پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 16 سهوه ونومه صلى الله عليه وآله عن الصلاة

ج ۱۷، ص ۹۶–۱۲۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

الآيات: الانعام " 6 ": وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين 68.

الكهف " 18 ": واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى ربي أن يهدين لأقرب من هذا رشدا 24.

الاعلى " 87 ": سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله 6 و 7.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قيل:

الخطاب له والمراد غيره، ومعنى " يخوضون " يكذبون بآياتنا وديننا، والخوض: التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم والتبين " فأعرض عنهم " أي فاتركهم ولا تجالسهم " حتى يخوضوا في حديث غيره " أي يدخلوا في حديث غير الاستهزاء بالقرآن " وإما ينسينك الشيطان " أي وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم " فلا تقعد بعد الذكرى " أي بعد ذكرك نهينا وما يجب عليك من الاعراض " مع القوم الظالمين "

يعني في مجالس الكفار والفساق الذين يظهرون التكذيب بالقرآن والآيات والاستهزاء بذلك، قال الجبائي: وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الإمامية في جواز التقية على الأنبياء والأئمة، وأن النسيان لا يجوز على الأنبياء، وهذا القول غير صحيح ولا مستقيم، لان الامامية إنما تجوز التقية على الامام فيما يكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلف مزاح العلة في تكليفه ذلك، فأما ما لا يعرف إلا بقول الامام من الاحكام ولا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز عليه التقية فيه، وهذا كما إذا تقدم من النبي صلى الله عليه وآله بيان في شئ من أحكام الشريعة، فإنه يجوز منه أن لا يبين في حال أخرى لامته ذلك الشئ إذا اقتضته المصلحة، وأما النسيان والسهو فلم يجوز وهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى، فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤد ذلك إلى إخلال بالعقل، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم و الاغماء وهما من قبيل السهو، فهذا ظن منه فاسد، وبعض الظن إثم انتهى كلامه رحمه الله.

وفيه من الغرابة ما لا يخفى، فإنا لم نر من أصحابنا من جوز عليهم السهو مطلقا في غير التبليغ، وإنما جوز الصدوق وشيخه الاسهاء من الله لنوع من المصلحة، ولم أر من صرح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم، مع أن ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقا بين الامامية، إلا أن يقال: مراده عدم اتفاقهم على ذلك، وأما النوم فستعرف ما فيه، فالأصوب حمل الآية على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ظاهرا، والمراد غيره، أو هو من قبيل الخطاب العام كما عرفت في الآيات السابقة في الباب المقدم، و العجب أن الرازي تعرض لتأويل الآية مع أنه لا يأبى عن ظاهره مذهبه: وهو رحمه الله أعرض عنه.

قال الرازي في تفسيره: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد غيره، وقيل: الخطاب لغيره، أي إذا رأيت أيها السامع " الذين يخوضون في آياتنا " ونقل الواحدي أن

المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وآله والقرآن، فشتموا واستهزؤا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انتهى.

وأما النسيان في الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد به الترك، كما ورد كثيرا في الآيات، وهو مصرح به في كتب اللغة، والآية الثالثة إخبار بعدم النسيان، وأما الاستثناء بالمشية فقال البيضاوي: " إلا ما شاء الله " نسيانه بأن ينسخ تلاوته، و قيل: المراد به القلة والندرة، لما روي أنه صلى الله عليه وآله أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها، أو نفي النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي انتهى.

وقال الرازي في تفسيره: قال الواحدي: " سنقرئك " أي سنجعلك قاريا بأن نلهمك القراءة " فلا تنسى " ما تقرؤه وكان جبرئيل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان، فقال الله: " سنقرئك فلا تنسى " أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه، ثم ذكروا في كيفية ذلك وجوها:

أحدها: أن جبرئيل سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه.

وثانيها: أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه، وقيل: قوله: " فلا تنسى " معناه النهي، والألف مزيدة للفاصلة، يعني فلا تغفل عن قراءته وتكريره أما قوله: " إلا ما شاء الله " ففيه احتمالان:

أحدهما: أن يقال: هذه الاستثناء غير حاصل في الحقيقة، وأنه لم ينس بعد نزول

هذه الآية شيئا، فذكره إما للتبرك، أو لبيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه، حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله تعالى، أو لان يبالغ في التثبت والتيقظ والتحفظ في جميع المواضع، أو يكون الغرض منع النسيان، كما يقول الرجل لصاحبه:

أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء.

وثانيهما: أن يكون استثناء في الحقيقة بأن يكون المراد إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك، كما روي أنه صلى الله عليه وآله نسي في الصلاة آية، أو يكون المراد بالانساء النسخ، أو يكون المراد القلة والندرة، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن انتهى.

1 - التهذيب: الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت: فيما يروي الناس، فذكر له حديث ذي الشمالين، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل.

2 - التهذيب: الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين، ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت، فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستقبل حين صلى ركعتين، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينفتل من موضعه.

3 - التهذيب: سعد عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحارث بن المغيرة قال:

قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا صلينا المغرب فسها الامام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة، فقال: لم أعدتم؟ أليس قد انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين فأتم بركعتين، ألا أتممتم.

4 - التهذيب: سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ثم قام فأضاف إليها ركعتين.

5 - التهذيب: سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر خمس ركعات، ثم انفتل، فقال له بعض القوم: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شئ؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس، ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان.

6 - التهذيب: أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن زيد الشحام قال: قال: إن نبي الله صلى بالناس ركعتين، ثم نسي حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ؟ فقال: أيها الناس أصدق ذو الشمالين؟

فقالوا: نعم لم تصل إلا ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته.

7 - التهذيب: محمد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن عمر بن يزيد، عن ابن سنان، عن أبي سعيد القماط قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى - وساقه إلى أن قال عليه السلام: - كل ذلك واسع، إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه أن يبني على صلاته، ثم ذكر سهو النبي صلى الله عليه وآله.

8 - التهذيب: محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام هل سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدتي السهو قط؟ فقال: لا ولا سجدهما فقيه.

أقول: قال الشيخ رحمه الله في التهذيب بعد إيراد هذا الخبر: الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر، فأما الاخبار التي قدمناها من أن النبي صلى الله عليه وآله سها فسجد فإنها موافقة للعامة، وإنما ذكرناها لان ما يتضمنه من الاحكام معمول بها على ما بيناه وقال رحمه الله في مقام آخر في الجمع بين الاخبار: مع أن في الحديثين الأولين ما يمنع من التعلق بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلى الله عليه وآله، وهذا مما تمنع العقول منه.

وقال رحمه الله في الاستبصار بعد ذكر خبرين من الأخبار السابقة: مع أن في الحديثين ما يمنع من التعلق بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلى الله عليه وآله، وذلك مما يمنع منه الأدلة القاطعة في أنه لا يجوز عليه السهو والغلط.

وقال الصدوق رحمه الله في الفقيه: إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله ويقولون: لو جاز أن يسهو صلى الله عليه وآله في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ لان الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة، وهذا لا يلزمنا، وذلك لان جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي صلى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي، وليس كل من سواه بنبي كهو، فالحالة التي اختص بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع في الصلاة،

لأنها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها يثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عز وجل من غير إرادة له وقصد منه إليه نفي الربوبية عنه، لان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم، وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله كسهونا، لان سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام سلطان، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، وعلى من تبعه من الغاوين، ويقول الدافعون لسهو النبي: إنه لم يكن في الصحابة من يقال له: ذو اليدين، وإنه لا أصل للرجل ولا للخبر، وكذبوا، لان الرجل معروف وهو أبو محمد عمير بن عبد عمر المعروف بذي اليدين، فقد نقل عنه المخالف والموافق، وقد أخرجت عنه أخبارا في كتاب وصف قتال القاسطين بصفين، وكان شيخنا محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة من الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله، ولو جاز أن يرد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن يرد جميع الأخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة، وأنا أحتسب الاجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله والرد على منكريه إن شاء الله.

9 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس، قال: يصليها حين يذكرها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين

استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى.

10 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصبح والله عز وجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه، وكان ذلك رحمة من ربك للناس، ألا ترى لو أن رجلا نام حتى طلعت الشمس لعيره الناس وقالوا: لا تتورع لصلاتك، فصارت أسوة وسنة، فإن قال رجل لرجل: نمت عن الصلاة، قال: قد نام رسول الله صلى الله عليه وآله، فصارت أسوة و رحمة، رحم الله سبحانه بها هذه الأمة.

11 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة ابن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الظهر ركعتين ثم سها فسلم، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أنزل في الصلاة شئ؟ فقال: وما ذلك (5)؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو، قال: قلت: أرأيت من صلى ركعتين وظن أنهما أربعا فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب أنه إنما صلى ركعتين، قال: يستقبل الصلاة من أولها، قال: قلت: فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته؟

فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبرح من مجلسه، فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الأولتين.

التهذيب: الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن ذرعة، عن سماعة مثله.

12 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن منصور بن العباس، عن عمرو بن سعيد، عن الحسن ابن صدقة قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام أسلم رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين الأولتين؟ فقال: نعم قلت: وحاله حاله؟ قال: إنما أراد الله عز وجل أن يفقههم.

13 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان، عن سعيد الأعرج قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سلم في ركعتين، فسأله من خلفه يا رسول الله صلى الله عليه وآله أحدث في الصلاة شئ؟! قال: وما ذاك؟ قالوا: إنما صليت ركعتين، فقال: أكذاك يا ذا اليدين؟ وكان يدعى ذا الشمالين، فقال: نعم: فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا، وقال: إن الله هو الذي أنساه رحمة للأمة، ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعير، وقيل: ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذاك قال: قد سن رسول الله صلى الله عليه وآله وصارت أسوة، وسجد سجدتين لمكان الكلام.

14 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي ، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن الهروي قال:

قلت للرضا عليه السلام يا ابن رسول الله إن في الكوفة قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو الخبر.

15 - المحاسن: جعفر بن محمد بن الأشعث، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة، وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لأصحابه هل أسقطت شيئا في القرآن (6)؟ قال: فسكت القوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أفيكم أبي ابن كعب؟ فقالوا: نعم، فقال: هل أسقطت فيها بشئ؟ قال: نعم يا رسول الله إنه كان كذا وكذا، فغضب صلى الله عليه وآله ثم قال: ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يتلى عليهم

منه ولا يترك؟! هكذا هلكت بنوا إسرائيل، حضرت أبدانهم، وغابت قلوبهم، ولا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه.

بيان: أقول: في هذا الحديث مع ضعف سنده إشكال من حيث اشتماله على التعيير بأمر مشترك، إلا أن يقال: إنه صلى الله عليه وآله إنما فعل ذلك عمدا لينبههم على غفلتهم، و كان ذلك لجواز الاكتفاء ببعض السورة كما ذهب إليه كثير من أصحابنا، أو لان الله تعالى أمره بذلك في خصوص تلك الصلاة لتلك المصلحة، والقرنية عليه ابتداؤه صلى الله عليه وآله بالسؤال، أو يقال: إنما كان الاعتراض على اتفاقهم على الغفلة واستمرارهم عليها.

16 - بصائر الدرجات: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل للنبي صلى الله عليه وآله خمسة أرواح: روح الحياة، فيه دب ودرج، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الايمان فيه أمر وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله انتقل روح القدس، فصار في الامام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو، والأربعة الأرواح تنام وتلهو وتغفل وتسهو، وروح القدس ثابت يرى به ما في شرق الأرض وغربها وبرها وبحرها، قلت: جعلت فداك يتناول الامام ما ببغداد بيده؟ قال: نعم وما دون العرش.

الاختصاص: سعد، عن إسماعيل بن محمد البصري، عن عبد الله بن إدريس مثله.

أقول: سيأتي أخبار كثيرة في أن روح القدس لا يلهو ولا يسهو ولا يلعب.

17 - من لا يحضره الفقيه: الحسن بن محبوب، عن الرباطي، عن سعيد الأعرج قال،: سمعت

أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلى الله عليه وآله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر وأسهاه في صلاته، فسلم في الركعتين، ثم وصف ما قاله ذو الشمالين، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الأمة، لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فقال: قد أصاب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.

أقول: قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة قال:

فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك مني، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر عليه السلام فحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وآله عرس في بعض أسفاره وقال: من يكلؤنا فقال بلال: أنا، فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس، فقال: يا بلال ما أرقدك؟ فقال:

يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة، وقال: يا بلال أذن، فأذن، فصلى رسول الله ركعتي الفجر وأمر أصحابه فصلوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلى بهم الصبح، ثم قال: من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: " وأقم الصلاة لذكري " قال زرارة: فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه، فقال: نقضت حديثك الأول، فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فأخبرته بما قال القوم، فقال: يا زرارة ألا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان جميعا، وأن ذلك كان قضاء من رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم قال الشهيد رحمه الله: ولم أقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة، وقد روى العامة عن أبي قتادة وجماعة من الصحابة في هذه الصورة أن النبي صلى الله عليه وآله امر بلالا فأذن فصلى ركعتي الفجر ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر انتهى.

وقال شيخنا البهائي قدس الله روحه بعد نقل هذا الخبر وخبر ابن سنان: وربما يظن تطرق الضعف إليهما لتضمنهما لما يوهم القدح في العصمة، لكن قال شيخنا في الذكرى أنه لم يطلع على راد لهما من هذه الجهة، وهو يعطي تجويز الأصحاب صدور ذلك و أمثاله عن المعصوم، وللنظر فيه مجال واسع انتهى.

تبيين: اعلم بعدما أحطت خبرا بما أسلفناه من الاخبار والأقوال أنا قد قدمنا القول في عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم في كتاب النبوة، وذكرت هناك أن أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والإمامة وبعدهما: بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد قدس الله روحهما فجوزا الاسهاء من الله تعالى، لا السهو الذي يكون من الشيطان، ولعل خروجهما لا يخل بالاجماع، لكونهما معروفي النسب، وأما السهو في غير ما يتعلق بالواجبات و المحرمات كالمباحات والمكروهات فظاهر أكثر أصحابنا أيضا الاجماع على عدم صدوره عنهم، ويدل على جملة ذلك كونه سببا لتنفير الخلق منهم، ولما عرفت من بعض الآيات والاخبار في ذلك، لا سيما في أقوالهم عليهم السلام لقوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " وقوله تعالى: " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " ولعموم ما دل على التأسي بهم عليهم السلام في جميع أقوالهم وأفعالهم، وما ورد في وجوب متابعتهم، وفي الخبر المشهور عن الرضا عليه السلام في وصف الامام " فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن من الخطاء والزلل والعثار " وسيأتي في تفسير النعماني في كتاب القرآن بإسناده عن إسماعيل بن جابر، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام في بيان صفات الإمام قال:

" فمنها أن يعلم الامام المتولي عليه أنه معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، لا

يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب، ولا يسهو ولا ينسى، ولا يلهو بشئ من أمر الدنيا - وساق الحديث الطويل إلى أن قال: - وعدلوا عن أخذ الاحكام من أهلها ممن فرض الله طاعتهم ممن لا يزل ولا يخطئ ولا ينسى " وغيرها من الأخبار الدالة بفحاويها على تنزههم عنها، وكيف يسهو في صلاته من كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولم يغير النوم منه شيئا، ويعلم ما يقع في شرق الأرض وغربها، ويكون استغراقه في الصلاة بحيث لا يشعر بسقوط الرداء عنه ولا ما يقع عليه.

وقال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: ويجب في النبي صلى الله عليه وآله العصمة ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض، ولوجوب متابعته وضدها، وللانكار عليه، وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو، وكلما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهر الأمهات والفظاظة والغلظ والابنة وشبهها والاكل على الطريق وشبهه.

وقال العلامة الحلي قدس الله روحه في شرح الكلام الأخير، أي يجب في النبي كمال العقل وهو ظاهر، وأن يكون في غاية الذكاء والفطنة وقوة الرأي بحيث لا يكون ضعيف الرأي، مترددا في الأمور متحيرا، لان ذلك من أعظم المنفرات عنه، وأن لا يصح عليه السهو لئلا يسهو عن بعض ما امر بتبليغه، وأن يكون منزها عن دناءة الآباء وعهر الأمهات، لان ذلك منفر عنه، وأن يكون منزها عن الفظاظة والغلظة لئلا تحصل النفرة عنه، وأن يكون منزها عن الأمراض المنفرة نحو الابنة، وسلس الريح، والجذام والبرص، وعن كثير من المباحات الصارفة عن القبول منه القادحة في تعظيمه نحو الاكل على الطريق وغير ذلك، لان كل ذلك مما ينفر عنه، فيكون منافيا للغرض من البعثة انتهى.

وقال المحقق رحمه الله في النافع: والحق رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة.

وقال الشيخ المفيد نور الله ضريحه فيما وصل إلينا من شرحه على عقائد الصدوق رضي الله عنه: فأما نص أبي جعفر رحمه الله بالغلو على من نسب مشايخ القميين وعلمائهم إلى التقصير فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس إذا، وفي جملة المشار إليهم بالشيخوخية والعلم من كان مقصرا، وإنما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحققين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قم أو غيرها من البلاد، وسائر الناس، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله لم نجد لها دافعا في التقصير، وهي ما حكي عنه أنه قال: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليه السلام، فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع أنه من علماء القميين ومشيختهم انتهى كلامه زاد الله إكرامه.

وقال العلامة رحمه الله في المنتهى في مسألة التكبير في سجدتي السهو: احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم كبر وسجد، والجواب: هذا الحديث عندنا باطل لاستحالة السهو على النبي صلى الله عليه وآله.

وقال في مسألة أخرى: قال الشيخ: وقول مالك باطل لاستحالة السهو على النبي صلى الله عليه وآله.

وقال الشهيد رحمه الله في الذكرى: وخبر ذي اليدين متروك بين الامامية لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي صلى الله عليه وآله عن السهو، لم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه.

فإذا عرفت ذلك فلنتكلم فيما تقدم من الاخبار فإنها مع كثرتها مشتملة على سهو النبي صلى الله عليه وآله فحملها الأكثر على التقية لاشتهارها بين العامة ، وبعضهم طرحها لاختلافها ومخالفتها لأصول المذهب من حيث ترك النبي صلى الله عليه وآله الصلاة الواجبة وإن كان سهوا، وإخباره بالكذب في قوله: " كل ذلك لم يكن " على ما رواه المخالفون، وعدم الإعادة مع التكلم فيها عمدا، وفي بعضها مع الاستدبار على ما رووه، ولمخالفتها لموثقة ابن بكير أن النبي صلى الله عليه وآله لم يسجد للسهو قط، وحملها على أنه صلى الله عليه وآله إنما فعل ذلك عمدا بأمره تعالى لتعليم الأمة أو لبعض المصالح بعيد، وكذا حمل الكلام على الإشارة أبعد.

قال العلامة رحمه الله في المنتهى والتذكرة بعد إيراد الخبر الذي رواه المخالفون عن أبي هريرة في قضية ذي اليدين: والجواب أن هذا الحديث مردود من وجوه:

أحدها: أنه يتضمن إثبات السهو في حق النبي صلى الله عليه وآله وهو محال عقلا، وقد بينا في كتب الكلام.

الثاني: أن أبا هريرة أسلم بعد أن مات ذو اليدين بسنتين، فإن ذا اليدين قتل يوم بدر وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين، واعترض على هذا بأن الذي قتل يوم بدر ذو الشمالين واسمه عبد بن عمرو بن نضلة الخزاعي،

وذو اليدين عاش بعد وفات النبي صلى الله عليه وآله ومات في أيام معاوية، وقبره بذي خشب، واسمه الخرباق، والدليل عليه أن عمران بن حصين روى هذا الحديث فقال فيه: فقام الخرباق فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟

وأجيب بأن الأوزاعي روى فقال: فقام ذو الشمالين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله صلى، وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة، وروى الأصحاب أن ذا اليدين كان يقال له: ذو الشمالين رواه سعيد الأعرج عن أبي عبد الله عليه السلام.

الثالث: أنه روي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال: " كل ذلك لم يكن " وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: " إنما السهو لكم " وروي أنه قال: " لم انس ولم تقصر الصلاة " انتهى.

وروى الحسين بن مسعود من علماء المخالفين في شرح السنة بإسناده عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فأتم رسول الله صلى الله عليه وآله ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.

ثم قال: هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن قتيبة، عن مالك، وأخرجاه من طرق عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.

وبالاسناد عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا قال: - فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، و وضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه

اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل في يده طول يقال له: ذو اليدين، فقال:

يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما قال ذو اليدين؟

فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجوده مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر، فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.

هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن عمرو الناقد وغيره، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين.

وقوله: خرجت السرعان هم المنصرفون عن الصلاة بسرعة، واحتج الأوزاعي بهذا الحديث على أن كلام العمد إذا كان من مصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة، لان ذا اليدين تكلم عامدا، فكلم النبي صلى الله عليه وآله القوم عامدا والقوم أجابوا رسول الله صلى الله عليه وآله بنعم عامدين مع علمهم بأنهم لم يتموا الصلاة، ومن ذهب إلى أن غير كلام الناسي يبطل الصلاة زعم أن هذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة ثم نسخ، ولا وجه لهذا الكلام من حيث أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة وحدوث هذا الامر إنما كان بالمدينة، لان راويه أبو هريرة وهو متأخر الاسلام وقد رواه عمران بن حصين وهجرته متأخرة، فأما كلام القوم فروي عن ابن سيرين أنهم أومأوا أي نعم، ولو صح أنهم قالوا بألسنتهم فكان ذلك جوابا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وإجابة الرسول لا يبطل الصلاة، وأما ذو اليدين فكلامه كان على تقدير النسخ وقصر الصلاة، وكان الزمان زمان نسخ، فكان كلامه على هذا التوهم في حكم كلام الناسي، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله جرى على أنه أكمل الصلاة، فكان في حكم الناسي، وقوله: " لم أنس " دليل على أن من قال ناسيا: لم أفعل كذا وكان فعل لا يعد كاذبا، لان الخطأ والنسيان عن الانسان مرفوع.

وبسند آخر عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج مغضبا يجر رداءه، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم،

ثم سجد سجدتين ثم سلم، ولم يذكروا التشهد، وفي الحديث دليل على أن من تحول عن القبلة ساهيا لا إعادة عليه انتهى.

أقول: لا يخفى عليك الاختلاف الواقع بيننا وبينهم في نقل هذا الخبر، ففي أكثر أخبارنا أنها كانت صلاة الظهر، وفي أكثر أخبارهم أنها كانت صلاة العصر، وفي بعض أخبارهم أنه سلم عن ركعتين، وفي بعضها أنه سلم عن ثلاث، وفي بعضها أنه صلى الله عليه وآله دخل منزله، وهو متضمن للاستدبار المبطل عندنا مطلقا، وفي بعضها ما ظاهره أنه كان في موضع الصلاة إلى غير ذلك من الاختلافات التي تضعف الاحتجاج بالخبر.

وقال الآبي في إكمال الاكمال بعض شروح صحيح مسلم في قوله: فقام ذو اليدين وفي رواية: رجل من بني سليم، وفي رواية: رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول وفي رواية: رجل بسيط اليدين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين، وفي رواية: صلاة الظهر.

قال المحققون: هما قضيتان، وفي حديث عمران بن الحصين: وسلم في ثلاث ركعات من العصر، فهذه قضية ثالثة في يوم آخر، وفي قوله: " كل ذلك لم يكن " تأويلان:

أحدهما: لم يكن المجموع، ولا ينفي وجود أحدهما.

والثاني: وهو الصواب: لم يكن ذاك ولاذا في ظني بل ظني أني أكملت الصلاة أربعا، ثم قال: وهذا يدل على جواز النسيان في الافعال والعبادات على الأنبياء، وأنهم لا يقرون عليه، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الاسلام عن بدر، لان الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله أو صحابي آخر.

ثم أطال الكلام في ذلك إلى أن قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لان ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكروه فيمن قتل يوم بدر، قال ابن إسحاق ذوا

الشمالين هو عمير بن عمرو بن غيشان من خزاعة، قال أبو عمرو: فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة، وما ذكرنا من قصة ذي اليدين أن المتكلم رجل من بني سليم كما ذكره مسلم، وفي رواية ابن الحصين اسمه الخرباق، فذوا اليدين الذي شهد السهو سلمي، وذو اليدين المقتول ببدر خزاعي يخالفه في الاسم والنسب انتهى وقال القاضي عياض في كتاب الشفاء : اعلم أن الطواري من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا تخلو أن تطرأ على جسمه أو على حواسه بغير قصد واختيار، كالأمراض والأسقام، أو بقصد واختيار، وكله في الحقيقة عمل وفعل، ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع: عقد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغييرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها، والنبي صلى الله عليه وآله وإن كان من البشر ويجوز على جبلته صلى الله عليه وآله ما يجوز على جبلة البشر فقد قامت البراهين القاطعة وتمت كلمة الاجماع على خروجه عنهم، وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الاختيار وعلى غير الاختيار، فأما حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وآله من وقت نبوته فاعلم أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته والايمان به و بما أوحى إليه فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء عن الجهل بشئ من ذلك أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين هذا ما وقع عليه إجماع المسلمين، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والشك في شئ من ذلك.

وأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوة علما ويقينا على الجملة وأنها قد احتزت من المعرفة بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من الشيطان، وكفايته منه، لا في جسمه بأنواع الأذى،

ولا على خاطره بالوساوس وأما أقواله صلى الله عليه وآله فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الاخبار عن شئ منها بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا وغلطا وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الاخبار التي لا مستند لها إلى الاحكام ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحي بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وآله عن أن يقع خبره في شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا، وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وفي حال سخطه وجده ومزحه وصحته ومرضه، ودليله اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من ديدن الصحابة وعادتهم ومبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شئ منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا.

وأيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شئ من الاخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان استريب بخبره، واتهم في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعا، ثم قال: و الصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره، وسهوه وعمده، إذ عمدة النبوة البلاغ، والاعلام والتبيين، وتجويز شئ من هذا قادح في ذلك مشكك.

ثم قال: فإن قلت: فما معنى قوله صلى الله عليه وآله في حديث السهو: كل ذلك لم يكن، فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة: أما على القول بتجويز الوهم والغلط فيما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي زيفناه فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه، وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة، ويرى أنه في مثل هذا عامد بصورة النسيان ليسن فهو صادق في خبره، لأنه لم ينس ولا قصرت، وهو قول مرغوب عنه، وأما على إحالة السهو عليه في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول ففيه أجوبة:

منها أنه صلى الله عليه وآله أخبر عن اعتقاده وضميره، أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا و

ظاهرا، وأما النسيان فأخبر صلى الله عليه وآله عن اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه، فكأنه قصد بهذا الخبر عن ظنه ومنها: أن قوله: " لم أنس " راجع إلى السلم، أي أني سلمت قصدا، وسهوت عن العدد.

ومنها: أن المراد لم يجتمع القصر والنسيان، بل كان أحدهما، ومفهوم اللفظ خلافه.

ومنها: أن المراد ما نسيت ولكن أنسيت كما ورد في الحديث: " لست أنسي ولكن انسي.

ومنها: أنه نفى النسيان وهو غفلة وآفة، ولكنه سها، والسهو إنما هو شغل بال.

وأما ما يتعلق بالجوارح من الاعمال فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الفواحش والكبائر الموبقات، وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء، وذهب طائفة أخرى إلى الوقف، وذهب طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر أيضا، وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة، وأسقطت المروءة وأوجبت الازراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعا، وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا.

وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم، وجوزها آخرون، والصحيح تنزيههم من كل عيب، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب.

ثم قال: هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الاعمال عن قصد، وما يكون بغير قصد وتعمد كالسهو والنسيان في الوظائف الشرعية فأحوال الأنبياء عليهم السلام في ترك المؤاخذة به

وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء، ثم ذلك على نوعين: ما طريقه البلاغ وتعليم الأمة بالفعل، وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه، أما الأول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول، لا يجوز طروء المخالفة فيها، لا عمدا ولا سهوا، واعتذروا عن أحاديث السهو بتوجيهات، وإلى هذا مال أبو إسحاق، وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الافعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوا وعن غير قصد منه جائز عليه، كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين الأقوال والافعال في ذلك، و القائلون بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم، على قول الآخرين، وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الاحكام، من أفعاله صلى الله عليه وآله وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه ما لم يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط فيها على سبيل الندرة، وذهبت طائفة إلى منع السهو النسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وآله جملة، وهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات انتهى ملخص كلامه.

وقد بسط القول فيها بما لا مزيد عليه، وإنما أوردت هذه الكلمات منها لتطلع على مذاهبهم في العصمة، فإذا أحطت خبرا بما تلونا عليك فاعلم أن هذه المسألة في غاية الاشكال، لدلالة كثير من الآيات والاخبار على صدور السهو عنهم عليهم السلام، نحو قوله تعالى:

" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " وقوله تعالى: " واذكر ربك إذا نسيت "، وقوله تعالى: " فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما " وقوله:

" فإني نسيت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " وقوله: " لا تؤاخذني بما نسيت "

وقوله تعالى: " فلا تنسى * إلا ما شاء الله، " وما أسلفنا من الاخبار وغيرها، وإطباق الأصحاب إلا ما شذ منهم على عدم جواز السهو عليهم، مع دلالة بعض الآيات والاخبار عليه في الجملة، وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأصول المبرهنة عليه، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب، وقبول الآيات للتأويل، والله يهدي إلى سواء السبيل.

قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب تنزيه الأنبياء: فإن قيل: ما معنى قوله: " لا تؤاخذني بما نسيت " وعندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام؟

فأجاب بأن فيه وجوها ثلاثة: أحدها: أنه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن الانسان ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك.

والوجه الثاني: أنه أراد لا تؤاخذني بما تركت، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال موسى عليه السلام: " لا تؤاخذني بما نسيت " يقول: بما تركت من عهدك.

والوجه الثالث: أنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه نسيانا للمشابهة، كما قال المؤذن لاخوة يوسف عليه السلام: " إنكم لسارقون " أي أنكم تشبهون السراق، وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها، وإذا حملناه على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أن النبي صلى الله عليه وآله إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه، أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه، فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنه إذا نسي أو سها في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمر

ولا يتصل فينسب إلى أنه مغفل أن ذلك غير ممتنع انتهى كلامه رحمه الله.

ويظهر منه عدم انعقاد الاجماع من الشيعة على نفي مطلق السهو عن الأنبياء عليهم السلام وبعد ذلك كله فلا معدل عما عليه المعظم لوثاقة دلائلهم، وكونه أنسب بعلو شأن الحجج عليهم السلام، ورفعة منازلهم، وأما أحاديث النوم عن الصلاة فقد روتها العامة أيضا بطرق كثيرة، كما رواه في شرح السنة بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين قفل خيبر أسرى حتى إذا كان من آخر الليل عرس، وقال لبلال: اكلا لنا الصبح، ونام رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وكلا بلال ما قدر له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس، ففزع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بلال، فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله: اقتادوا، فبعثوا رواحلهم فاقتادوا شيئا، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري.

ورواه بأسانيد أخرى بتغيير ما.

أقول: ولم أر من قدماء الأصحاب من تعرض لردها إلا شرذمة من المتأخرين ظنوا أنه ينافي العصمة التي ادعوها، وظني أن ما ادعوه لا ينافي هذا، إذ الظاهر أن مرادهم العصمة في حال التكليف والتمييز والقدرة وإن كان سهوا، وإن كان قبل النبوة و الإمامة، وإلا فظاهر أنهم عليهم السلام كانوا لا يأتون بالصلاة والصوم وسائر العبادات في حال رضاعهم، مع أن ترك بعضها من الكبائر، ولذا قال المفيد رحمه الله فيما نقلنا عنه: منذ أكمل الله عقولهم، وهذا لا ينافي الأخبار الواردة بأنهم عليهم السلام كانوا من الكاملين في عالم الذر، و يتكلمون في بطون أمهاتهم وعند ولادتهم، لان الله تعالى مع أنه أكمل أرواحهم في عالم

الذر ويظهر منهم الغرائب في سائر أحوالهم على وجه الاعجاز جعلهم مشاركين مع سائر الخلق في النمو وحالة الصبا والرضاع والبلوغ، وإن كان بلوغهم لكمال عقولهم قبل غيرهم، ولم يكلفهم في حال رضاعهم وعدم تمكنهم من المشي والقيام بالصلاة وغيرها، فإذا صاروا في حد يتأتى ظاهرا منهم الافعال والتروك لا يصدر منهم معصية فعلا وتركا وعمدا وسهوا وحالة النوم أيضا مثل ذلك، ولا يشمل السهو تلك الحالة، لكن فيه إشكال من جهة ما تقدم من الاخبار وسيأتي أن نومه صلى الله عليه وآله كان كيقظته، وكان يعلم في النوم ما يعلم في اليقظة، فكيف ترك صلى الله عليه وآله الصلاة مع علمه بدخول الوقت وخروجه؟، وكيف عول على بلال في ذلك مع أنه ما كان يحتاج إلى ذلك؟ فمن هذه الجهة يمكن التوقف في تلك الأخبار، مع اشتهار القصة بين المخالفين. واحتمال صدورها تقية، ويمكن الجواب عن الاشكال بوجوه:

الأول: أن تكون تلك الحالة في غالب منامه صلى الله عليه وآله، وقد يغلب الله عليه النوم لمصلحة، فلا يدري ما يقع، ويكون في نومه ذلك كسائر الناس كما يشعر به بعض تلك الأخبار.

الثاني: أن يكون مطلعا على ما يقع، لكن لا يكون في تلك الحالة مكلفا بإيقاع العبادات، فإن معظم تكاليفهم تابع لتكاليف سائر الخلق، فإنهم كانوا يعلمون كفر المنافقين ونجاسة أكثر الخلق وأكثر الأشياء وما يقع عليهم وعلى غيرهم من المصائب وغيرها ولم يكونوا مكلفين بالعمل بهذا العلم.

الثالث: أن يقال: كان مأمورا في ذلك الوقت من الله تعالى بترك الصلاة لمصلحة مع علمه بدخول الوقت وخروجه.

الرابع: أن يقال: لا ينافي اطلاعه في النوم على الأمور عدم قدرته على القيام ما لم تزل عنه تلك الحالة، فإن الاطلاع من الروح، والنوم من أحوال الجسد.

قال القاضي عياض في الشفاء: فإن قلت: فما تقول في نومه صلى الله عليه وآله عن الصلاة يوم الوادي وقد قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي؟

فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة:

الأول: أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات، وقد يندر منه غير ذلك كما يندر من غيره خلاف عادته، ويصحح هذا التأويل قوله في الحديث:

" إن الله قبض أرواحنا " وقول بلال فيه: " ما ألقيت على نومة مثلها قط " ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريد الله من إثبات حكم وتأسيس سنة وإظهار شرع، وكما قال في الحديث الآخر: " ولو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم ".

والثاني: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه، لما روي أنه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولم يتوضأ، وقيل: لا ينام من أجل أنه يوحى إليه في النوم وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال عليه السلام: " إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ".

فإن قيل: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: اكلالنا الصبح فقيل في الجواب: إنه كان من شأنه صلى الله عليه وآله التغليس بالصبح، ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة، فوكل بلالا بمراعاة أوله ليعلم بذلك، كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته انتهى كلامه.

ولم نتعرض لما فيه من الخطأ والفساد لظهوره، ولنختم هذا الباب بإيراد رسالة وصلت إلينا تنسب إلى الشيخ السديد المفيد، أو السيد النقيب الجليل المرتضى قدس الله روحهما، وإلى المفيد أنسب، وهذه صورة الرسالة بعينها كما وجدتها.

بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي اصطفى محمدا لرسالته، واختاره على علم للأداء عنه، وفضله على كافة خليقته، وجعله قدوة في الدين، وعصمه من الزلات، وبرأه من السيئات، وحرسه من الشبهات، وأكمل له الفضل، ورفعه في أعلى الدرجات، صلى الله عليه وآله الذين بمودتهم تنم الصالحات.

وبعد وقفت أيها الأخ وفقك الله لمياسير الأمور، ووقانا وإياك المعسور على ما كتبت به في معنى ما وجدته لبعض مشائخك بسنده إلى الحسن بن محبوب، عن الرباطي،

عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فيما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله من السهو في الصلاة والنوم عنها حتى خرج وقتها، فإن الشيخ الذي ذكرته زعم أن الغلاة تنكر ذلك وتقول: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لان الصلاة فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة، فرد هذا القول بأن قال: لا يلزم من قبل أن جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي صلى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره من أمته - وساق كلام الصدوق إلى آخره نحوا مما أسلفنا - ثم قال: وسألت أعزك الله بطاعته أن أثبت لك ما عندي فيما حكيته عن هذا الرجل، وأبين عن الحق في معناه، وإنا نجيبك إلى ذلك، والله الموفق للصواب:

اعلم أن الذي حكيت عنه ما حكيت مما قد أثبتناه قد تكلف ما ليس من شأنه، فأبدى بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممن وفق لرشده لما تعرض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفته، لكن الهوى مرد لصاحبه، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال ، ونستهديه في سلوك نهج الحق، وواضح الطريق بمنه.

الحديث الذي روته الناصبة والمقلدة من الشيعة: " أن النبي صلى الله عليه وآله سها في صلاته فسلم في ركعتين ناسيا، فلما نبه على غلطه فيما صنع أضاف إليهما ركعتين، ثم سجد سجدتي السهو " من أخبار الآحاد التي لا تثمر علما، ولا توجب عملا، ومن عمل على شئ منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين، وقد نهى الله تعالى عن العمل على الظن في الدين، وحذر من القول فيه بغير علم يقين، فقال: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وقال: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " وقال: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن

السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " وقال: " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا " وقال: " إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون " وأمثال ذلك في القرآن مما يتضمن الوعيد على القول في دين الله بغير علم، والذم والتهديد لمن عمل فيه بالظن، واللوم له على ذلك، وإذا كان الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله سها من أخبار الآحاد التي من عمل عليها كان بالظن عاملا حرم الاعتقاد لصحته، ولم يجز القطع به، ووجب العدول عنه إلى ما يقتضيه اليقين من كماله صلى الله عليه وآله وعصمته، وحراسة الله له من الخطاء في عمله، والتوفيق له فيما قال وعمل به من شريعته، وفي هذا القدر كفاية في إبطال حكم من حكم على النبي صلى الله عليه وآله بالسهو في صلاته.

فصل: على أنهم اختلفوا في الصلاة التي زعموا أنه صلى الله عليه وآله سها فيها، فقال بعضهم هي الظهر وقال بعضهم هي العصر، وقال بعض آخر منهم: بل كانت عشاء الآخرة، و اختلافهم في الصلاة دليل على وهن الحديث، وحجة في سقوطه، ووجوب ترك العمل به وإطراحه.

فصل: على أن في الخبر نفسه ما يدل على اختلاقه، وهو ما رووه من أن ذا اليدين قال للنبي صلى الله عليه وآله لما سلم في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال صلى الله عليه وآله ما زعم؟ 6 كل ذلك لم يكن، فنفى صلى الله عليه وآله أن تكون الصلاة قصرت، ونفى أن يكون قد سها فيها، فليس يجوز عندنا وعند الحشوية المجيزين عليه السهو أن يكذب النبي صلى الله عليه وآله متعمدا ولا ساهيا، وإذا كان أخبر أنه لم يسه وكان صادقا في خبره فقد ثبت كذب من أضاف إليه السهو، ووضح بطلان دعواه في ذلك بلا ارتياب فصل: وقد تأول بعضهم ما حكوه من قوله: " كل ذلك لم يكن " على ما يخرجه عن الكذب مع سهوه في الصلاة، بأن قالوا: إنه صلى الله عليه وآله نفى أن يكون وقع الأمران معا،

يريد أنه لم يجتمع قصر الصلاة والسهو فكان قد حصل أحدهما ووقع.

وهذا باطل من وجهين:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.