بحارالانوار · المجلد السادس
باب 4 منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلى
ج ۱۵، ص ۳۵۷–۳۸۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
15 - العدد: عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام قال: لما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله اثنان وعشرون شهرا " من يوم ولادته رمدت عيناه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اذهب بابن أخيك إلى عراف الجحفة وكان بها راهب طبيب في صومعته، فحمله غلام له في سفط هندي حتى أتى به الراهب فوضعه تحت الصومعة، ثم ناداه أبو طالب: يا راهب، فأشرف عليه فنظر حول الصومعة إلى نور ساطع، وسمع حفيف أجنحة الملائكة، فقال له: من أنت؟
قال: أبو طالب بن عبد المطلب، جئتك بابن أخي لتداوي عينه، فقال: وأين هو؟ قال:
في السفط قد غطيته من الشمس، قال: اكشف عنه، فكشف عنه، فإذا هو بنور ساطع
في وجهه قد أذعر الراهب، فقال له: غطه فغطاه، ثم أدخل الراهب رأسه في صومعته فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا " حقا، وأنك الذي بشر به في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى عليهما السلام، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، ثم أخرج رأسه و قال: يا بني انطلق به فليس عليه بأس، فقال له أبو طالب: ويلك يا راهب لقد سمعت منك قولا " عظيما "، فقال: يا بني شأن ابن أخيك أعظم مما سمعت مني، وأنت معينه على ذلك ومانعه ممن يريد قتله من قريش، قال: فأتى أبو طالب عبد المطلب فأخبره بذلك، فقال له عبد المطلب: اسكت يا بني لا يسمع هذا الكلام منك أحد، فوالله ما يموت محمد حتى يسود العرب والعجم.
61 - العدد: حدث بكر بن عبد الله الأشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام عبد مناف بن كنانة ونوفل بن معاوية بن عروة تجارا " إلى الشام، فلقاهما أبو المويهب الراهب فقال لهما: من أنتما؟ قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، قال لهما: من أي قريش؟ فأخبراه، فقال لهما: هل قدم معكما من قريش غيركما؟ قالا: نعم شاب من بني هاشم اسمه محمد، فقال أبو المويهب: إياه والله أردت، فقالا:
والله ما في قريش أخمل ذكرا " منه، إنما يسمونه يتيم قريش، وهو أجير لامرأة منا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه؟ فأخذ يحرك رأسه ويقول: هو هو، فقال لهما:
تدلاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هو هذا، فخلا به ساعة يناجيه ويكلمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه، و أخرج شيئا " من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله، فلما فارقه قال لنا:
تسمعان مني، هذا والله نبي هذا الزمان، سيخرج إلى قريب يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه، ثم قال: هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له:
علي؟ فقلنا: لا، قال: إما أن يكون قد ولد أو يولد في سنته، وهو أول من يؤمن به، نعرفه، وإنما لنجد صفته عندنا في الوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، وإنه سيد العرب وربانيها وذو قرينها، يعطي السيف حقه، اسمه في الملا الاعلى علي، هو أعلى الخلائق يوم
القيامة بعد الأنبياء ذكرا "، وتسميه الملائكة البطل الأزهر المفلح، لا يتوجه إلى وجه إلا أفلح وظفر، والله لهو أعرف بين أصحابه في السماوات من الشمس الطالعة.
وحدث العباس، عن أبي طالب قال أبو طالب: يا عباس ألا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وآله بما رأيت منه؟ قلت: بلى، قال: إني ضممته إلي فلم أفارقه في ليل ولا نهار، وكنت أنومه في فراشي، وآمره أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهة، وكره أن يخالفني، فقال: يا عماه اصرف وجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، قلت له:
ولم ذلك؟ قال: لا ينبغي لاحد من الناس أن ينظر إلى جسدي، قال: فتعجبت من ذلك، و صرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فلما دخلت أنا الفراش إذا بيني وبينه ثوب ألين ثوب مسسته قط، ثم شممته فإذا كأنه قد غمس في المسك، فكنت إذا أصبحت افتقدت الثوب فلم أجده، فكان هذا دأبي ودأبه، فجهدت وتعمدت أن أنظر إلى جسده، فوالله ما رأيت له جسدا "، ولقد كنت كثيرا " ما أسمع إذا ذهب من الليل شئ كلاما " يعجبني، وكنت ربما آتيته غفلة فأرى من لدن رأسه نورا " ممدودا " قد بلغ السماء، فهذا ما رأيت يا عباس.
قال ليث بن أبي نعيم: حدثني أبي، عن جدي، عن أبي طالب قال: كنا لا نسمي على الطعام ولا على الشراب، ولا ندري ما هو حتى ضممت محمدا " صلى الله عليه وآله إلي، فأول ما سمعته يقول: بسم الله الأحد، ثم يأكل، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيرا "، فتعجبنا منه، وكان يقول: ما رأيت جسد محمد قط، وكان لا يفارقني الليل والنهار، وكان ينام معي في فراشي فأفقده من فراشه، فإذا قمت لأطلبه بادرني من فراشه فيقول: ها أنا يا عم ارجع إلى مكانك، ولقد رأيت ذئبا " يوما قد جائه وشمه وبصبص حوله. ثم ربض بين يديه، ثم انصرف عنه، ولقد دخل ليلا البيت فأضاء ما حوله، ولم أر منه نجوا قط، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب ولا التفت إليهم، وكانت الوحدة أحب إليه والتواضع، ولقد كنت أرى أحيانا " رجلا أحسن الناس وجها " يجئ حتى
يمسح على رأسه ويدعو له ثم يغيب، ولقد رأيت رؤيا " في أمره ما رأيتها قط، رأيته وكأن الدنيا قد سيقت إليه، وجميع الناس يذكرونه، ورأيته وقد رفع فوق الناس كلهم، وهو يدخل في السماء، ولقد غاب عني يوما " فذهبت في طلبه، فإذا أنا به يجئ ومعه رجل لم أر مثله قط، فقلت له: يا بني أليس قد نهيتك أن تفارقني؟ فقال الرجل: إذا فارقك كنت أنا معه أحفظه، فلم أر منه في كل يوم إلا ما أحب حتى شب، وخرج يدعو إلى الدين.
17 - السرائر: من جامع البزنطي عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان: حج رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين حجة مستسرا "، منها عشرة حجج، أو قال:
سبعة - الوهم من الراوي - قبل النبوة، وقد كان صلى قبل ذلك وهو ابن أربع سنين، وهو مع أبي طالب في أرض بصرى، وهو موضع كانت قريش تتجر إليه من مكة.
18 - نهج البلاغة: في وصف الرسول صلى الله عليه وآله: ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما " أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت معه أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم علما " من أخلاقه، و يأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي و الرسالة، وأشم ريح النبوة.
أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: روي أن بعض أصحاب أبي جعفر محمد ابن علي الباقر عليهما السلام سأله عن قول الله تعالى: (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين
يديه ومن خلفه رصدا ") فقال عليه السلام: يوكل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم، ويؤدون إليهم تبليغهم الرسالة، ووكل بمحمد ملكا " عظيما " منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات، ومكارم الأخلاق، ويصده عن الشر ومساوي الأخلاق، وهو الذي كان يناديه:
السلام عليك يا محمد يا رسول الله، وهو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد، فيظن أن ذلك من الحجر والأرض، فيتأمل فلا يرى شيئا ".
وروى الطبري في التاريخ عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته، قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا " بالدف والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا فلان تزوج ابنة فلان، فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على اذني، فكنت فما أيقظني إلا مس الشمس، فجئت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما صنعت شيئا " ثم أخبرته الخبر، ثم قلت له ليلة أخرى: مثل ذلك، فقال: افعل، فخرجت فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة، فجلست أنظر فضرب الله على اذني، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله برسالته.
وروى محمد بن حبيب في أماليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أذكر وأنا غلام ابن سبع سنين، وقد بنى ابن جذعان دارا " له بمكة، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله فملأت حجري ترابا "، فانكشفت عورتي فسمعت نداء من فوق رأسي: يا
محمد أرخ إزارك، فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئا " إلا أني أسمع الصوت، فتماسكت لم ارخه، فكأن إنسانا " ضربني على ظهري فخررت لوجهي وانحل إزاري وسقط التراب إلى الأرض، فقمت إلى دار أبي طالب عمي ولم أعد.
فأما حديث مجاورته صلى الله عليه وآله بحراء فمشهور، وقد ورد في الكتب الصحاح أنه كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا "، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من حراء كان أول ما يبدؤ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا " أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله تعالى فيها بالرسالة فجاور في حراء في شهر رمضان ومعه أهله خديجة و علي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبرئيل بالرسالة، قال صلى الله عليه وآله: جاءني وأنا نائم بنمط فيه كتاب فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ ففتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال:
(اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله: (علم الانسان ما لم يعلم) فقرأته ثم انصرف عني، فهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاب، وذكر تمام الحديث.
وأما حديث إن الاسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلا النبي وهو عليهما السلام وخديجة فخبر عفيف الكندي مشهور، وقد ذكرناه من قبل، وأن أبا طالب قال له: أتدري من هذا؟ قال: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا ابني علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمدا بن أخي، وأيم الله ما أعلم على الأرض كلها أحدا " على هذا الذين غير هؤلاء الثلاثة.
وقال أيضا ": روى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية، ورواه أيضا " محمد ابن جرير الطبري في تاريخه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وآله التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها ومعها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس الرضعاء بمكة في سنة شهباء لم تبق شيئا "، قالت:
فخرجت على أتان لنا قمراء عجفاء، ومعنا شارف لنا ما تبض بقطرة، ولا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجوا الغيث والفرج، فخرجت على اتاني تلك ولقد راثت بالركب ضعفا " و عجفا " حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها محمد فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم، ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة ذهبت معي إلا أخذت رضيعا " غيري، فلما اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي:
والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا "، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، وعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته وما يحملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فرضع حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، وما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعا "، فنام وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنها حافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا " وشبعا "، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، فقلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني تلك وحملته معي عليها، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شئ من حميرهم حتى أن صواحبي ليقولن لي:
ويحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي علينا، أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟
فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا "، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا " من أرض العرب أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا ملاء لبنا، فكنا نحتلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى أن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب، فيفعلون فيروح أغنامهم جياعا " ما تبض بقطرة، وتروح غنمي شباعا لبنا "، فلم نزل نعرف من الله الزيادة والخير به حتى مضت سنتاه وفصلته، فكان يشب شبابا " لا يشبه الغلمان حتى كان غلاما " جفرا فقدمنا به على أمه آمنة بنت وهب ونحن أحرص شئ على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا لها: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه وباء مكة، فلم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به إلى بلاد بني سعد، فوالله إنه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشد فقال لي ولأبيه: ها هو ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما " منتقعا " وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا: مالك يا بني؟
قال: جائني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني، ثم شقا بطني، فالتمسا فيه شيئا " لا أدري ما هو، قالت: فرجعنا به إلى خبائنا، وقال لي أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله، قالت: فاحتملته حتى قدمت به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ فقلت لها: قد
بلغ الله بابني وقضيت الذي علي، وتخوفت عليه الاحداث، وأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر، قالت:
أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لابني لشأنا "، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى، قالت: رأيته حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت حملا قط كان أخف ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه واضع يديه بالأرض، ورافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك، وانطلقي راشدة.
وروى الطبري في تاريخه عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يحدث عن نفسه ويذكر ما جرى له وهو طفل في أرض بني سعد بن بكر، قال: لما ولدت استرضعت في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان نتقاذف بالجلة إذ أتاني رهط ثلاثة، معهم طست من ذهب مملوة ثلجا "، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا " حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم عادوا إلى الرهط فقالوا: ما رابكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله؟ وماذا تصيبون من ذلك؟
ولكن إن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه، ودعوا هذا الغلام، فإنه يتيم، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون لهم جوابا " انطلقوا هرابا " مسرعين إلى الحي يؤذنوهم ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعا " لطيفا "، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا، ثم أخرج
أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرماها، ثم قال بيده: يمنة منه، وكأنه يتناول شيئا " فإذا في يده خاتم من نور تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا "، ثم قال الثالث لصاحبه: تنح عنه، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا " لطيفا "، وقال للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا: يا حبيب لا ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك فبينا أنا كذلك إذا أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه، فانكب علي أولئك الرهط فقبلوا رأسي وبين عيني وقالوا: حبذاء أنت من ضعيف، ثم قالت ظئري: يا وحيداه، فانكبوا على وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وبين عيني ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إن الله وملائكته معك والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئري: يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله، لو تعلم ما يراد بك من الخير، قال: فوصل الحي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي أمي وهي ظئري قالت: يا بنى لا أراك حيا بعد، فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها، فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها وإن يدي لفي يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت: ما
بي شئ مما يذكر، إن نفسي سليمة، وإن فؤادي صحيح ليست بي قلبة، فقال أبى وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه صحيحا "؟ إني لأرجو أن لا يكون على ابني بأس، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فقصوا عليه قصتي، فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فهو أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري وأنا يومئذ ابن خمس سنين، فلما سمع قولي وثب وقال: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام، فهو واللات والعزى لئن عاش ليبدلن دينكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بما لم تسمعوا به قط، فانتزعتني ظئري من حجره، وقالت: لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، ثم احتملوني، فأصبحت وقد صار في جسدي أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك.
بيان: أقول: رواه الكازروني في المنتقى بأسانيد ولنشرح بعض ألفاظها: الرضعاء جمع رضيع، وقال الجزري: في حديث حليمة في سنة شهباء أي ذات قحط وجدب، وقال:
القمراء: الشديدة البياض. قولها: راثت من الريث بمعنى الابطاء، وفي أكثر رواياتهم:
ولقد أذمت، قال الجزري: ومنه حديث حليمة فلقد أذمت بالركب، أي حبستهم لانقطاع سيرها، كأنها حملت الناس على ذمها انتهى. والعجف: الهزال. حتى انتهينا ريا أي بلغنا غايته. لقطعت بالركب أي من سرعة سيرها وشدة تقدمها انقطع الركب عنها.
واربعي أي ارفقي بنا، وانتظري بنا. واللبن بمعنى اللبون.
وقال الجزري: في حديث حليمة كان يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر فبلغ ستا " وهو جفر، استجفر الصبي: إذا قوى على الاكل، وأصله في أولاد المعز إذ بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه وأخذ في الرعي، قيل له: جفر، والأنثى جفره انتهى.
والبهم جمع بهمة وهي أولاد الضأن. والسوط: خلط الشئ بعضه ببعض، والمسواط:
ما يساط به القدر ليختلط بعضه ببعض. قوله: منتقعا " أي متغيرا ". والجلة بالفتح: البعر.
قوله: ما رابكم أي ما شككم، ومعناه هاهنا: ما دعاكم إلى أخذ هذا. قوله: ماذا يرد عليكم، أي ما ينفعكم ذلك. قوله: فأنعم غسلها، أي بالغ فيه. قوله: ثم قال بيده يمنة، أي أشار بيده، أو مدها إلى جانب يمينه. والقلبة: الداء.
19 - العدد: كتاب التذكرة ولد صلى الله عليه وآله مختونا " مسرورا "، فأعجب جده عبد المطلب وقال: ليكونن لابني هذا شأن، فكان له أعظم شأن وأرفعه، أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهير بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، شهد الفجار وهي حرب كانت بين قريش وقيس وهو ابن عشرين سنة، وبنيت الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة فرضيت به قريش في نصب الحجر الأسود، وكان طول الكعبة قبل ذلك تسعة أذرع ولم تكن تسقف فبنتها قريش ثمانية عشر ذراعا " وسقفتها، وكان يدعى في قريش بالصادق الأمين، وخرج مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام وله تسع سنين، وقيل: اثنتي عشر سنة، ونظر إليه بحيرا الراهب فقال: احفظوا به فإنه نبي، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة، وتزوجها بعد ذلك بشهرين
وأيام، ودفعه جده عبد المطلب إلي الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة التي أرضعته، وهي بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وأخته أسماء، وهي التي كانت تحضنه، وسبيت يوم حنين، ومات عبد المطلب وله ثمان سنين، وأوصى به إلى أبي طالب، ودخل الشعب مع بني هاشم بعد خمس سنين من مبعثه، وقيل: بعد سبع، لما حصرتهم قريش، وخرج منه سنة تسع من مبعثه، ثم رجع إلى مكة في جوار مطعم بن عدي، ثم كانت بيعة العقبة من الأنصار، ثم كان من حديثها أنه خرج في موسم من المواسم يعرض نفسه ويدعو الناس إلى الاسلام، فلقي ستة نفر من الأنصار، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعقبة بن عامر بن ناي، وقطنة بن عامر، وعون بن الحارث، ورافع بن مالك، وجابر بن عبد الله، ثم كانت بيعة العقبة الأولى بايعه اثنا عشر رجلا منهم، ثم بيعة العقبة الثانية و كانوا سبعين رجلا، وامرأتين، واختار صلى الله عليه وآله منهم اثنى عشر نقيبا " ليكونوا كفلاء قومه:
جابر بن عبد الله، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن حزام، وأبو ساعدة سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع بن مالك العجلان، وأبو عبد الأشهل أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان حليف بني عمرو ابن عوف، وسعد بن خثيمة، فكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وأول من بايع منهم البراء بن معرور، ثم تبايع الناس ، ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهر مولى أبي بكر وعبد الله بن أريقط، وخلف علي بن أبي طالب آخر ليلة من صفر، وأقام في الغار ثلاثة أيام، ودخوله إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل بقباء في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهرم، فأقام إلى يوم الجمعة، ودخل المدينة فجمع في بني سالم، فكانت أول جمعة جمعها صلى الله عليه وآله في الاسلام، ويقال:
إنهم كانوا مائة رجل، ويقال: بل كانوا أربعين، ثم نزل على أبي أيوب الأنصاري، فأقام عنده سبعة أيام، ثم بنى المسجد فكان يبنيه بنفسه، ويبني معه المهاجرون والأنصار، ثم بنى البيوت، وكان يصلي حين قدم المدينة ركعتين ركعتين، فأمر بإتمام أربع للمقيم وذلك في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الثاني بعد مقدمه بشهر.
20 - أقول: قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذه الأحاديث أنه كان من عادة أهل مكة إذا تم للمولود سبعة أيام التمسوا له مرضعة ترضعه، فذكر الناس لعبد المطلب انظر لابنك مرضعة ترضعه، فتطاولت النساء لرضاعته وتربيته، وكانت آمنة يوما " نائمة إلى جانب ولدها فهتف بها هاتف:
يا آمنة إن أردت مرضعة لابنك ففي نساء بني سعد امرأة تسمى حليمة بنت أبي ذؤيب، فتطاولت آمنة إلى ذلك، وكان كلما أتتها من النساء تسألهن عن أسمائهن فلم تسمع بذكر حليمة بنت أبي ذؤيب، وكان سبب تحريك حليمة لرضاعة رسول الله صلى الله عليه وآله أن البلاد التي تلي مكة أصابها قحط وجدب إلا مكة، فإنها كانت مخصبة زاهرة ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت العرب تدخل وتنزل بنواحيها من كل مكان، فخرجت حليمة مع نساء من بني سعد، قالت حليمة: كنا نبقي اليوم واليومين لا نقتات فيه بشئ، وكنا قد شاركنا المواشي في مراعيها، فكنت ذات ليلة بين النوم واليقظة وإذا قد أتاني آت ورماني في نهر ماء أبيض من اللبن، وأحلى من العسل ، وقال لي: اشربي فشربت،
ثم ردني إلى مكاني، وقال لي يا حليمة: عليك ببطحاء مكة، فإن لك بها رزقا " واسعا "، وسوف تسعدين ببركة مولود ولد بها، وضرب بيده على صدري، وقال: أدر الله لك اللبن، وجنبك المحق والمحن، قالت حليمة: فانتبهت وأنا لا أطيق حمل ثديي من كثرة اللبن، واكتسيت حسنا " وجمالا "، وأصبحت بحالة غير الحالة الأولى، ففزعت إلي نساء قومي وقلن: يا حليمة قد عجبنا من حالك، فما الذي حل بك؟ ومن أين لك هذا الحسن والجمال الذي ظهر فيك؟ قالت: فكتمت أمري عليهن فتركنني وهن أحسد الناس لي، ثم بعد يومين هتف بي هاتف فسمعه بنو سعد عن آخرهم وهو يقول:
يا نساء بني سعد نزلت عليكم البركات، وزالت عنكم الترحات برضاعة مولود ولد بمكة، فضله الواحد الأحد، فهنيئا " لمن له قصد، فلما سمعوا ما قاله الهاتف قالوا:
إن لهذا المولود شأنا " عظيما "، فرحل بنو سعد عن آخرهم إلى مكة، قالت حليمة:
ولم يبق أحد إلا وقد خرج إلى مكة، قالت: وكنا أهل بيت فقر ولم يكن عندنا شئ نحمل عليه، وقد ماتت مواشينا من القحط، وكانت حليمة من أطهر نساء قومها و أعفهن، ولذلك ارتضاها الله تعالى لترضع رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت النساء إذا دخلن على آمنة تسألهن عن أسمائهن، فإذا لم تسمع بذكر حليمة تقول: ولدي يتيم لا أب له ولا مال، فيذهبن عنها، فأقبلت حليمة مع بعلها ودخلت مكة وخلفت بعلها خارج البلد وقالت له: مكانك حتى أدخل مكة، وأسأل عن هذا المولود الذي بشرنا به، فلما دخلت حليمة مكة أرشدها
الله تعالى إلى أن دخلت على عبد المطلب وهو جالس بالصفا، وكان له سرير منصوب عند الكعبة يجلس عليه للقضاء بين الناس، فلما أتته قالت له: نعمت صباحا " أيها السيد، فقال لها: من أين أنت أيتها المرأة؟ قالت: من بني سعد أتينا نطلب رضيعا " نتعيش من اجرته، وقد أرشدت إليك، فقال: نعم عندي ولد لم تلد النساء مثله أبدا "، غير أنه يتيم من أبيه وأنا جده أقوم مقام أبيه، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك وأعطيتك كفايتك، فلما سمعت ذلك أمسكت عن الكلام، ثم قالت: يا سيد بني عبد مناف لي بعل بظهر مكة وهو مالك أمري وأنا أرجع إليه أشاوره في ذلك، فإن أمرني بأخذه رجعت إليه و أخذته، فقال لها عبد المطلب: شأنك، فوصلت إلى بعلها وقالت له: إني وردت على عبد المطلب فقال: عندي مولود أبوه ميت، وأنا أقوم مقامه، فما تقول؟ قال: يرجعن نساء بني سعد بالاحسان والاكرام وترجعين أنت بصبي يتيم؟ وكانت جملة نساء بني سعد قد دخلن مكة، فمنهن من حصل لها رضيع، ومنهن من لم يحصل لها شئ، فقالت حليمة: ترجع نساء بني سعد بالغنائم، وأرجع أنا خائبة؟ وأسبلت عبرتها، فقال بعلها: ارجعي إلى هذا الطفل اليتيم وخذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرا " كثيرا "، فإن جده مشكور بالاحسان، فرجعت حليمة فوجدته في مكانه الأول فذكرت له قول زوجها، فقام عبد المطلب ومضى بها إلى منزل آمنة وأخبرها بذلك وأعلمها باسمها وقومها، فقالت: هذه التي أمرت أن أدفع إليها ولدي، فقالت لها آمنة: أبشري يا حليمة بولدي هذا، فوالله ما أخصبت بلادنا إلا ببركة ولدي هذا، ثم أدخلتها آمنة البيت الذي فيه المصطفى صلى الله عليه وآله، فقالت حليمة: أتوقدين يا آمنة مع ولدك المصباح في النهار؟ قالت: لا، فوالله من حيث ولد ما أوقدت عنده النار، بل هو يغنيني عن المصباح، فنظرت حليمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ملفوف في ثوب من صوف أبيض، يفوح منه رائحة المسك والعنبر، فوقعت في قلبها محبة محمد صلى الله عليه وآله، وفرحت وسرت به سرورا " عظيما "، وكان نائما " فأشفقت عليه أن توقظه من
نومه فأمسكت عنه ساعة، فخشيت أن تبطئ على بعلها فمدت يدها إليه لتوقظه ففتح عينيه وجعل يهش لها ويضحك في وجهها، فخرج من فمه نور فتعجبت حليمة من ذلك، ثم ناولته ثديها اليمنى فرضع، فناولته الأخرى فلم يرضع، وكان ذلك إلهاما " من الله عز وجل، ألهمه العدل والانصاف من صغره، إذ كان لها ابن ترضعه، وكان لا يرضع حتى يرضع أخوه ضمرة، فرجعت حليمة بمحمد صلى الله عليه وآله، فقال لها عبد المطلب: مهلا " يا حليمة حتى نزودك، قالت: حسبي من الزاد هذا المولود، وهو أحب إلي من الذهب والفضة ومن جميع الأطعمة، وأعطاها من المال والزاد والكسوة فوق الطاقة والكفاية، و أعطتها آمنة كذلك، فأخذت عند ذلك آمنة ولدها وقبلته وبكت لفراقه، فربط الله على قلبها، فدفعته إلى حليمة، وقالت: يا حليمة احفظي نور عيني وثمرة فؤادي، ثم خرجت حليمة من بيت آمنة وشيعها عبد المطلب، قالت حليمة: والله ما مررت بحجر ولا مدر إلا ويهنئني بما وصل إلي، فلما أقبلت على بعلها نظر إلى النور يشرق في غرته فتعجب من ذلك، وألقى الله في قلبه الرحمة له، فقال لها: يا حليمة قد فضلنا الله بهذا المولود على سائر العالم، فلا شك أنه من أبناء الملوك، فلما ارتحلت القافلة ركبت حليمة على أتان وجعلت تقول لزوجها:
لقد سعدنا بهذا المولود سعادة الدنيا والآخرة.
وسمعت آمنة هاتفا " يقول:
قفي ساعة حتى نشاهد حسنه * قليلا ونمسي في وصال وفي قرب فأين ذهاب الركب عن ساكن الحمى * وأين رواح الصب عن ساكن الشعب إذا جئت واديه وجئت خيامه * وعاينت بدر الحسن في طيبه قف بي وطف بالمطايا حول حجرة حسنة * وعند طواف العيس يا صاحبي طف بي
فعند مليح اللون مهجتي التي * براها الأسى وجدا " كما عنده قلبي قفي يا حليمة ساعة فلعلني * أناشده إذ كان ذا شخصه قربي إذا طفت يا عيني اليمين تقربا " * إلى الله يوم الحج يا مهجتي طف بي طواف شجي القلب لا شئ مثله * فإن دموعي جاريات من السحب ألا أيها الركب الميمم قاصدا " * إلى ساكن الأحباب هل عندكم حبي قالت حليمة: فصارت الأتان تمر كالريح العاصف، فبينا نحن سائرون إذ مررنا على أربعين راهبا " من نصارى نجران، وإذا بواحد يصف لهم النبي صلى الله عليه وآله ويقول:
إنه يظهر في هذا الزمان أو قد ظهر بمكة مولود من صفاته كذا وكذا، يكون على يده خراب دياركم، وقطع آثاركم، وإذا إبليس قد تصور لهم في صورة إنسان وقال لهم:
الذي تذكرونه مع هذه المرأة التي مرت بكم، قالت حليمة: فقاموا إليه ونظروا وإذا النور يخرج من وجهه، ثم زعق بهم الشيطان وقال لهم: اقتلوه، فشهروا سيوفهم وقصدوني، فرفع ولدي محمد رأسه إلى السماء شاخصا " فإذا هم بداهية عظيمة كالرعد العاصف نزلت إلى الأرض، وفتحت أبواب السماء، ونزلت منها نيران، وإذا " بهاتف يقول: خاب سعي الكهان، قالت حليمة: فعاينت نارا " قد نزلت فخفت على ولدي منها، فنزلت على واديهم فأحرقته ومن فيه عن آخرهم، فخفت وكدت أن أسقط عن الأتان، وكان ذلك
أول ما ظهر من فضائله صلى الله عليه وآله.
قال صاحب الحديث: إن أول ليلة نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بحي بني سعد اخضرت أرضهم، وأثمرت أشجارهم، وكانوا في قحط عظيم، وكانوا يحبونه لذلك محبه عظيمة.
وكان إذا مرض منهم مريض يأتون به إليه فيشفى، وكثرت معجزاته، فكان بنو سعد يقولون: يا حليمة لقد أسعدنا الله بولدك هذا، قالت: والله ما غسلت له ثوبا " قط من من نجاسة، وكان له وقت يتوضأ فيه ولا يعود إلا إلى الغداة وكنت أسمع منه الحكمة، فلما كبر وترعرع كان يقول: الحمد لله الذي أخرجني من أفضل نبات، من الشجرة التي خلق منها الأنبياء، وكنت أتعجب منه ومن كلامه، وكان يصبح صغيرا "، ويمسي كبيرا "، ويزيد في اليوم مثل ما يزيد غيره في الشهر، ويزيد في الشهر مثل ما يزيد غيره في السنة حتى كبر ونشأ، ولم يكن في زمانه أحسن منه خلقا "، ولا أيسر منه مؤونة، و لقد كنا نجعل القليل من الطعام قدامنا ونجتمع عليه ونأخذ يده ونضعها فيه فنأكل، ويبقى أكثر الطعام، فلما صار ابن سبع سنين قال لامه حليمة: يا أمي أين إخوتي؟
قالت: يا بني إنهم يرعون الغنم التي رزقنا الله إياها ببركتك، قال : يا أماه ما أنصفتني، قالت: كيف ذلك يا ولدي؟ قال: أكون أنا في الظل وإخوتي في الشمس و الحر الشديد، وأنا أشرب منها اللبن قالت: يا بني أخشى عليك من الحساد، وأخاف أن يطرقك طارق، فيطلبني بك جدك، قال لها: لا تخشى علي يا أماه من شئ، ولكن إذا كان غداة غد أخرج مع إخوتي، فلما رأته وقد عزم على الخروج وهي خائفة عليه
عمدت إليه وشدته من وسطه، وجعلت في رجليه نعلين، وأخذ بيده عكازا "، وخرج مع إخوته، فلما رأى أهل الحي أتوا مسرعين إلى حليمة، فقالوا لها: كيف يطيب قلبك بخروج هذا البدر وما يصلح له الرعاية؟ قالت: يا قوم ما الذي تأمرونني به ولقد نهيته فلم ينته، فأسأل الله تعالى أن يصرف عنه السوء، ثم قالت: شعرا ".
يا رب بارك في الغلام الفاضل * محمد سليل ذي الأفاضل وأبلغه في الأعوام غير آفل * حتى يكون سيد المحافل فلما كان وقت العشاء أقبل مع إخوته كأنه البدر الطالع، فقالت له: يا ولدي لقد اشتغلت قلبي بخروجك عني في هذه البرية، قالت حليمة: وكان في الغنم شاة قد ضربها ولدي ضمرة فكسر رجلها، فأقبلت إلى ولدي محمد صلى الله عليه وآله تلوذ به كأنها تشكوا إليه، فمسح عليها بيده، وجعل يتكلم عليها حتى انطلقت مع الأغنام كأنها غزال، وكان كل يوم يظهر منه آيات ومعجزات، وكان إذا قال للغنم: سيري سارت، وإذا أمرها بالوقوف وقفت، وهي مطيعة له، فخرج في بعض الأيام مع إخوته وقد وصلوا إلى واد عشيب، وكانت الرعاة تهابه لكثرة سباعه، وإذا قد أقبل عليهم أسد وهو يزمجر،
هائل الخلقة، فلما وصل إلى الأغنام فتح فاه وهم أن يهجم عليها، فتقدم إليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر إليه الأسد نكس رأسه وولى هاربا "، فعند ذلك تقدم إخوته إليه فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: لقد خفنا عليك من هذا الأسد، وأنت ما خفت منه وكنت تكلمه، قال: نعم كنت أقول له: لا تعود بقرب هذا الوادي بعد هذا اليوم، فلما كان بعد ذلك رأت حليمة رؤيا " وانتبهت فزعة مرعوبة، وقالت لبعلها: إن سمعت مني أحمل محمدا " إلى جده، فإني أخشى أن يطرقه طارق، فيعظم مصيبتنا عند جده، ولقد رأيت كأن ولدي محمدا " مع إخوته كما كان يخرج كل يوم إذ أتاه رجلان عظيمان لم أر أعظم منهما، عليهما ثياب من إستبرق، وقصداه، فجاءه واحد منهما بخنجر وشق به جوفه، فانتبهت فزعة مرعوبة، والرأي عندي أن تحمله إلى جده، فقال لها: إن الذي تذكرينه في حق محمد ممتنع، فإنه معصوم من الله تعالى، ولقد رأيت الرهبان والأسد وغيره، قالت: نعم، ولكن لكل شئ آخر ونهاية، فكم كبير مات، وصغير عاش، فقال لها: إن منامك الذي رأيتها أضغاث أحلام، ثم لما أصبح الصباح وأراد محمد صلى الله عليه وآله أن يخرج مع إخوته على العادة قالت: لا تخرج اليوم يا قرة عيني، فاني أحب أن تكون معي هذا اليوم حتى أشبع من النظر إليك، فإنك في كل يوم تخرج بكرة ولا تأتي إلا عشية، فقال لها: وكيف ذلك يا أماه وأي شئ خفت علي منه، لا تخافي علي من شئ، فلم يقدر أحد أن يصل إلي بسوء ولا ضر ولا نفع إلا الله ربي، فخرج مع إخوته
وهي راعبة عليه، فلما كان وقت القائلة أقبل أولاد حليمة يبكون، فخرجت حليمة تعثر في أذيالها حيث سمعت أولادها يبكون، وحثت التراب على وجهها وشعرها، وشهرت بنفسها، فقالت: ما الذي دهاكم؟ أخبروني، قالوا: خرجنا نحن وأخونا محمد صلى الله عليه وآله وجلسنا تحت شجرة، وإذا قد أقبل عليه رجلان عظيمان لم نر مثلهما، فلما وصلا إلينا أخذا أخانا " محمدا صلى الله عليه وآله من بيننا، ومضيا به إلى أعلى الجبل فأضجعه واحد منهما، وأخذ سكينا "، وشق بطنه، وأخرج قلبه وأمعائه، ولا شك أنك لا تلحقيه إلا هالكا "، فعند ذلك لطمت خدها، وقالت: هذا تأويل رؤياي البارحة، وا أسفي عليك يا محمداه، واجزعي عليك يا ولداه يا قرة عيني، ثم صرخت في الحي وخرجت وخرج بنو سعد كلهم في أثرها، وخرج زوجها الحارث يجر قناته وبيده حربة، فلما أشرفوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وجدوه جالسا "، والأغنام حوله محيطة به، فتبادر القوم إليه ورفعوه وأتوا به وهم يقولون:
كل شئ تلقاه نحن وأولادنا وأموالنا فداك، فجائت إليه حليمة وأخذته وقبلته وهي تبكي بكاء " عظيما "، وكشفت عن بطنه فلم تر أثرا " فيه، ولم تر في أثوابه دما "، فرجعت إلى أولادها وقالت: كيف كذبتم على أخيكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تلوميهم فإني كنت عندهم إذ أتاني رجلان، وأخذاني وأضجعاني، وأخذ واحد منهما سكينا " فشق بها فؤادي، وأخرج منه نكتة سوداء ورمى بها، وقال لي: هذا حظ الشيطان منك يا محمد، ثم غسلا فؤادي بالماء وأعاداه كما كان، ثم أخرج أحدهما خاتما " يشرق منه النور فختم به فؤادي، ثم مسح على ما شقه فعاد كما كان، ثم قالا لي: يا محمد لو علمت ما لله عليك من السابقة لقرت عيناك، ثم قال أحدهما للاخر: زنه، فوزنني بعشره من أمتي
فرجحت بهم، ثم زاد عشرة فرجحت بهم، ثم قال: لو وزنته بجميع الأمم لرجح بهم، ثم عرجا نحو السماء وأنا أنظر إليهما، فقالت حليمة لبعلها: الرأي أنا نحمل محمدا " إلى جده، فقال: يمنعني من ذلك خبث نفسي من فراقنا له، وإنه أعز عندنا من الأولاد، فلما سمعت كلام بعلها قالت: ما يوصل هذا الصبي إلى جده إلا أنا بنفسي، ثم أقبلت إليه وقالت: يا ولدي إن جدك إليك مشتاق وعمومتك، فهل لك أن تسير إليهم؟
قال: نعم، فقامت حليمة وشدت على راحلتها وركبت، وأخذت محمدا " قدامها وسارت طالبة مكة، وكان عبد المطلب قد أنفذ إليها أن تحمل ولده إليه، فكانت إذا نزلت في هبوط ضمته إليها، وإذا رأت راكبا " غمته خوفا " عليه إلى أن وصلت حيا " من أحياء العرب، وكان عندهم كاهن وقد سقط حاجباه على عينيه من طول السنين، والناس عاكفون عليه، فلما جازت عليهم غشي عليه ، فلما أفاق قال: يا ويلكم بادروا إلى المرأة التي مرت راكبة، وخذوا منها الصبي الذي عندها واقتلوه قبل أن يخرب بلادكم، قالت حليمة: وإذا أنا بالرجال قد أقبلوا إلي، فوقعت عليهم ريح صرعتهم في الحال، فسرت عنهم ولم أحفل بهم، وجعلت أسير حتى بلغت إلى مكة، فوضعت ولدي محمدا " صلى الله عليه وآله عند أناس جلوس، ومضيت عنه ناحية لحاجة، فسمعت وجبة وصوتا " عاليا "، فالتفت إلى ولدي فلم أره، فسألت عنه القوم الذين كانوا جلوسا " قالوا: ما رأيناه، فسألوني عن اسمه، فقلت: محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقلت: وحق الكعبة والمقام لئن لم أجده رميت بنفسي من أعلى هذا الحائط حتى أموت، وسألتهم وأخذت في جد السؤال فلم تعط خبرا "، فأخذت جيبها، ومزقت أثوابها، ولطمت وجهها، وبكت وأكثرت البكاء، وحثت التراب على
رأسها، وجعلت تقول: وا ولداه، وا قرة عيناه، وا ثمرة فؤاداه، وا محمداه: فبينا هي كذلك إذ خرج إليها شيخ كبير يتوكأ على عصا، فقال لها: ما قصتك أيتها المرأة؟ فقالت:
فقدت ولدي محمدا "، ولم أدر أين مضى، قال لها: لا تبكين، أنا أدلك على من يعلم أين ذهب، قالت: افعل يا سيدي، فمضى قدامها إلى أن أتى الكعبة، وطاف على صنم يقال له: هبل، وقال: يا هبل أين محمد؟ فسقط الصنم لما ذكر محمدا "، فخرج الرجل خائفا "، قالت حليمة:
فحسست في نفسي أنه قد أخذه آخذ وذهب به إلى جده، فقصدته مسرعة، فلما رآني قال: ما قصتك؟ قلت: ولدك محمد أتيت به ووضعته على باب مكة أقضي حاجة فرجعت فلم أره، فقال: إني أخشى أن يكون أخذه بعض الكهان، فنادى عبد المطلب: يا آل غالب، وكانوا يتباركون بهذه الكلمة، فلما سمع قريش صوت عبد المطلب أجابوه من كل مكان، فقال لهم: إن حليمة قد أقبلت بولدي محمد، وطرحته على باب الكعبة، ومضت لقضاء حاجة لها وعادت فلم تره، وأنا أخاف عليه أن يغتاله ساحر أو كاهن، فقالوا: نحن معك سربنا أين شئت، إن خضت بحرا " خضناه، وإن ركبت برا " ركبناه، ثم ركبوا وساروا فلم يقفوا له على خبر، فأتى عبد المطلب إلى الكعبة وطاف بها سبعا "، وتعلق بأستارها، ثم دعا وتضرع في دعائه، فسمع هاتفا يقول: يا عبد المطلب لا تخف على ولدك، ولكن اطلبه بوادي دعاية عند شجرة الموز، فمضى عبد المطلب إلى المكان المذكور فوجده قاعدا " تحت الشجرة، وقد تدلت عليه أثمارها، فبادر إليه جده، فأخذه وقبله، وقال له:
يا ولدي من أتي بك إلى هذا الموضع؟ قال: اختطف بي طير أبيض، وحملني على
جناحه، وأتى بي إلى هاهنا، وقد جعت وعطشت فأكلت من ثمرة هذه الشجرة، وشربت من الماء، وكان الطائر جبرئيل عليه السلام.
ثم إن حليمة قالت لعبد المطلب: إن ولدك قد صار له عندنا كذا وكذا، قال: يا حليمة لا بأس عليك، إمضي إلى أمه وأخبريها بذلك، فإنها أخبرتني يوم ولد أنه سطع منه نور صعد إلى السماء.
وذلك قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) الآية.
ثم إن عبد المطلب كفل النبي صلى الله عليه وآله إلى أن رمد النبي صلى الله عليه وآله رمدة شديدة وكان بالجحفة طبيب فوطأ له جده راحلة وسار به إلى الجحفة، فلما دخل صاح عبد المطلب أيها الطبيب عندي غلام أريد أن تطب عينه، فرفع رأسه وقال له: اكشف لي عن وجهه، فلما كشف عن وجهه سقطت الصومعة، فرفع الراهب رأسه ونادى بالشهادتين والاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ثم قال: وما عسى أن أقول فيه لا بأس عليه مما نزل به، ولكن أيها الشيخ اسمع ما أقول لك، إنه سيد العرب، بل سيد الأولين والآخرين، والمشفع فيهم يوم الدين، تنصره الملائكة المقربون، ويأمره الله أن يقاتل من يخالفه، وينصره الله نصرا " عزيزا "، وأشد الناس عليه قومه، فقال عبد المطلب: يا راهب ما تقول؟ فقال: والذي لا إله إلا هو، لئن أدركت زمانه لأنصرنه، فاحفظ ولدك، فرجع بولده إلى مكة
فأقام بها حتى حضرته الوفاة، فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله أبو طالب، وأقبل به إلى منزله، ودعا بزوجته فاطمة بنت أسد، وكانت شديدة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، شفيقة عليه، فقال لها أبو طالب: اعلمي أن هذا ابن أخي، وهو أعز عندي من نفسي ومالي، و إياك أن يتعرض عليه أحد فيما يريد، فتبسمت فاطمة من قوله، وكانت تؤثره على سائر أولادها، وكان لها عقيل وجعفر، فقالت له: توصيني في ولدي محمد وإنه أحب إلي من نفسي وأولادي، ففرح أبو طالب بذلك، فجعلت تكرمه على جملة أولادها، ولا تجعله يخرج عنها طرفة عين أبدا "، وكان يطعم من يريد فلا يمنع، وقد كان يشب في اليوم ما يشب غيره في السنة وينمو، فتعجب أهل مكة من ذلك وحسنه وجماله، فلما نظر أبو طالب إلى حسنه وجماله قال: شعرا ":
نور وجهك الذي فاق في الحسن * على نور شمسنا والهلال أنت والله يا مناي وسؤلي * الذي فاق نوره المتعالي أنت نور الأنام من هاشم الغر * فقت كل العلا وكل الكمال وعلو الفخار والمجد أيضا * ولقد فقت أهل كل المعالي ثم بعد ذلك شاع ذكره في البلاد، ثم إنه توجه يوما " إلى نحو الكعبة وأهل مكة حولها، وكان قد عمروا فيها عمارة، وشالوا الحجر الأسود من مكانه، فلما عزموا
أن يردوه إلى مكانه الأول اختلفوا فيمن يرده، فكان كل منهم يقول: أنا أرده، يريد الفخر لنفسه، فقال لهم ابن المغيرة: يا قوم حكموا في أمركم من يدخل من هذا الباب، وأجمعوا على ذلك، وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله قد اقبل عليهم، فقالوا: هذا محمد، نعم الصادق الأمين، ذو الشرف الأصيل، ثم نادوه فأقبل عليهم، فقالوا: قد حكمناك في أمرنا، من يحمل الحجر الأسود إلى محله؟ فقال صلى الله عليه وآله: هذه فتنة، ايتوني بثوب، فأتوه به، فقال:
ضعوا الحجر فوقه، وارفعوه من كل طرف قبيلة، فرفعوه إلى مكانه، والنبي صلى الله عليه وآله هو الذي وضعه في مكانه، فتعجبت القبائل من فعله.
بيان: الزعرق: الصياح والزمجرة: الصوت . قوله: غمته أي غطته.
21 - أقول: روى الكاذروني: في المنتقى عن برة قال: أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وآله ثويبة بلبن ابن لها يقال له: مسروح أياما " قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكانت تدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فيكرمها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعث إليها بعد الهجرة بكسوة
وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر.
22 - وأورد الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة مسندا " عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر، وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته يسجد تحت الكرسي. قوله: وجبته أي سقطته.
23 - وروى عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: وقد تنازعت الظئر في رضاع محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: إي والله، وكل نساء الجن، وذلك لما رد إلى آمنة من السماوات نادى الملك في سماء الدنيا: هذا محمد سيد الأنبياء، فطوبي لثدي أرضعته، فتنافست الطير والجن، في رضاعه، قال: فنوديت كلها: أن كفوا، فقد أجرى الله ذلك علي أيدي الانس، فخص الله بذلك حليمة.
24 - وروي أنه لما مضى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهران وهو عند حليمة ترضعه خرج عبد المطلب فأتى إليها فقال لها: ادفعي إلي ابني: فقالت له: جعلني الله فداك يا عبد المطلب دعه عندي فإنه قد الفني، قال: كيف لم تريديه قبل اليوم وتمتسكين به الان؟ قالت: لأنه والله نسمة مباركة، قد بورك لنا في جميع أبداننا وأموالنا، فدعه عندي لا أريد منك عليه شيئا " أبدا "، فتركه عندها، وانصرف عبد المطلب، فمكثت حليمة لا تدخل في الليل إلى بيتها إلا ونظرت إلى الستر قد انفجر ونزل عليه القمر يناغيه، فيقول زوجها: إن لهذا الغلام لشأنا " عظيما "، ليسودن العرب كلها.
25 - وروى حديث حليمة برواية أخرى عن ابن عباس أوردتها أيضا " لفوائد فيها،
وهي أنه روي أنه كان من سببها أن الله أجدب البلاد والزمان، فدخل ذلك على عامة الناس، وكانت حليمة تحدث عن زمانها وتقول: كان الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله في جهد شديد، وكنا أهل بيت مجدبين، وكنت امرأة طوافة، أطوف البراري والجبال، ألتمس الحشيش والنبات، فكنت لا أمر على شئ من النبات إلا قلت: الحمد لله الذي أنزل بي هذا الجهد والبلاء، ولما ولد النبي صلى الله عليه وآله خرجت إلى ناحية مكة ولم أكن ذقت شيئا " منذ ثلاثة أيام، وكنت التوي كما تلتوي الحية، وكنت ولدت ليلتي تلك غلاما " فلم أدر أجهد الولادة أشكو أم جهد نفسي، فلما بت ليلتي تلك أتاني رجل في منامي فحملني حتى قذفني في ماء أشد بياضا " من اللبن، وقال: يا حليمة أكثري من شرب هذا الماء ليكثر لبنك، فقد أتاك العز وغناء الدهر، تعرفينني؟ قلت: لا، قال أنا الحمد لله الذي كنت تحمدينه في سرائك وضرائك، فانطلقي إلى بطحاء مكة، فإن لك فيها رزقا " واسعا "، واكتمي شأنك ولا تخبري أحدا "، ثم ضرب بيده على صدري، فقال: أدر الله لك اللبن، وأكثر لك الرزق، فانتبهت وأنا أجمل نساء بني سعد، لا أطيق أن أسبل ثديي، كأنهما الجر العظيم، يتسيب منهما لبن، وأرى الناس حولي من نساء بني سعد ورجالهم في جهد من العيش، إنما كنا نرى البطون لازقة بالظهور، والألوان شاحبة متغيرة، لا نرى في الجبال الراسيات شيئا "، ولا في الأرض شجرا "، وإنما كنا نسمع من كل جانب أنينا " كأنين المرضى، وكادت العرب أن تهلك هزالا " وجوعا "، فلما أصبحت حليمة وإنها لفي جهد من العيش وتغير من الحال، وقد أصبحت اليوم تشبه بنات الملوك، قلن: إ لها شأنا " عظيما "، ثم احدقن بي يسألنني عن قصتي، فكنت لا أحير جوابا "، فكتمت شأني لأني بذلك كنت أمرت، ولم تبق امرأة في بني سعد ذات زوج إلا وضعت غلاما "، ورأيت الرؤوس المشتعلة بالشيب قد عادت سودا " لبركة مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا " ينادي: ألا إن قريشا " قد وضعت العام كل بطونها، وإن الله قد
حرم على نساء العام أن يلدن البنات من أجل مولد في قريش، وشمس النهار، وقمر الليل، فطوبى لثدي أرضعته، ألا فبادرن إليه يا نساء بني سعد، قالت: فنزلنا في جبل و عزمنا على الخروج إلى مكة، فخرج نساء بني سعد على جهد منهن ومخمصة، وخرجت أنا مع بني لي على أتان لي معناق تسمع لها في جوفها خضخضة، قد بدأ عظامها من سوء حالها، وكانت تخفضني طورا "، وترفعني آخر، ومعي زوجي، فكنت في طريقي أسمع العجائب من كل ناحية، لا أمر بشئ إلا استطال إلي فرحا "، وقال لي: طوبى لثديك يا حليمة، انطلقي فإنك ستأتين بالنور الساطع، والهلال البدري، فاكتمي شأنك وكوني من وراء القوم، فقد نزلت بشاراتك، قالت: فكنت أقول لصاحبي: تسمع ما أسمع؟ فيقول: لا، مالي أراك كالخائفة الوجلة تلتفتين يمنة " ويسرة "، مري أمامك، فقد تقدم نساء بني سعد، وإني أخاف أن يسبقني إلى كل مولود بمكة، قالت: فجعلنا نجد في المسير والأتان كأنها تنزع حوافرها من الظهر نزعا "، فبينا أنا في مسيري إذا أنا برجل في بياض الثلج، وطول النخلة الباسقة، ينادي من الجبل: يا حليمة مري أمامك، فقد أمرني الله عز وجل أن أدفع عنك كل شيطان رجيم، قالت: حتى إذا صرنا على فرسخين من مكة بتنا ليلتنا تلك، فرأيت في منامي كان على رأسي شجرة خضراء، قد ألقت بأغصانها حولي، ورأيت في فروعها شجرة كالنخلة، قد حملت من أنواع الرطب، و كان جميع من خرج معي من نساء بني سعد حولي، فقلن: يا حليمة أنت الملكة علينا، فبينا أنا كذلك إذ سقطت من تلك الشجرة في حجري تمرة فتناولتها ووضعتها في فمي، فوجدت لها حلاوة كحلاوة العسل، فلم أزل أجد طعم ذلك في فمي حتى فارقني رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبحت كتمت شأني، قلت: إن قضى الله لي أمرا " فسوف يكون، ثم ارتحلنا حتى نزلنا مكة يوم الاثنين وقد سبقني نساء بني سعد، وكان الصبي الذي معي قد ولدته لا يبكي ولا يتحرك ولا يطلب لبنا "، فكنت أقول لصاحبي: هذا الصبي ميت
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.