بحارالانوار · المجلد السادس
8. باب نوادر الغزوات وجوامعها وما جرى بعد الهجرة إلى غزوة بدر
ج ۱۹، ص ۱۳۳–۱۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
النساء، 4: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا و إن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما * فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة و من يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما * وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا 71 - 76.
وقال تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله، فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليكم سبيلا * ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم و يلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم
جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا 88 - 91.
وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله بما تعملون خبيرا 94.
وقال سبحانه: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا * فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا * ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان اله عليما حكيما 102 - 104.
المائدة: " 5 " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا
حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب 2.
وقال تعالى: ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى 8.
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون 11.
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين 51 - 53.
الأنفال: " 8 " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير 39.
وقال تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون * وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون * وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم * يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين 59 - 66.
التوبة: " 9 " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين * لقد نصركم الله في مواطن كثيرة 23 - 25.
وقال تعالى: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة 36.
وقال سبحانه: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير 73.
وقال تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون * يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين 122 - 123.
الحج " 22 ": إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 38 - 40.
محمد " 47 ": ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم 20 - 22.
إلى قوله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم 35.
الفتح " 48 ": هو الذين أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم و كان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما 4 - 7 إلى قوله تعالى: قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما 16.
إلى قوله سبحانه: فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما * و أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا * ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا 18 - 23.
الحجرات " 49 ": إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون 15.
الحديد " 57 ": لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير 10.
الحشر: " 59 " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير * ما أفاء الله
على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين و ابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب * للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون 6 - 8.
الصف: " 61 " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين * يا أيها الذين أمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين 10 - 14.
التحريم " 66 ": يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم و مأواهم جهنم وبئس المصير 9.
تفسير: " يسألونك " قال الطبرسي رحمه الله: قال المفسرون: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية من المسلمين فأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله، وذلك قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في آخر يوم جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من جمادى و
هو رجب، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو وغنم رزقتموه فلا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا؟ فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه، فغلب على الامر الذين يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه و غنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين والمسلمين، وذلك أول في أصابه المسلمون، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله هذه الآية، فالسائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، وقيل: السائلون أهل الاسلام سألوا ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه " عن الشهر الحرام قتال فيه " بدل اشتمال عن الشهر " قل قتال فيه " أي في الشهر الحرام " كبير " أي ذنب عظيم، ثم استأنف وقال: " وصد عن سبيل الله وكفر به " أي والصد عن سبيل الله والكفر به " والمسجد الحرام " أي والصد عن المسجد الحرام، أو يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، وقيل:
معناه والكفر بالمسجد الحرام " وإخراج أهله " يعني أهل المسجد وهم المسلمون " منه " أي من المسجد " أكبر " أي أعظم وزرا " عند الله " يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة، والظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما وقيل: إن النبي عقل ابن الحضرمي " والفتنة أكبر من القتل " أي الفتنة في الدين وهو الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام يعني قتل ابن الحضرمي " ولا يزالون يقاتلونكم " يعني أهل مكة " حتى يردوكم عن دينكم "
أي يصدوكم عن دين الاسلام ويلجئوكم إلى الارتداد " إن استطاعوا " أي إن قدروا على ذلك.
قوله تعالى: " خذوا حذركم " قال البيضاوي: أي تيقظوا واستعدوا للأعداء، والحذر والحذر كالأثر والأثر، وقيل: ما يحذر به كالحزم، والسلاح " فانفروا " فاخرجوا إلى الجهاد " ثبات " جماعات متفرقين، جمع ثبة " أو انفروا جميعا مجتمعين كركبة واحده " وإن منكم لمن ليبطئن " الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمنين منهم والمنافقين، والمبطئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد، أو يبطئوا غيرهم كما أبطأ ابن أبي ناسا يوم أحد " فإن أصابتكم مصيبة " كقتل وهزيمة " قال " أي المبطئ: " قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا " حاضرا فيصيبني ما أصابهم " ولئن أصابكم فضل من الله " كفتح وغنيمة " ليقولن " أكده تنبيها على فرط تحسرهم " كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وإن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه، أو حال عن الضمير في " ليقولن " أو داخل في المقول، أي يقول المبطئ لمن يثبطه من المنافقين وضعفة المسلمين تطرية وحسدا، كأن لم يكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فاز يا ليتني كنت معهم، وقيل: إنه متصل بالجملة الأولى وهو ضعيف
والمنادى في " يا ليتني " محذوف، أي يا قوم، وقيل: يا أطلق للتنبيه على الاتساع " فأفوز " نصب على جواب التمني " الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة " أي الذين يبيعونها بها، والمعنى إن بطئ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطؤون، والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم " والمستضعفين " عطف على " الله " أي وفي سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو، أو على " السبيل " بحذف المضاف، أي وفي خلاص المستضعفين. ويجوز نصبه على الاختصاص، فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار أعظمها وأخصها " من الرجال والنساء والولدان " بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين أو ضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتحنين، وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ إذا هم الصبيان، وقيل:
المراد به العبيد والإماء وهو جمع وليد. وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: يريد بذلك قوما من المسلمين بقوا بمكة ولم يستطيعوا الهجرة، منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل، وجماعة كانوا يدعون الله أن يخلصهم من أيدي المشركين ويخرجهم من مكة وهم " الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " أي يقولون في دعائهم: ربنا سهل لنا الخروج من هذه القرية يعني مكة التي ظلم
أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم ومنعهم عن الهجرة " واجعل لنا " بألطافك وتأييدك " من لدنك وليا " يلي أمرنا بالكفاية حتى ينقذنا من أيدي الظلمة " واجعل لنا من لدنك نصيرا " ينصرنا على من ظلمنا، فاستجاب سبحانه دعاءهم، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة جعل الله سبحانه نبيه لهم وليا، فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد فجعله لهم نصيرا، وكان ينصف الضعيف من الشديد فأغاثهم الله تعالى، وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك " فقاتلوا أولياء الشيطان " يعني جميع الكفار. وقال في قوله تعالى: فما لكم في المنافقين ": اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة من مكة فأظهروا للمسلمين الاسلام، ثم رجعوا إلى مكة لأنهم استوخموا المدينة فأظهروا الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة، فأراد المسلمون أن يغزوهم، فاختلفوا فقال بعضهم: لا نفعل فإنهم مؤمنون، وقال الآخرون: إنهم مشركون، فأنزل الله فيهم الآية عن مجاهد والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: نزلت في الذين تخلفوا عن أحد وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم " الآية فاختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم فقال فريق منهم: نقتلهم، وقال آخرون: لا نقتلهم، فنزلت الآية عن زيد بن ثابت. " والله أركسهم " أي ردهم إلى حكم الكفار بما أظهروا من الكفر، وقيل:
أهلكهم بكفرهم، وقيل: خذلهم فأقاموا على كفرهم " أتريدون أن تهدوا " أي تحكموا بهداية " من أضل الله " أي من حكم الله بضلاله أو خذله ولم يوفقه " ومن يضلل الله " أي نسبه إلى الضلالة " فلن تجد له سبيلا " أي لن ينفعه أن يحكم غيره بهدايته " ودوا " أي تمنى هؤلاء المنافقين الذين اختلفتم في أمرهم " لو تكفرون " أنتم بالله ورسوله " كما كفروا فتكونون سواء " في الكفر " فلا تتخذوا منهم أولياء " أي فلا تستنصروهم ولا تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الأمور " حتى يهاجروا "
أي يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها " في سبيل الله " أي في ابتغاء دينه " فإن تولوا " عن الهجرة " فخذوهم " أيها المؤمنون " واقتلوهم حيث وجدتموهم " من أرض الله من الحل والحرم " ولا تتخذوا منهم وليا " أي خليلا " ولا نصيرا " ينصركم على أعدائكم " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا من وصل من هؤلاء إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد فدخلوا فيهم بالحلف والجوار، فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم، واختلف في هؤلاء، فالمروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنه قال المراد بقوله: " قوم بينكم وبينهم ميثاق " هو هلال بن عويم السلمي، واثق عن قومه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال في موادعته: علي أن لا تحيف يا محمد من أتانا، ولا نحيف من أتاك، فنهى الله سبحانه أن يعرض لاحد عهد إليهم ، وبه قال السدي وابن زيد، وقيل: هم بنو مدلج، وكان سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد أحد، فقال: أنشدك الله والنعمة، وأخذ منه ميثاقا أن لا يغزو قومه، فإن أسلم قريش أسلموا، لأنهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، ففيهم نزل هذا، ذكره عمر بن شيبة، ثم استثنى لهم حالة أخرى فقال: " أو جاؤكم حصرت صدورهم " أي ضاقت قلوبهم من " أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " فلا عليكم ولا عليهم وإنما عنى به أشجع فإنهم قدموا المدينة في
سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فأخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله أحمال التمر ضيافة، و قال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة، وقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: لقرب دارنا منك، وكرهنا حربك وحرب قومنا - يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد - لقلتنا فيهم فجئنا لنوادعك، فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم، فرجعوا إلى بلادهم، فذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، فأمر الله سبحانه المسلمين أن لا يتعرضوا لهؤلاء " ولو شاء الله لسلطهم عليكم " بتقوية قلوبهم فيجترؤون على قتالكم " فلقاتلوكم " أي لو فعل ذلك لقاتلوكم " فإن اعتزلوكم " يعني هؤلاء الذين امر بالكف عن قتالهم بدخولهم في عهدكم أو بمصيرهم إليكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم.
" فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم " يعني صالحوكم واستسلموا لكم " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " يعني إذا سالموكم فلا سبيل لكم إلى نفوسهم و أموالهم.
قال الحسن وعكرمة: نسخت هذه الآية والتي بعدها والآيتان في سورة الممتحنة: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " إلى قوله: " الظالمون " الآيات الأربع بقوله: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " الآية.
" ستجدون آخرين " اختلف فيمن عني بهذه الآية، فقيل: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله فيسلمون رئاء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله صلى الله عليه وآله فأبى الله ذلك عليهم، عن ابن
عباس ومجاهد، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وآله وبين المشركين عن السدي، وقيل: نزلت في أسد وغطفان عن مقاتل، وقيل: نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، وذلك أنهم أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الأحمق المطاع في قومه، وهو المروي عن الصادق عليه السلام.
" يريدون أن يأمنوكم " فيظهرون الاسلام " ويأمنوا قومهم " فيظهرون لهم الموافقة لهم في دينهم " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها " المراد بالفتنة هنا الشرك والاركاس: الرد، أي كلما دعوا إلى الكفر أجابوا ورجعوا إليه " فإن لم يعتزلوكم " أيها المؤمنون، أي فإن لم يعتزل قتالكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم " ويلقوا إليكم السلم " أي لم يستسلموا لكم ولم يصالحوكم ولم " يكفوا أيديهم " عن قتالكم " فخذوهم " أي فأسروهم " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " أي وجدتموهم " سلطانا مبينا " أي حجة ظاهرة، وقيل عذرا بينا في القتال. وفي قوله تعالى: " إذا ضربتم في سبيل الله " قيل: نزلت في أسامة بن زيد و أصحابه بعثهم النبي صلى الله عليه وآله سرية فلقوا رجلا قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فبدر إليه أسامة فقتله، واستاقوا غنمه عن السدي، وروي عن ابن عباس وقتادة أنه لما نزلت الآية حلف أسامة أن لا يقتل رجلا قال: لا إله إلا الله، وبهذا اعتذر إلى علي عليه السلام
لما تخلف عنه، وإن كان عذره غير مقبول لوجوب طاعة الامام، وقيل: نزلت في محلم بن خثامة الليثي، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وآله في سرية فلقيه عامر بن الأضبط الأشجعي، فحياه بتحية الاسلام، وكان بينهما أخية فرماه بسهم فقتله، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله جلس بين يديه وسأله أن يستغفر له، فقال صلى الله عليه وآله لا غفر الله لك، فانصرف باكيا، فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك ودفن فلفظته الأرض، فقال صلى الله عليه وآله لما أخبر به: إن الأرض يقبل من هو شر من محلم صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين صدفي الجبل وألقوا عليه الحجارة، ونزلت الآية، عن الواقدي ومحمد بن إسحاق رواية عن ابن عمر وابن مسعود، وقيل: كان صاحب السرية المقداد، عن ابن جبير، وقيل: أبو الدرداء عن ابن زيد " إذا ضربتم في سبيل الله " أي سرتم وسافرتم للغزو والجهاد " فتبينوا " أي ميزوا بين الكافر والمؤمن - وبالثاء والتاء - توقفوا وتأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم " أي حياكم بتحية أهل الاسلام أو من
استسلم لكم فلم يقاتلكم مظهرا أنه من أهل ملتكم " لست مؤمنا " أي ليس لايمانك حقيقة، وإنما أسلمت خوفا من القتل أو لست بآمن " تبتغون " أي تطلبون " عرض الحياة الدنيا " يعني الغنيمة والمال " فعند الله مغانم كثيرة " أي في مقدوره تعالى فواضل ونعم ورزق إن أطعتموه فيما أمركم به، وقيل: معناه ثواب كثير.
لمن ترك قتل المؤمن.
" كذلك كنتم من قبل " اختلف في معناه، فقيل: كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم، وقيل: كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله، كذلك كنتم كفارا فهداكم الله.
وقال البيضاوي: أي أول ما دخلتم في الاسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة، فحصنتم بها دماءكم وأموالكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم " فمن الله عليكم " بالاشتهار بالايمان والاستقامة في الدين " فتبينوا " وافعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل الله بكم.
أقول: سيأتي تفسير آية الصلاة في غزوة ذات الرقاع.
قوله: تعالى: " شعائر الله " قيل: مناسك الحج، وقيل: دين الله، وقيل:
فرائضه " ولا الشهر الحرام " بالقتال فيه أو بالنسئ " ولا الهدي " ما أهدي إلى الكعبة " ولا القلائد " أي ذوات القلائد من الهدي، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنه أشرف الهدي، أو القلائد أنفسها، والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي " والقلائد " جمع قلادة وهو ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر وغيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له " ولا آمين البيت الحرام "
بالقتال قاصدين لزيارته " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " أي أن يثيبهم ويرضى عنهم " ولا يجرمنكم " أي ولا يحملنكم. أو لا يكسبنكم " شنئان قوم " أي شدة بغضهم وعداوتهم " أن صدوكم عن المسجد الحرام " لان صدوكم عام الحديبية " أن تعتدوا " بالانتقام، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم " وتعاونوا على البر والتقوى " على العفو والاغضاء ومتابعة الامر مجانبة الهوى " ولا تعاونوا على الاثم و العدوان " للتشفي والانتقام.
وقال الطبرسي رحمه الله: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم، وقال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو؟
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أجابه النبي صلى الله عليه وآله قال: أنظرني لعلي أسلم ولي من أشاوره فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر " فمر بسرح من سروح المدينة فساقه انطلق به وهو يرتجز ويقول:
تدلفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية: " ولا آمين البيت الحرام " وهو قول عكرمة وابن جريح وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين، يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
بيان : يقال: دلفت الكتيبة في الحرب: تقدمت، يقال: دلفناهم، قوله:
بسواق أي بحاد يحدوا بالإبل يسوقهن بحدائه، والحطم بضم الحاء وفتح الطاء من صيغ المبالغة من الحطم بمعنى الكسر، والوضم: الخشبة، والبادية التي يوضع عليها اللحم، وقال الجوهري: الزلم بالتحريك: القدح، قال الشاعر:
بات يقاسيها غلام كالزم * ليس براعي إبل ولا غنم قوله: خدلج الساقين بتشديد اللام: أي عظيمهما.
قوله تعالى: " إذ هم قوم " قد مر سبب نزولها في باب معجزاته صلى الله عليه وآله في كفاية شر الأعداء.
قوله: " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في سبب نزوله، وإن كان حكمه عاما لجميع المؤمنين، فقال عطية بن سعد العوفي والزهري: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن ضيف: أعزكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أردنا أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا، فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله صلى الله عليه وأله فقال: يا رسول - الله إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قوية أنفسهم، شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، ولا مولى إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الجناب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة ابن
الصامت فهو لك دونه، فقال: إذا أقبل، فأنزل الله الآية، وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا، وقال آخر: أنا ألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام وآخذ منه أمانا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح، والمعنى لا تعتمدوا على الانتصار منهم بهم " بعضهم أولياء بعض " في العون والنصرة " ومن يتولهم منكم " أي استنصر بهم " فإنه منهم " أي هو كافر مثلهم " في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق، يعني ابن أبي " يسارعون فيهم " أي في موالاة اليهود، وقيل: موالاة اليهود ونصارى نجران، لأنهم كانوا يميرونهم " دائرة " أي دوله تدور لأعداء المسلمين على المسلمين، فنحتاج إلى نصرتهم، وقيل: معناه نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، يعنون الجدب فلا يميروننا " فعسى الله أن يأتي بالفتح " يعني فتح مكة، وقيل: يفتح بلاد المشركين " أو أمر من عنده " فيه إعزاز المسلمين وظهور الاسلام، وقيل: إظهار نفاق المنافقين مع الامر بقتالهم، أو موت هذا المنافق، أو القتل والسبي لبني قريضة والاجلاء لبني النضير " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم " من نفاقهم وولايتهم اليهود ودس الاخبار إليهم " نادمين * ويقول الذين آمنوا " أي صدقوا الله ورسوله ظاهرا وباطنا تعجبا من نفاق المنافقين: " أهؤلاء الذين أقسموا بالله " حلفوا به " جهد أيمانهم " بأغلظ الايمان وأوكدها " إنهم لمعكم " أي إنهم مؤمنون ومعكم في معاونتكم " حتى لا تكون فتنة " أي شرك.
وقال رحمه الله في قوله: " ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ": أي لا تحسبن يا محمد أعداءك الكافرين قد سبقوا أمر الله وأعجزوه، وأنهم قد فاتوك، فإن الله سبحانه يظفرك بهم كما وعدك " إنهم لا يعجزون " أي لا يعجزون الله ولا يفوتونه حتى لا
يثقفنهم يوم القيامة أو لا يعجزونك " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " هذا أمر منه سبحانه بأن يعدوا السلاح قبل لقاء العدو، روي أن القوة الرمي، وقيل:
إنها اتفاق الكلمة والثقة بالله تعالى والرغبة في ثوابه، وقيل: الحصون " ومن رباط الخيل " أي ربطها واقتنائها للغزو " ترهبون به " أي تخيفون بما تعدونه لهم " عدو الله وعدوكم " يعني مشركي مكة وكفار العرب " وآخرين من دونهم " أي وترهبون كفارا آخرين دون هؤلاء، واختلفوا في الآخرين فقيل: إنهم بنو قريظة وقيل: هم أهل فارس، وقيل: هم المنافقون لا يعلم المسلمون، أنهم أعداؤهم وهم أعداؤهم " لا تعلمونهم " أي لا تعرفونهم لأنهم يصلون ويصومون، ويقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ، ويختلطون بالمؤمنين " الله يعلمهم " أي يعرفهم لأنه المطلع على الاسرار، وقيل: هم الجن " وما تنفقوا من شئ في سبيل الله " أي في الجهاد، وفي طاعة الله " يوف إليكم " أي يوفر عليكم ثوابه في الآخرة " وأنتم لا تظلمون " أي لا تنقصون شيئا منه " وإن جنحوا للسلم " أي مالوا إلى الصلح وترك الحرب " فاجنح لها " أي مل إليها، " وتوكل على الله " أي فوض أمرك إلى الله " إنه هو السميع العليم " لا تخفى عليه خافية، وقيل: إنها منسوخة بقوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقيل: إنها ليست بمنسوخة لأنها في الموادعة لأهل الكتاب والأخرى لعباد الأوثان " وإن يريدوا " أي الذين يطلبون منك الصلح " أن يخدعوك " بأن تكفوا عن القتال حتى يقووا فيبدأوكم بالقتال من غير استعداد منكم " فإن حسبك الله " أي فإن الذي يتولى كفايتك الله " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " أي قواك بالنصر من عنده وبالمؤمنين الذين ينصرونك " وألف بين قلوبهم " وأراد بالمؤمنين الأنصار، وهم الأوس والخزرج عن أبي جعفر عليه السلام والسدي وأكثر المفسرين وأراد بتأليف القلوب ما كان بين الأوس والخزرج من المعاداة والقتال، فإنه لم يكن
حيان من العرب بينهما من العداوة مثل ما كان بين هذين الحيين فألف الله قلوبهم حتى صاروا متوادين متحابين ببركة نبينا صلى الله عليه وآله وقيل: أراد كل متحابين في الله " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم " أي لم يمكنك جمع قلوبهم على الألفة " ولكن الله ألف بينهم " بأن لطف لهم بحسن تدبيره وبالاسلام الذي هداهم إليه " إنه عزيز حيكم " لا يمتنع عليه شئ يريد فعله، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة قال الزجاج: وهذا من الآيات العظام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلة، فألف الايمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، فأعلم الله سبحانه أن هذا ما تولاه منهم إلا هو " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " أي كافيك الله ويكفيك متبعوك من المؤمنين، وقال الحسن معناه الله حسبك وحسب من اتبعك، أي يكفيك و يكفيهم قال الكلبي نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال " أي رغبهم فيه " إن يكن منكم عشرون صابرون " على القتال " يغلبوا مائتين " من العدو " وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا " اللفظ خبر والمراد به الامر " بأنهم قوم لا يفقهون " أي ذلك النصر من الله تعالى لكم على الكفار والخذلان للكفار بأنكم تفقهون أمر الله، وتصدقونه فيما وعدكم من الثواب فيدعو كم ذلك إلى الصبر على القتال والجد فيه والكفار لا يفقهون أمر الله ولا يصدقونه، ولما علم الله تعالى أن ذلك يشق عليهم تغيرت المصلحة في ذلك فقال: " الآن خفف الله عنكم " الحكم في الجهاد " وعلم أن فيكم ضعفا " أراد به ضعف البصيرة والعزيمة، ولم يرد ضعف البدن " فإن يكن منكم مائة صابرة " على القتال " يغلبوا مائتين " من العدو " وإن يكن منكم ألف صابرة " يغلبوا ألفين بإذن الله " أي بعلم الله أو بأمره " والله مع الصابرين " أي معونة الله معهم.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء " هذا في أمر الدين، فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم ومعاشرتهم لقوله سبحانه: " و صاحبهما في الدنيا معروفا " وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي صلى الله عليه وآله لما أراد فتح مكة، وقال ابن عباس: لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالهجرة وأرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم، فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب وإذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى " إن استحبوا الكفر على الايمان " أي اختاروه عليه " ومن يتولهم منكم " فترك طاعة الله لأجلهم وأطلعهم على أسرار المسلمين " فأولئك هم الظالمون " لنفوسهم والباخسون حقها من الثواب " قل " يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة: " إن كان آباؤكم " إلى قوله: " وعشيرتكم " أي أقاربكم " وأموال اقترفتموها " أي اكتسبتموها " وتجارة تخشون كسادها " أي أن تكسد إذا شغلتم بطاعة الله والجهاد " ومساكن ترضونها " أي يعجبكم المقام فيها " أحب إليكم " أي آثر في نفوسكم " من الله ورسوله " أي من طاعتهما " وجهاد في سبيله فتربصوا " أي انتظروا " حتى يأتي الله بأمره " أي بحكمه فيكم. وقيل: بعقوبتكم إما عاجلا أو آجلا " في مواطن كثيرة " ورد عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إنها كانت ثمانين موطنا. " وقاتلوا المشركين كافة " أي قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين، بأن يكون حالا عن المسلمين، ويجوز أن يكون حالا عن المشركين.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " جاهد الكفار " بالسيف والقتال " والمنافقين " باللسان والوعظ والتخويف، أو بإقامة الحدود، وروي في قراءة أهل البيت عليهم السلام
" جاهد الكفار بالمنافقين " قالوا: لان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يقاتل المنافقين، و إنما كان يتألفهم، ولان المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الايمان " واغلظ عليهم " وأسمعهم الكلام الغليظ الشديد. وفي قوله تعالى: " وما كان المؤمنون " قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذرون، فلما أنزل الله عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزاة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وآله ولا سرية أبدا، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالسرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعا و تركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وحده فنزلت الآية عن ابن عباس في رواية الكلبي، وقيل إنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا وخصبا، ودعوا من وجدوا من الناس على الهدى، فقال الناس: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله، فأنزل الله هذه الآية عن مجاهد " لينفروا كافة " هذا نفي معناه النهي، أي ليس للمؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد بأجمعهم، و يتركوا النبي صلى الله عليه وآله فريدا، وقيل: معناه ليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي صلى الله عليه وآله ليتعلموا الدين ويضيعوا من وراءهم ويخلوا دياهم " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " فيه وجوه: أحدها فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبي صلى الله عليه وآله جماعة ليتفقهوا في الدين، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والاحكام، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم القرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم: إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا، وقد تعلمناه فيتعلمه السرايا، فذلك قوله:
" ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم " أي وليعلموهم القرآن ويخوفوهم به إذا رجعوا إليهم " لعلهم يحذرون " فلا يعملون بخلافه، وقال الباقر عليه السلام: كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة، وتقيم طائفة للتفقه، وأن يكون الغزو نوبا.
وثانيها: أن التفقه والانذار يرجعان إلى الفرقة النافرة، وحثها الله على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها، معنى " ليتفقهوا في الدين ": ليتبصروا و يتيقنوا بما يريهم الله عز وجل من الظهور على المشركين ونصرة الدين " ولينذروا قومهم " من الكفار " إذا رجعوا إليهم " من الجهاد فيخبرونهم بنصر الله النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين " لعلهم يحذرون " أن يقاتلوا النبي صلى الله عليه وآله فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار.
وثالثها: أن التفقه راجع إلى النافرة، والتقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي صلى الله عليه وآله ويخلوا ديارهم، ولكن لينفر إليه من كل ناحية طائفة ليسمع كلامه، ويتعلم الدين منه، ثم ترجع إلى قومها فيبين لهم ذلك وينذرهم عن الجبائي، قال: والمراد بالنفر هنا الخروج لطلب العلم " الذين يلونكم " أي من قرب منكم " من الكفار " الأقرب منهم فالأقرب في النسب والدار. قال الحسن:
كان هذا قبل الامر بقتال المشركين كافة، وقال غيره: هذا الحكم قائم الآن، لأنه لا ينبغي لأهل بلد أن يخرجوا إلى قتال الابعد، ويدعوا الأقرب والأدنى، لان ذلك يؤدي إلى الضرر، وربما يمنعهم ذلك عن المضي في وجهتهم إلا أن تكون بينهم وبين الأقرب موادعة فلا بأس حينئذ بمجاوزة الأقرب إلى الابعد " وليجدوا فيكم غلظة " أي شجاعة أو شدة أو صبرا على الجهاد. قوله تعالى: " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " قال البيضاوي: أي غائلة
المشركين " إن الله لا يحب كل خوان " في أمانة الله " كفور " كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم " أذن " رخص " للذين يقاتلون " المشركين، والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي للذين يقاتلونهم المشركون " بأنهم ظلموا " بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر فأنزلت، وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية " وإن الله على نصرهم لقدير " وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم " الذين أخرجوا من ديارهم " يعني مكة " بغير حق " بغير موجب استحقوا به " إلا أن يقولوا ربنا الله " على طريقة قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب وقيل: منقطع.
" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين " لهدمت " لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل " صوامع " صوامع الرهبانية " وبيع " وبيع النصارى " وصلوات " وكنائس اليهود، وسميت بها لأنها يصلى فيها، وقيل: أصله صلوتا بالعبرانية فعربت " ومساجد " ومساجد المسلمين
" يذكر فيها اسم الله كثيرا " صفة للأربع أو المساجد خصت بها تفضيلا " ولينصرن الله من ينصره " أي ينصر دينه، وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم " إن الله لقوي " على نصرهم " عزيز " لا يمانعه شئ.
وقال في قوله تعالى: " لولا أنزلت سورة " أي هلا نزلت سورة في أمر الجهاد؟
" فإذا أنزلت سورة محكمة " مبينة لا تشابه فيها " وذكر فيها القتال " أي الامر به " رأيت الذين في قلوبهم مرض " ضعف في الدين، وقيل: نفاق " ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت " جبنا ومخافة " فأولى لهم " فويل لهم أفعل من الولي وهو القرب أو فعلى من آل، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤول إليه أمرهم " طاعة و قول معروف " استيناف، أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، أو حكاية قولهم لقراءة أبي: " يقولون طاعة "؟
" فإذا عزم الامر " أي جد وهو لأصحاب الامر وإسناده إليه مجاز " فلو صدقوا الله " أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الايمان " لكان " الصدق " خيرا لهم * فهل عسيتم " فهل يتوقع منكم " إن توليتم " أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو أعرضتم وتوليتم عن الاسلام " أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " تناجزا على الولاية وتجاذبا لها " فلا تهنوا " فلا تضعفوا " وتدعوا إلى السلم " ولا
تدعوا إلى الصلح تذللا، ويجوز نصبه بإضمار أن " وأنتم الأعلون " الأغلبون " والله معكم " ناصركم " ولن يتركم أعمالكم " ولن يضيع أعمالكم، من وترت الرجل: إذا قتلت متعلقا له من قريب أو حميم، فأفردته عنه من الوتر، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه.
وفي قوله تعالى: " هو الذي أنزل السكينة " الثبات والطمأنينة " في قلوب المؤمنين " حتى يثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الاقدام " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول ليزدادوا إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالله وباليوم الآخر " ولله جنود السماوات والأرض " يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم أخرى كما تقتضيه حكمته " الظانين بالله ظن السوء " الامر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين " عليهم دائرة السوء " دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم. وقال الطبرسي: " ولله جنود السماوات والأرض " يعني الملائكة والجن و الانس والشياطين، والمعنى لو شاء لأعانكم بهم. وفيه بيان أنه لو شاء لأهلك المشركين ، لكنه عالم بهم وبما يخرج من أصلابهم، فأمهلهم لعلمه وحكمته، ولم يأمر بالقتال عن عجز واحتياج، لكن ليعرض المجاهدين لجزيل الثواب " قل للمخلفين " الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى الحديبية " من الاعراب ستدعون " فيما بعد " إلى قوم أولي بأس شديد " وهم هوازن وحنين، وقيل: هوازن وثقيف، و قيل: بنو حنيفة مع مسيلمة، وقيل: أهل فارس، وقيل الروم، وقيل: هم أهل صفين أصحاب معاوية " تقاتلونهم أو يسلمون " معناه إن أحد الامرين لابد أن يقع لا محالة، و تقديره أو هم يسلمون، أي يقرون بالاسلام ويقبلونه، وقيل: ينقادون لكم " فإن
تطيعوا " أي في قتالهم " كما توليتم من قبل " أي عن الخروج إلى الحديبية " و أثابهم فتحا قريبا " يعني فتح خيبر، وقيل: فتح مكة " ومغانم كثيرة يأخذونها " يعني غنائم خيبر، وقيل: غنائم هوازن " وعدكم الله مغانم كثيرة " مع النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده إلى يوم القيامة " فعجل لكم هذه " يعني غنيمة خيبر " وكف أيدي الناس عنكم " وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فكف الله أيديهم عنهم بالقاء الرعب في قلوبهم، وقيل: إن مالك بن عوف وعيينة بن حصين مع بني أسد وغطفان جاؤوا لنصرة اليهود من خيبر فقذف الله الرعب في قلوبهم وانصرفوا " ولتكون " الغنيمة التي عجلها لهم " آية للمؤمنين " على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها، فوقع المخبر على وفق الخبر " ويهديكم صراطا مستقيما " أي ويزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وآله وما جاء به مما ترون من عدة الله في القرآن بالفتح و الغنيمة " وأخرى لم تقدروا عليها " أي وعدكم الله مغانم أخرى لم تقدروا عليها بعد أو قرية أخرى وهي مكة، وقيل: ما هي ما فتح الله على المسلمين بعد ذلك إلى اليوم، وقيل: إن المراد بها فارس والروم " قد أحاط الله بها " أي قدرة أو علما " ولو قاتلكم الذين كفروا " من قريش يوم الحديبية " لولوا الادبار " منهزمين وقيل:
الذين كفروا من أسد وغطفان اللذين أرادوا نهب ذراري المسلمين " سنة الله " أي هذه سنتي في أهل طاعتي وأهل معصيتي، أنصر أوليائي وأخذل أعدائي. " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل " لان القتال قبل الفتح كان أشد، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمس.
وفي قوله تعالى: " وما أفاء الله على رسوله " قال ابن عباس: نزل قوله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " في أموال كفار أهل القرى وهم قريظة وبنو النضير وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة
وينبع، جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وآله يحكم فيها ما أراد، وأخبر أنها كلها له، فقال أناس:
فهلا قسمها فنزلت الآية، وقيل: إن الآية الأولى بيان أموال بني النضير خاصة لقوله: " وما أفاء الله على رسوله منهم " والآية الثانية بيان الأموال التي أصيبت بغير قتال، وقيل: إنهما واحد، والآية الثانية بيان قسم المال الذي ذكره الله في الآية الأولى، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بني النضير: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولا يقسم لكم شئ من الغنيمة، فقال لهم الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت " و يؤثرون على أنفسهم " الآية " منهم " أي من اليهود الذين أجلاهم " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " من الوجيف: سرعة السير، أي لم تسيروا إليها على خيل ولا إبل، والركاب: الإبل التي تحمل القوم " ولكن الله يسلط رسله على من يشاء " أي يمكنهم من عدوهم من غير قتال بأن يقذف الرعب في قلوبهم، جعل الله أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وآله خاصة، يفعل بها ما يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن صمة " من أهل القرى " أي من أموال كفار أهل القرى " فلله " يأمر فيه بما أحب " وللرسول " بتمليك الله إياه " ولذي القربى " يعني أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابته وهم بنو هاشم " واليتامى والمساكين وابن السبيل " منهم " كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم " الدولة: الشئ الذي يتداوله القوم بينهم، أي لئلا يكون الفئ متداولا بين الرؤساء منكم، يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية " وما آتاكم الرسول فخذوه " أي ما أعطاكم من الفئ فارضوا به، وما أمركم به فافعلوه، قال الزجاج: ثم بين سبحانه من المساكين الذين لهم الحق؟ فقال: " للفقراء المهاجرين " ثم ثنى سبحانه بوصف الأنصار ومدحهم حتى طابت أنفسهم عن الفئ فقال: " والذين تبوؤا الدار والايمان " الآية.
" وأخرى تحبونها " أي وتجارة أخرى، أو خصلة أخرى تحبونها عاجلا مع ثواب الآجل " نصر من الله " أي على قريش " وفتح قريب " أي فتح مكة، و قيل: فتح فارس والروم وسائر فتوح الاسلام على العموم. وقال في قوله تعالى: " جاهد الكفار والمنافقين " روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قرأ " جاهد الكفار بالمنافقين " وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم. 1 - الكافي: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شعارنا يا محمد يا محمد، وشعارنا يوم بدر يا نصر الله اقترب اقترب وشعار المسلمين يوم أحد يا نصر الله اقترب، ويوم بني النضير يا روح القدس أرح، و يوم بني قينقاع يا ربنا لا يغلبنك، ويوم الطائف يا رضوان، وشعار يوم حنين يا بني عبد الله يا بني عبد الله، ويوم الأحزاب حم لا ينصرون ويوم بني قريظة يا سلام أسلمهم، ويوم المريسيع وهو يوم بنى المصطلق ألا إلى الله الامر، ويوم الحديبية ألا لعنة الله على الظالمين، ويوم خيبر يوم القموص يا علي ائتهم من عل، ويوم الفتح نحن عباد الله حقا حقا، ويوم تبوك يا أحد يا صمد، ويوم بني الملوح أمت أمت، ويوم صفين يا نصر الله، وشعار الحسين عليه السلام يا محمد، وشعارنا يا محمد. بيان: الشعار ككتاب: العلامة في الحرب، وقال الجزري: في حديث الجهاد " إذا ثبتم فقولوا: " حم لا ينصرون " قيل: معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر لا الدعاء لأنه لو كان دعاء لقال: " لا ينصروا " مجزوما، فكأنه قال: والله
لا ينصرون، وقيل: إن السور التي أولها حم سور لها شأن، فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: لا ينصرون كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا: حم، قيل: ما ذا يكون إذا قلناها؟ فقال: لا ينصرون، وقال:
وفيه كان شعارنا يا منصور أمت، وهو أمر بالموت، والمراد به التفأل بالنصر بعد الامر بالإماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل انتهى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.