پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 4 منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلى

ج ۱۵، ص ۳۸۷–۴۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

لا محالة، فكنت إذا قلت ذلك يلتفت إلي الصبي فيفتح عينية ويضحك في وجهي، وأنا متعجبة من ذلك، فلما توسطنا مكة قلت: لصاحبي: سل من أعظم الناس قدرا " بمكة، فسأل عن ذلك فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فقلت له: سل من أعظم قريش ممن ولد له في عامه هذا، فقيل لي: آل مخزوم، قالت: فأجلست صاحبي في الرحل وانطلقت إلى بني مخزوم، فإذا أنا بجميع نساء بني سعد قد سبقنني إلى كل مولود بمكة، فبقيت لا أدري ما أقول، وندمت على دخولي مكة، فبينا أنا كذلك إذا بعبد المطلب، وجمته تضرب منكبه، ينادي بنفسه بأعلى صوته: هل بقي من الرضاع أحد، فإن عندي بنيا " لي يتيما " وما عند اليتيم من الخير، إنما يلتمس كرامة الاباء، قالت: فوقفت لعبد المطلب وهو يومئذ كالنخلة طولا، فقلت: أنعم صباحا " أيها الملك المنادي، عندك رضيع ارضعه، فقال هلمي، فدنوت منه، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: امرأة من بني سعد، فقال لي: إيه إيه كرم وزجر، ثم قال لي: ما اسمك؟ فقلت: حليمة، فضحك وقال: بخ بخ خلتان حسنتان: سعد وحلم، هاتان خلتان فيها غنى الدهر، ويحك يا حليمة عندي بني لي يتيم اسمه محمد، وقد عرضته على جميع نساء بني سعد فأبين أن يقبلنه، وأنا أرجو أن تسعدي به، قالت:

فقلت له: إني منطلقة إلى صاحبي ومشاورته في ذلك، قال لي: إنك لترضعين غير كارهة، قالت: قلت: بالله لأرجعن إليك، قالت: فرجعت إلى صاحبي فلما أخبرته الخبر كأن الله قد قذف في قلبه فرحا "، ثم قال لي: يا حليمة بادري إليه لا يسبقك إليه أحد، قالت:

وكان معي ابن أخت لي يتيم، قال: هيهات إني أراكم لا تصيبون في سفركم هذا خيرا "، هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع والشرف، وترجعون أنتم باليتيم، قالت: فأردت والله لأرجع إليه، فكأن الله قذف في قلبي إن فارقك محمد لا تفلحين، وأخذتني الحمية وقلت: هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع والشرف، وأرجع أنا بلا رضاع؟ والله لآخذنه وإن كان يتيما "، فلعل الله أن يجعل فيه خيرا "، قالت: فرجعت إلى عبد المطلب، فقلت له:

أيها الملك الكريم هلم الصبي، قال: هل نشطت لاخذه؟ قالت: قلت: نعم، فخر عبد المطلب ساجدا "، ورفع رأسه إلى السماء وهو يقول: اللهم رب المروة والحطيم، اسعدها بمحمد، ثم مر بين يدي يجر حلته فرحا " حتى دخل بي على آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أنا بامرأة ما رأيت في الآدميين أجمل وجها منها، هلالية بدرية، فلما نظرت إلى ضحكت في وجهي، وقالت: ادخلي يا حليمة، فدخلت الدار فأخذت بيدي، فأدخلتني بيتا " كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أنا به ووجهه كالشمس إذا طلعت في يوم ديجانها، فلما رأيته على هذه الصفة استدر كل عرق في جسدي بالضربان، فناولتني النبي صلى الله عليه وآله، فلما أن وضعته في حجري فتح عينيه لينظر إلى فسطع منهما نور كنور البرق إذا خرج من خلال السحاب فألقمته ثديي الأيمن فشرب منه ساعة، ثم حولته إلى الأيسر فلم يقبله، و جعل يميل إلى اليمنى - فكان ابن عباس يقول: الهم العدل في رضاعه، علم أن له شريكا "، فناصفه عدلا - وكانت الثدي اليمنى تدر لرسول الله صلى الله عليه وآله، والثدي اليسرى تدر لابني، وكان ابني لا يشرب حتى ينظر إلى محمد صلى الله عليه وآله قد شرب، وكنت كثيرا " ما أسبق إلى مسح شفتيه، فكنت أسبق إلى ذلك فنام في حجري، فجعلت أنظر إلى وجهه، فرأيت عينيه مفتوحتين، وهو كالنائم، فلم أتمالك فرحا "، وأخذتني العجلة بالرجوع إلى صاحبي، فلما أن نظر إليه صاحبي لم يتمالك أن قام وسجد، وقال: يا حليمة ما رأيت في الآدميين أجمل وجها " من هذا، قالت: فلما كان في الليل وطاب النوم وهدأت الأصوات انتبهت فإذا به وقد خرج منه نور متلألئ، وإذا أنا برجل قائم عند رأسه عليه ثوب أخضر، فانبهت صاحبي وقلت: ويحك ألا ترى إلى هذا المولود؟ قالت: فرفع رأسه فلما نظر إليه قال لي يا حليمة اكتمي شأنه، فقد أخذت شجرة " كريمة " لا يذهب رسمها أبدا "، قالت: فأقمنا بمكة سبعة أيام بلياليهن ما من يوم إلا وأنا أدخل على آمنة، فلما عزمنا على الخروج دعتني آمنة فقالت: لا تخرجي من بطحاء مكة حتى تعلميني، فإن لي فيك وصايا أوصيك بها، قالت: فبتنا فلما كان في بعض الليل انتبهت لأقضي حاجة، فإذا برجل عليه ثياب خضر

قاعد عند رأسه يقبل بين عينيه، فأنبهت صاحبي رويدا " فقلت: انظر إلى العجب العجيب، قال: اسكتي واكتمي شأنك، فمنذ ولد هذا الغلام قد أصبحت أحبار الدنيا على أقدامها قياما "، لا يهنؤها عيش النهار، ولا نوم الليل، وما رجع أحد من البلاد أغنى منا، فلما أصبحنا من الغد وعزمنا على الخروج ركبت أتاني وحملت بين يدي محمدا " صلى الله عليه وآله، وخرجت معي آمنة تشيعني، فجعلت الأتان تضرب بيدها ورجلها الأرض وترفع رأسها إلى السماء فرحة مستبشرة، ثم تحولت بي نحو الكعبة، فسجدت ثلاث سجدات، حتى استوينا مع الركب سبقت الأتان كل دوابهم، فقالت نساء بني سعد: يا بنت أبي ذؤيب أليس هذا أتانك التي كانت تخفضك طورا " وترفعك آخر؟ فقلت: نعم، فقلن: بالله إن لها لشأنا " عظيما "، فكنت أسمع الأتان تقول: إي والله وإن لي لشأنا "، ثم شأنا "، أحياني الله عز وجل بعد موتي، ورد علي سمني بعد هزالي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، أتدرين من حملت؟ حملت سيد العرب محمدا " رسول الله رب العالمين، هذا ربيع الدنيا وزهرة الآخرة، وأنا أنادي من كل جانب: استغنيت يا حليمة آخر دهرك، فأنت سيدة نساء بني سعد، قالت: فمررت براع يرعى غنما " له، فلما نظرت الغنم إلي جعلن يستقبلن وتعدو إلي كما تعدو سخالها، فسمعت من بينها قائلا يقول: أقر الله عينك يا حليمة، أتدرين ما حملت؟ هذا محمد رسول رب العالمين، إلى كل ولد آدم من الأولين والآخرين، قالت: فشيعتني أمه ساعة وأوصتني فيه بوصايا، ورجعت كالباكية، قالت: وليس كل الذي رأيت في طريقي أحسن وصفه، إلا أني لم أنزل منزلا إلا أنبت الله عز وجل فيه عشبا "، وخيرا " كثيرا "، وأشجارا " قد حملت من أنواع الثمر، حتى أتيت به منزل بني سعد، وما نعلم والله أن أرضا " كانت أجدب منها، ولا أقل خيرا "، وكانت لنا غنيمات دبرات مهزولات، فلما صار رسول الله صلى الله عليه وآله في منزلي صارت غنمي تروح شباعا " حافلة، تحمل وتضع وتدر وتحلب، ولا تدر في بني سعد لاحد من الناس غيري، فجمعت بنو سعد رعاتها

وقالوا لهم: ما بال أغنام حليمة بنت أبي ذؤيب تحمل وتضع وتدر وتحلب، وأغنامنا لا تحمل ولا تضع ولا تأتي بخير؟ اسرحوا حيث تسرح رعاة بنت أبي ذؤيب حتى تروح غنمكم شباعا " حافلة، قالت: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والبركة والفضل والخير ببركة النبي صلى الله عليه وآله حتى كنا نتفضل على قومنا، وصاروا يعيشون في أكنافنا، فكنت أرى من يومه عجبا "، ما رأيت له بولا قط، ولا غسلت له وضوءا " قط، طهارة ونظافة، وذلك أني كنت أسبق إلى ذلك، وكان له في كل يوم وقت واحد يتوضأ فيه ولا يعود إلى وقته من الغد، ولم يكن شئ أبغض إليه من أن يرى جسده مكشوفا "، فكنت إذا كشفت عن جسده يصيح حتى أستر عليه، فانتبهت ليلة من الليالي فسمعته يتكلم بكلام لم أسمع كلاما " قط أحسن منه، يقول: (لا إله إلا الله قدوسا " قدوسا "، وقد نامت العيون والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم) وهو عند أول ما تكلم، فكنت أتعجب من ذلك، وكان يشب شبابا " لا يشبه الغلمان، ولم يبك قط، ولم يسئ خلقه، ولم يتناول بيساره، وكان يتناول بيمينه، فلما بلغ المنطق لم يمس شيئا " إلا قال: (بسم الله) فكنت معه في كل دعة وعيش وسرور، وكنت قد اجتنبت الزوج لا أغتسل منه هيبة " لرسول الله صلى الله عليه وآله، حتى تمت له سنتان كاملتان، وقد ثمر الله لنا الأموال، وأكثر لنا من الخير، فكانت تحمل لنا الأغنام، وتنبت لنا الأرض، وقد ألقى الله محبته على كل من رآه، فبينا هو قاعد في حجري إذا مرت به غنيماتي فأقبلت شاة من الغنم حتى سجدت له، وقبلت رأسه، فرجعت إلى صويحباتها، وكان ينزل عليه في كل يوم نور كنور الشمس فيغشاه ثم ينجلي عنه، وكان أخواه من الرضاعة يخرجان فيمران بالغلمان فيلعبان معهم، وإذا رآهم محمد صلى الله عليه وآله اجتنبهم وأخذ بيد أخويه ثم قال لهما: إنا لم نخلق لهذا، فلما

تم له ثلاث سنين قال لي يوما "، يا أماه مالي لا أرى أخوي بالنهار؟ قلت له: يا بنى إنهما يرعيان غنيمات، قال: فما لي لا أخرج معهما؟ قلت له: تحب ذلك؟ قال: نعم، فلما أصبح دهنته وكحلته وعلقت في عنقه خيطا " فيه جزع يمانية، فنزعها ثم قال لي:

مهلا يا أماه فإن معي من يحفظني، قالت: ثم دعوت با بني فقلت لهما: أوصيكما بمحمد خيرا "، لا تفارقاه، وليكن نصب أعينكما، قالت: فخرج مع أخويه في الغنم، فبينا هم يترامون بالجلة يعني البعر إذ هبط جبرائيل وميكائيل ومعهما طست من ذهب فيه ماء وثلج فاستخرجاه من الغنم والصبية فأضجعاه وشقا بطنه، وشرحا صدره، فاستخرجا منه نكتة سوداء وغسلاه بذلك الماء والثلج، وحشيا بطنه نورا "، ومسحا عليه فعاد كما كان، قالت: فلما رأى أخواه ذلك أقبل أحدهما اسمه ضمرة يعدو وقد علاه النفس وهو يقول: يا أمه أدركي أخي محمدا " وما أراك تدركينه، قالت: فقلت: وما ذاك؟ قال: أتاه رجلان عليهما ثياب خضر فاستخرجاه من بيننا وبين الغنم فأضجعاه وشقا بطنه، وهما يتوطئانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه ونسوة من الحي فإذا أنا به قائما " ينظر إلى السماء، كأن الشمس تطلع من وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، ووالله لكأنما غمس في المسك غمسة، وقال له أبوه: يا بنى مالك؟

قال: خير يا أبه، أتاني رجلان انقضا على من السماء كما ينقض الطير فأضجعاني وشقا بطني، وحشياه بشئ كان معهما، ما رأيت ألين منه، ولا أطيب ريحا " ومسحا على بطني، فعدت كما كنت، ثم وزناني بعشرة من أمتي فرجحتهم، فقال أحدهما: فلو وزنته بأمته كلها لرجح، وطارا كذلك حتى دخلا السماء، قالت: فحملناه إلى خيم لنا، فقال الناس: اذهبوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقال محمد: ما بي شئ مما تذكرون، وإني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيحا " بحمد الله، فقال الناس: أصابه لمم أو طائف من الجن.

قالت: فغلبوني على رأيي حتى انطلقت به إلى كاهن، فقصصت قصته، قال: دعيني أن أسمع من الغلام؟ فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلم يا غلام، قالت حليمة: فقص ابني محمد صلى الله عليه وآله قصته من أولها إلى آخرها، فوثب الكاهن قائما " على قدميه وضمه إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا آل العرب يا آل العرب، من شر قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفهن أحلامكم، وليبدلن أديانكم، وليدعونكم إلى رب لا تعرفونه، ودين تنكرونه، قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت: أنت أعته وأجن من ابني، ولو علمت أن هذا يكون منك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمدا "، فاحتملته واتيت به منزلي، فما بقي يومئذ في بني سعد بيت إلا ووجد منه ريح المسك.

وكان ينقض عليه كل يوم طيران أبيضان يغيبان في ثيابه ولا يظهران، فلما رأى أبوه ذلك قال لي: يا حليمة إنا لا نأمن على هذا الغلام، وقد خشيت عليه من تباع الكهنة فألحقيه بأهله قبل أن يصيبه عندنا شئ، قالت: فلما عزمت على ذلك سمعت صوتا " في جوف الليل ينادي: ذهب ربيع الخير، وأمان بني سعد، هنيئا " لبطحاء مكة إذا كان مثلك فيها يا محمد، فالآن قد أمنت أن تخرب، أو يصيبها بؤس بدخولك إليها يا خير البشر، قالت: فلما أصبحت ركبت أتاني ووضعت النبي صلى الله عليه وآله بين يدي، فلم أكن أقدر أفارقه مما كنت أنادي يمنة ويسرة حتى انتهيت به إلى الباب الأعظم من أبواب مكة وعليه جماعة مجتمعون، فنزلت لأقضي حاجة وأنزلت النبي صلى الله عليه وآله فغشيتني كالسحابة البيضاء و سمعت وجبة شديدة، ففزعت، وجعلت ألتفت يمنة ويسرة ونظرت فلم أر النبي صلى الله عليه وآله، فصحت:

يا معشر قريش الغلام الغلام، قالوا: ومن الغلام؟ قلت: محمد بن آمنة، قالوا: ومن أين كان معك محمد لعلك تحلمين أو منك هذيان؟ قلت: لا والله ما حلمت وإني لفي يقين من أمري، فجعلت أبكي وأنادي: وا محمداه، فبينا أنا كذلك إذا أنا بشيخ كبير فقال لي: أيتها السعدية

إن لك لقصة عجيبة، قالت: قلت: إي والله لقصتي عجيبة، محمد بن آمنة أرضعته ثلاثة أحوال لا أفارقه ليله ونهاره، فنعشني الله به، وأنضر وجهي، ومن علي، و أفضل ببركته حتى إذا ظننت أني قد بلغت به الغاية أديت إلى أمه الأمانة لأخرج من عهدي وأمانتي، فاختلس مني اختلاسا " قبل أن يمس قدمه الأرض، وإني أحلف بإله إبراهيم لئن لم أجده لأرمين بنفسي من حالق الجبل، قالت: وقال لي الشيخ:

لا تبكي أيتها السعدية ادخلي على هبل، فتضرعي إليه فلعله يرده عليك فإنه القوي على ذلك العالم بأمره، قالت: فقلت له: أيها الشيخ كأنك لم تشهد ولادة محمد ليلة ولد ما نزل باللات والعزى؟ فقال لي: أيتها السعدية إني أراك جزعة، فأنا أدخل على هبل وأذكر أمرك له، فقد قطعت أكبادنا ببكائك، ما لاحد من الناس على هذا صبر، قالت:

فقعدت مكاني متحيرة، ودخل الشيخ على هبل وعيناه تذرفان بالدموع فسجد له طويلا، وطاف به أسبوعا "، ثم نادى: يا عظيم المن، يا قويا " في الأمور، إن منتك على قريش لكثيرة، وهذه السعدية رضيعة محمد تبكي، قد قطع بكائها الأنياط، وأبرز العذارى، فإن رأيت أن ترده عليها إن شئت، قالت: فارتج والله الصنم، وتنكس ومشى على رأسه وسمعت منه صوتا " يقول: أيها الشيخ أنت في غرور، مالي ولمحمد، وإنما يكون هلاكنا على يديه، وإن رب محمد لم يكن ليضيعه ويحفظه، أبلغ عبدة الأوثان أن معه الذبح الأكبر، ألا أن يدخلوا في دينه، قالت: فخرج الشيخ فزعا " مرعوبا "، نسمع لسنه قعقعة، ولركبتيه اصطكاكا " يقول لي: يا حليمة ما رأيت من هبل مثل هذا، فاطلبي

ابنك، إني أرى لهذا الغلام شأنا " عظيما "، قالت: فقلت لنفسي: كم تكتم من أمره عبد المطلب، أبلغه الخبر قبل أن يأتيه من غيري، قالت: فدخلت على عبد المطلب، فلما نظر إلي قال لي: يا حليمة مالي أراك جزعة باكية، ولا أرى معك محمدا "؟ قالت: قلت:

يا أبا الحارث جئت بمحمد أسر ما كان، فلما صرت على الباب الأعظم من أبواب مكة نزلت لأقضي حاجة فاختلس منى اختلاسا " قبل أن يمس قدمه الأرض، فقال لي: اقعدي يا حليمة، قالت: ثم علا الصفا فنادى: يا آل غالب، يعني يا آل قريش، فاجتمع إليه الرجال فقالوا له: قل يا أبا الحارث فقد أجبناك، فقال لهم: إن ابني محمدا " قد فقد، قالوا له:

فاركب يا أبا الحارث حتى نركب معك، قالت: فدعا عبد المطلب براحلته فركبها، و ركب الناس معه، فأخذ أعلى مكة وانحدر على أسفلها. فلما أن لم ير شيئا " ترك الناس واتزر بثوب، وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف به أسبوعا " وأنشأ يقول: (شعر) يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واتخذ عندي يدا " أنت الذي جعلته لي عضدا " * يا رب إن محمدا " لم يوجدا فجمع قومي كلهم تبددا " قال: فسمعنا مناديا " ينادي من جو الهواء: معاشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا " لا يضيعه ولا يخذله، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف من لنابه؟ وأين هو؟ قال:

بوادي تهامة، فأقبل عبد المطلب راكبا " متسلحا "، فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل فصارا جميعا " يسيران، فبينما هم كذلك إذا النبي صلى الله عليه وآله تحت شجرة، وقال بعضهم:

بينا أبو مسعود الثقفي وعمرو بن نوفل يدوران على رواحلهما إذا هما برسول الله قائما " عند شجرة الطلحة وهي الموز يتناول من ورقها، فقال أبو مسعود لعمرو: شأنك بالغلام، فأقبل إليه عمرو وهو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب.

قال إسحاق: فحدثني سلمة، عن محمد، عن يزيد، عن ابن عباس أنه قال: لما أن رد الله محمدا " على عبد المطلب تصدق ذلك اليوم على فقراء قريش بألف ناقة كوماء، و

خمسين رطلا من ذهب، ثم جهز حليمة بأفضل الجهاز.

26 - وروي أنه لما سلمته أمه إلى حليمة السعدية لترضعه، وقامت سوق عكاظ، انطلقت به إلى عراف من هذيل يريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب، فاجتمع الناس من أهل المواسم، فقال: اقتلوا هذا الصبي، فانسلت به حليمة، فجعل الناس يقولون: أي صبي؟ فيقول: هذا الصبي، فلا يرون شيئا " قد انطلقت به أمه، فيقال: ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما " وآلهته ليقتلن أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهرن أمره عليكم، فطلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها فكانت بعد لا تعرضه لعراف ولا لاحد من الناس.

27 - وروي بإسناد ذكره عن شداد بن أوس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا على باب الحجرات إذ أقبل شيخ من بني عامر هو مدرة قومه وسيدهم، شيخ كبير يتوكأ على عصاه، فمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ونسبه إلى جده، فقال: يا بن عبد المطلب إني أنبئت أنك رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، ألا وإنك تفوهت بعظيم، إنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بيوت بني إسرائيل: بيت خلافة، وبيت نبوة، فلا أنت من أهل هذا البيت، ولا من أهل هذا البيت، إنما أنت رجل من العرب، ممن كان يعبد هذه الحجارة والأوثان، فمالك و للنبوة؟ ولكن لكل قول حقيقة فأتني بحقيقة قولك، وبدؤ شأنك، فأعجب النبي صلى الله عليه وآله مسائلته، ثم قال: يا أخا بني عامر إن للحديث الذي تسأل عنه نبأ فاجلس فسل، فثنى رجله

وبرك كما يبرك البعير، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديث، فقال: يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدؤ شأني أني دعوة إبراهيم عليه السلام، وبشرى أخي عيسى بن مريم عليه السلام و وإني كنت بكر أمي، وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء حتى جعلت تشتكي إلى صواحباتها ثقل ما تجد، ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها، ثم إنها ولدتني، فلما نشأت بغضت إلي الأوثان، وبغض إلي الشعر، وكنت مسترضعا " في بني بكر، فبينا أنا ذات يوم مع أتراب لي من الصبيان في بطن واد وإذا أنا برهط معهم طشت من ذهب ملان ثلجا "، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلقوا أصحابي هرابا " حتى إذا انتهوا إلى شفير الوادي أقبلوا على الرهط، فقالوا:

ما رابكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام ليس له أب ولا أم، فماذا يرد عليكم قتله، وما تصيبون من ذلك؟ فإن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه، ودعوا هذا الغلام، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون إليهم جوابا " انطلقوا هرابا " مسرعين إلى الحي، يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا " لطيفا "، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه، لا أجد لذلك مسا "، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه، فأخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم قال بيده: يمنة منه، كأنه تناول شيئا "، فإذا أنا في يده بخاتم نور تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي فامتلاء نورا "، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده إلى مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم، ثم قام الثالث منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني و أمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله عز وجل، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا " لطيفا "، ثم قال للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمأة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها

رجحهم، ثم انكبوا علي فضموني إلى صدورهم فقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا:

يا حبيب لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عينك فبينا نحن كذلك إذا نحن بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول: يا ضعيفاه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من ضعيف، قالت ظئري:

يا وحيداه، فانكبوا علي وقالوا: حبذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إن الله عز وجل معك، والملائكة والمؤمنون من أهل الأرض، ثم قالت ظئري: يا يتيماه، فانكبوا علي و قالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله عز وجل، ولو تدري ما يراد بك من الخير، فلما بصرت بي أمي وهي ظئري قالت: يا بني لا أراك حيا " بعد؟ فجائت فأخذتني وضمتني إلى صدرها، وأجلستني في حجرها، فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها، وإن يدي لفي يد بعضهم: فجعلت أتلفت إليهم فظننت أنهم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم: قد أصاب هذا الغلام لمم أو طيف من الجن، فاذهبوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت: يا هذا ما بي شئ مما تذكرون، إني لأرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيحا "، ليس بي قلبة، فقال أبي وهو زوج ظئري: ألا ترون إلى كلامه صحيحا "؟ إني لأرجو أن لا يكون با بني بأس، فأتوا بي كاهنهم فقصوا عليه قصتي ، فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام أمره، فهو أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره، فوثب إلي وضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب، مرتين، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليخالفن أمركم، و ليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليبدلن دينكم، وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله، فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لانت أعته وأجن من ابني هذا، ولو علمت

أن هذا قولك ما آتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتل هذا الغلام، ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي، وأصبحت معرى مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذاك يا أخا بني عامر حقيقة أمري، وبدؤ نشأتي.

فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق، فانبئني عن أشياء أسألك عنها، قال: سل عنك، كلمه بلغة عامر، قال: يا بن عبد المطلب ماذا يزيد في العلم قال: التعلم، قال: فما يزيد في الشر؟ قال: التمادي، قال: هل ينفع البر بعد الفجور؟

قال: نعم التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ربه عز وجل في الرخاء أجابه عند البلاء، قال يا بن عبد المطلب: وكيف ذاك؟ قال: لان الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع أبدا " لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه أبدا " خوفين، إن هو آمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه، وإن هو خافني في الدنيا آمنني يوم أجمع فيه عبادي في حظيرة القدس، فيدوم له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق، قال: يا بن عبد المطلب فإلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى عبادة الله عزو جل، وحده لا شريك له، وأن تخلع الأنداد، وتكفر باللات والعزى، وتقر بما جاء به الله عز وجل من كتاب أو رسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، وتؤدى زكاة مالك يطهرك الله عز وجل، ويطهر لك مالك، وتصوم شهرا " من السنة، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا "، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، قال: يا بن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فمالي؟ قال: جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى، قال: يا بن عبد المطلب فهل مع هذا شئ من الدنيا؟ فإنه يعجبني الوطأة في العيش، قال: نعم النصر والتمكين في البلاد، فأجاب وأناب.

هذا حديث حسن غريب بهذا السياق يعد في إفراد محمد بن يعلى.

ومدرة القوم: خطيبهم، والمتكلم عنهم. وقوله: فمثل، أي قام، وتفوهت أي تكلمت.

وقوله: دعوة إبراهيم هي قول الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) وقوله تعالى: (قال: ومن ذريتي). وقوله: إني كنت بكر أمي، أي أول ولد ولدته، وفي نسخة: كنت في بطن أمي وقوله: ما رابكم أي ما شككم، ومعناه هاهنا: ما دعاكم إلى أخذ هذا الغلام، وقوله: فماذا يرد عليكم قتله؟ أي ما ينفعكم ذلك. ولا يحيرون أي لا يرجعون ولا يردون. ويؤذنونهم: يعلمونهم. ويستصرخون أي يستغيثون بهم.

وقوله: فأنعم غسلها، أي بالغ فيه. وقوله: فصدعه، أي فشقه. وقوله: ثم قال بيده يمنة منه، أي أشار بيده إلى جانب يمينه. قوله: فإذا أنا في يده بخاتم نور، أي رأيت حينئذ ذلك في يده. وقوله: رجحهم، أي رجح بهم وعليهم. وقوله: لم ترع، أي لا تخف. وجواب قوله: (ولو تدري ما يراد بك) في المرة الأخيرة محذوف، تقديره:

لقرت عينك. والقلبة: الداء. واللام في يا للعرب للاستغاثة. وقوله: معرى من العرواء وهي الرعدة. وقوله: سل عنك، وفي رواية أخرى قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يقول للسائلين قبل ذلك: سل عما شئت وعما بدا لك، فقال للعامري: سل عنك، لأنها لغة بنى عامر، فكلمه بما يعرف. قوله: فأتيني بحقيقة ذلك وفي رواية: فأنبئني. والحوبة: الاثم. و الوطأ: النعمة.

28 - كنز الكراجكي: روي عن حليمة السعدية قالت: لما تمت للنبي صلى الله عليه وآله

سنة تكلم بكلام لم أسمع أحسن منه، سمعته يقول: (قدوس قدوس، نامت العيون و الرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم) ولقد ناولتني امرأة كف تمر من صدقة فناولته منه وهو ابن ثلاث سنين فرده علي، وقال: يا أمه لا تأكلي الصدقة، فقد عظمت نعمتك، وكثر خيرك، فإني لا آكل الصدقة، قالت: فوالله ما قبلتها بعد ذلك.

29 - ثم قال الكاذروني: روي أن شق صدره صلى الله عليه وآله كان في سنة ثلاث من مولده وقيل: في سنة أربع على ما روي عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن أصحابه قال: مكث صلى الله عليه وآله عندهم سنتين حتى فطم، وكان ابن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها به، وأخبرتها حليمة خبره وما رأوا من بركته، فقالت آمنة: ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فوالله ليكونن له شأن، فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين أتاه الملكان فشقا بطنه، ثم نزلت به إلى آمنة وأخبرتها خبره، ثم رجعت به أيضا "، وكان عندها سنة ونحوها لا تدعه يذهب مكانا " بعيدا "، ثم رأت غمامة تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضا " من أمره، فقدمت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين، فأضلته في الناس فالتمسته فلم تجده، وذكر نحو ما تقدم.

وقد روي أن عبد المطلب بعثه صلى الله عليه وآله في حاجة وضاع، وفي الاخبار أن حليمة قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة وقد تزوج بخديجة فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا "، وانصرفت إلى أهلها، ثم قدمت عليه صلى الله عليه وآله بعد الاسلام فأسلمت هي وزوجها.

وروي في الحديث: استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه وآله كانت أرضعته، فلما دخلت

عليه قال: أمي أمي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه.

وروى عن أبي حازم قال: قدم كاهن مكة ورسول الله ابن خمس سنين، وقد قدمت به ظئره إلى عبد المطلب، وكانت تأتيه به في كل عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطلب فقال: يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي فإنه يفرقكم ويقتلكم، فهرب به عبد المطلب فلم يزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم من أمره.

وفي سنة ست من مولده صلى الله عليه وآله ماتت أمه كما مر ذكره.

ولنذكر ما حدث في سنة سبع من مولده صلى الله عليه وآله: روي عن نافع بن حسين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكون مع أمه آمنة فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني فإنه يؤنس ملكا، وقال قوم: من بني مدلج لعبد المطلب احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظه، وقال عبد المطلب لام أيمن وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة، وكان عبد المطلب لا يأكل الطعام الا قال: علي بابني، فيؤتى به إليه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وحياطته.

ومما وقع في تلك السنة ما روي أنه أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله رمد شديد فعولج بمكة

فلم يغن عنه، فقيل لعبد المطلب: إن في ناحية عكاظ راهبا " يعالج الأعين، فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجب، فتزلزل به ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا " فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة، ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري فارجع به واحفظه لا يغتاله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالج به، وألقى الله له المحبة في قلوب قومه وكل من يراه.

ومن ذلك خروج عبد المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله يستسقون كما روي بإسناد ذكره عن رقيقة بنت صيفي بن هاشم قالت: تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأرمت العظم - ويروى وأرقت وأدقت - فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة ومعي صنوي فإذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان نجومه، فحي هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا " منكم طوالا " عظاما "، أبيض بضا "، أشم العرنين، سهل الخدين، له فخر، يكظم عليه. ويروى: رجلا وسيطا " عظاما " جساما " أوطف الأهداب، ألا فليخلص هو وولده وليدلف إليه من كل بطن رجل، ألا فليشنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا "، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، ألا فليستسق الرجل وليؤمن القوم، ألا فغثتم إذا ما شئتم وعشتم،

قالت: فأصبحت مذعورة قد قف جلدي، ودله عقلي، واقتصصت رؤياي فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد، وتتامت عنده قريش، وانقض إليه من كل بطن رجل فشنوا ومسوا واستلموا وطوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قروا بذروة الجبل، واستكفوا جنابيه، فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا " فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب، ثم قال: (اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، مسؤول غير مبخل، وهذه عبداؤك، وإماؤك، بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف، فاسمعن اللهم، وأمطرن علينا غيثا " مريعا " مغدقا ") فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بماءها، وكظ الوادي بثجيجه، فسمعت شيخان العرب وجلها: عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وشهاب بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا " لك أبا البطحاء! وفي ذلك قالت رقيقة: (شعر):

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا * فقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل * سحا " فعاشت به الانعام والشجر منا " من الله بالميمون طائره * وخير من بشرت يوما " به مضر مبارك الاسم يستسقى الغمام به * ما في الأنام له عدل ولا خطر قوله: أقحلت من قحل قحولا: إذ يبس. راقدة أي نائمة. مهمومة يقال: هوم أي هز رأسه من النعاس. صيت فيعل من صات يصوت كالميت من مات. والصحل:

الذي في صوته ما يذهب بحدته من بحة وهو مستلذ في السمع. إبان نجومه: وقت

ظهوره، وهو فعلان من آب الشئ: إذا تهيأ. وحي هلا أي ابدأ به واعجل بذكره.

والحيا بفتح الحاء مقصورا ": المطر لأنه حياة الأرض. وطوال مبالغة في طويل، وكذا عظام وجسام، وفعال مبالغة في فعيل، وفعال أبلغ منه، نحو كرام وكرام. والكظم الامساك وترك الابداء، أي إنه من ذوي الحسب والفخر وهو لا يبدي ذلك. والبض بالباء الموحدة المفتوحة، والضاد المعجمة، من البضاضة وهو رقة اللون وصفاء البشرة.

والعرنين بالكسر: الانف، وقيل: رأسه. والوسيط: أفضل القوم من الوسط. أوطف الأهداب: طويلها. فليخلص أي فليتميز هو وولده من الناس من قوله تعالى: (خلصوا نجيا). وليدلف إليه وليقبل إليه من الدليف وهو المشي الرويد، والتقدم في رفق. وشن الماء: صبه على رأسه، وقيل: الشن: صب الماء متفرقا ". قوله: لداته على وجهين: أن يكون جمع لدة مصدر ولد نحو عدة وزنة، يعني أن مولده ومواليد من مضى من آبائه كلها موصوف بالطهر والذكاء، وأن يراد أترابه، وذكر الأتراب أسلوب من أساليبهم في تثبيت الصفة وتمكينها، لأنه إذا جعل من جماعة وأقران ذوي طهارة فذاك أثبت لطهارته وأدل على قدسه. غثتم: مطرتم بكسر الغين، أو بضمه. قف: تقبض واقشعر. و القفة: الرعدة. دله: دهش وتحير. شيبة الحمد: اسم لعبد المطلب عامر، وإنما قيل له:

شيبة لشيبة كانت في رأسه حين ولد، وقد مر سبب تسميته بعبد المطلب. تتامت التتام:

التوافر. يدفون الدفيف: المر السريع. والمهل بالاسكان: التوءده. استكفوا: أحدقوا من الكفة وهي ما استدار ككفة الميزان. جنابيه أي جانبيه. أيفع: ارتفع. كرب: قرب من الايقاع، ومنه الكروبيون: المقربون من الملائكة. والعبداء والعبدي بالمد والقصر:

العبيد. والعذرة: الفناء. وكظيظ الوادي: امتلاؤه. والثجيج: الماء المثجوج، أي المصبوب.

والشيخان: جمع شيخ كالضيفان في ضيف. وقيل له: أبو البطحاء لان أهلها عاشوا به و انتعشوا، كما يقال للطعام: أبو الأضياف. واجلوذ أي كثر وامتد. جوني: سحاب

أسود، وسبل: جار. سحا أي منصبا. والعدل: المثل، وكذلك الخطر.

ثم قال: ومن ذلك خروج عبد المطلب لتهنئة سيف بن ذي يزن كما حدثنا إسماعيل بن المظفر بإسناده عن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن قال: لما ظفر جدي سيف على الحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتت وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئته، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثار قومه.

أقول: وساق الحديث مثل ما تقدم برواية الصدوق في باب البشائر.

ثم قال: هذا الحديث دال على أن الوفادة إلى ابن ذي يزن كان في سنة ثلاث من مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، والأصح أنها كانت سنة سبع، لأنه يقول عبد المطلب: توفي أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه، وأم رسول الله صلى الله عليه وآله لم تمت حتى بلغ ست سنين.

ثم قال: وأما ما كان سنة ثمان من مولده صلى الله عليه وآله فمن ذلك موت عبد المطلب رضي الله عنه، وكان يوصي برسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله كانا لام، وكان الزبير من أمهما أيضا "، لكن كانت كفالة أبي طالب له بسبب، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وصية عبد المطلب لأبي طالب. والثاني: أنهما اقترعا فخرجت القرعة لأبي طالب. والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله اختاره، ومات عبد المطلب وهو يومئذ ابن ثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشرين سنة.

ومن ذلك كفالة أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وآله، قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله إليه، فكان يكون معه، وكان أبو طالب لامال له وكان يحبه حبا " شديدا " لا يحب ولده كذلك، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وقد كان يخصه بالطعام، وإذا أكل عيال أبي طالب جميعا " أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وآله شبعوا، فكان إذا أراد أن يغديهم قال: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيأكل معهم، وكانوا يفضلون من طعامهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك، وكان الصبيان يصبحون رمضا " شعثا "، ويصبح رسول الله صلى الله عليه وآله دهينا " كحيلا،، وكان أبو طالب يلقى له وسادة يقعد عليها، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فقعد عليها، فقال أبو طالب: وآله ربيعة إن ابن أخي ليحس بنعيم.

وروي عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي يعني النبي صلى الله عليه وآله، فأدركني العطش فشكوت إليه، فقلت: يا بن أخي قد عطشت، وما قلت له وأنا أرى أن عنده شيئا " إلا " الجزع، قال: فثنى وركه ثم برك، فقال: يا عم أعطشت؟

قال: قلت: نعم، فأهوى بعقبيه إلى الأرض فإذا " بالماء، فقال: اشرب يا عم، فشربت.

ومن ذلك هلاك حاتم الذي يضرب به المثل في الجود والكرم.

ومن ذلك موت كسرى أنوشيروان وولاية ابنه هرمز.

ومما كان في سنة تسع من مولده صلى الله عليه وآله ما روي في بعض الروايات أن أبا طالب خرج برسول الله صلى الله عليه وآله إلى بصرى وهو ابن تسع سنين.

ومما كان سنة عشر من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الأول، وهو قتال وقع بعكاظ، وكانت الحرب فيه ثلاثة أيام.

ومما كان سنة إحدى عشرة من مولده صلى الله عليه وآله ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أبا هريرة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى جالسا " وقال: لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا "، فقال أحدهما لصاحبه: اضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلق أحدهما صدري بلا دم ولا وجع، فقال له: اخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا " كرصة العلقة، ثم نبذها فطرحها، ثم قال له: ادخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي فقال:

اعدوا بنبيكم، فرجعت بهما أعدوا بهما رأفة على الصغير ورحمة للكبير.

وأما ما كان سنة اثنتي عشرة من مولده صلى الله عليه وآله إلى ثلاث عشرة منه فخروجه صلى الله عليه وآله مع أبي طالب إلى الشام، روي أنه لما أتت لرسول الله صلى الله عليه وآله اثنتي عشرة سنة وشهران و عشرة أيام ارتحل به أبو طالب للخروج إلى الشام، وذلك أنه لما تهيأ للخروج أضب به رسول الله صلى الله عليه وآله، فرق له أبو طالب، وفي رواية: لما تهيأ أبو طالب للرحيل وأجمع على السير هب له رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بزمام ناقته، وقال: يا عم إلى من تكلني؟ لا أب لي، ولا أم، فرق، فقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا "، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له

وكان ذا علم في النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا " عن كابر.

يقال: أضب على ما في نفسه: إذا أخرجه، وأضب: تكلم، ويقال: جاء فلان يضب لسانه أي اشتد حرصه.

وروي عن داود بن الحصين قال: لما خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا ببحيرا وكان كثيرا " ما يمرون به لا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا " قريبا " من صومعته. قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما " ثم دعاهم، وإنما حمله على دعاءهم أنه رأى حين طلعوا غمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة، وأخضلت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه وآله حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فاتي به، فأرسل إليهم فقال:

إني قد صنعت لكم طعاما " يا معشر قريس، وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفون منكم صغيرا " ولا كبيرا "، حرا " ولا عبدا "، فإن هذا شئ تكرموني به، فقال له رجل: إن لك لشأنا " يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: فإني أحببت أن أكرمكم ولكم حق، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفها ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا " في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد، مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم: هو والله

أوسطنا نسبا "، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وقال: والله أن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظا " شديدا "، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللات و العزى إلا أخبرتني عما أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا " بغضهما، قال: بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، قال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، فقبل موضع الخاتم، وقالت قريش: إن لمحمد صلى الله عليه وآله عند هذا الراهب لقدرا "، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه، قال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابني، قال: ما هو ابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا "، قال: فابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا "، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبلعنه غثا "، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا، وما روينا عن آبائنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة، فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا "، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب، فما خرج به سفرا " بعد ذلك خوفا " عليه.

وكان في سنة أربع عشرة من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الاخر بين هوازن وقريش، وحضره رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفي سنة سبع عشرة وثبت العظماء والاشراف بالمدائن فخلعوا هرمز، وسملوا

عينيه وتركوه.

وفي سنة تسع عشرة قتلوا هرمز بعد خلعه، وفيها ولى ابنه برويز وكان يسمى كسرى.

وفي سنة ثلاث وعشرين كان هدم الكعبة وبنيانها في قول بعض العلماء.

وفي سنة خمس وعشرين كان تزويج خديجة رضي الله عنها كما سيأتي شرحه.

وفي سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله هدمت قريش الكعبة على الأصح. قال ابن إسحاق: كانت الكعبة رضمة فوق القامة فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وكان نفر من قريش وغيرهم قد سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون في بئر في جوف الكعبة فهدموها لذلك وذلك في سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله، وقيل في سبب هدمها: إنه كان الجرف يطل على مكة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حلية وغزال من ذهب كان عليه در وجوهر، ولذلك هدم البيت، ثم إن سفينة أقبلت في البحر من الروم، ورأسهم باقوم وكان بانيا "، فتحطمت السفينة بنواحي جده، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها، وكلموا الرومي باقوم فقدم معهم وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، فامروا بالحجارة فجمعت، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل معهم وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة وكانوا يضعون ازرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فلبط به ونودي: عورتك، وكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يا بن أخي اجعل إزارك على رأسك، قال: ما أصابني ما أصابني إلا في التعري، فما رئيت لرسول الله صلى الله عليه وآله عورة.

وفي البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وآله وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي: اجعل إزراك على رقبتك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال، إزاري إزاري، فشد عليه إزاره، ثم

إنهم أخذوا في بنائها، وميزوا البيت، واقترعوا عليه فوقع لعبد مناف وزهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبد الدار ما بين الحجر إلى ركن الحجر الاخر، ووقع لتيم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني، ووقع لسهم وجمح وعدي وعامر بن لؤي ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود، فبنوا، فلما انتهوا إلى حيث موضع الركن من البيت قالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، فاختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول رجل يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه، فقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله أول من دخل من باب بني شيبة، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ردائه وبسطه في الأرض ثم وضع الركن فيه، ثم قال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، وكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة ابن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعا " فرفعوه، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده في موضعه ذلك، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وآله حجرا يسد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا ونحاه، وناول العباس رسول الله صلى الله عليه وآله حجرا " فسد به الركن، فغضب النجدي حين نحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليس يبني معنا في البيت إلا منا، ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، وسقفوا البيت، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت.

وفي هذه السنة ولدت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيها مات زيد بن عمرو بن نفيل.

وروي عن عامر بن ربيعة قال: كان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين وكره

النصرانية واليهودية وعبادة الأوثان والحجارة، وأظهر خلاف قومه ، واعتزل آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم، ولا يأكل ذبائحهم، فقال لي: يا عامر إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم عليه السلام وما كان يعبده وإسماعيل عليه السلام من بعده، فقال: وكانوا يصلون إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا " من ولد إسماعيل عليه السلام يبعث، لا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فاقرأه مني السلام، قال عامر:

فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله أسلمت وأخبرته بقول زيد، وأقرأته منه السلام، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله السلام وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا رضي الله عنه.

وأما ما كان سنة ثمان وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله ففي هذه السنة رأى الضوء والنور، وكان يسمع الصوت ولا يدري ما هو.

وأما سنة أربعين من مولده صلى الله عليه وآله ففي هذه السنة قتل كسرى برويز النعمان بن المنذر لغضب كان له عليه، قتله قبل المبعث بسبعة أشهر.

بيان: قوله: ليحس بنعيم، أي يرى ويعلم أن له ملكا " ونعيما ". والهصر:

الجذب، والإمالة، والكسر، والدفع، والادناء، وعطف شئ رطب، ويقال: هصر ظهره، أي ثناه إلى الركوع. كرصة العلقة أي كعلقة ارتص والتزق بعضها ببعض، أو التزقت بشئ. وهب أي نهض وأسرع. وفي القاموس: الخضل ككتف وصاحب كل ندى يترشف نداه، واخضأل الشجر كاطمأن واخضال كاحمار: كثرت أغصانها. ليبلعنه بالعين المهملة، غثا بالغين المعجمة، والثأ المثلثة أي وإن كان مهزولا، أو بالتاء المثناة من غت الماء: إذا شرب جرعا " بعد جرع من غير إبانة الاناء عن فمه، وفي بعض النسخ ليبلغنه عنتا "، وهو ظاهر. وقال الجزري: الرضمة واحدة الرضم والرضام، وهي دون الهضاب،

وقيل: صخور بعضها على بعض. قوله: فلبط به على بناء المجهول، أي صرع وسقط إلى الأرض.

أقول: إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها، لاشتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الاخبار المتفرقة، وكونها موضحة لبعض ما أبهم فيها.

بسم الله الرحمن الرحيم

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.