پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 15 عصمته وتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك

ج ۱۷، ص ۳۳–۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

وقال تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين 145.

وقال تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 147.

آل عمران " 3 ": الحق من ربك فلا تكن من الممترين 60.

وقال تعالى: ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 128.

النساء " 4 ": إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما 105 - 107.

إلى قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما 112.

الانعام " 6 ": وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين 35.

وقال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين 52 و 53.

الأعراف " 7 ": وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم 200.

الأنفال " 8 ": ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم 67 و 68.

التوبة " 9 ": عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين 43.

يونس " 10 ": فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين 94 و 95.

هود " 11 ": فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص 109 - إلى قوله -: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير 112.

الرعد " 13 ": ولئن اتبعت أهوائهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق 37 الاسرى " 17 ": لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا 22 وقال تعالى: ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا 39.

وقال سبحانه: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * وإذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا 73 - 75.

وقال تعالى: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا 86 و 87.

الحج " 22 ": وما أسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم * ليجعل ما

يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم 52 - 54.

الشعراء " 26 ":: فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين 213.

القصص " 28 ": وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين * ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو 86 - 88.

الأحزاب " 33 ": وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه 37.

سبأ " 34 ": قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلي ربي إنه سميع قريب 50.

الزمر " 39 " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين 65.

حمعسق " 42 ": أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك 24.

الزخرف " 43 ": واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون 45.

وقال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 81.

الجاثية " 45 ": ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يوقنون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا 18 و 19.

الفتح " 48 ": ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر 2.

النجم " 53 ": وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى 2 و 3.

التحريم " 66 ": يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 1.

عبس " 80 ": عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكي * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره 1 - 12 تفسير: قوله: " لئن اتبعت أهواءهم " هذه الشرطية لا تنافي عصمته صلى الله عليه وآله، فإنها تصدق مع استحالة المقدم أيضا، والغرض منه يأسهم عن أن يتبعهم صلى الله عليه وآله في أهوائهم الباطلة، وقطع أطماعهم عن ذلك، والتنبيه على سوء حالهم، وشدة عذابهم، لان النبي مع غاية قربه في جنابه تعالى إذا كان حاله على تقدير هذا الفعل كذلك فكيف يكون حال غيره، كما ورد أنه نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة.

قوله تعالى: " فلا تكونن من الممترين " قال البيضاوي: أي الشاكين في أنه هل من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول صلى الله عليه وآله عن الشك فيه، لأنه غير متوقع منه، وليس بقصد واختيار، بل إما تحقيق الامر وأنه لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ.

وقال في قوله تعالى: " ليس لك من الامر شئ " اعتراض " أو يتوب عليهم أو يعذبهم " عطف على قوله: " أو يكبتهم " والمعني أن الله مالك أمرهم، فإما يهلكهم، أو يكبتكم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شئ، وإنما أنت عبد مأمور لانذارهم وجهادهم، ويحتمل أن يكون معطوفا على الامر، أو شئ بإضمار (أن) أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شئ، أوليس لك من أمرهم شئ، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وأن تكون (أو) بمعني (إلا أن) أي ليس لك من أمرهم شئ إلا أن يتوب عليهم فتسر به، أو يعذبهم فتشتفي منهم، روي أن عتبة ابن أبي وقاص شجه يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم؟ فنزلت، وقيل: هم أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن " فإنهم ظالمون " قد استحقوا التعذيب بظلمهم انتهى.

أقول: كون الامر في الاهلاك والتعذيب وقبول التوبة إلى الله تعالى لا ينافي عصمته صلى الله عليه وآله بوجه، وأما الخبر ان فغير ثابتين، ومع ثبوتهما أيضا لا ينافي العصمة، لان الدعاء عليهم لم يكن منهيا عنه قبل ذلك، وإنما أمره تعالى بالكف لنوع من المصلحة، وبعد النهي لم يدع عليهم، وقد أثبتنا في باب وجوب طاعته صلى الله عليه وآله الأخبار الواردة في تأويل تلك الآية.

قوله تعالى: " بما أراك الله " قال الرازي في تفسيره: أي بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية لان العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور، قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وآله ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، واتفق المفسرون على أن أكثر الآيات في طعمة سرق درعا، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود، وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي، فهم الرسول صلى الله عليه وآله بذلك فنزلت الآية.

" ولا تكن للخائنين خصيما " أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب، يعنى لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين، قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام: دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول صلى الله عليه وآله، فإنه لولا أن الرسول صلى الله عليه وآله أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه، والجواب أنه صلى الله عليه وآله كان لم يفعل ذلك وإلا لم يرد النهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وآله أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي صلى الله عليه وآله على أن طعمة كذاب، وأن اليهودي برئ عن ذلك الجرم.

فإن قيل: الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي صلى الله عليه وآله قوله بعد هذه الآية

" واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما " فلما أمره الله تعالى بالاستغفار دل على سبق الذنب فالجواب من وجوه: الأول لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة، بسبب أنه كان ظاهرا من المسلمين، فامر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

الثاني: إن القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول صلى الله عليه وآله ما يوجب القدح في شهادتهم هم أن يقضي بالسرقة على اليهودي، ثم لما اطلعه الله على كذب هؤلاء الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع كان خطأ، و استغفاره كان بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه، وإن كان معذورا عند الله فيه.

الثالث: قوله: " واستغفر الله " يحتمل أن يكون المراد واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة، ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة، والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا، والاختيان: الخيانة، وإنما قال:

" يختانون أنفسهم، لان من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه " من كان خوانا أثيما " أي طعمة، حيث خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة.

قوله تعالى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته " أي لولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة " لهمت طائفة منهم أن يضلوك " أي يلقونك في الحكم الباطل الخطاء " وما يضلون إلا أنفسهم " بسبب تعاونهم على الاثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان " وما يضرونك من شئ " فيه وجهان: أحدهما ما يضرونك من شئ في المستقبل، فوعده تعالى في هذه الآية إدامة العصمة لما يريدون من إيقاعه في الباطل.

والثاني: المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل لأنك بنيت الامر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت إلا ببناء الاحكام على الظواهر " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " فعلى الأول المعنى لما انزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟ وعلى الثاني المعنى أنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوجب فيهما بناء أحكام الشرع على الظاهر، فكيف يضرك بناء الامر على الظاهر " وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " فيه وجهان: الأول أن يكون المراد ما يتعلق بالدين، أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على سرائرهما، وأوقفك على حقائقهما، مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشئ منها، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك ما لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك.

الثاني أن يكون المراد وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين، ووجوه كيدهم ما تقدر على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم انتهى ملخص كلامه، وسيأتي شرح تلك القصة في باب ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين المنافقين وأهل الكتاب.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وإن كان كبر عليك " أي عظم وشق إعراضهم عنك وعن الايمان بما جئت به " فإن استطعت " إلى قوله: " بآية " أي منفذا تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية أو مصعدا تصعد إلى السماء فتنزل منها آية، وجواب الشرط الثاني محذوف، تقديره فافعل، والجملة هو جواب الأول، والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وإنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لاتي بها رجاء إيمانهم " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة " فلا تكونن من الجاهلين " بالحرص على ما لا يكون، والجزع في

مواطن الصبر، فإن ذلك من دأب الجهلة.

وقال الرازي: المقصود من أول الآية أن يقطع الرسول صلى الله عليه وآله طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الايمان، وقوله: " فلا تكونن من الجاهلين " هذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل تلك الحالة، كما أن قوله: " ولا تطع الكافرين والمنافقين " لا يدل على أنه صلى الله عليه وآله أطاعهم قبل، بل المقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تحزن من إعراضهم عنك، فإنك إن فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل وقال في قوله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " روي عن عبد الله ابن مسعود أنه قال: مر الملا من قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عن بيتك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فقال صلى الله عليه وآله: ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم طمعا في إيمانهم، روي أن عمر قال له: لو فعلت ذلك حتى ننظر إلى ما يصيرون ثم ألحوا وقالوا للرسول صلى الله عليه وآله: اكتب بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة فنزلت الآية، واعتذر عمر من مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله يقعد معنا وندنوا منه حتى يمس ركبنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزل قوله: " واصبر نفسك " فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات.

ثم قال: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من وجوه:

الأول: إنه صلى الله عليه وآله طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، وكان ذلك الطرد ذنبا.

والثاني: إنه تعالى قال: " فتطردهم فتكون من الظالمين " وقد ثبت أنه طردهم، فيلزم أن يقال: إنه كان من الظالمين.

والثالث: إنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال: " وما أنا بطارد المؤمنين " ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وآله بمتابعة الأنبياء في جميع الاعمال الحسنة، إنه قال: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " وبهذا الطريق وجب على محمد صلى الله عليه وآله أن لا يطردهم، فلما طردهم كان ذلك ذنبا.

الرابع: إنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف فزاد فيها فقال: " تريد زينة الحياة الدنيا " ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " فكان ذلك ذنبا.

والخامس: نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله بعد هذه الواقعة فكان صلى الله عليه وآله يقول: مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم، أو لفظا هذا معناه، وذلك يدل أيضا على الذنب.

والجواب عن الأول إنه صلى الله عليه وآله ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم، والاستنكاف من فقرهم، وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش،

وكان غرضه صلى الله عليه وآله منه التلطف وإدخالهم في الاسلام، ولعله صلى الله عليه وآله كان يقول: هؤلاء الفقراء لا يفوتهم بسبب هذه أمرهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفار فإنهم يفوتهم الدين والاسلام، وكان ترجيح هذا الجانب أولى، فأقصى ما يقال: إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطاء في الاجتهاد مغفور.

وأما قوله ثانيا: إن طردهم يوجب كونه صلى الله عليه وآله من الظالمين فجوابه أن الظلم عبارة عن وضع الشئ في غير موضعه، والمعني أن أولئك الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول صلى الله عليه وآله، فإذا طردهم عن ذلك المجلس فكان ذلك ظلما إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل، لا من باب ترك الواجبات، وكذا الجواب عن سائر الوجوه، فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى انتهى كلامه.

وأقول: جملة القول في تلك الآية أنها لا تدل على وقوع الطرد عنه صلى الله عليه وآله، ولعله صلى الله عليه وآله بعد ما ذكروا ذلك انتظر الوحي فنهاه الله تعالى عن ذلك، والأخبار الدالة على ذلك غير ثابتة فلا يحكم بها مع معارضة الأدلة العقلية والنقلية الدالة على عصمته صلى الله عليه وآله، وقد تقدم بعضها في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولو سلم أنه وقع منه ما ذكروه فلعله كان مأذونا في إيقاع كل ما يراه موجبا لهداية الخلق وترغيبهم في الاسلام، ولما أظهروا أنهم يسلمون عند وقوع المناوبة فعله صلى الله عليه وآله رغبة في إسلامهم، ولما علم الله أنهم لا يسلمون بذلك وإنما غرضهم في ذلك الاضرار بالمسلمين نهاه الله تعالى عن ذلك، فصار بعد النهي حراما، وإنما بين تعالى أنه لو ارتكب ذلك بعد النهي يكون من الظالمين لا قبله، وإنما أكد ذلك لقطع إطماع الكفار عن مثل ذلك، ولبيان الاعتناء بشأن فقراء المؤمنين، وأما قول نوح عليه السلام: " ما أنا بطارد المؤمنين " فلعل المراد الطرد بالكلية، أو على غير جهة المصلحة، ومن غير وعد لاسلام الكافرين معلقا عليه، أو يقال: إنه عليه السلام لعله نهاء الله عن ذلك، ولما لم ينه النبي صلى الله عليه وآله بعد كان يجوز له ذلك، وأما قوله تعالى: " فبهداهم اقتده " فليس المراد الاقتداء في جميع الأمور لاختلاف الشرائع، بل المراد الاقتداء بهم في الأمور التي

لا تختلف باختلاف الملل والشرائع.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي ينخسنك منه نخس، أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعثراء غضب وفكر.

وقال الرازي: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية وقالوا: لولا أنه يجوز من الرسول الاقدام على المعصية والذنب لم يقل له ذلك.

والجواب عنه من وجوه:

الأول أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، ولم يدل ذلك على الحصول، كما أنه تعالى قال: " لئن أشركت ليحبطن عملك " ولم يدل ذلك على أنه أشرك، وقال " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة.

الثاني: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وآله، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته صلى الله عليه وآله، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسوسته، والآية لا تدل على ذلك، وعن الشعبي قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وآله: " ما من إنسان إلا ومعه شيطان قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، لكنه أسلم بعون الله، ولقد أتاني فأخذت بحلقه، ولولا دعوة سليمان عليه السلام لأصبحن في المسجد طريحا، " وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وآله.

الثالث: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس إليه، وأنه صلى الله عليه وآله يقبل أثر وسوسته، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى، قال صلى الله عليه وآله: " وإنه ليران على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " انتهي.

أقول: على أنه يحتمل أن يكون من قبيل الخطاب العام، أو يكون الخطاب متوجها إليه صلى الله عليه وآله والمراد به أمته كما مر مرارا، وسيأتي تأويل قوله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " في باب قصة بدر.

قوله تعالى: " عفا الله عنك " قال الرازي في تفسيره: احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول صلى الله عليه وآله من وجهين:

الأول: أنه تعالى قال: " عفى الله عنك " والعفو يستدعي سابقة الذنب.

والثاني: أنه تعالى قال: " لم أذنت لهم " وهذا استفهام بمعنى الانكار، فدل هذا على أن ذلك الاذن كان معصية.

والجواب عن الأول لا نسلم أن قوله: " عفا الله عنك " يوجب الذنب " ولم لا يجوز أن يقال: إن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله لا عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل و التعظيم، وقال علي بن الجهم فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه :

عفا الله عنك ألا حرمة * يجوز بفضلك عن ابعدا والجواب عن الثاني: أن نقول: لا يجوز أن يكون المراد بقوله: " لم أذنت لهم " الانكار، لأنا نقول: إما أن يكون صدر عن الرسل ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنه ما صدر عنه امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: " لم أذنت لهم " انكارا عليه، وإن قلنا: إنه كان قد صدر عنه ذنب فقوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " يدل على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الانكار عليه، فثبت، أن على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: " لم أذنت لهم " يدل على كون الرسول صلى الله عليه وآله مذنبا، وهذا جواب شاف قاطع، وعند هذا يحمل قوله: لم " أذنت لهم "

على ترك الأولى والأكمل، لا سيما وهذه الواقعة كانت من أحسن ما يتعلق بالحروب و مصالح الدنيا انتهى.

وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب تنزيه الأنبياء: أما قوله تعالى " عفا الله عنك " فليس يقتضي وقوع معصية، ولا غفران عقاب، ولا يمتنع أن يكون المقصد به التعظيم والملاطفة في المخاطبة، لان أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله و غفر الله لك، وهو يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل ربما لم يخطر بباله أن له ذنبا، وإنما الغرض الاجمال في المخاطبة، واستعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب وتوقيره، وأما قوله تعالى: " لم أذنت لهم " فظاهره الاستفهام، والمراد به التقرير واستخراج ذكر علة إذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب، لان أحدنا قد يقول لغيره: لم فعلت كذا وكذا؟ تارة معاتبا، وأخرى مستفهما، وتارة مقررا، فليست هذه اللفظة خاصة للعتاب والانكار، وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه صلى الله عليه وآله ترك الأولى والأفضل، وقد بينا أن ترك الأولى ليس بذنب، وإن كان الثواب ينقص معه، فإن الأنبياء عليهم السلام يجوز أن يتركوا كثيرا من النوافل، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الأفضل؟ ولم عدلت عن الأولى؟ ولا يقتضي ذلك إنكارا ولا قبيحا انتهي كلامه، زيد إكرامه.

أقول: يجوز أن يكون إذنه صلى الله عليه وآله لهم حسنا موافقا لامره تعالى، ويكون العتاب متوجها إلى المستأذنين الذين علم الله من قبلهم النفاق، أو إلى جماعة حملوا النبي صلى الله عليه وآله على ذلك كما مر مرارا، ومن هذا القبيل قوله تعالى: " يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ولا تنافي بين كون استيذانهم حراما وإذنه صلى الله عليه وآله بحسب ما يظهرونه من الاعذار ظاهرا واجبا أو مباحا، أو تركا للأولى

قوله تعالى: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسرون في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو، فقيل: هو النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: غيره، فأما من قال بالأول فاختلوا فيه على وجوه:

الأول: أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وآله في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " وكقوله: " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين و المنافقين " وكقوله: " لئن أشركت ليحبطن عملك " وكقوله لعيسى عليه السلام " أأنت قلت للناس " ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جارة، والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الأول: قوله تعالى في آخر السورة: " يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني " فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح.

والثاني: أن الرسول لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، و هذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية.

والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكا في نبوة نفسه فكيف تزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته؟ مع أنهم في الأكثر كانوا كفارا، وإن حصل فيهم من كان مؤمنا، إلا أن قوله ليس بحجة، لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة و الإنجيل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن هذا الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسول إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي أمره عليهم، ليكون

ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة، من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة، ونظيره قوله تعالى للملائكة: " أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون " وكما قال لعيسى عليه السلام: " أأنت قلت " والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة من ذلك فكذا هنا، والثالث: هو أن محمدا صلى الله عليه وآله كان من البشر وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها يزول عن خاطره تلك الوسواس، ونظيره قوله تعالى: " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك " وأقول: تمام التقرير في هذا الباب أن قوله: إن كنت في شك فافعل كذا وكذا، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع، أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط، فالفائدة في إنزال هذه الآية تكثير الدلائل وتقويتها بما يزيد في قوة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة.

الرابع: أن المقصود استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الايمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى بما يدل على صحة نبوته، وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، فصار مانعا لهم من قبول الايمان، فقال تعالى: وإن كنت في شك من من نبوتك فتمسك بالدليل الفلاني، يعني إن أولى الناس أن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة

فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح ذلك منه في حق نفسه فلان لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات الخامس أن يكون التقدير إنك لست بشاك البتة، ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك، كقوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " و المعنى لو فرض ذلك الممتنع واقعا لزم منه المحال الفلاني، وكذلك ههنا لو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل، وهذه الشبهة باطلة.

السادس: قال الزجاج: إن الله تعالى خاطب الرسول صلى الله عليه وآله وهو يتناول الخلق كقوله: " إذا طلقتم النساء " قال القاضي: هذا بعيد، لأنه متى قيل: الرسول داخل تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال.

السابع: أن لفظ " إن " للنفي، يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، لكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقينا، وأما الوجه الثاني وهو أن يقال: هذا الخطاب ليس مع الرسول، وتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة:

المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت أيها الانسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد صلى الله عليه وآله فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى وهو يريد الجمع،

كما في قوله: " يا أيها الانسان ما غرك * ويا أيها الانسان إنك كادح " ولما ذكر لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلتحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون، فقال: " ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين " ثم اختلفوا في أن المسؤول عنه من هم، فقال المحققون: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار، لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم، ومنهم من قال: الكل، سواء كانوا من المسلمين أو الكفار، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة أو الإنجيل وتلك الآية دالة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وآله فقد حصل الغرض.

فإن قيل: إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير فكيف يمكن التعويل عليها؟

قلت: إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته صلى الله عليه وآله كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوته، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء ففيه قولان: الأول أنه القرآن، ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وآله.

والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى: " فما اختلفوا حتى جاءهم العلم " والأول أولى لأنه هو الأهم، والحاجة إلى معرفته أتم.

واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين " والمعنى ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أن ما أتاك هو

الحق الذي لا مدخل فيه للمرية، فلا تكونن من الممترين " ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله " أي أثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك وانتفاء التكذيب، و بجوز أن يكون ذلك على سبيل التهييج وإظهار التسدد، ولذلك قال صلى الله عليه وآله عند نزوله:

لا أشك ولا أسأل أشهد أنه الحق انتهى.

وذكر الطبرسي رحمه الله أكثر تلك الوجوه، وقال بعد إيراد الوجه الأول من الوجوه الذي ذكره الرازي: وروى عن الحسن وقتادة وسعيد بن جبير أنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يشك ولم يسأل وهو المروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، وقال بعد إيراد الوجوه في سؤال أهل الكتاب: وقال الزهري: إن هذه الآية نزلت في السماء، فان صح ذلك فقد كفى المؤونة، ورواه أصحابنا أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل أيضا: إن المراد بالشك الضيق والشدة بما يعاينه من تعنتهم وأذاهم، أي إن ضقت ذرعا بما تلقى من أذى قومك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم فاصبر كذلك.

قوله تعالى: " فلا تك في مرية " أي في شك، وقد مر الكلام في أن النهي عن المرية لا يدل على حصولها، مع إمكان الخطاب العام. أو توجه الخطاب واقعا إلى الغير، " مما يعبد هؤلاء " أنه باطل، وأن مصير من يعبدهم إلى النار " ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل " أي من جهة التقليد بلا حجة " وإنا لموفوهم نصيبهم من العذاب غير منقوص " أي على مقدار ما يستحقونه، فآيسهم سبحانه بهذا القول عن العفو والمغفرة " فاستقم " أي على الوعظ والانذار والتمسك بالطاعة، والامر بها والدعاء إليها كما أمرت في القرآن وغيره " ومن تاب معك " أي وليستقم من تاب معك من الشرك كما أمروا، أو من رجع إلى الله وإلى نبيه، وقيل: استقم أنت على الأداء، وليستقيموا على القبول " ولا تطغوا " أي لا تجاوزوا أمر الله بالزيادة والنقصان فتخرجوا عن حد الاستقامة.

قال الطبرسي رحمه الله: قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله آية كانت أشد عليه ولا أشق من هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه: - حين قالوا له: أسرع إليك الشيب يا رسول الله - شيبتني. هود والواقعة.

قوله تعالى: " ولئن اتبعت أهوائهم " قد مر الكلام في مثله فلا نعيده، قال الطبرسي رحمه الله: خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، والمراد به الأمة " من ولي " أي ناصر يعينك عليه، ويمنعك من عذابه " ولا واق " يقيك منه قوله تعالى: " لا تجعل مع الله إلها آخر " قال الرازي: قال المفسرون: هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وآله ، ولكن المعنى عام لجميع المكلفين، ويحتمل أيضا أن يكون الخطاب للانسان، كأنه قيل: أيها الانسان لا تجعل مع الله إلها آخر، وهذا الاحتمال عندي أولى، لأنه تعالى عطف عليه قوله: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " إلى قوله: " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما " وهذا لا يليق بالنبي صلى الله عليه وآله، لان أبويه ما بلغا الكبر عنده، فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الانسان، وأما قوله:

" فتقعد " ففيه وجوه:

الأول: أن معناه المكث، أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا، وهذا معنى شائع لهذا اللفظ في عرف العرب والقرس.

الثاني: أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه.

الثالث: أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنما يتأتي بالقيام، وأما العاجز عن تحصيلها فإنه لا يسعى بل يبقى جالسا قاعدا عن الطلب

فالقعود كناية عن العجز والضعف، انتهى.

والكلام في الآية الثانية كالكلام في الأولى.

قوله: " مدحورا " أي مطرودا مبعدا عن رحمة الله.

قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك " قال الطبرسي رحمه الله: في سبب نزوله أقوال:

أحدها: أن قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وآله: لا ندعك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا، فحدث نفسه وقال: ما علي في أن ألم بها والله يعلم أني لها لكاره، ويدعونني أستلم الحجر، فنزلت، عن ابن جبير.

وثانيها: أنهم قالوا: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الضأن حتى نجالسك ونسمع منك فطمع في إسلامهم فنزلت.

ثالثها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج الأصنام من المسجد، فطلبت إليه قريش أن يترك صنما كان على المروة، فهم بتركه ثم أمر بكسره فنزلت ورواه العياشي بإسناده.

ورابعها: أنها نزلت في وفد ثقيف قالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال: لا تنحني، يعنون الصلاة، ولا تكسر أصنامنا بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال صلى الله عليه وآله:

لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود، فأما كسر أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وتوضأ، فقال عمر: ما بالكم آذيتم رسول الله صلى الله عليه وآله؟ إنه لا يدع الأصنام في أرض العرب، فما زالوا به حتى أنزل الله هذه الآيات عن ابن عباس.

وخامسها: أن وفد ثقيف قالوا: أجلنا سنة حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا، فإذا

قبضنا ذلك كسرناها وأسلمنا، فهم بتأجيلهم فنزلت عن الكلبي، فقال: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك " إن مخففة عن الثقيلة، والمعنى أن المشركين هموا و قاربوا أن يزيلوك ويصرفوك عن حكم القرآن " لتفتري علينا غيره " أي لتخترع علينا غير ما أوحيناه إليك، والمعنى لتحل محل المفتري، لأنك تخبر أنك لا تنطق إلا عن وحي، فإذا اتبعت أهوائهم أوهمت أنك تفعله بأمر الله فكنت كالمفتري " وإذا لاتخذوك خليلا " أي لتولوك وأظهروا صداقتك " ولولا أن ثبتناك " أي ثبتنا قلبك على الحق والرشد بالنبوة والعصمة والمعجزات، وقيل: بالألطاف الخفية " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " أي لقد قاربت أن تسكن إليهم بعض السكون، يقال: كدت أفعل كذا، أي قاربت أن أفعله ولم أفعله، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله قوله: " وضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يعمل به أو يتكلم " قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم والله أعلم بنيته، ثم توعده سبحانه على ذلك لو فعله فقال: " إذا لأذقناك ضعف الحيات وضعف الممات " أي لو فعلت ذلك لعذبناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، لان ذنبك أعظم، وقيل: المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه، قال ابن عباس: رسول الله صلى الله عليه وآله معصوم، ولكن هذا تخفيف لامته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شئ من أحكام الله وشرائعه " ثم لا تجد لك علينا نصيرا " أي ناصرا ينصرك.

وقال الرازي: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية بوجوه:

الأول: أنها دلت على أنه صلى الله عليه وآله قرب من أن يفتري على الله ، والفرية على الله من أعظم الذنوب.

الثاني: أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب أن يركن إلى دينهم.

الثالث: أنه لولا سبق جرم وجناية لم يحتج إلى ذكر هذا الوعيد الشديد.

والجواب عن الأول: أن (كاد) معناه المقاربة، فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدل على الوقوع.

وعن الثاني أن كلمة (لولا) تفيد انتفاء الشئ، لثبوت غيره، تقول: لولا علي لهلك عمر، ومعناه أن وجود علي عليه السلام منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك ههنا فقوله: " ولولا أن ثبتناك " معناه لولا حصل تثبيت الله لك يا محمد، فكان تثبيت الله مانعا من حصول ذلك الركون.

وعن الثالث أن التهديد على المعصية لا يدل على الاقدام عليها، والدليل عليه آيات منها قوله تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل لاخذنا منه باليمين " الآيات، وقوله تعالى: " لئن أشركت " وقوله: " ولا تطع الكافرين " انتهى.

وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " يعني القرآن، ومعناه إني أقدر أن آخذ ما أعطيتك كما منعته غيرك، ولكن دبرتك بالرحمة لك فأعطيتك ما تحتاج إليه، ومنعتك ما لا تحتاج إلى النص عليه " ثم لا تجد لك به علينا وكيلا " أي ثم لو فعلنا ذلك لم تجد علينا وكيلا يستوفي ذلك منا.

قوله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك " قال الرازي: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول لما رأى إعراض قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ ينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل تعالى سورة " النجم إذا هوى " فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بلغ " أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى " ألقى الشيطان على لسانه " تلك الغرانيق العلى * منها الشفاعة ترتجى " فلما سمعت قريش فرحوا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله في قراءته وقرأ السورة كلها فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد ابن المغيرة وسعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: ماذا صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله؟ وقلت: ما لم أقل

لك؟ فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا عظيما حتى نزل قوله:

" وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " الآية، هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين وأما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا بالقرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فوجوه:

أحدها: قوله تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ".

وثانيها: " قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ".

وثالثها: قوله: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد أظهر كذب الله تعالى في الحال، و ذلك لا يقول به مسلم.

ورابعها: قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك " وكاد معناه قرب أن يكون الامر كذلك مع أنه لم يحصل.

وخامسها: قوله: " ولولا أن ثبتناك " وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لانتفاء غيره، فدل على أن الركون القليل لم يحصل.

وسادسها: قوله: " كذلك لنثبت به فؤادك ".

وسابعها: قوله: " سنقرئك فلا تنسى ".

وأما السنة فهي أنه روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابا.

وقال الإمام أبو بكر البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله قرأ سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والانس والجن وليس فيه حديث الغرانيق، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وآله تعظيم الأوثان فقد كفر، لان من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وآله كان في نفي الأوثان.

وثانيها: أنه صلى الله عليه وآله ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنا لأذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم.

وثالثها: أن معاداتهم للرسول صلى الله عليه وآله كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الامر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.

ورابعها: قوله: " فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته " وذلك أن إحكام الآيات بإزالة تلقية الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تنتفي الشبهة معها، فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى.

وخامسها: وهو أقوى الوجوه أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا

في كل واحد من الاحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: " بلغ ما انزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فإنه لا فرق بين النقصان عن الوحي، وبين الزيادة فيه، فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الاجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة، ولنشرع الآن في التفصيل فنقول: التمني جاء في اللغة لامرين: أحدهما: تمني القلب، والثاني:

القراءة، قال الله تعالى : " ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني " أي إلا قراءة، لان الأمي لا يعلم القرآن من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان:

تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى الحمام المقادر فأما إذا فسرنا بالقراءة ففيه قولان:

الأول: إنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول فيه ويشتبه على القارئ، دون ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العلى.

الثاني: المراد فيه وقوع هذه الكلمة في قراءته، ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه:

الأول: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يتكلم بقوله: تلك الغرانيق العلى، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به لكنه صلى الله عليه وآله لما قرأ سورة النجم اشتبه الامر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه، وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال، وهو ضعيف لوجوه:

أحدها أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه.

وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض، فإن العادة

مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة الواحدة على حال واحدة في المحسوسات.

وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان.

الوجه الثاني: قالوا: إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن، وذلك بأن تكلم بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول، قالوا: والذي يؤكده أنه لا خلاف أن الجن والشياطين متكلمون، فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول صلى الله عليه وآله فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول صلى الله عليه وآله، وعند سكوته، فإذا سمع الحاضرون ظنوا أنه كلام الرسول ثم لا يكون هذا قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا له، وهذا أيضا ضعيف، فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول صلى الله عليه وآله بما يشتبه على السامعين كونه كلاما للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول، فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع.

فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في الكل، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله أن يشرح الحال فيه، كما في هذه الواقعة، إزالة للتلبيس.

قلنا: لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات، وإذا لم يجب على الله ذلك يمكن الاحتمال في الكل.

الوجه الثالث: أن يقال: المتكلم بذلك بعض شياطين الانس وهم الكفرة، فإنه صلى الله عليه وآله لما انتهي في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر: تلك الغرانيق العلى، فاشتبه الامر على القوم لكثرة لغط القوم، وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه، وإخفاء قراءته، ولعل

ذلك في صلاته، لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل: إنه صلى الله عليه وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات، فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وآله، ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولا، أو لأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم نفسه شيطانا، وهذا أيضا ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وآله إزالة الشبهة وتصريح الحق، وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت، ولو فعل ذلك كان ذلك أولى بالنقل فإن قيل: إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وآله ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة دون هذه الزيادة، فلم يكن ذلك مؤديا إلى التلبيس كما لم يؤد سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس قلنا: إن القرآن لم يكن مستقرا على حالة واحدة في زمن حياته، لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور، فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سببا لزوال اللبس، وأيضا فلو كان كذلك لما استحق العقاب من الله على ما رواه القوم.

الوجه الرابع: وهو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه وآله، ثم إن هذا يحتمل ثلاثة أوجه: فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوا، أو قسرا، أو اختيارا، أما الأول فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي عند المقام، فسها وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد، وفرح المشركون مما سمعوا، فأتاه جبرئيل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال:

لم آتك بهذا، فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن نزلت هذه الآية، وهذا أيضا ضعيف من وجوه:

أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع.

وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها.

وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهوا، فكيف لم ينتبه لذلك حين قرأها على جبرئيل عليه السلام وذلك ظاهر.

وأما الوجه الثاني فهو أنه صلى الله عليه وآله تكلم قسرا بذلك فهو الذي قال قوم: إن الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وآله على التكلم به، وهذا أيضا فاسد لوجوه:

أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي صلى الله عليه وآله لكان اقتداره علينا أكثر، فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشيطان.

وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الاجبار لارتفع الأمان عن الوحي، لقيام هذا الاحتمال.

وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيا عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وقال تعالى:

" إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه " وقال: " إلا عبادك منهم المخلصين " ولا شك أنه صلى الله عليه وآله كان سيد المخلصين.

وأما الوجه الثالث وهو أنه صلى الله عليه وآله تكلم بذلك اختيارا وههنا وجهان:

أحدهما: أن نقول: إن هذه الكلمة باطلة.

والثاني: أن نقول: إنها ليست كلمة باطلة، أما على الوجه الأول فذكروا فيه طريقين: الأول قال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانا يقال له: الأبيض أتاه على صورة جبرئيل عليه السلام، وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها، فسمع المشركون ذلك و أعجبهم، فجاءه جبرئيل عليه السلام واستعرضه، فقرأ السورة فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبرئيل عليه السلام: أنا ما جئتك بهذه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه أتاني آت على صورتك فألقاه على لساني.

الطريق الثاني: قال بعض الجهال إنه صلى الله عليه وآله لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه، ثم رجع عنها، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم البتة، لان الأول يقتضي أنه صلى الله عليه وآله ما كان يميز بين الملك المعصوم، والشيطان الخبيث.

والثاني: يقتضي أنه كان خائنا في الوحي، وكل واحد منهما خروج عن الدين.

وأما الوجه الثاني: وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة، فههنا أيضا طرق:

الأول: أن يقال: الغرانيق هم الملائكة وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

الثاني: أن يقال: إن المراد منه الاستفهام على سبيل الانكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى؟

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.