پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 5 تزوجه صلى الله عليه وآله بخديجة

ج ۱۵، ص ۴۱۴–۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

1 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن بريد، عن الصادق عليه السلام قال: لما توفيت خديجة رضي الله عنها جعلت فاطمة عليها السلام تلوذ برسول الله صلى الله عليه وآله وتدور حوله، وتقول: أبه أين أمي؟ قال:

فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له: ربك يأمرك أن تقرء فاطمة السلام وتقول لها: إن أمك في بيت من قصب كعابه من ذهب، وعمده ياقوت أحمر، بين آسية ومريم بنت عمران، فقالت فاطمة عليها السلام: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام.

2 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمد بن يحيى الجعفي، عن جابر ابن الحر النخعي، عن عبد الرحمن بن ميمون، عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: أول

من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله من الرجال علي عليه السلام، ومن النساء خديجة عليها السلام.

3 - الخصال: محمد بن علي بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله أربع خطط في الأرض، وقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

أفضل نساء الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

4 - الخصال: سليمان بن أحمد اللخمي، عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن المنهال، عن داود بن أبي الفرات عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله أربع خطوط، ثم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

5 - الخصال: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

إن الله اختار من النساء أربعا: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة.

أقول: سيأتي فيما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي الذي سأل عن خصال الأوصياء، فقال عليه السلام فيما قال: كنت أول من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حجج، وما على وجه الأرض خلق يصلي ويشهد لرسول الله صلى الله عليه وآله بما أتاه غيري، وغير ابنة خويلد رحمها الله وقد فعل.

6 - الخصال: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبي علي الواسطي، عن عبد الله ابن عصمة، عن يحيى بن عبد الله، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله، فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لامك علينا فضلا، وأي فضل كان لها علينا؟! ما هي إلا كبعضنا، فسمع مقالتها لفاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت، فقال: ما يبكيك يا بنت محمد؟! قالت: ذكرت أمي فتنقصتها فبكيت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: مه يا حميراء، فإن الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود، وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا وهو عبد الله وهو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب، وأنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئا.

7 - قصص الأنبياء: تزوج النبي صلى الله عليه وآله بخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام.

8 - الخرائج: روي عن جابر قال: كان سبب تزويج خديجة محمدا أن أبا طالب قال:

يا محمد إني أريد أن أزوجك ولا مال لي أساعدك به، وإن خديجة قرابتنا، وتخرج كل سنة قريشا في مالها مع غلمانها يتجر لها ويأخذ وقر بعير مما أتى به، فهل لك أن تخرج؟ قال: نعم، فخرج أبو طالب إليها وقال لها: ذلك، ففرحت وقالت لغلامها ميسرة:

أنت وهذا المال كله بحكم محمد صلى الله عليه وآله، فلما رجع ميسرة حدث أنه ما مر بشجرة ولا مدرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، وقال: جاء بحيرا الراهب، وخدمنا لما رأى الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تظله بالنهار، وربحا في ذلك السفر ربحا كثيرا، فلما انصرفا قال ميسرة: لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك، فتقدم محمد على راحلته، فكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع نسوة فظهر لها محمد راكبا، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين

عن يمينه وعن شماله، في يد كل واحد سيف مسلول، يجيئان في الهواء معه، فقالت: إن لهذا الراكب لشأنا عظيما ليته جاء إلى داري، فإذا هو محمد صلى الله عليه وآله قاصد لدارها، فنزلت حافية إلى باب الدار، وكانت إذا أرادت التحول من مكان إلى مكان حولت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلما دنت منه قالت: يا محمد اخرج و واحضرني عمك أبا طالب الساعة، وقد بعثت إلى عمها أن زوجني من محمد إذا دخل عليك، فلما حضر أبو طالب قالت: أخرجا إلى عمي ليزوجني من محمد فقد قلت له في ذلك، فدخلا على عمها، وخطب أبو طالب الخطبة المعروفة، وعقد النكاح، فلما قام محمد صلى الله عليه وآله ليذهب مع أبي طالب قالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك، وأنا جاريتك.

9 - العدد، مناقب ابن شهرآشوب: زوج أبو طالب خديجة من النبي، وذلك أن نساء قريش اجتمعن في المسجد في عيد، فإذا هن بيهودي يقول: ليوشك أن يبعث فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون له أرضا يطأها فلتفعل، فحصبنه، وقر ذلك القول في قلب خديجة، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد استأجرته خديجة على أن تعطيه بكرين، ويسير مع غلامها ميسرة إلى الشام، فلما أقبلا في سفرهما نزل النبي صلى الله عليه وآله تحت شجرة فرآه راهب يقال له:

نسطور، فاستقبله وقبل يديه ورجليه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، لما رأى منه علامات، وإنه نزل تحت الشجرة، ثم قال لميسرة: طاوعه في أوامره ونواهيه فإنه نبي، والله ما جلس هذا المجلس بعد عيسى عليه السلام أحد غيره، ولقد

بشر به عيسى عليه السلام، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، وهو يملك الأرض بأسرها، وقال ميسرة: يا محمد لقد جزنا عقبات بليلة كنا نجوزها بأيام كثيرة، وربحنا في هذه السفرة ما لم نربح من أربعين سنة ببركتك يا محمد، فاستقبل خديجة، وأبشرها بربحنا، وكانت وقتئذ جالسة على منظرة لها، فرأت راكبا على يمينه ملك مصلت سيفه، وفوقه سحابة معلق عليها قنديل من زبرجدة، وحوله قبة من ياقوتة حمراء فظنت ملكا يأتي بخطبتها وقالت: اللهم إلي وإلى داري، فلما أتى كان محمدا وبشرها بالأرباح، فقالت: وأين ميسرة؟ قال: يقفو أثري، قالت: فارجع إليه وكن معه، ومقصودها لتستيقن حال السحابة، فكانت السحابة تمر معه، فأقبل ميسرة إلى خديجة وأخبرها بحاله، وقال لها: إني كنت آكل معه حتى يشبع ويبقي الطعام كما هو، وكنت أرى وقت الهاجرة ملكين يظللانه، فدعت خديجة بطبق عليه رطب، ودعت رجالا ورسول الله صلى الله عليه وآله فأكلوا حتى شبعوا، ولم ينقص شيئا، فأعتقت ميسرة وأولاده وأعطته عشرة آلاف درهم لتلك البشارة، ورتبت الخطبة من عمرو بن أسد عمها.

قال النسوي في تاريخه: أنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد، فخطب أبو طالب بما رواه الخركوشي في شرف المصطفى، والزمخشري في ربيع الأبرار، وفي تفسيره الكشاف، وابن بطة في الإبانة، والجويني في السير عن الحسن، والواقدي وأبي صالح والعتبي فقال:

" الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل، ومن ذرية الصفي إسماعيل، وصئصئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل مسكننا بيتا محجوجا، وحرما أمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال مقلا،

فإن المال ورق حائل، وظل زائل، وله والله خطب عظيم، ونبأ شائع، وله رغبة في خديجة، ولها فيه رغبة، فزوجوه والصداق ما سألتموه من مالي عاجلة وآجلة " فقال خويلد: زوجناه ورضينا به.

وروي أنه قال بعض قريش: يا عجبا أيمهر النساء الرجال، فغضب أبو طالب وقال:

إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان، وإذا كانوا أمثالكم لم تزوجوا إلا بالمهر الغالي، فقال رجل من قريش يقال له: عبد الله بن غنم:

هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد تزوجته خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد؟

وبشر به المرءان عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد بيان: قوله: فحصبنه أي رمينه بالحصباء، وصئصئ بالمهملتين والمعجمتين:

الأصل، قال في النهاية: في حديث الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين، الضئضئ: الأصل، يقال: ضئصئ صدق، وضؤضؤ صدق، وحكى بعضهم ضئضيئ بوزن قنديل، يريد أنه يخرج من نسله ومن عقبه، ورواه بعضهم بالصاد المهملة وهو بمعنا انتهى.

وفي القاموس: الورق مثلثة، وككتف وجبل: الدارهم المضروبة، ومحركة الحي من كل حيوان، والمال من إبل ودراهم وغيرها انتهى. وفي الفقيه: رزق كما سيأتي، و الحائل: المتغير.

10 - مناقب ابن شهرآشوب: خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس وعشرون

سنة، وتزوج بها بعد أشهر، قال الكليني: تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة ولبث بها أربعا وعشرين سنة وأشهرا، وبنيت الكعبة ورضيت قريش بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة.

أقول: أوردنا تاريخ وفاتها في باب المبعث.

11 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حدث أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن جبرئيل عليه السلام قال لي ليلة أسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟ قال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام، وحدثنا عند ذلك أنها قالت حين لقاها نبي الله صلى الله عليه وآله فقال لها:

الذي قال جبرئيل، فقالت: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، وعلى جبرئيل السلام.

12 - كشف الغمة: من مسند أحمد بن حنبل، عن عبد الله ابن جعفر، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير نسائها خديجة، وخير نسائها مريم.

ومنه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أمرت أن ابشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

ومنه، عن ابن عباس: إن أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله بعد خديجة علي عليه السلام، وقال مرة: أسلم.

وقد تقدم ذكر إسلامها رضي الله عنها، وأنها سبقت الناس كافة، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، وهو مشهور.

ومن المسند عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

ومنه، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: بشر رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة ببيت في الجنة

لا صخب فيه ولا نصب.

وروي أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أن ربها يقرؤها السلام.

وروى أبو هريرة قال: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: هذه خديجة قد أتتك معها إناء مغطى فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وقال شريك: وقد سئل عن القصب قصب الذهب.

وقال الجوهري: القصب: أنابيب من جوهر وذكر الحديث.

وقال غيره: اللؤلؤ، وقال صاحب النهاية في غريب الحديث: القصب: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف في هذا الحديث. والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويف.

وروي أن عجوزا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله فألطفها، فلما خرجت سألته عائشة فقال:

إنها كانت تأتينا في زمن خديجة، وإن حسن العهد من الايمان.

وعن علي عليه السلام قال: ذكر النبي صلى الله عليه وآله خديجة يوما وهو عند نسائه فبكى، فقالت عائشة: ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد؟ فقال: صدقتني إذ كذبتم، وآمنت بي إذ كفرتم، وولدت لي إذ عقمتم، قالت عائشة: فما زلت أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بذكرها.

ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية لأبي محمد بن عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي الحنبلي ذكر خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وتقدم إسلامها، وحسن موازرتها، وخطر فضلها، وشرف منزلتها، ذكر مرفوعا عن محمد بن إسحاق قال. كانت خديجة بنت خويلد

امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله من صدق حديثه و عظيم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج في مالها ذلك، ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال:

من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله سلعته التي خرج فيها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، وكان ميسرة فيما يزعمون قال: إذا كانت الهاجرة واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين، فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني، و شرفك في قومك، وسطتك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لو يقدر عليه، فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالت ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله.

وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وبلغ أشده وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة، وهو سوق بتهامة، و استأجرت معه رجلا آخر من قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما رأيت من صاحبة لأجير

خيرا من خديجة، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبأه لنا.

ومنه، قال الدولابي يرفعه عن رجاله: إنه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رأى في المنام رؤيا فشق عليه، فذكر ذلك لصاحبته خديجة، فقالت له: أبشر، فإن الله تعالى لا يصنع بك إلا خيرا، فذكر لها أنه رأى أن بطنه اخرج فطهر وغسل ثم أعيد كما كان، قالت: هذا خير فأبشر، ثم استعلن له جبرئيل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه، وبشره برسالة الله حتى اطمأن، ثم قال: اقرأ، قال كيف أقرء؟ قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم " فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة ربه واتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله، وانصرف إلى أهله، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتك الذي كنت أحدثك ورأيته في المنام فإنه جبرئيل استعلن، وأخبرها بالذي جاءه من عند الله وسمع، فقالت: أبشر يا رسول الله، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فاقبل الذي أتاك الله، وأبشر فإنك رسول الله حقا.

وروي مرفوعا إلى الزهري قال: كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله.

وعن ابن شهاب: أنزل الله على رسوله القرآن والهدى وعنده خديجة بنت خويلد.

وقال ابن حماد: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج خديجة على اثنتي عشرة أوقية ذهبا وهي يومئذ ابنة ثماني وعشرين سنة.

وحدثني ابن البرقي أبو بكر، عن ابن هشام، عن غير واحد، عن أبي عمرو بن العلاء قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة.

وعن قتادة بن دعامة قال: كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله عند عتيق ابن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، يقال: ولدت له جارية وهي أم محمد بن صيفي المخزومي، ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة التيمي، فولدت له هند بن هند، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله.

وبإسناده يرفعه إلى محمد بن إسحاق قال : كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء من الله، ووازرته على أمره، فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله ذلك عن رسول الله

صلى الله عليه وآله بها، إذا رجع إليها تثبته، وتخفف عنه، وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله.

وعن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟

قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لخديجة:

يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني، قالت: قم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فاجلس في حجري، ففعل، قالت:

هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا بن عم أثبت وأبشر، فوالله إنه لملك وما هو بشيطان.

قال ابن إسحاق: قد حدثت بهذا الحديث عبد الله بن حسن قال: سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وآله بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذا لملك وما هو بشيطان.

وعن ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول الله صلى الله عليه وآله هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسكن إليها.

وعن عروة بن الزبير قال: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أريت بخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أقرء خديجة من ربها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا خديجة هذا جبرئيل يقرئك من ربك السلام، فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام. وعلى جبرئيل السلام.

وروي أن آدم عليه السلام قال: إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي

نبي من الأنبياء يقال له: محمد صلى الله عليه وآله، فضل علي باثنتين: زوجته عاونته وكانت له عونا، وكانت زوجتي على عونا، وإن الله أعانه على شيطانه فأسلم، وكفر شيطاني.

وعن عائشة قالت: كان رسول الله إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها: فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت:

فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله غضب غضبا شديدا، فسقطت في يدي، فقلت: اللهم إنك إن أذهبت بغضب رسولك صلى الله عليه وآله لم أعد بذكرها بسوء ما بقيت، قالت: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقت مني حيث حرمتموه، قالت:

فغدا وراح علي بها شهرا.

وروي أن خديجة رضوان الله عليها كانت تكنى أم هند.

وعن ابن عباس أن عم خديجة عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن أباها مات قبل الفجار.

وعن ابن عباس أنه تزوجها صلى الله عليه وآله وهي ابنة ثماني وعشرين سنة، ومهرها اثنتي عشرة أوقية، وكذلك كانت مهور نساؤه، وقيل: إنها ولدت قبل الفيل بخمسة عشر سنة، وتزوجها صلى الله عليه وآله وهي بنت أربعين سنة، ورسول الله صلى الله عليه وآله ابن خمس وعشرين سنة.

وحديث عفيف ورؤيته النبي صلى الله عليه وآله وخديجة وعليا يصلون حين قدم تاجرا إلى

العباس، وقوله: لا والله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قد تقدم ذكره بطريقه فلا حاجة لنا إلى ذكره، لأنه لم يختلف في أنها رضي الله عنها أول الناس إسلاما.

وقال ابن سعد يرفعه إلى حكم بن حزام: قال: توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشرة من النبوة، وهي ابنة خمس وستين سنة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في حفرتها، ولم يكن يومئذ صلاة على الجنازة، قيل:

ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها، وبعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير، قال: فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية.

هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذي.

بيان: قوله: وسطتك بكسر السين، أي كونك وسطهم ومتوسطا بينهم، أي أشرفهم، قال الجوهري: وسطت القوم أسطهم وسطا ووسطة، أي توسطتهم، وفلان وسيط في قومه: إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا انتهى.

قوله صلى الله عليه وآله: ورزقت مني، أي الولد، أو الاسلام. قولها: فغدا وراح علي بها شهرا، لعل المعنى أنه صلى الله عليه وآله كان إلى شهر يذكر خديجة وفضلها في الغدو والرواح، أو لما علم ندامتي في أمرها كان يغدو ويروح إلي لطفا بي.

13 - الكافي: بعض أصحابنا، عن علي بن الحسين، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج خديجة

بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال: " الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي هذا يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلا في المال، فإن المال رفد جار، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر علي في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ورب هذا البيت حظ عظيم، ودين شائع، ورأي كامل " ثم سكت أبو طالب فتكلم عمها وتلجلج، وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر، وكان رجلا من القسيسين، فقالت خديجة مبتدئة: يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي، فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها، وأدخل على أهلك، قال أبو طالب: اشهدوا عليها بقبولها محمدا وضمانها المهر في مالها، فقال بعض قريش: يا عجباه المهر على النساء للرجال؟ فغضب أبو طالب غضبا شديدا وقام على قدميه، وكان ممن يهابه الرجال ويكره غضبه، فقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان، وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي، ونحر أبو طالب ناقة ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله بأهله، فقال رجل من قريش يقال له: عبد الله بن غنم:

هنيئا مرئيا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجت خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد؟

وبشر به البر ان عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد بيان: الزرع: الولد. قوله: فإن المال رفد جار أي عطاء مستمر، يجريه الله على عباده بقدر حاجتهم، وقد مر مكانه: ورق حائل، وسيأتي من الفقيه: رزق حائل.

والبهر بالضم: انقطاع النفس من الاعياء، قولها: وإن كنت أولى بنفسي مني، لعل المعنى إنك وإن كنت أولى بأمري في محضر الناس عرفا، فلست أولى بأمري واقعا، أو إن كنت أولى في الحضور والتكلم بمحضر الناس، فلست أولى مني في أصل الرضا والقبول، أو إن كنت قادرا على إهلاكي وأمكنك فيه، لكني لا أمكنك في ترك هذا الامر، ولعل الأوسط أظهر، قوله: قد جرت لك الطير، يقال للحظ من الخير والشر: طائر، لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريقة التفأل والطيرة، وأصله أنهم كانوا يتفألون ويتطيرون بالسوانح والبوارح من الطير عند توجههم إلى مقاصدهم ويحتمل أن يكون المعنى انتشر أسعد الاخبار منك في الآفاق سريعا بسبب ما كان منك من حسن الاختيار، فإن الطير أسرع في إيصال الاخبار من غيرها، والأول أظهر.

والبر بالفتح: الصادق، والكثير البر. والقدم بالكسر: خلاف الحدوث، يقال:

قد ما كان كذا.

14 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على خديجة حيث مات القاسم ابنها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فقالت: درت دريرة فبكيت، فقال:

يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة أن تجئ إلى باب الجنة وهو قائم فيأخذ بيدك

فيدخلك الجنة، وينزلك أفضلها؟ وذلك لكل مؤمن، إن الله عز وجل أحكم وأكرم أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها أبدا.

15 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: توفي طاهر ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة عن البكاء، فقالت: بلى يا رسول الله، ولكن درت عليه الدريرة فبكيت، فقال لها:

أما ترضين أن تجديه قائما على باب الجنة، فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك أطهرها مكانا، وأطيبها؟ قالت: وإن ذلك كذلك؟ قال: فإن الله أعز وأكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر ويحتسب ويحمد الله عز وجل ثم يعذبه.

16 - نهج البلاغة: ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثها.

17 - من لا يحضره الفقيه: خطب أبو طالب رحمه الله لما تزوج النبي صلى الله عليه وآله خديجة بنت خويلد رحمها الله بعد أن خطبها إلى أبيها، ومن الناس من يقول: إلى عمها، فأخذ بعضادتي الباب ومن شاهده من قريش حضور، فقال: " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم و ذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، يجبى إليه ثمرات كل شئ وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال قل فإن المال رزق حائل، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه

رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، وله خطر عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم، فزوجه ودخل بها من الغد، فأول ما حملت ولدت عبد الله بن محمد صلى الله عليه وآله.

18 - أقول: قال الكازروني في المنتقى: روي أن خزيمة بن حكيم السلمي كانت بينه وبين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قرابة، وإنه قدم عليها، وكان إذا قدم عليها أصابته بخير، فوجهته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وغلام لها يقال له: ميسرة في تجارة إلى بصرى من أرض الشام، فأحب خزيمة رسول الله صلى الله عليه وآله حبا شديدا، فكان لا يفارقه في نومه ولا في يقظته، فساروا حتى إذا كانوا بين الشام والحجاز قام على ميسرة بعيران لخديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعرين، فانطلق يسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك فأقبل النبي صلى الله عليه وآله إلى البعيرين فوضع يديه على أخفافهما وعوذهما، فانطلق البعيران يسعيان في أول الركب لهما رغاء، فلما رأى خزيمة ذلك علم أن له شأنا عظيما، فحرص على لزومه ومحافظته، وساروا حتى إذا دخلوا الشام نزلوا براهب من رهبان الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله تحت شجرة، ونزل الناس متفرقين، وكانت الشجرة التي نزل تحتها شجرة يابسة قحلة، قد تساقط ورقها، ونخر عودها، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله واطمأن تحتها أنورت وأشرقت واعشوشب ما حولها، وأينع ثمرها، وتدلت أغصانها، فرفرفت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ذلك بعين الراهب فلم يتمالك أن انحدر من صومعته، فقال له: سألتك باللات والعزى، فقال: إليك عني

ثكلتك أمك، فما تكلمت العرب بكلمة أثقل علي من هذه الكلمة، وكان ذلك مكرا من الراهب، وكان معه حين نزل من صومعته رق أبيض، فجعل ينظر فيه مرة وإلى النبي صلى الله عليه وآله أخرى، ثم أكب ينظر فيه مليا، فقال: هو هو ومنزل الإنجيل، فلما سمع بذلك خزيمة ظن أن الراهب يريد بالنبي صلى الله عليه وآله مكرا، فضرب بيده إلى قائمة سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته: يا آل غالب، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون: ما الذي راعك؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها، ثم أشرف عليهم فقال: يا قوم ما الذي راعكم مني؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم، وإني لأجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة - وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله صلى الله عليه وآله - هو رسول رب العالمين، يبعث بالسيف المسلول، وبالذبح الأكبر، وهو خاتم النبيين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوى، ثم أقبل على خزيمة فقال: ما تكون من هذا الرجل؟ أرجلا من قومه؟ قال: لا، ولكن خادم له، وحدثه بحديث البعيرين، فقال له الراهب: أيها الرجل إنه النبي الذي يبعث في آخر الزمان، وإني مفوض إليك أمرا، ومستكتمك خبرا، وعاهد إليك عهدا، فقال: ما هو؟ فإني سامع لقولك، وكاتم لسرك، ومطيع لأمرك، فقال: إني أجد في هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد، وينصر على العباد، ولا ترد له راية، ولا تدرك له غاية، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله، فأحذرهم عليه، فأسر خزيمة ذلك في نفسه، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إني لأرى فيك شيئا ما رأيته في أحد من الناس، إني لأحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من تهامة، وإنك لصريح في ميلادك، والأمين في أنفس قومك، وإني لأرى عليك من الناس محبة، وإني مصدقك في قولك، وناصرك على عدوك، فانطلقوا يؤمون الشام، فقضوا بها حوائجهم، ثم رجعوا،

ثم قال: فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة.

وقد روى قوم أنه زوجها أبوها في حال سكره.

قال الواقدي: هذا غلط، والصحيح أن عمها زوجها، وأن أباها مات قبل الفجار.

وذكر أن أبا طالب خطب يومئذ، وذكر ما مر، فلما أتم أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل، فقال: " الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا علي معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمأة دينار، ثم سكت ورقة، وتكلم أبو طالب وقال: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها، اشهدوا علي يا معشر قريش إني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وشهد علي بذلك صناديد قريش، فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف، وقالت: يا محمد مر عمك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك، وأطعم الناس على الباب، وهلم فقل مع

أهلك فأطعم الناس، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال مع أهله خديجة.

19 - أقول: قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار: مر النبي صلى الله عليه وآله يوما بمنزل خديجة بنت خويلد، وهي جالسة في ملا من نسائها وجواريها وخدمها، وكان عندها حبر من أحبار اليهود، فلما مر النبي صلى الله عليه وآله نظر إليه ذلك الحبر وقال: يا خديجة اعلمي أنه قد مر الآن ببابك شاب حدث السن، فأمري من يأتي به، فأرسلت إليه جارية من جواريها، وقالت: يا سيدي مولاتي تطلبك، فأقبل ودخل منزل خديجة، فقالت:

أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه، قال: نعم هذا محمد بن عبد الله، قال له الحبر: اكشف لي عن بطنك، فكشف له، فلما رآه قال: هذا والله خاتم النبوة، فقالت له خديجة:

لو رآك عمه وأنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء، وإن أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود، فقال الحبر: ومن يقدر على محمد هذا بسوء، هذا وحق الكليم رسول الملك العظيم في آخر الزمان، فطوبى لمن يكون له بعلا، وتكون له زوجة وأهلا، فقد حازت شرف الدنيا والآخرة، فتعجبت خديجة، وانصرف محمد وقد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد بحبه، وكانت خديجة ملكة عظيمة، وكان لها من الأموال والمواشي شئ لا يحصى، فقالت: أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي؟ قال: وجدت صفاته في التوراة، إنه المبعوث آخر الزمان، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وسوف يتزوج بامرأة من قريش سيدة قومها، وأميرة عشيرتها، وأشار بيده إلى خديجة، ثم بعد ذلك قال لها: احفظي ما أقول لك يا خديجة وأنشأ يقول:

يا خديجة لا تنسي الآن قولي * وخذي منه غاية المحصول يا خديجة هذا النبي بلا شك * هكذا قد قرأت في الإنجيل سوف يأتي من الاله بوحي * ثم يجبى من الاله بالتنزيل ويزوجه بالفخار ويحظى * في الورى شامخا على كل جيل فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي صلى الله عليه وآله، وكتمت أمرها، فلما خرج من عندها قال: اجتهدي أن لا يفوتك محمد، فهو الشرف في الدنيا والآخرة، وكان لخديجة عم يقال له: ورقة، وكان قد قرأ الكتب كلها، وكان عالما حبرا، وكان يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان، وكان عند ورقة أنه يتزوج بامرأة سيدة من قريش، تسود قومها، وتنفق عليه مالها، وتمكنه من نفسها، وتساعده على كل الأمور، فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة، وكان يقول لها: يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض والسماء،

وكان لخديجة في كل ناحية عبيد ومواشي حتى قيل: إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل متفرقة في كل مكان، وكان لها في كل ناحية تجارة، وفي كل بلد مال، مثل مصر والحبشة وغيرها، وكان أبو طالب رضي الله عنه قد كبر وضعف عن كثرة السفر، وترك ذلك من حيث كفل النبي صلى الله عليه وآله، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم فوجده مهموما، فقال: ما لي أراك يا عم مهموما؟ فقال: يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا، وقد اشتد الزمان علينا، وليس لنا مادة، وأنا قد كبرت، وضعف جسمي، وقل ما بيدي، وأريد أن أنزل إلى ضريحي، وأريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها، ومعيشة يرجع نفعها إليك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما عندك يا عم من الرأي؟ قال: اعلم يا بن أخي أن هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة، ويسافرون به، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها ونسألها أن تعطيك مالا تتجر فيه، فقال: نعم، قم إليها وافعل ما بدا لك.

قال أبو الحسن البكري: لما اجتمع بنو عبد المطلب قال أبو طالب لاخوته: امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به، فقاموا من وقتهم وساعتهم وساروا إلى دار خديجة، وكان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا، وقد جعلت أعلاها قبة من الحرير الأزرق، وقد رقمت في جوانبها صفة الشمس والقمر والنجوم، وقد ربطته من حبال الإبريسم وأوتاد من الفولاذ، وكانت قد تزوجت برجلين أحدهما اسمه أبو شهاب وهو عمرو الكندي، والثاني اسمه عتيق بن عائذ، فلما ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وكان لكل واحد منهما أربعمأة عبد وأمة، وخطبها أبو جهل بن هشام وأبو سفيان، وخديجة لا ترغب في واحد منهم، وكان

قد تولع قلبها بالنبي صلى الله عليه وآله لما سمعت من الأحبار والرهبان والكهان، وما يذكرونه من الدلالات، وما رأت قريش من الآيات، فكانت تقول: سعدت من تكون لمحمد قرينة، فإنه يزين صاحبه، وازداد بها الوجد، ولج بها الشوق، فبعثت إلى عمها ورقة ابن نوفل فقالت له: يا عم أريد أن أتزوج وما أدري بمن يكون، وقد أكثر علي الناس وقلبي لا يقبل منهم أحدا، فقال لها ورقة: يا خديجة ألا أعلمك بحديث غريب وأمر عجيب؟ قالت: وما هو يا عم؟ قال: عندي كتاب من عهد عيسى عليه السلام فيه طلاسم وعزائم، أعزم بها على ماء وتأخذينه وتغسلين به، ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور، وكلمات من الإنجيل، فتضعيه تحت رأسك عند النوم وأنت على فراشك ملتفة بثيابك، فإن الذي يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه وكنيته، فقالت: افعل يا عم، قال:

حبا وكرامة، وكتب الكتاب، وأعطاها إياه، وفعلت ما أمرها به ونامت فرأت كأن قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاذق، أدعج العينين، أزج الحاجبين، أحور المقلتين، عقيقي الشفتين، مورد الخدين، أزهر اللون، مليح الكون، معتدل القامة، تظله الغمامة، بين كتفيه علامة، راكب على فرس من نور، مزمم بسلسلة من ذهب، على ظهره سرج من العقيان، مرصع بالدر والجوهر، له وجه كوجه الآدميين منشق الذنب، له أرجل كالبقر، خطوته مد البصر، وهو يرقل بالراكب، وكان خروجه من دار أبي طالب، فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها، وأجلسته في حجرها، ولم تنم باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة، وقالت: أنعمت صباحا يا عم، قال: وأنت لقيت

نجاحا، فلعلك رأيت شيئا في منامك، قالت: رأيت رجلا صفته كذا وكذا، فعندها قال ورقة: يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين وترشدين، فإن الذي رأيته متوج بتاج الكرامة، الشفيع في العصاة يوم القيامة، سيد العرب والعجم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، قالت: وكيف لي بما تقول يا عم وأنا كما يقول الشاعر:

أسير إليكم قاصدا لأزوركم * وقد قصرت بي عند ذاك رواحلي وملك الأماني خدعة غير أنني * أعلل حد الحادثات بباطل احمل برق الشرق شوقا إليكم * وأسأل ريح الغرب رد رسائلي قال: فزاد بها الوجد، وكانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا، وجرت دمعتها لهفا، وهي تقول:

كم أستر الوجد والأجفان تهتكه * وأطلق الشوق والاغضاء تمسكه جفاني القلب لما أن تملكه * غيري فوا أسفا لو كنت أملكه ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي * لو كان يمسح بالباقي فيتركه قال الراوي: وأعجب ما رأيت في هذا الامر العجيب والحديث الغريب أن خديجة لم تفرغ من شعرها إلا وقد طرق الباب، فقالت لجاريتها: انزلي وانظري من بالباب، لعل هذا خبر من الأحباب، ثم أنشأ يقول:

أيا ريح الجنوب لعل علم * من الأحباب يطفى بعض حري ولم لا حملوك إلي منهم * سلاما أشتريه ولو بعمري وحق ودادهم إني كتوم * وإني لا أبوح لهم بسري أراني الله وصلهم قريبا * وكم يسر أتى من بعد عسر فيوم من فراقكم كشهر * وشهر من وصالكم كدهر.

قال: ثم نزلت الجارية وإذا أولاد عبد المطلب بالباب، فرجعت إلى خديجة و قالت: يا سيدتي إن بالباب سادات العرب، ذوي المعالي والرتب، أولاد عبد المطلب،

فرمقت خديجة رمق الهوى، ونزل بها دهش الجوى، وقالت: افتحي لهم الباب، وأخبري ميسرة يعتد لهم المساند والوسائد، فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد، ثم قالت شعرا:

ألذ حياتي وصلكم ولقاكم * ولست ألذ العيش حتى أراكم وما استحسنت عيني من الناس غيركم * ولا لذ في قلبي حبيب سواكم على الرأس والعينين جملة سعيكم * ومن ذا الذي في فعلكم قد عصاكم فها أنا محسوب عليكم بأجمعي * وروحي ومالي يا حبيبي فداكم وما غيركم في الحب يسكن مهجتي * وإن شئتم تفتيش قلبي فهاكم قال صاحب الحديث: وبسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا وقد قدم لهم أصناف الطعام والفواكه من الطائف والشام، فأكلوا وأخذوا في الحديث، فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب، وكلام رطب: يا سادات مكة أضاءت بكم الديار، وأشرقت بكم الأنوار، فلعل لكم حاجة فتقضى، أو ملمة فتمضى، فإن حوائجكم مقضية، وقناديلكم مضيئة، فقال أبو طالب رضي الله عنه: جئناك في حاجة يعود نفعها إليك، وبركتها عليك، قالت: يا سيدي وما ذلك؟ قال: جئناك في أمر ابن أخي محمد، فلما سمعت ذلك غاب رشدها عن الوجود، وأيقنت بحصول المقصود، وقالت شعرا:

بذكر كم يطفئ الفؤاد من الوقد * ورؤيتكم فيها شفا أعين الرمد ومن قال: إني أشتفي من هواكم * فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد وما لي لا أملا سرورا بقربكم * وقد كنت مشتاقا إليكم على البعد

تشابه سري في هواكم وخاطري * فابدي الذي أخفى وأخفى الذي ابدي ثم قالت بعد ذلك: يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول (2)؟ قال العباس رضي الله عنه: أنا آتيكم به، فنهض وسار يطلبه من الأبطح فلم يجده، فالتفت يمينا وشمالا فقالوا: ما تريد (4)؟ فقال: أريد محمدا، فقالوا له: في جبل حرى، فسار إليه فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل عليه السلام ملتفا ببرده وعند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروحه بها، فلما نظر إليه العباس قال: خفت عليه من الثعبان، فجذبت سيفي وهممت بالثعبان، فحمل الثعبان على العباس، فلما رأى العباس ذلك صاح من وقته أدركني يا ابن أخي، ففتح النبي صلى الله عليه وآله عينيه فذهب الثعبان كأنه لم يكن، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما لي أرى سيفك مسلولا؟ قال: رأيت هذا الثعبان عندك، فسللت سيفي وقصدته خوفا عليك منه، فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك، فلما فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا عم ليس هذا بثعبان، ولكنه ملك من الملائكة، ولقد رأيته مرارا، وخاطبته جهارا، وقال لي: يا محمد إني ملك من عند ربي موكل بحراستك في الليل والنهار من كيد الأعداء والأشرار، قال: ما ينكر فضلك يا محمد، فقال له: سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها، تسير

بها حيث شئت، قال: أريد الشام، قال: ذلك إليك، فسار النبي صلى الله عليه وآله والعباس إلى بيت خديجة، وكان من عادته صلى الله عليه وآله إذا أراد زيارة قوم سبقه النور إلى بيتهم، فسبقه النور إلى بيت خديجة، فقالت لعبدها ميسرة: كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس إلى المجلس؟ قال: لست بغافل عنها، وخرج فلم يجد تغير وتد ولا طنب، ونظر إلى العباس فوجده قد أقبل هو والنبي صلى الله عليه وآله معه، فرجع وقال لها: يا مولاتي هذا الذي رأيته من أنوار محمد صلى الله عليه وآله، فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد، فلما دخل المجلس نهض أعمامه إجلالا له، وأجلسوه في أوساطهم، فلما استقر بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام فأكلوا، ثم قالت خديجة: يا سيدي أنست بك الديار، وأضاءت بك الاقدار، وأشرقت من طلعتك الأنوار، أترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت؟ قال: نعم رضيت، ثم قال: أريد الشام، قالت: ذلك إليك، وإني قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقية من الذهب الأحمر، ومائة وقية من الفضة البيضاء، وجملين وراحلتين، فهل أنت راض؟ فقال أبو طالب رضي الله عنه، رضي ورضينا، وأنت يا خديجة محتاجة إليه، لأنه من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة، وأنه مكين أمين، قالت خديجة: تحسن يا سيدي تشد على الجمل وترفع عليه الأحمال؟ قال: نعم، قالت: يا ميسرة: ايتني ببعير حتى أنظر كيف يشد عليه محمد، فخرج ميسرة وأتى ببعير شديد المراس، قوي الباس، لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الإبل لشدة بأسه، فأدناه ليركبه فهدر وشقشق واحمرت عيناه، فقال له العباس: ما كان عندك أهون من هذا البعير؟ تريد أن تمتحن به ابن أخينا؟

فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله : دعه يا عم، فلما سمع البعير كلام البشير النذير برك على قدمي النبي صلى الله عليه وآله، وجعل يمرغ وجهه علي قدمي النبي صلى الله عليه وآله ونطق بكلام فصيح وقال:

من مثلي وقد لمس ظهري سيد المرسلين؟ فقلن النسوة اللاتي كن عند خديجة: ما هذا إلا سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم، قالت لهم خديجة: ليس هذا سحرا، وإنما هو آيات بينات، وكرامات ظاهرات، ثم قالت:

نطق البعير بفضل أحمد مخبرا * هذا الذي شرفت به أم القرى هذا محمد خير مبعوث أتى * فهو الشفيع وخير من وطأ الثرى يا حاسديه تمزقوا من غيظكم * فهو الحبيب ولا سواه في الورى قال: وخرج أولاد عبد المطلب وأخذوا في أهبة السفر، فالتفتت خديجة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالت: يا سيدي ما معك غير هذه الثياب، فليست هذه تصلح للسفر، فقال: لست أملك غيرها، فبكت خديجة وقالت: عندي يا سيدي ما يصلح للسفر، غير أنهن طوال فامهل حتى أقصرها لك، فقال: هلمي بها، وكان صلى الله عليه وآله إذا لبس القصير يطول وإذا لبس الطويل يقصر، كأنه مفصل عليه، فأخرجت له ثوبين من قباطي مصر، وجبة عدنية، وبردة يمنية، وعمامة عراقية، وخفين من الأديم، وقضيب خيزران، فلبس النبي صلى الله عليه وآله الثياب وخرج كأنه البدر في تمامه، فلما نظرت إليه جعلت تقول:

أوتيت من شرف الجمال فنونا * ولقد فتنت بها القلوب فتونا قد كونت للحسن فيك جواهر * فيها دعيت الجوهر المكنونا يا من أعار الظبي في لفتاته * للحسن جيدا ساميا وجفونا انظر إلى جسمي النحيل وكيف قد * أجريت من دمع العيون عيونا

أسهرت عيني في هواك صبابة * وملئت قلبي لوعة وجنونا ثم قالت: يا سيدي عندك ما تركب عليه؟ قال: إذا تعبت ركبت أي بعير أردت، قالت: وما يحملني على ذلك (2)؟ لا كانت الأموال دونك يا محمد، ثم قالت لعبدها ميسرة: ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد، فأتى بها ميسرة وهي تزيد على الأوصاف، لا يلحقها في سيرها تعب ، ولا يصيبها نصب، كأنها خيمة مضروبة، أو قبة منصوبة، ثم التفتت إلى ميسرة وناصح وقالت لهما: اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا على أموالي، وأنه أمير قريش وسيدها، فلا يد على يده، فإن باع لا يمنع، و ترك لا يؤمر، وليكن كلامكما له بلطف وأدب، ولا يعلو كلامكما على كلامه، قال عبدها ميسرة: والله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة، والآن قد تضاعفت لمحبتك له، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله ودع خديجة وركب راحلته وخرج وميسرة وناصح بين يديه، وعين الله ناظرة إليه، فعندها قالت خديجة شعرا:

قلب المحب إلى الأحباب مجذوب * وجسمه بيد الأسقام منهوب وقائل كيف طعم الحب قلت له: * الحب عذب ولكن فيه تعذيب أقذى الذين علي خدي لبعدهم * دمي ودمعي مسفوح ومسكوب ما في الخيام وقد سارت ركابهم * إلا محب له في القلب محبوب كأنما يوسف في كل ناحية * والحز في كل بيت فيه يعقوب

ثم إن النبي صلى الله عليه وآله سار مجدا للسير إلى الأبطح، فوجد القوم مجتمعين، وهم لقدومه منتظرون، فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين وقد فاق الخلق أجمعين فرح المحب، واغتم الحاسد، وظهر الحسد والكمد فيمن سبقت له الشقاوة من المكذبين، وزادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين، فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول:

يا مخجل الشمس والبدر المنير إذا * تبسم الثغر لمع البرق منه أضا كم معجزات رأينا منك قد ظهرت * يا سيدا ذكره يشفي به المرضى فلما نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى أموال خديجة على الأرض ولم يحمل منها شئ زعق على العبيد، وقال: ما الذي منعكم عن شد رحالكم؟ قالوا يا سيدنا لقلة عددنا، وكثرة أموالنا، فأبرك راحلته، ونزل ولوى ذيله في دور منطقته وصار يزعق بالبعير فيقول:

بإذن الله تعالى، فتعجب الناس من فعله، فنظر العباس إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد احمرت وجناته من العرق، فقال: كيف أخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم؟ فعمد إلى خشبة وقال: لاتخذن منها حجفة تظل محمدا من حر الشمس، فارتجت الأقطار وتجلى الملك الجبار، وأمر الأمين جبرئيل عليه السلام أن يهبط إلى رضوان خازن الجنان وقل له: يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد صلى الله عليه وآله قبل أن أخلق آدم بألفي عام، وانشرها على رأس حبيبي محمد، فلما رأوها شخصت نحوها الابصار، وقال العباس: إن محمدا لكريم على ربه، ولقد استغنى عن حجفتي، ثم أنشأ يقول:

وقف الهوى بي حيث كنت فليس لي * متقدم عنكم ولا متأخر ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع وحطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون فقال مطعم بن عدي: يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامه والأوعار، وليس لكم مقدم تستشيرون به وترجعون إلى أمره، والرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا لتستندوا إلى رأيه، وترجعوا إلى أمره عن المنازع والمخالف، قالوا: نعم ما أشرت به، فقال بنو مخزوم: نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي، وقال بنو عدي: نحن نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي، وقال بنو النضر: نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن الحارث، وقال بنو زهرة: نحن نقدم علينا أميرنا أحيحة بن الجلاح، وقال بنو لوي: نحن نقدم علينا أبا سفيان صخر بن حرب، وقال ميسرة: والله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن عبد الله، و قال بنو هاشم: ونحن أيضا نقدم علينا محمدا، فقال أبو جهل: لان قدمتم علينا محمدا لأضعن هذا السيف في بطني، وأخرجه من ظهري، فقبض حمزة على سيفه وقال: يا وغد الرجال، ويا نذل الافعال، والله ما أريد إلا أن يقطع الله يديك ورجليك ويعمى عينيك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: اغمد سيفك يا عماه، ولا تستفتحوا سفركم بالشر، دعوهم يسيرون أول النهار، ونحن نسير آخره، فإن التقدم لقريش، وكان صلى الله عليه وآله أول من تكلم بهذه الكلمة، وسار أبو جهل ومن يلوذ به، وقد استغنم من بني هاشم الفرصة، وهو ينشد ويقول:

لقد ضلت حلوم بني قصي * وقد زعموا بتسييد اليتيم

وراموا للخلافة غير كفو * فكيف يكون ذا الامر العظيم؟

وإني فيهم ليث حمي * بمصقول ولي جد كريم فلو قصدوا عبيدة أو ظليما * وصخر الحرب ذا الشرف القديم لكنا راضيين لهم وكنا * لهم تبعا على خلف ذميم فأجابه العباس يقول:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.