم من الأذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه وآله: لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم، وصلتك رحم، و جزيت خيرا يا عم، ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر، واجتمع بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله حزنان حتى عرف ذلك فيه، قال هند: ثم انطلق ذوو الطول والشرف من قريش إلى دار الندوة ليرتأوا ويأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله، وأسروا ذلك بينهم، فقال بعضهم: نبني له علما، ونترك فرجا. نستودعه فيه فلا يخلص من الصباة فيه إليه أحد، ولا نزال في رفق من العيش حتى يتضيفه ريب المنون، وصاحب
هذه المشورة العاص بن وائل وأمية وأبي ابنا خلف، فقال قائل: كلا ما هذا لكم برأي، ولئن صنعتم ذلك ليتنمرن له الحدب الحميم، والمولى الحليف، ثم ليأتين المواسم والأشهر الحرم بالأمن، فلينتزعن من أنشوطتكم، قولوا قولكم.
فقال عتبة وشيبة وشركهما أبو سفيان، قالوا: فإنا نرى أن نرحل بعيرا صعبا ونوثق محمدا عليه كتافا، ثم نقطع البعير بأطراف الرماح، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا، فقال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه وطلاقة لسانه فصبأ القوم إليه، واستجابت القبائل له قبيلة فقبيلة فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب والمقانب، فلتهلكن كما هلكت أياد ومن كان قبلكم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.