پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 15 عصمته وتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك

ج ۱۷، ص ۶۲–۹۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

الثالث: أنه تعالى ذكر الاثبات وأراد النفي كقوله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا " أي لا تضلوا، كما يذكر النفي ويريد به الاثبات كقوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم أن لا تشركوا به " والمعنى أن تشركوا، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن، أو في الصلاة بناء على التأويل، ولكن الأصل في الدين أن

لا نجوز عليهم شيئا من ذلك، لان الله تعالى قد نصبهم حجة، واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في النفر أعظم من الأمور التي جنبه الله تعالى كنحو الكتابة والفظاظة وقول الشعر، فهذه الوجوه المذكورة في قوله: تلك الغرانيق العلى، وقد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة، أما إذا فسرناها بالخاطر وتمني القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل، ويدعوه إلى ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه:

أحدها: أنه ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم، قالوا: إنه صلى الله عليه وآله كان يحب أن يتألفهم، وكان يتردد ذلك في نفسه، فعند ما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه، وهذا أيضا خروج عن الدين وبيانه ما تقدم.

وثانيها: ما قال مجاهد من أنه صلى الله عليه وآله كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها.

وثالثها: يحتمل أنه صلى الله عليه وآله عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إذا كان محتملا فيلقي الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالابطال ويحكم ما أراده بأدلته وآياته.

ورابعها: معنى الآية إذا تمنى أراد فعلا تقربا إلى الله ألقى الشيطان في ذكره

ما يخالفه، فيرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " وكقوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله " ومن الناس من قال: لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب، لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وآله فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله:

" ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ".

والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به، فحصل به السهو في الافعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار انتهى كلامه.

وقال السيد المرتضى قدس الله الله روحه في التنزيه بعد نقل بعض الروايات السابقة:

قلنا: أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوا بها، وليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين: إما أن يريد بالتمني التلاوة كما قال حسان، أو تمني القلب، فإن أراد التلاوة كان المراد أن من ارسل قبلك من الرسل كان إذا تلاما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم عليه السلام، فأضاف ذلك إلى الشيطان، لأنه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين أن الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حججه وينسخه، ويحسم مادة الشبهة به، وإنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلى الله عليه وآله، لما كذب المشركون عليه، وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها، وإن كان المراد تمني القلب فالوجه في الآية أن الشيطان - متى تمنى بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور - يوسوس إليه بالباطل، ويحدثه

بالمعاصي، ويغريه بها ويدعوه إليها، وإن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه، وترك استماع غروره، فأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه، هذا لو لم تكن في أنفسها مطعونة مضعفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره، وكيف يجيز ذلك على النبي صلى الله عليه وآله من يسمع الله يقول: " كذلك لنثبت به فؤادك، يعني القرآن، وقوله تعالى: " ولو تقول علينا " الآيات، وقوله تعالى: " سنقرئك فلا تنسى " على أن من يجيز السهو على الأنبياء عليهم السلام يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة، لما فيه من غاية التنفير عن النبي صلى الله عليه وآله، لان الله تعالى قد جنب نبيه صلى الله عليه وآله من الأمور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى، على أنه صلى الله عليه وآله لا يخلو - وحوشي مما قرف به - من أن يكون تعمد ما حكوه وفعله قاصدا، أو فعله ساهيا، ولا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره، وإن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها، ثم بمعنى ما تقدمها من الكلام، لأنا نعلم ضرورة أن شاعرا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها، وفي معنى البيت الذي تقدمه، وعلى الوجه الذي يقتضيه فائدته، وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ينشدها، وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبي صلى الله عليه وآله على أن بعض أهل العلم قد قال: يمكن أن يكون وجه التباس الامر أن رسول الله صلى الله عليه وآله

لما تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهى إلى قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى " وعلم من قرب من مكانه من قريش أنه سيورد بعدها ما يقدح فيهن قال كالمعارض له والراد عليه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى: فظن كثير من حضر أن ذلك من قوله صلى الله عليه وآله، واشتبه عليه الامر، لأنهم كانوا يلفظون عند قراءته صلى الله عليه وآله ويكثر كلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته، ويمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة، ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل أيضا: إنه صلى الله عليه وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات، وأتي بكلام على سبيل الحجاج لهم، فلما تلا:

" أفرأيتم اللات والعزى * ومنات الثالثة الأخرى " قال صلى الله عليه وآله: تلك الغرانيق العلى ومنها الشفاعة ترتجى؟ على سبيل الانكار عليهم، وأن الامر بخلاف ما ظنوه من ذلك وليس يمتنع أن يكون هذا في الصلاة، لان الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا، وإنما نسخ من بعد، وقيل: إن المراد بالغرانيق الملائكة وقد جاء مثل هذا في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه يريد آلهتهم، وقيل: إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة، تلاه الرسول صلى الله عليه وآله، فلما ظن المشركون، أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته، وكل هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله تعالى: " إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " لان بغرور الشيطان ووسوسته أضيف إلى تلاوته صلى الله عليه وآله ما لم يرده بها، وكل هذا واضح بحمد الله انتهى.

وقال القاضي عياض في الشفاء بعد توهين الحديث والقدح في سنده بوجوه شتى:

وقد قررنا بالبرهان والاجماع عصمته صلى الله عليه وآله من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو أن يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه، ثم قال: ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتيام متناقض الاقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد قريش من المشركين ممن يخفى عليه ذلك، و هذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان و معرفة فصيح الكلام علمه.

ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب و الجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وآله لأقل فتنة، و ارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الاسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش على المسلمين الصولة، ولا قامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوه مكابرة في قضية الاسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة، وكذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها شبهة فدل على بطلها واجتثاث أصلها ثم ذكر أكثر الوجوه التي ذكرها السيد والرازي.

وقال الطبرسي رحمه الله بعد نقل ملخص كلام السيد: وقال البلخي: ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما، فلما قرأها ألقاهما الشيطان في ذكره، فكاد أن يجريها على لسانه فعصمه الله ونبهه، ونسخ وسواس الشيطان وأحكم آياته بأن قرأها النبي صلى الله عليه وآله محكمة سليمة مما أراد الشيطان، والغرانيق جمع غرنوق وهو الحسن الجميل، يقال: شاب غرنوق وغرانق: إذا كان ممتليا ريانا " ثم يحكم آياته " أي يبقي آياته ودلائله وأوامره محكمة لا سهو فيها ولا غلط " ليجعل ما يلقي الشيطان " إلى قوله: " والقاسية قلوبهم " أي ليجعل ذلك تشديدا في التعبد، وامتحانا على الذين في قلوبهم شك، وعلى الذين قست قلوبهم من الكفار، فيلزمهم الدلالة على الفرق بين ما يحكمه الله وبين ما يلقيه الشيطان " لفي شقاق بعيد " أي في معاداة ومخالفة بعيدة عن الحق " وليعلم الذين أوتوا العلم " بالله وتوحيده وحكمته " أنه الحق من ربك " أي أن القرآن حق لا يجوز عليه التغيير والتبديل " فيؤمنوا به " أي فيثبتوا على إيمانهم، وقيل: يزدادوا إيمانا " فتخبت له قلوبهم " أي تخشع وتتواضع لقوة إيمانهم.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " فلا تدع مع الله ": المراد به سائر المكلفين، وإنما أفرده بالخطاب ليعلم أن العظيم الشأن إذا أوعد فمن دونه كيف حاله، وإذا حذر هو فغيره أولى بالتحذير.

قوله تعالى: " وما كنت ترجو " قال الرازي: في كلمة " إلا " وجهان: أحدهما أنها للاستثناء، ثم قال صاحب الكشاف: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما القي إليك الكتاب إلا رحمة من ربك، ويمكن أيضا إجراؤه على ظاهره، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله رحمة فينعم عليك بذلك، أي وما كنت ترجو إلا على هذا الوجه.

والثاني: أن " إلا " بمعنى (لكن) أي ولكن رحمة من ربك القي إليك، ثم إنه كلفه بأمور: أحدها: أن لا يكون مظاهرا للكفار.

وثانيها: " ولا يصدنك عن آيات الله " قال الضحاك: وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطرا من مالهم، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدك عن اتباع آيات الله.

وثالثها: قوله: " وادع إلى ربك " أي إلى دين ربك، وأراد التشديد في الدعاء للكفار والمشركين، فلذلك قال: " ولا تكونن من المشركين " لان من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم.

ورابعها: قوله: " ولا تدع مع الله إلها آخر " وهذا وإن كان واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لأجل التعظيم فإن قيل: الرسول كان معلوما منه أن لا يفعل شيئا من ذلك البتة، فما الفائدة في هذا النهي؟

قلت: لعل الخطاب معه، ولكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلا في أمورك، فإنه من وكل بغير الله فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد انتهى.

وقال البيضاوي: هذا وما قبله للتهييج وقطعه أطماع المشركين عن مساعدته لهم.

أقول: سيأتي تأويل قوله تعالى: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " في باب تزويج زينب إن شاء الله.

وقال الطبرسي رحمه الله: " قل إن ضللت " عن الحق كما تدعون " فإنما أضل على نفسي " أي فإنما يرجع وبال ضلالي علي، لأني مأخوذ به دون غيري " وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي " أي فبفضل ربي حيث أوحى إلي، فله المنة بذلك علي دون خلقه " إنه سميع " لأقوالنا " قريب " منا، فلا يخفى عليه المحق والمبطل

قوله تعالى: " لئن أشركت " قال السيد رضي الله عنه: قد قيل في هذه الآية:

إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به أمته، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على إياك أعني واسمعي يا جارة.

وجواب آخر: أن هذا خبر يتضمن الوعيد، وليس يمتنع أن يتوعد الله على العموم، وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد، لكنه لابد أن يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة لا بمعنى الشك ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله الوعيد ولمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه، وليس قوله تعالى: " لئن أشركت ليحبطن عملك " على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " لان استحالة وجود ثان معه إذا لم يمنع من تقدير ذلك وبيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو مقدور ممكن، وبيان حكمه.

والشيعة لها في هذه الآية جواب تتفرد به، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله لما نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة في ابتداء الامر جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسول الله إن الناس قريبوا عهد بالاسلام، ولا يرضون أن تكون النبوة فيك والخلافة في ابن عمك، فلو عدلت بها إلى غيره لكان أولى، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه علي، فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تسكن الناس إليه ليتم لك أمرك، ولا يخالف الناس عليك، فنزلت الآية، والمعنى فيها لئن أشركت في الخلافة مع أمير المؤمنين عليه السلام غيره ليحبطن عملك، وعلى هذا التأويل السؤال قائم، لأنه إذا كان

قد علم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله لا يفعل ذلك، ولا يخالف أمره لعصمته فما الوجه في الوعيد فلابد من الرجوع إلى ما ذكرنا.

وقال البيضاوي: " أم يقولون " بل أيقولون " افترى على الله كذبا " افترى محمد بدعوى النبوة والقرآن " فإن يشأ الله يختم على قلبك " استبعاد للافتراء عن مثله بالاشعار على أنه إنما يجتزئ عليه من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، فكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه وقيل: يختم على قلبك: يمسك القرآن والوحي عنه، فكيف تقدر على أن تفتري، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم قوله تعالى: " واسأل من أرسلنا " قال الرازي والطبرسي: أي أمم من أرسلنا، والمراد مؤمنوا أهل الكتاب، فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا متفقا عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبب بغض محمد صلى الله عليه وآله، والخطاب وإن توجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به الأمة.

والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عباس لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى له آدم عليه السلام وجميع المرسلين من ولده عليهم السلام فأذن جبرئيل، ثم أقام، و قال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الصلاة قال له جبرئيل عليه السلام:

سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وآله: لا أسأل لأني لست شاكا فيه.

والقول الثالث: أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه

النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك: وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك جهارا أجابتك اعتبارا، وههنا سؤال النبي صلى الله عليه وآله عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، وكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيه بنفسك، والله أعلم.

قوله تعالى: " فأنا أول العابدين " قال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها:

إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده وأنكر قولكم.

وثانيها: أن (إن) بمعنى (ما) والمعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله المقرين بذلك.

وثالثها: أن معناه لو كان له ولد لكنت أنا أول الآنفين من عبادته، لان من يكون له ولد لا يكون إلا جسما محدثا، ومن كان كذلك لا يستحق العبادة من قولهم:

عبدت من الامر، أي أنفت منه.

ورابعها: أنه يقول: كما أني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد .

وخامسها: أن معناه لو كان له ولد لكنت أول من يعبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، فهذا تحقيق لنفي الولد وتبعيد له، لأنه تعليق محال بمحال.

وقال البيضاوي: " على شريعة " على طريقة " من الامر " أمر الدين " فاتبعها " فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش، قالوا: ارجع إلى دين آبائك " إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا " مما أراد بك.

قوله: " ليغفر لك الله " قال السيد المرتضى رضي الله عنه في التنزيه: أما من نفى عنه صلى الله عليه وآله صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها، فله عن هذه الآية أجوبة: منها: أنه أراد تعالى

بإضافة الذنب إليه، ذنب أبيه آدم عليه السلام، وحسنت هذه الإضافة للاتصال والقربى، وغفره له من حيث أقسم على الله تعالى به فأبر قسمه، فهذا الذنب المتقدم، والذنب المتأخر هو ذنب شيعته وشيعة أخيه عليه السلام. وهذا الجواب يعترضه أن صاحبه نفى عن نبي ذنبا و أضافه إلى آخر، والسؤال عنه فيمن أضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه، ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلها لامته صلى الله عليه وآله، ويكون ذكر التقدم والتأخر إنما أراد به ما تقدم زمانه وما تأخر، كما يقول القائل مؤكدا: قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت، وصفحت عن السالف والآنف من ذنوبك، ولإضافة أمته إليه وجه في الاستعمال معروف، لان القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل:

أنتم فعلتم كذا وكذا؟ وقتلتم فلانا؟ وإن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه، وحسنت الإضافة للاتصال والنسب، ولا سبب أوكد مما بين الرسول عليه السلام وأمته، وقد يجوز توسعا وتجوزا أن يضاف ذنوبهم إليه.

ومنها: أنه سمى تركه الندب ذنبا، وحسن ذلك أنه صلى الله عليه وآله ممن لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف، ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمى الذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسم ذنبا.

ومنها: أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى " عفا الله عنك " وليس هذا بشئ، لان العادة جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم: غفر الله لك، ويغفر الله لك، وما أشبه ذلك، ولفظ الآية بخلاف هذا، لان المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء، والغرض في الفتح وقد كنا

ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه بالظاهر مما تقدم، وهو أن يكون المراد بقوله: " ما تقدم من ذنبك " الذنوب إليك، لان الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، ألا ترى أنهم يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرو، إذا أضافوه إلى المفعول، ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة والفسخ والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه، وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة، وصدهم له عن المسجد الحرام وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها له، وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغر لك الله " معنى معقول، لان المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح، وليست غرضا فيه، فأما قوله: " ما تقدم من ذنبك وما تأخر " فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك وما تأخر، وليس لاحد أن يقول: إن سورة الفتح نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة و المدينة وقد انصرف من الحديبية، وقال قوم من المفسرين: إن الفتح أراد به فتح خيبر، لأنه كان تاليا لتلك الحال، وقال آخرون: بل أراد به، أنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا، فكيف تقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، والسورة قبل ذلك بمدة طويلة، وذلك أن السورة وإن كانت نزلت في الوقت الذي ذكر، وهو قبل فتح مكة فغير ممتنع أن يريد بقوله تعالى: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " فتح مكة، ويكون على طريق البشارة له والحكم له بأنه سيدخل مكة، وينصره الله على أهلها ، ولهذا نظائر في القرآن ومما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " والفتح القريب ههنا هو فتح خيبر، فأما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر ومقتضى الآية، لان الفتح بالاطلاق الظاهر منه: الظفر والنصر، ويشهد له قوله تعالى: " وينصرك الله نصرا عزيزا "

فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا بنفسه مثل قولهم: أعجبني ضرب زيد عمرو، وإضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير معروفة.

قلنا: هذا تحكم في اللسان وعلى أهله، لأنهم في كتب العربية كلها أطلقوا أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا، ولم يستثنوا متعديا من غيره، ولو كان بينهما فرق لبينوه وفصلوه، كما فعلوا ذلك في غيره وليس قلة الاستعمال معتبرة في هذا الباب، لان الكلام إذا كان له أصل في العربية استعمل عليه وإن كان قليل الاستعمال، وبعد فإن ذنبهم ههنا إليه إنما هو ضدهم له عن المسجد الحرام ومنعهم إياه عن دخوله، فمعنى الذنب متعد، و إن كان معنى المصدر متعديا جاز أن يجري مجرى ما يتعدى بلفظه، فإن من عادتهم أن يحملوا الكلام تارة على معناه، وأخرى على لفظه انتهى.

وقال الطبرسي رحمه الله: لأصحابنا فيه وجهان: أحدهما: أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك وما تأخر بشفاعتك، ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام قال: سأله رجل عن هذه الآية، فقال: والله ما كان له ذنب، ولكن الله ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر.

وروى عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: ما كان له ذنب، ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له. ثم ذكر سائر الوجوه التي ذكرها السيد رحمه الله، وسيأتي تأويلها في الاخبار، وتأويل آية التحريم في باب أحوال أزواج النبي صلى الله عليه وآله.

قوله تعالى: " عبس وتولى " قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت الآيات في عبد الله ابن أم مكتوم، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية ابني خلف يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله لقطعه

كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ويقول: " هل لك من حاجة " واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، ثم قال بعد نقل ما سيأتي من كلام السيد رحمه الله وقيل: إن ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب، فحسن تأديبه بالاعراض عنه إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه إنما أعرض عنه لفقرة، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم، فعاتبه الله سبحانه على ذلك، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال: مرحبا مرحبا، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا، وكان يصنع فيه من اللطف حتى كان يكف عن النبي صلى الله عليه وآله مما يفعل به.

" عبس " أي بسر وقبض وجهه " وتولى " أي أعرض بوجهه " أن جاءه الأعمى " أي لان جاءه " وما يدريك لعله " أي لعل هذا الأعمى " يزكى " يتطهر بالعمل الصالح و ما يتعلمه منك " أو يذكر " أي يتذكر فيتعظ بما تعلمه من مواعظ القرآن " فتنفعه الذكرى " في دينه، قالوا: وفي هذا لطف عظيم لنبيه صلى الله عليه وآله، إذ لم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل: عبست، فلما جاوز العبوس عاد إلى الخطاب " أما من استغنى " أي من كان عظيما في قومه واستغنى بالمال " فأنت له تصدى " أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك " وما عليك ألا يزكى " أي أي شئ يلزمك إن لم يسلم؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ " وأما من جاءك يسعى " أي يعمل في الخير، يعني ابن أم مكتوم " وهو يخشى " الله عز وجل " فأنت عنه تلهى " أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره " كلا " أي لا تعد لذلك وانزجر عنه " إنها تذكرة " أي أن آيات القرآن تذكير وموعظة للخلق " فمن شاء ذكره " أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ انتهى.

وقال السيد رضي الله عنه في التنزيه: أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله، ولا فيها ما يدل على أنها خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، وفيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله، لأنه وصفه بالعبوس،

وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في قرآن ولا خبر مع الأعداء المباينين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين، ثم وصفه بأنه يتصدى للأغنياء، ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يصف به نبينا صلى الله عليه وآله من يعرفه، فليس هذا مشبها لأخلاقه الواسعة وتحننه إلى قومه، وتعطفه، وكيف يقول له صلى الله عليه وآله: " وما عليك ألا يزكى " وهو صلى الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه؟ وكيف لا يكون ذلك عليه وكان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه؟ وقد قيل: إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وإن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشك في أنها لم يعن بها النبي صلى الله عليه وآله، وأي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين، و التلهي عنهم، والاقبال على الأغنياء الكافرين (2)؟ وقد نزه الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما دون هذا في التنفير بكثير انتهى.

أقول: بعد تسليم نزولها فيه صلى الله عليه وآله كان العتاب على ترك الأولى، أو المقصود منه إيذاء الكفار وقطع أطماعهم عن موافقة النبي صلى الله عليه وآله لهم، وذمهم على تحقير المؤمنين كما مر مرارا.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " الآية فإنه كان سبب نزولها أن قوما من الأنصار من بني أبيرق اخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير، ومبشر، وبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا، وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله، وسيفا ودرعا، فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن قوما انقبوا على عمي وأخذوا طعاما كان أعده لعياله، ودرعا وسيفا وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقال بنوا بيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك

لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني أبيرق أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني؟ وأنتم المنافقون تهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وتنسبونه إلى قريش، لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم، فداروه فقالوا له: ارجع رحمك الله فإنك برئ من ذلك، فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له: أسيد بن عروة، وكان منطيقا بليغا، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق، وأنبهم بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة؟ فعاتبه عتابا شديدا، فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال: ليتني مت ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد كلمني بما كرهته ، فقال عمه: الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " إلى قوله: " وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " يعني الفعل، فوقع القول مقام الفعل، ثم قال: " ثم يرم به بريئا " لبيد بن سهل.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أناسا من رهط بشير الادنين قالوا:

انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نكلمه في صاحبنا ونعذره فإن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم " إلى قوله: " وكيلا " فأقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر الله وتب من الذنب، فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت: " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا "

ثم إن بشيرا كفر ولحق بمكة وأنزل الله في النفر الذين أعذروا بشيرا وأتوا النبي صلى الله عليه وآله ليعذروه " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " فنزل في بشير وهو بمكة: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " وفي تفسير النعماني بإسناده الذي يأتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن قوما من الأنصار كانوا يعرفون ببني أبيرق، وساق الحديث نحوا مما رواه علي ابن إبراهيم أولا

2 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " وإن كان كبر عليك اعراضهم " قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب إسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وجهد به أن يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله " وإن كان كبر عليك إعراضهم " إلى قوله: " نفقا في الأرض " يقول:

سربا، وقال علي بن إبراهيم في قوله: " نفقا في الأرض أو سلما في السماء قال: إن قدرت أن تحفر الأرض أو تصعد السماء أي لا تقدر على ذلك، ثم قال: " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " أي جعلهم كلهم مؤمنين وقوله: " فلا تكونن من الجاهلين " مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى للناس.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الآية، فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه، وربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الأغنياء والمترفون من أصحابه ينكروا عليه ذلك، و يقولوا له: اطردهم عنك، فجاء يوما رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من

أصحاب الصفة قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله يحدثه، فقعد الأنصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم فلم يفعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلك خفت أن يلزق فقره بك؟ فقال الأنصاري: اطرد هؤلاء عنك، فأنزل الله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " الآية، ثم قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي اختبرنا الأغنياء بالغنى لننظر كيف مواساتهم للفقراء، وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في أموالهم، واختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في أيدي الأغنياء " ليقولوا " أي الفقراء " أهؤلاء " الأغنياء " من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " ثم فرض الله على رسوله أن يسلم على التوابين الذين عملوا السيئات ثم تابوا، فقال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " يعني أوجب الرحمة لمن تاب، والدليل على ذلك قوله : " أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " 4 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " قال: إن عرض في قلبك منه شئ ووسوسة.

5 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " يقول: تعرف أهل العذر والذين جلسوا بغير عذر.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن عمرو بن سعيد الراشدي، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء وأوحى الله إليه في علي عليه السلام

ما أوحى من شرفه وعظمه عند الله ورد إلى البيت المعمور، وجمع له النبيين، وصلوا خلفه عرض في نفسه من عظم ما أوحى إليه في علي عليه السلام، فأنزل الله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " يعني الأنبياء فقد أنزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين " فقال الصادق عليه السلام: فوالله ما شك ولا سأل.

7 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا " أي في النار، وهو مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، والمعنى للناس، وهو قول الصادق عليه السلام: إن الله بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جارة.

8 - تفسير علي بن إبراهيم: " فتلقى في جهنم ملوما مدحورا " فالمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، و المعنى للناس، قوله: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره " قال: يعني أمير المؤمنين عليه السلام " وإذا لاتخذوك خليلا " أي صديقا لو أقمت غيره، ثم قال:

" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * وإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " من يوم الموت إلى أن تقوم الساعة.

9 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولقد أوحي إليك " إلى قوله: " من الخاسرين " فهذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، والمعنى لامته، والدليل على ذلك قوله: " بل الله فاعبد وكن من

الشاكرين " وقد علم أن نبيه صلى الله عليه وآله يعبده ويشكره، ولكن استعبد نبيه صلى الله عليه وآله بالدعاء إليه تأديبا لامته.

حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله لنبيه صلى الله عليه وآله: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " قال:

تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي عليه السلام من بعدك ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.

10 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الحسن بن محبوب، عن الثمالي، عن أبي الربيع قال: سأل نافع أبا جعفر عليه السلام فقال: أخبرني عن قول الله: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " من الذي سأل محمد صلى الله عليه وآله وكان بينه وبين عيسى عليه السلام خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " فكان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حين أسري به إلى بيت المقدس أن حشر الله الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا، ثم قال في إقامته حي على خير العمل، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم، فأنزل الله عليه:

" واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: علام تشهدون؟ وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله أخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا، قال نافع: صدقت يا أبا جعفر.

11 - تفسير علي بن إبراهيم: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " يعني أول الآنفين له أن يكون له ولد.

12 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " ثم جعلناك على شريعة من الامر " إلى قوله: " لن يغنوا عنك من الله شيئا " بهذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله و المعنى لامته.

13 - تفسير علي بن إبراهيم: " عبس وتولى " * أن جاءه الأعمى " قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أعمى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله: " عبس وتولى " يعني عثمان " أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى " أي يكون طاهرا أزكى " أو يذكر " قال: يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله " فتنفعه الذكرى " ثم خاطب عثمان فقال: " أما من استغنى فأنت له تصدى " قال:

أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه " وما عليك ألا يزكى " أي لا تبالي زكيا كان أو غير زكي إذا كان غنيا " وأما من جاءك يسعى " يعني ابن أم مكتوم " وهو يخشى * فأنت عنه تلهى " أي تلهو ولا تلتفت إليه.

14 - تفسير علي بن إبراهيم: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " إلى قوله: " والله عليم حكيم " فإن العامة رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة فقرأ سورة النجم في المسجد الحرام وقريش يستمعون لقراءته، فلما انتهى إلى هذه الآية: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى " أجرى إبليس على لسانه فإنها الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترتجي، ففرحت قريش وسجدوا، وكان في القوم الوليد بن المغيرة المخزومي و هو شيخ كبير فأخذ كفا من حصى فسجد عليه وهو قاعد، وقالت قريش: قد أقر محمد بشفاعة

اللات والعزى، قال: فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له: قرأت ما لم انزل عليك، وأنزل عليه " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ".

وأما الخاصة فإنه روى عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار فقال له: هل عندك من طعام؟ فقال: نعم يا رسول الله، وذبح له عناقا وشواه، فلما أدناه منه تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون معه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فجاء أبو بكر وعمر، ثم جاء علي عليه السلام بعدهما، فأنزل الله في ذلك: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " ولا محدث " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " يعني أبا بكر وعمر " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " يعني لما جاء علي عليه السلام بعدهما، " ثم يحكم الله آياته للناس " يعني ينصر الله أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال: " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة " يعني فلانا وفلانا " للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم " يعني إلى الامام المستقيم، ثم قال: " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه " أي في شك من أمير المؤمنين حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم " قال: العقيم: الذي لا مثل له في الأيام، ثم قال: " الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا " قال: ولم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام " فأولئك لهم عذاب مهين ".

بيان: قال في النهاية: الغرانيق ههنا: الأصنام، وهي في الأصل المذكور من طير الماء، واحدها غرنوق وغرنيق سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضا:

الشاب الناعم الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله تعالى وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع، قوله: يعني إلى الامام المستقيم، كذا فيما عندنا من النسخ، ولعل فيه سقطا والظاهر أنه تفسير لقوله: " وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم " بأن المراد بالصراط المستقيم الامام المستقيم على الحق، و يحتمل أن يكون تفسيرا " للقاسية قلوبهم " أي قسا قلوبهم عن الميل إلى الامام المستقيم وقبول ولايته .

15 - مناقب ابن شهرآشوب: قال علم الهدى والناصر للحق: في رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغ إلى قوله: " أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى " ألقى الشيطان في تلاوته:

تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي، فسر بذلك المشركون، فلما انتهى إلى السجدة سجد المسلمون والمشركون معا، إن صح هذا الخبر فمحمول على أنه كان يتلو القرآن فلما بلغ إلى هذا الموضع قال بعض المشركين: ذلك، فألقى في تلاوته، فأضافه الله إلى الشيطان، لأنه إنما حصل بإغرائه ووسوسته وهو الصحيح لان المفسرين رووا في قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء " كان النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام فقام رجلان من عبد الدار عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر قوله: " فذوقوا العذاب " وروي في قوله: " وقال الذين كفروا " أي قال رؤساؤهم من قريش لاتباعهم لما عجزوا عن معارضة القرآن:

" لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " أي عارضوه باللغو والباطل والمكاء ورفع الصوت بالشعر " لعلكم تغلبون " باللغو.

16 - علل الشرائع: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى،

عن إبراهيم بن عمير رفعه إلى أحدهما عليهما السلام في قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فأسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاشك ولا أشك 17 - علل الشرائع: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن علي بن عبد الله، عن بكر بن صالح، عن أبي الخير، عن محمد بن حسان، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل الداري، عن محمد بن سعيد الأذخري، وكان ممن يصحب موسى بن محمد بن الرضا عليه السلام أن موسى أخبره أن يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله عن مسائل، فيها: وأخبرني عن قول الله عز وجل " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " من المخاطب بالآية فإن كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وآله أليس قد شك فيما أنزل الله عز وجل إليه، وإن كان المخاطب به غيره فعلى غيره إذا انزل الكتاب؟ قال موسى: فسألت أخي علي بن محمد عليه السلام عن ذلك، قال أما قوله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " فإن المخاطب بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في شك مما أنزل الله عز وجل، ولكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة؟ إنه لم يفرق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وآله " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " بمحضر من الجهلة، هل بعث الله رسولا قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ ولك بهم أسوة، وإنما

قال: " فإن كنت في شك " ولم يكن، ولكن لينصفهم كما قال له صلى الله عليه وآله: " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " ولو قال تعالوا: نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم لم يكونوا يجيبون للمباهلة، وقد عرف أن نبيه صلى الله عليه وآله مؤد عنه رسالته وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النبي صلى الله عليه وآله أنه صادق فيما يقول: ولكن أحب أن ينصف من نفسه.

تحف العقول: مرسلا مثله.

تفسير العياشي: عن محمد بن سعيد مثله.

18 - تفسير العياشي: عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله ففرغ من مناجاة ربه رد إلى البيت المعمور وهو بيت في السماء الرابعة بحذاء الكعبة، فجمع الله النبيين والرسل والملائكة، وأمر جبرئيل فأذن وأقام وتقدم بهم فصلى، فلما فرغ التفت إليه فقال: " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " إلى قوله: " من المهتدين ".

19 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان عن علي بن أيوب، عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قول الله في كتابه: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له.

20 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من

ذنبك وما تأخر " قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما، فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب * وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق " فلما فتح الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله مكة قال له يا محمد: " إنا فتحنا لك " مكة " فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " عند مشركي أهل مكة بدعاءك إلى توحيد الله عز وجل فيما تقدم وما تأخر، لان مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " قال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل بإياك أعني و اسمعي يا جارة، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وأراد به أمته، وكذلك قوله عز وجل: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " وقوله عز وجل:

" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " قال: صدقت يا ابن رسول الله الخبر.

21 - تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمد بن بشرويه القطان، عن محمد بن إبراهيم الرازي، عن ابن مسكان، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين علي عليهما السلام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: يا جبرئيل ما الذنب الماضي؟ وما الذنب الباقي؟ قال جبرئيل: ليس لك ذنب يغفرها لك

بيان: لعل المعنى أنه ليس المراد ذنبك إذ ليس لك ذنب، بل ذنوب أمتك، أو نسبتهم إليك بالذنب، أو غير ذلك مما مر.

أقول: قد مضت دلائل عصمته صلى الله عليه وآله في كتاب أحوال الأنبياء عليهم السلام وسيأتي في كتاب الإمامة، وسائر أبواب هذا المجلد مشحون بالاخبار والآيات الدالة عليها، و الامر أوضح من أن يحتاج إلى البيان، فلذا اكتفينا في هذا الباب بتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك والله المستعان.

تذنيب: قال السيد المرتضى قدس الله روحه في التنزيه فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: " ووجدك ضالا فهدى " قلنا: في معنى هذه الآية أجوبة:

أولها: أنه أراد وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها، أو عن شريعة الاسلام التي نزلت عليه وامر بتبليغها إلى الخلق، وبإرشاده صلى الله عليه وآله إلى ما ذكرناه أعظم النعمة عليه، فالكلام في الآية خارج مخرج الامتنان والتذكير بالنعم.

وثانيها: أن يكون أراد الضلال عن المعيشة، وطريق التكسب، يقال للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه: هو ضال لا يدري ما يصنع، ولا أين يذهب فامتن الله عليه بأن رزقه وأغناه وكفاه.

وثالثها: وجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك وسلمك من أعدائك، وهذا الوجه قريب لولا أن السورة مكية، إلا أن يحمل على أن المراد سيجدك على مذهب القرب في حمل الماضي على المستقبل.

ورابعها: وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك، يقال: فلان ضال في قومه وبين أهله إذا كان مضلولا عنه.

وخامسها: أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع: " ألم يجدك يتيم فآوى " * ووجدك ضال فهدى " على أن اليتيم وجده، وكذا الضال، وهذا الوجه ضعيف لان القراءة غير معروفة، لان الكلام يفسد أكثر معانيه.

فإن قيل: ما معنى " ووضعنا عنك وزرك " قلنا: أما الوزر في أصل اللغة فهو الثقل، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزار لأنها يثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان أصل الوزر ما ذكرناه فكل شئ أثقل الانسان وغمه وكده وجهده جاز أن يسمى وزرا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي، وليس يمتنع أن يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه وهمه صلى الله عليه وآله بما كان عليه قومه من الشرك بأنه كان هو وأصحابه بينهم مستضعفا مقهورا مغمورا، فكل ذلك مما يتعب الفكر ويكد النفس، فلما أن أعلى الله كلمته و نشر دعوته وبسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بموقع النعمة عليه ليقابله بالشكر والثناء والحمد، ويقوي هذا التأويل قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك " وقوله عز وجل " فإن مع العسر يسرا " والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم أشبه.

فإن قيل: هذا التأويل يبطله أن هذه السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحال الذي ذكرتم أنها كانت تغمه من ضعف الكلمة وشدة الخوف من الأعداء.

قلنا عن هذا السؤال: جوابين: أحدهما: أنه تعالى لما بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله ويظهره عليه ويشفي من أعدائه غيظه وغيظ المؤمنين به كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه، ومطيبا لنفسه، ومبدلا عسره يسرا، لأنه يثق

بأن وعد الله تعالى حق لا يخلف، فامتن الله عليه بنعمة سبقت الامتنان وتقدمته.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.