بحارالانوار · المجلد السادس
باب دخوله الشعب وما جرى بعده إلى
ج ۱۹، ص ۱–۲۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وقال: هذا ظلم، وختموا الصحيفة بأربعين خاتما ختمها كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه، وعلقوها في الكعبة، وتابعهم على ذلك أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج في كل موسم فيدور على قبائل العرب، فيقول لهم: تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم، وثوابكم الجنة على الله، و أبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه، فإنه ابن أخي وهو - كذاب ساحر، فلم يزل هذا حالهم، وبقوا في الشعب أربع سنين، لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، ولا يشترون ولا يبايعون إلا في الموسم، وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة. موسم العمرة في رجب، وموسم الحج في ذي الحجة، فكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون، ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، وأصابهم الجهد وجاعوا، وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمدا حتى نقتله، ونملكك علينا، فقال أبو طالب رضي الله عنه قصيدته اللامية يقول فيها:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الا باطل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونقاتل ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت عنه بالذرى والكواهل فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وشيئا لمن عادى وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الحق ليس بما حل فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه، وكان أبو العاص بن الربيع - وهو ختن رسول الله - يأتي بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب، ثم يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلا " ولما أتى على رسول الله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة وظلم، وتركت " باسمك اللهم " ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله أبا طالب، فقام أبو طالب ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه، فلما أبصروه قالوا: قد ضجر أبو طالب، وجاء الآن ليسلم ابن أخيه، فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا إليه وعظموه وقالوا: قد علمنا يا أبا طالب أنك أردت مواصلتنا، والرجوع إلى جماعتنا، وأن تسلم ابن أخيك إلينا، قال: والله ما جئت لهذا، ولكن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله تعالى أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الأرض فلحست
جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور، وترك اسم الله، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم وإن كان باطلا دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتموه، وإن شئتم استحييتموه، فبعثوا إلى الصحيفة وأنزلوها من الكعبة وعليها أربعون خاتما، فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا " باسمك اللهم " فقال لهم أبو طالب: يا قوم اتقوا الله، وكفوا عما أنتم عليه، فتفرق القوم ولم يتكلم أحد، ورجع أبو طالب إلى الشعب. 2 - إعلام الورى: وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها:
ألا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب وفيها:
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب وأصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب ولا تحسبونا مسلمين محمدا * لذي عزة منا ولا متعزب ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب 3 - قصص الأنبياء: وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم مطعم بن عدي بن عامر بن لوي - وكان شيخا كبيرا كثير المال له أولاد - وأبو البختري بن هشام، وزهير بن أمية المخزومي في رجال من أشرافهم نحن برآء مما في هذه الصحيفة، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وخرج النبي
صلى الله عليه وآله ورهطه من الشعب وخالطوا الناس، ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين، وماتت خديجة رضي الله عنها بعد ذلك، وورد على رسول الله صلى الله عليه وآله أمران عظيمان، وجزع جزعا شديدا، ودخل على أبي طالب وهو يجود بنفسه وقال: يا عم ربيت صغيرا، ونصرت كبيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خير الجزاء أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي. قال ابن عباس: فلما ثقل أبو طالب رئي يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس يسمع قوله، فرفع العباس [عنه] رأسه وقال: يا رسول الله والله قد قال الكلمة التي سألته إياها.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عارض جنازة أبي طالب فقال: وصلت رحما، وجزيت خيرا يا عم. 4 - إعلام الورى: وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب رضي الله عنهما ماتا في عام واحد، وتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وآله المصائب بهلاك خديجة و أبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام، وكان يسكن إليها.
وذكر أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة أن وفاة خديجة كانت بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة. 5 - إعلام الورى: في كتاب دلائل النبوة عن الزهري قال: كان رسول الله يعرض نفسه
على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني بما شاء الله، فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟ فلما توفي أبو طالب اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه فوجد ثلاثة نفر منهم هم ساداة ثقيف يومئذ وهم إخوة: عبد ياليل بن عمرو، وحبيب ابن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط، وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا، والله لئن كنت رسول الله لانت أعظم شرفا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لانت شر من أن أكلمك، وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بين صفيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وقد كانوا أعدوها حتى أدموا رجليه، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبلة، وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، ولما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أي أرض أنت؟ قال: أنا من أهل نينوى، فقال صلى الله عليه وآله:
من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه -: أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره بما أوحى الله إليه
من شأن يونس بن متى خر عداس ساجدا لله وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا وقالا:
لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة.
قال علي بن إبراهيم بن هاشم: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الطائف و أشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرا فقال له: ائت الأخنس بن شريق فقل له: إن محمدا يسألك أن تجيره حتى يطوف ويسعى فإنه معتمر، فأتاه وأدى إليه ما قال رسول الله، فقال الأخنس: إني لست من قريش، وإنما أنا حليف فيهم، والحليف لا يجير على الصميم، وأخاف أن يخفروا جواري فيكون ذلك مسبة، فرجع إلى رسول الله فأخبره، وكان رسول الله في شعب حراء مختفيا مع زيد، فقال له: ائت سهيل ابن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى، فأتاه وأدى إليه قوله، فقال له: لا أفعل، فقال له رسول الله: اذهب إلى مطعم بن عدي فاسأله أن يجيرني حتى أطوف وأسعى، فجاء إليه وأخبره، فقال: أين محمد؟ فكره أن يخبره بموضعه، فقال:
هو قريب، فقال: ائته فقل له: إني قد أجرتك، فتعال وطف واسع ما شئت، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وقال مطعم لولده وأختانه، وأخيه طعيمة بن عدي: خذوا سلاحكم فإني قد أجرت محمدا، وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح وأقبل رسول الله حتى دخل المسجد، ورآه أبو جهل فقال: يا معشر قريش هذا محمد وحده، وقد مات ناصره، فشأنكم به، فقال له: طعيمة بن عدي:
يا عم لا تتكلم فإن أبا وهب قد أجار محمدا، فوقف أبو جهل على مطعم بن عدي فقال: أبا وهب أمجير أم صابئ (1)؟ قال: بل مجير، قال: إذا لا نخفر جوارك، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم فقال:
أبا وهب! قد أجرت وأحسنت، فرد علي جواري، قال: وما عليك أن تقيم في جواري؟ قال: أكره أن أقيم في جوار مشرك أكثر من يوم، قال مطعم: يا معشر قريش إن محمدا قد خرج من جواري.
قال علي بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بقوا فيها دهرا طويلا وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث، وكانت للأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم، فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغل لا نتفرغ لشئ، قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال:
ابن عبد الله بن عبد المطلب من أوسطنا شرفا، وأعظمنا بيتا، وكان أسعد وذكوان و جميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير وقريظة وقينقاع أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنكم به يا معشر العرب فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟ قال:
جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لابد لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضع في اذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله
جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني (2)؟ أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثم أخذ القطن من اذنيه ورمى به، و قال لرسول الله: أنعم صباحا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه وقال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم، فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول - الله، وأدعوكم إلى " أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ".
فلما سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله. وأنك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، ولا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك، والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن يكون دارنا دار هجرتك عندنا، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود يبشرنا به، وتخبرنا
بصفته، فهلم فأسلم، فأسلم ذكوان، ثم قالا: يا رسول الله ابعث معنا رجلا يعلمنا القرآن، ويدعو الناس إلى أمرك، فقال رسول الله لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثا مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، وأمره رسول - الله بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا، فخرجا إلى المدينة و معهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلا على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاسلام فيجيبه الاحداث، وكان عبد الله بن أبي شريفا في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له إكليلا احتاجوا في تمامة إلى واسطة كانوا يطلبونها ، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث، ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس، ولا أعين على الظلم، فرضيت به الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد و ذكوان وفتر أمره، فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الامر تم لنا أمرنا فهلم نأتي محلتهم، فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم، واجتمع إليه قوم من أحداثهم، وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد ابن معاذ، فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني آن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فائته وانهه عن ذلك فجاء أسيد بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب: إن هذا رجل شريف فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتم أمرنا، فاصدق الله فيه، فلما قرب أسيد منهم قال:
يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شباننا، واحذر الأوس على نفسك، فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمرا، فان أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ما تكره، فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الامر؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين، ونشهد الشهادتين، ونصلي ركعتين، فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه ثم قال: اعرض علي، فعرض عليه شهادة " أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " فقالها ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة أنا أبعث إليك الآن خالك، و أحتال عليه في أن يجيئك، فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ فلما نظر إليه سعد قال: اقسم أن أسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، وآتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب " حم * تنزيل من الرحمن الرحيم " فلما سمعها قال مصعب: والله لقد رأينا الاسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين، واغتسل وشهد الشهادتين، وصلى ركعتين، ثم قام وأخذ بيد مصعب و حوله إليه، وقال: أظهر أمرك، ولا تهابن أحدا، ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا أن خرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب، فلما اجتمعوا قال:
كيف حالي عندكم؟ قالوا: أنت سيدنا، والمطاع فينا، ولا نرد لك أمرا، فمرنا بما شئت، فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به، فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه، وقال له: أظهر أمرك، وادع الناس علانية، وشاع الاسلام بالمدينة، وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم، و
ذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأوس والخزرج قد دخلوا في الاسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الاسلام من قريش ضربه قومه وعذبوه، فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة فكانوا يتسللون رجلا فرجلا فيصيرون إلى المدينة، فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم.
قال: فلما قدمت الأوس والخزرج مكة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم:
تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم، وثوابكم على الله الجنة، قالوا:
نعم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما شئت، فقال: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق، فلما حجوا رجعوا إلى منى وكان فيهم ممن قد أسلم بشر كثير، وكان أكثرهم مشركين على دينهم، وعبد الله بن أبي فيهم، فقال لهم رسول الله في اليوم الثاني من أيام التشريق: فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما وليتسلل واحد فواحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نازلا في دار عبد المطلب وحمزة وعلي والعباس معه، فجاءه سبعون رجلا من الأوس والخزرج فدخلوا الدار فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي، وثوابكم على الله الجنة؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام: نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربك. فقال رسول الله: تمنعونني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم؟ قالوا: فما لنا على ذلك؟ قال: الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم، و تكونون ملوكا، فقالوا: قد رضينا، فقام العباس بن نضلة وكان من الأوس فقال:
يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنما تقدمون على حرب الأحمر والأبيض، وعلى حرب ملوك الدنيا فإن علمتم أنه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه: فإن رسول الله وإن كان قومه
خالفوه فهو في عز ومنعة. فقال له عبد الله بن حزام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان: مالك وللكلام؟ يا رسول الله! بل دمنا بدمك، وأنفسنا بنفسك فاشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكفلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فقالوا:
اختر من شئت، فأشار جبرئيل إليهم، فقال: هذا نقيب، وهذا نقيب، وهذا نقيب حتى اختار تسعة من الخزرج، وهم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت، وثلاثة من الأوس وهم أبو الهيثم بن التيهان، وكان رجلا من اليمن، حليفا في بني عمرو بن عوف، وأسيد ابن حضير، وسعد بن خيثمة، فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صاح بهم إبليس:
يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من الأوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح وسمع رسول الله النداء فقال للأنصار: تفرقوا، فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم، فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا، قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعلي بن أبي طالب، فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟ قال: ما اجتمعنا، وما ههنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي، فرجعوا وغدوا إلى عبد الله بن أبي وقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا، فحلف لهم عبد الله أنهم
لم يفعلوا ولا علم له بذلك، وإنهم لم يطلعوه على أمرهم فصدقوه، وتفرقت الأنصار ورجع رسول الله إلى مكة.
بيان: الحبلة بالضم: الكرم، أو أصل من أصوله، ويحرك، والسبة بالضم العار، والمسبة: الذي يسب الناس، وقال الفيروزآبادي: بعاث بالعين وبالغين كغراب ويثلث: موضع بقرب المدينة، ويومه معروف، قوله: إن عهدك بهذا لقريب، لعل المعنى أنك قريب العهد بالتحية التي حييتك بها، فإنها كانت عادة قومك، أو بهذه التحية، أي ابتداءها، فاصدق الله فيه، أي ابذل جهدك في هدايته لتكون صادقا عند الله فيما تدعي من نصرة دينه، وانسل وتسلل: خرج في استخفاء، وقال الجزري: في الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع.
6 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيدة بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما توفي أبو طالب رضي الله عنه نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد اخرج من مكة، فليس لك بها ناصر، وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله، فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه.
7 - مناقب ابن شهرآشوب: توفي أبو طالب بعد نبوته بتسع سنين وثمانية أشهر، وذلك بعد خروجه من الشعب بشهرين، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفي أبو طالب، وتوفيت خديجة بعده بستة أشهر وله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما، ويقال: وهو
ابن سبع وأربعين سنة وستة أشهر وأياما.
أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة: إن وفاة خديجة بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام.
المعرفة: عن النسوي توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة من قبل أن تفرض الصلاة على الموتى، وسمي ذلك العام عام الحزن، ولبث صلى الله عليه وآله بعدهما بمكة ثلاثة أشهر، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فخرج جماعة من أصحابه بأهاليهم، وذلك بعد خمس من نبوته، وكان حصار الشعب وكتابة الصحيفة أربع وسنين، و قيل: ثلاث سنين، وقيل: سنتين، فلما توفي أبو طالب خرج إلى الطائف وأقام فيه شهرا، وكان معه زيد بن الحارث، ثم انصرف إلى مكة، ومكث فيها سنة و ستة أشهر في جوار مطعم بن عدي، وكان يدعو القبائل في المواسم، فكانت بيعة العقبة الأولى بمنى، فبايعه خمسة نفر من الخزرج، وواحد من الأوس في خفية من قومهم، وهم جابر بن عبد الله، وفطنة بن عامر بن حزام، وعوف بن الحارث وحارثة بن ثعلبة، ومرثد بن الأسد، وأبو أمامة ثعلبة بن عمرو، ويقال:
هو أسعد بن زرارة، فلما انصرفوا إلى المدينة وذكروا القصة وقرؤوا القرآن صدقوه، وفي السنة القابلة وهي العقبة الثانية أنفذوا معهم ستة أخرى بالسلام والبيعة، وهم أبو الهيثم بن التيهان، وعبادة بن الصامت، وذكوان بن عبد الله ونافع بن مالك بن العجلان، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة حليف له، ويقال: مسعود بن الحارث، وعويم بن ساعدة حليف لهم ، ثم أنفذ النبي صلى الله عليه وآله
معهم ابن عمه مصعب بن هاشم، فنزل دار أسعد بن زرارة فاجتمعوا عليه وأسلم أكثرهم إلا دار أمية بن زيد وحطمة ووائل وواقف، فإنهم أسلموا بعد بدر وأحد والخندق، وفي السنة القابلة كانت بيعة الحرس كانوا من الأوس والخزرج سبعين رجلا وامرأتين، واختار صلى الله عليه وآله منهم اثني عشر نقيبا ليكونوا كفلاء قومه، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج أسعد وجابر والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام وسعد بن عبادة والمنذر بن قمر وعبد الله بن رواحة و سعد بن الربيع، ومن القوافل عبادة بن الصامت، ومن الأوس أبو الهيثم وأسيد ابن حضير، وسعيد بن خيثمة.
8 - الخرائج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أن قريشا كلهم اجتمعوا وأخرجوا بني هاشم إلى شعب أبي طالب، ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا، ثم أنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم، فلقوا من الجوع و العرى ما الله أعلم به وإن الله قد بعث على صحيفتهم الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي طالب، فما راع قريشا إلا وبني هاشم عنق واحد قد خرجوا من الشعب، فقالوا: الجوع أخرجهم، فجاؤوا حتى أتوا الحجر وجلسوا فيه، وكان لا يقعد فيه صبيان قريش، فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك، قال: قد جئتكم مخبرا ابعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح فيها، فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل، و كانت قبل في الكعبة، فخافوا عليها السراق فوضعت بين أيديهم وخواتيمهم عليها، فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا؟ قالوا: لا، قال: إن ابن أخي حدثني
ولم يكذبني قط أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة فأكلت كل قطيعة وإثم، و تركت كل اسم هو لله فإن كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه، فصاح الناس ": أنصفتنا يا أبا طالب، ففتحت ثم أخرجت فإذا هي مشربة كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وامتقعت وجوه المشركين، فقال أبو طالب:
أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس، ثم رجع أبو طالب إلى شعبه، ثم عيرهم هشام بن عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم.
9 - مناقب ابن شهرآشوب: روى الزهري في قوله تعالى: " ولقد مكناهم " الآيات قال:
لما توفي أبو طالب لم يجد النبي صلى الله عليه وآله ناصرا، ونثروا على رأسه التراب، قال: ما نال مني قريش شيئا حتى مات أبو طالب، وكان يستتر من الرمي بالحجر الذي عند باب البيت من يسار من يدخل، وهو ذراع وشبر في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمران وقالوا: لو كان محمد نبيا لشغلته النبوة عن النساء ولأمكنه جميع الآيات، ولأمكنه منع الموت عن أقاربه، ولما مات أبو طالب وخديجة فنزل: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك " الآية.
الزهري في قوله تعالى: " فإن تولوا فقل حسبي الله " الآية. لما توفي أبو طالب واشتد عليه البلاء عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه سادتها، فلم يقبلوه وتبعه سفهاؤهم بالأحجار، ودموا رجليه، فخلص منهم واستظل في ظل حبلة منه وقال: اللهم إني أشكو إليك من ضعف قوتي، وقلة حيلتي وناصري وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. ثم ذكر حديث عداس كما مر في رواية الطبرسي.
ابن مسعود: لما دخل النبي صلى الله عليه وآله الطائف رأى عتبة وشيبة جالسين على سرير فقالا: هو يقوم قبلنا، فلما قرب النبي منهما خر السرير ووقعا على الأرض فقالا: عجز سحرك عن أهل مكة فأتيت الطائف. 10 - تفسير العياشي: عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة سنين ليس يظهر وعلي معه وخديجة، ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر، فظهر رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب، فإذا أتاهم قالوا: كذاب امض عنا . 11 - أقول: قال الكازروني في المنتقى وغيره: في سنة ثمان من نبوته صلى الله عليه وآله تعاهد قريش وتقاسمت على معاداة رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أنه لما أسلم حمزة وحمى النجاشي من عنده من المسلمين، وحامى رسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبو طالب وقامت بنو هاشم وبنو عبد المطلب دونه وأبوا أن يسلموه فشا الاسلام في القبائل، واجتهد المشركون في إخفاء ذلك النور، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد صلى الله عليه وآله اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، فكتبوا صحيفة في ذلك وكتب فيها جماعة وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم، وزلزلوا زلزالا شديدا، وأبدت قريش لبني عبد المطلب الجفاء وثار بينهم شر وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم، ولا رحم إلا على قتل هذا الصابئ، فعمد أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم، فدخلوا شعب أبي طالب وآذوا النبي والمؤمنين أذيا شديدا، وضربوهم في كل طريق، وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المارة من الأسواق، ونادى مناد الوليد بن المغيرة في قريش: أيما رجل
منهم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه، فبقوا على ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم الجهد الشديد حتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون - أي يصيحون من الجوع من وراء الشعب - وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة حتى أراد رجال أن يبرؤوا منها، وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا أو سرا وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أخذ مضجعه أو رقد جعله أبو طالب بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه، ويصبح قريش وقد سمعوا أصوات صبيان بني هاشم من الليل يتضاغون من الجوع، فيجلسون عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضا فيقول الرجل لأصحابه: كيف بات أهلك البارحة؟ فيقولون: بخير، فيقول: لكن إخوانكم هؤلاء الذين في الشعب باتت صبيانهم يتضاغون من الجوع، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ورهطه، ومنهم من يكره ذلك، فأتى من قريش على ذلك من أمرهم في بني هاشم سنتين أو ثلاثا حتى جهد القوم جهدا شديدا لا يصل إليهم شئ إلا سرا ومستخفى به ممن أراد صلتهم من قريش، حتى روي أن حكيم بن حزام خرج يوما ومعه إنسان يحمل طعاما إلى عمته خديجة بنت خويلد وهي تحت رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، إذ لقيه أبو جهل فقال: تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت ولا طعامك حتى أفضحك عند قريش، فقال له أبو البختري بن هشام بن الحارث: تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده؟ فأبى أبو جهل أن يدعه، فقام إليه أبو البختري بساق بعير فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله وأصحابه فيشمتوا بهم، وحتى روي أن هشام بن عمرو بن ربيعة أدخل على بني هاشم في ليلة ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه فكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشئ يخالفكم، ثم عاد الثانية فأدخل حملا أو حملين ليلا، وصادفته قريش وهموا به، فقال أبو سفيان: دعوه رجل وصل رحمه
أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل بنا، ووفق الله هشاما للاسلام يوم الفتح. قال: وفي سنة عشر من نبوته صلى الله عليه وآله توفي أبو طالب، قال ابن عباس: عارض رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة أبي طالب، فقال: وصلتك رحم، وجزاك الله خيرا يا عم.
وفي هذه السنة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام، ولما مرضت مرضها الذي توفيت فيه دخل عليها رسول الله فقال لها: بالكره مني ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون، قالت: وقد فعل الله ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، قالت: بالرفاء والبنين، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس
وستين، ودفنت بالحجون، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله قبرها ولم يكن يومئذ سنة الجنازة والصلاة عليها، وروي عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير قال: لما توفي أبو طالب وخديجة وكان بينهما شهر وخمسة أيام اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وآله مصيبتان فلزم بيته، وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت، وسب ابن غيطلة النبي صلى الله عليه وآله فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح: يا معشر قريش: صبأ أبو عتبة، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخي أن يصام حتى يمضي لما يريد، قالوا: أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث
رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك أياما يذهب ويأتي لا يتعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إذا جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فاحتالا حتى صرفاه عن نصرته صلى الله عليه وآله. وفي هذه السنة خرج إلى الطائف وإلى ثقيف، عن محمد بن جبير قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة، فأقام بها عشرة أيام، وقيل:
شهرا، فآذوه ورموه بالحجارة، فانصرف إلى مكة، فلما نزل نخلة صرف الله إليه النفر من الجن، وروي أنه لما انصرف من الطائف عمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وقال: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟
إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لكن لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ".
قال: ولما دخل مكة كان يقف بالموسم على القبائل فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وكان خلفه أبو لهب فيقول: لا تطيعوه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله عز وجل فأبوا، وأتى كلبا في منازلهم فلم يقبلوا منه، وأتى بني حنيفة في منازلهم فردوا عليه أقبح رد.
وفي هذه السنة تزوج رسول الله بعائشة وسوده، وكانت عائشة بنت ست سنين حينئذ، وروي لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما علي، فذهبت إلى أبويهما وخطبتهما فقبلا وتزوجهما.
وفي سنة إحدى عشرة من نبوته كان بدء إسلام الأنصار، وذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل فبينا هو على العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج، فقال: من أنتم: فقالوا: من الخزرج، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان أولئك يسمعون من اليهود أنه قد أظل زمان نبي يبعث، فلما كلمهم قال بعضهم لبعض: والله إنه للنبي الذي يعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، وانصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا، وكانوا ستة أنفس:
أسعد بن زرارة، وعون بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، و قطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم دينهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله.
وفي سنة اثنتي عشرة من نبوته كان المعراج، وفي هذه السنة كانت بيعة العقبة الأولى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج عامئذ إلى الموسم، وقد قدم من الأنصار
اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وآله. قال عبادة ابن الصامت: بايعنا رسول الله ليلة العقبة الأولى، ونحن اثنا عشر رجلا أنا أحدهم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن.
وفي سنة ثلاث عشرة كانت بيعة العقبة الثانية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إلى الموسم فلقيه جماعة من الأنصار، فواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق، قال كعب بن مالك: اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمار، وأسماء بنت عمرو بن عدي وهي أم منيع فبايعنا وجعل علينا اثنا عشر نقيبا منا: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج إلى المدينة، فخرجوا أرسالا، وأقام هو بمكة ينتظر أن يؤذن له. بيان: الارسال بالفتح جمع الرسل بالتحريك وهو القطيع من كل شئ، أي زمرا زمرا، ويحتمل الارسال بالكسر وهو الرفق والتوءدة.
12 - من لا يحضره الفقيه: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على خديجة وهي لما بها، فقال لها: بالرغم منا ما نرى بك يا خديجة، فإذا قدمت على ضرائرك فاقرئيهن السلام فقالت: من هن يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون، قالت: بالرفاء يا رسول الله.
بيان: قوله : هي لما بها، اللام ظرفية، أو بمعنى إلى، والمعنى أنها كانت في الاحتضار، قوله صلى الله عليه وآله: بالرغم منا ما نرى بك، قوله: " ما نرى " مبتدأ، وبالرغم خبر، أي ما نرى بك متلبس بالرغم والكراهة منا، والرفاء بالكسر: الاتفاق والالتيام والبركة والنماء.
13 - المصباحين: في السادس والعشرين من شهر رجب كانت وفاة أبي طالب رحمة الله
عليه على قول ابن عياش. 14 - قصص الأنبياء: إن أبا طالب رضي الله عنه توفي في آخر السنة العاشرة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم توفيت خديجة رضي الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، فسمى رسول الله ذلك العام عام الحزن، فقال: ما زالت قريش قاعدة عني حتى مات أبو طالب. 15 - مناقب ابن شهرآشوب: كان النبي صلى الله عليه وآله يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم، فلقي رهطا من الخزرج فقال: ألا تجلسون أحدثكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا إليه فدعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون؟ والله إنه النبي الذي كان يوعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، وعسى أن يجمع الله بينهم بك، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك، وكانوا ستة نفر، قال: فلما قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر فما دار حول إلا وفيها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوا النبي صلى الله عليه وآله فبايعوه على بيعة النساء ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، إلى آخرها، ثم انصرفوا، وبعث معهم مصعب بن عمير يصلي بهم، وكان بينهم بالمدينة يسمى المقرئ فلم يبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار أمية وحطيمة ووائل وهم من الأوس، ثم عاد مصعب إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان في أيام التشريق بالليل، فقال صلى الله عليه وآله: أبايعكم على الاسلام، فقال له بعضهم:
نريد أن تعرفنا يا رسول الله ما لله علينا، وما لك علينا، وما لنا على الله، فقال: أما ما لله عليكم فأن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عض السيف وإن يقتل خياركم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك ما لنا على الله؟ قال: أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوانه والجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعك بما نمنع به ازرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب، و أهل الحلفة، ورثناها كبارا عن كبار، فقال أبو الهيثم: إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم، ثم قال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، فاختاروا، ثم قال: أبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على قومهم بما فيهم، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب هل لكم في محمد والصباة معه؟
قد اجتمعوا على حربكم، ثم نفر الناس من منى، وفشا الخبر فخرجوا في الطلب فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه وربطوه بنسع رحله، وأدخلوه مكة يضربونه، فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحارث ابن حرب بن أمية فأتياه وخلصاه، وكان النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمر إلا بالدعاء والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلما كثر عتوهم امر بالهجرة، فقال صلى الله عليه وآله: إن الله قد جعل لكم دارا وإخوانا تأمنون بها فخرجوا أرسالا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا علي وأبو بكر، فحذرت قريش خروجه، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصي بن
كلاب يتشاورون في أمره وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي برواية الشيخ عن ابن أبي هالة.
بيان: يسمي المقرئ لأنه كان يقرئهم القرآن. وقال الجزري: في حديث بيعة العقبة: لنمنعك مما نمنع منه ازرنا، أي نساءنا، وأهلنا، كني عنهن بالأزر وقيل: أراد أنفسنا، وقد يكنى عن النفس بالأزر، وقال في قوله: والهدم الهدم:
يروى بسكون الدال وفتحها، فالهدم بالتحريك، القبر، يعني أني اقبر حيث تقبرون، وقيل: هو المنزل، أي منزلكم منزلي، وفي الحديث الآخر: المحيى محياكم، والممات مماتكم، أي لا أفارقكم، والهدم بالسكون والفتح أيضا هو إهدار دم القتيل، يقال: دماؤهم بينهم هدم، أي مهدرة، والمعنى إن طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن أهدر دمكم فقد اهدر دمي لاستحكام الألفة بيننا، وهو قول معروف للعرب يقولون: دمي دمك وهدمي هدمك، وذلك عند المعاهدة والنصرة، وقال: في حديث بيعة الأنصار:
نادى الشيطان، يا أصحاب الجباجب، هي، جمع جبجب بالضم، وهو المستوي من الأرض ليس بحزن، وهي ههنا أسماء منازل سميت به، قيل: لان كروش الأضاحي تلقى فيها أيام الحج، والجبجبة الكرش، يجعل فيها اللحم يتزود في الاسفار.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.