پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 4 منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلى

ج ۱۵، ص ۳۳۰–۳۵۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

يتيم، وإنما يكرم الظئر الوالد، فكل صواحبي أخذن رضيعا " ولم آخذ شيئا "، فلما لم أجد غيره رجعت إليه فأخذته فأتيت به الرحل فأمسيت وأقبل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت ولدي أيضا "، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده، فإذا هي حافل، فحلبها وأرواني من لبنها، وروى الغلمان، فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة، فبتنا بخير ورجعنا، فركبت أتاني ثم حملت محمدا " معي، فوالذي نفس حليمة بيده لقت طفت بالركب حتى أن النسوة يقلن: يا حليمة امسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟

قلت: نعم، ما شأنها؟ قلن: حملت غلاما " مباركا "، ويزيدنا الله كل يوم وليلة خيرا "، والبلاد

قحط، والرعاة يسرحون، ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعا "، وتروح غنمي شباعا " بطانا " حفلاء فتحلب وتشرب.

بيان: الشارف: المسنة من النوق. قوله: ما بيض أي الاناء، قال الجوهري:

بيضت الاناء: أي ملأته من الماء، أو اللبن، والأصوب أنه ما تبض بالتاء، ثم الباء التحتانية الموحدة المكسورة، ثم الضاد المشددة، قال الجزري: فيه ما تبض ببلال أي ما يقطر منها لبن، يقال: بض الماء: إذا قطر وسال، وقال الجوهري: ضرع حافل ، أي ممتلئ لبنا ".

2 - مناقب ابن شهرآشوب: ذكرت حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث من مضر زوجة الحارث ابن عبد العزى المضري أن البوادي أجدبت، وحملنا الجهد على دخول البلد، فدخلت مكة، ونساء بني سعد قد سبقن إلى مراضعهن، فسألت مرضعا " فدلوني على عبد المطلب، وذكر أن له مولودا " يحتاج إلى مرضع له، فأتيت إليه فقال: يا هذه عندي بني لي يتيم اسمه محمد، فحملته ففتح عينيه لينظر إلي بهما فسطع منهما نور، فشرب من ثديي الأيمن ساعة، ولم يرغب في الأيسر أصلا "، واستعمل في رضاعه عدلا "، فناصف فيه شريكه، واختار اليمين اليمين، وكان ابني لا يشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله عليه وآله، فحملته على الأتان وكانت قد ضعفت عند قدومي مكة فجعلت تبادر سائر الحمر إسراعا " قوة ونشاطا "، واستقبلت الكعبة وسجدت لها ثلاث مرات، وقالت: برئت من مرضي، وسلمت من غثي وعلي سيد المرسلين، وخاتم النبيين وخير الأولين والآخرين، فكان الناس يتعجبون منها ومن سمني وبرئي ودر لبني، فلما انتهينا إلى غار خرج رجل يتلألؤ نوره إلى عنان السماء وسلم عليه، وقال: إن الله تعالى وكلني برعايته، وقابلنا ظبأ وقلن: يا حليمة

لا تعرفين من تربين هو أطيب الطيبين، وأطهر الطاهرين، وما علونا تلعة ولا هبطنا واديا " إلا سلموا عليه، فعرفت البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتى أثرينا وكثرت مواشينا وأموالنا، ولم يحدث في ثيابه، ولم تبد عورته، ولم يحتج في يوم إلا مرة، وكان مسرورا " مختونا "، وكنت أرى شابا " على فراشه يعد له ثيابه، فربيته خمس سنين ويومين، فقال لي يوما ": أين يذهب إخواني كل يوم؟ قلت: يرعون غنما " فقال: إنني اليوم أوافقهم، فلما ذهب معهم أخذه ملائكة وعلوه على قلة جبل، وقاموا بغسله وتنظيفه، فأتاني ابني وقال: أدركي محمدا " فإنه قد سلب، فأتيته فإذا هو بنور يسطع في السماء فقبلته فقلت:

ما أصابك؟ قال: لا تحزني إن الله معنا، وقص عليها قصته، فانتشر منه فوح مسك أذفر، وقال الناس: غلبت عليه الشياطين، وهو يقول : ما أصابني شئ، وما علي من بأس، فرآه كاهن وصاح وقال: هذا الذي يقهر الملوك، ويفرق العرب.

ايضاح: قوله: واختار اليمين، أي صاحب اليمن والبركة، والغث: المهزول، والمراد هنا المصدر، ويقال: أثرى الرجل: إذا كثرت أمواله.

3 - مناقب ابن شهرآشوب: روي عن حليمة أنه جلس محمد وهو ابن ثلاثة أشهر، ولعب مع الصبيان وهو ابن تسعة، وطلب مني أن يسير مع الغنم يرعى وهو ابن عشرة، وناضل الغلمان بالنبل وهو ابن خمسة عشر، وصارع الغلمان وهو ابن ثلاثين، ثم رددته إلى جده.

ابن عباس: إنه كان يقرب إلى الصبيان تصبيحهم فيخلسون ويكف، ويصبح الصبيان غمصا " رمصا "، ويصبح صقيلا دهينا "، ونادى شيخ على الكعبة: يا عبد المطلب إن حليمة امرأة عربية، وقد فقدت ابنا " اسمه محمد، فغضب عبد المطلب وكان إذا غضب خاف

الناس منه، فنادى: يا بني هاشم، ويا بني غالب اركبوا فقد محمد، وحلف أن لا أنزل حتى أجد محمدا "، أو أقتل ألف أعرابي ومأة قرشي، وكان يطوف حول الكعبة، وينشد أشعارا " منها: يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واتخذ عندي يدا " يا رب إن محمدا " لن يوجدا * تصبح قريش كلهم مبددا فسمع نداء: إن الله لا يضيع محمدا "، فقال: أين هو؟ قال: في وادي فلان، تحت شجرة أم غيلان، قال ابن مسعود: فأتينا الوادي فرأيناه يأكل الرطب من أم غيلان، وحوله شابان، فلما قربنا منه ذهب الشابان وكانا جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، فسألناه من أنت؟ وماذا تصنع؟ قال: أنا بن عبد الله بن عبد المطلب، فحمله عبد المطلب على عنقه وطاف به حول الكعبة، وكانت النساء اجتمعن عند آمنة على مصيبته، فلما رآها تمسك بها، وما التفت إلى أحد.

وكان عبد المطلب أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رعاته في إبل قد ندت له يجمعها، فلما أبطأ عليه نفذ ورائه في كل طريق وكل شعب، وأخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: يا رب إن تهلك آلك، إن تفعل فأمر ما بدا لك، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالإبل، فلما رآه أخذه فقبله، فقال: بأبي لا وجهتك بعد هذا في شئ، فإني أخاف أن تغتال فتقتل.

بيان: قال الجزري: في حديث المولد أنه كان يتيما " في حجر أبي طالب، وكان يقرب إلى الصبيان تصبيحهم فيختلسون ويكف، أي غدائهم، وهو اسم على تفعيل كالترغيب

والتنوير، وقال: في حديث ابن عباس كان الصبيان غمصا " رمصا "، ويصبح رسول الله صقيلا دهينا "، يقال: غمصت عينيه مثل رمصت، يقال: غمصت العين ورمصت من الغمص والرمص، وهو البياض الذي يجمع في زوايا الأجفان، فالرمص: الرطب، والغمص: اليابس، والغمص والرمص جمع أغمص وأرمص، وانتصبا على الحال لا على الخبر، لان أصبح تامة وهي بمعنى الدخول في الصباح، قاله الزمخشري.

4 - مناقب ابن شهرآشوب: عن ابن عباس قال: قال أبو طالب لأخيه: يا عباس أخبرك عن محمد أني ضممته فلم أفارقه ساعة من ليل أو نهار، فلم أئتمن أحدا " حتى نومته في فراشي، فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهية، فقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، فقلت له: ولم ذاك؟ فقال: لا ينبغي لاحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فإذا دخلت أنا الفراش إذا بيني وبينه ثوب، والله ما أدخلته في فراشي، فأمسه فإذا هو ألين ثوب، ثم شممته كأنه غمس في مسك، وكنت إذا أصبحت فقدت الثوب، فكان هذا دأبي ودأبه، وكنت كثيرا " ما أفتقده في فراشي، فإذا قمت لأطلبه بادرني من فراشي، ها أنا ذا يا عم فارجع إلى مكانك.

وكان النبي صلى الله عليه وآله يأتي زمزم فيشرب منها شربة، فربما عرض عليه أبو طالب الغداء فيقول لا أريده أنا شبعان.

وكان أبو طالب إذا أراد أن يعشي أولاده أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيبقى الطعام.

5 - مناقب ابن شهرآشوب: القاضي المعتمد في تفسيره قال أبو طالب: لقد كنت كثيرا " ما أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاما " يعجبني، وكنا لا نسمي على الطعام ولا على الشراب حتى سمعته يقول: بسم الله الأحد، ثم يأكل، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيرا "،

فتعجبت منه، وكنت ربما أتيت غفلة فأرى من لدن رأسه نورا " ممدودا " قد بلغ السماء، ثم لم أر منه كذبة قط، ولا جاهلية قط، ولا رأيته يضحك في موضع الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب، ولا التفت إليهم، وكان الوحدة أحب إليه والتواضع.

وكان النبي ابن سبع سنين فقالت اليهود: وجدنا في كتبنا أن محمدا " يجنبه ربه من الحرام والشبهات فجربوه، فقدموا إلى أبي طالب دجاجة مسمنة، فكانت قريش يأكلون منها، والرسول تعدل يده عنها، فقالوا: مالك؟ قال: أراها حراما " يصونني ربي عنها، فقالوا: هي حلال فنلقمك، قال: فافعلوا إن قدرتم، فكانت أيديهم يعدل بها إلى الجهات، فجاؤوه بدجاجة أخرى قد أخذوها لجار لهم غائب على أن يؤدوا ثمنها إذا جاء، فتناول منها لقمة فسقطت من يده، فقال عليه السلام: وما أراها إلا من شبهة يصونني ربي عنها، فقالوا:

نلقمك منها، فكلما تناولوا منها ثقلت في أيديهم، فقالوا: لهذا شأن عظيم.

ولما ظهر أمره صلى الله عليه وآله عاداه أبو جهل، وجمع صبيان بني مخزوم وقال: أنا أميركم، وانعقد صبيان بني هاشم وبني عبد المطلب على النبي وقالوا: أنت الأمير، قالت أم علي عليه السلام:

وكان في صحن داري شجرة قد يبست وخاست، ولها زمان يابسة، فأتى النبي صلى الله عليه وآله يوما " إلى الشجرة فمسها بكفه فصارت من وقتها وساعتها خضراء، وحملت الرطب، فكنت في كل يوم أجمع له الرطب في دوخلة، فإذا كانت وقت ضاحي النهار يدخل يقول: يا أماه أعطيني ديوان العسكر، وكان يأخذ الدوخلة ثم يخرج ويقسم الرطب على صبيان بني هاشم، فلما كان بعض الأيام دخل وقال: يا أماه أعطيني ديوان العسكر، فقلت:

يا ولدي اعلم أن النخلة ما أعطتنا اليوم شيئا "، قالت: فوحق نور وجهه لقد رأيته وقد تقدم نحو النخلة وتكلم بكلمات وإذا بالنخلة قد أنحنت حتى صار رأسها عنده، فأخذ من الرطب ما أراد، ثم عادت النخلة إلى ما كانت، فمن ذلك اليوم قلت: اللهم رب السماء ارزقني ولدا " ذكرا " يكون أخا " لمحمد، ففي تلك الليلة واقعني أبو طالب فحملت بعلي بن أبي طالب فرزقته، فما كان يقرب صنما " ولا يسجد لوثن، كل ذلك ببركة محمد صلى الله عليه وآله.

بيان: خاست أي لم تثمر، من قولهم: خاس بوعده: إذا أخلفه، أو فسدت من قولهم: خاس الشئ: إذا فسد. والدوخلة: بالتشديد كالزنبيل يعمل من الخوص.

والقوصرة: يترك فيها التمر وغيره، وفي الخبر غرابة من جهة أن الحمل بأمير المؤمنين عليه السلام إنما كان بعد ثلاثين من سنه صلى الله عليه وآله، ويظهر منه أنه كان في صباه.

6 - مناقب ابن شهرآشوب: كتاب العروس وتاريخ الطبري إنه أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسروح أياما "، وتوفيت مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، ثم أرضعته حليمة السعدية فلبث فيهم خمس سنين وكانت أرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، وخرج مع أبي طالب في تجارته وهو ابن تسع سنين، ويقال: ابن اثنتي عشرة سنة، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس وعشرون سنة.

7 - الكافي: محمد بن يحي، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سعيد بن عبد الله الأعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قريشا " في الجاهلية هدموا البيت، فلما أرادوا بنائه حيل بينهم وبينه، والقي في روعهم حتى قال قائل منهم: ليأتي كل رجل منكم بأطيب ماله، ولا تأتوا بمال اكسبتموه من قطيعة رحم، أو حرام، ففعلوا فخلى بينهم وبين بنائه، فبنوه حتى انتهوا إلى موضع الحجر الأسود فتشاجروا فيهم أيهم يضع الحجر الأسود في موضعة، حتى كاد أن يكون بينهم شر، فحكموا أول من يدخل من باب المسجد، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أتاهم أمر بثوب فبسط ثم وضع الحجر في وسطه، ثم أخذت القبائل بجوانب الثوب فرفعوه، ثم تناوله صلى الله عليه وآله فوضعه في موضعه، فخصه الله به. 8 - الكافي: علي بن إبراهيم وغيره بأسانيد مختلفة رفعوه قالوا: إنما هدمت قريش

الكعبة لان السيل كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها فانصدعت، وسرق من الكعبة غزال من ذهب رجلاه جوهر، وكان حائطها قصيرا "، وكان ذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله بثلاثين سنة، فأرادت قريش أن يهدموا الكعبة ويبنوها ويزيدوا في عرصتها، ثم أشفقوا من ذلك وخافوا إن وضعوا فيها المعاول أن تنزل عليهم عقوبة، فقال الوليد بن المغيرة: دعوني أبدأ فإن كان لله رضى لم يصبني شئ، وإن كان غير ذلك كففت، فصعد على الكعبة، وحرك منها حجرا "، فخرجت عليه حية، وانكسفت الشمس، فلما رأوا ذلك بكوا و تضرعوا وقالوا: اللهم إنا لا نريد إلا الصلاح، فغابت عنهم الحية فهدموه ونحوا حجارته حوله حتى بلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام، فلما أرادوا أن يزيدوا في عرصته وحركوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام أصابتهم زلزلة شديدة وظلمة فكفوا عنه، وكان بنيان إبراهيم عليه السلام الطول ثلاثون ذراعا "، والعرض اثنان وعشرون ذراعا "، والسمك تسعة أذرع، فقالت قريش: نزيد في سمكها، فبنوها فلما بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في وضعه، قال كل قبيلة: نحن أولى به، ونحن نضعه، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة، فطلع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا:

هذا الأمين قد جاء فحكموه، فبسط ردائه - وقال بعضهم: كساء طاروني كان له - ووضع الحجر فيه، ثم قال: يأتي من كل ربع من قريش رجل، فكانوا عتبة بن ربيعة من عبد شمس، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم، وقيس بن عدي من بني سهم فرفعوه، ووضعه النبي صلى الله عليه وآله في موضعه، وقد كان بعث ملك الروم بسفينة فيها سقوف وآلات وخشب وقوم من الفعلة إلى الحبشة ليبنى له

هناك بيعة فطرحتها الريح إلى ساحل الشريعة فبطحت، فبلغ قريشا " خبرها فخرجوا إلى الساحل فوجدوا ما يصلح للكعبة من خشب وزينة وغير ذلك فابتاعوه وصاروا به إلى إلى مكة، فوافق ذلك ذرع الخشب البناء ما خلا الحجر، فلما بنوها كسوها الوصائل وهي الأردية.

بيان: الطاروني: ضرب من الخز. والربع: المحلة، ويحتمل الضم. قوله عليه السلام: فبطحت على بناء المجهول، أي انقلبت، يقال: بطحه، أي ألقاه على وجهه، وقوله:

ذرع الخشب بيان لقوله: ذلك، والبناء مفعول وافق، وقوله: ما خلا الحجر، ولعل المراد به الأحجار المنصوبة في ظاهر البيت، أي كان طول الخشب موافقا " لطول بناء البيت إلا بقدر الحجر المنصوب في الجانبين، لئلا تظهر رؤوس الأخشاب من خارج، ويحتمل على بعد أن يقرء الحجر بالكسر، أي لم يكن حجر إسماعيل داخلا في طول الخشب. وقال الجوهري: الوصائل: ثياب مخططة يمانية، وفي بعض النسخ بالدال، أي الثياب المنسوجة.

قال في القاموس: الوصد محركة: النسج، والأول أظهر.

9 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ساهم قريشا " في بناء البيت، فصار لرسول الله من باب الكعبة إلى النصف ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود.

وفي رواية أخرى: كان لبني هاشم من الحجر الأسود إلي الركن الشامي.

بيان: قوله عليه السلام: ما بين الركن اليماني، أي إلى منتصف الضلع الذي بين الركن اليماني والحجر، والرواية الأخرى تنافي ذلك، إذ لو كان المراد جميع بني هاشم فكان ينبغي أن يدخل فيه جميع ما كان للنبي صلى الله عليه وآله مع أنه لا يدخل فيه إلا ما

كان منه بين الحجر والباب، وإن كان المراد سائر بني هاشم غيره صلى الله عليه وآله فكان ينبغي أن لا يدخل فيه ما بين الحجر إلى الباب إلا أن يتكلف بأنهم كانوا أشركوه مع بني هاشم في هذا الضلع، وخصوه من الضلع الاخر بالنصف، فجعل بنو هاشم له صلى الله عليه وآله ما بين الحجر والباب، وفي بعض النسخ بدل الشامي اليماني، والاشكال والتوجيه مشتركان.

10 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أختها من الرضاعة، وقال: إن عليا " عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله ابنة حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعمه حمزة عليه السلام قد رضعا من امرأة.

11 - الكافي: محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست بن أبي منصور، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث أياما " ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا " فرضع منه أياما " حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها.

مناقب ابن شهرآشوب: عنه عليه السلام مثله.

12 - العدد: قالت حليمة السعدية: كانت في بني سعد شجرة يابسة ما حملت قط، فنزلنا يوما " عندها ورسول الله صلى الله عليه وآله في حجري فما قمت حتى اخضرت وأثمرت ببركة منه، وما أعلم أني جلست موضعا " قط إلا كان له أثر، إما نبات، وإما خصب، ولقد دخلت على

امرأة من بني سعد يقال لها: أم مسكين وكانت سيئة الحال، فحملته فأدخلته منزلها، فإذا هي قد أخصبت وحسن حالها، فكانت تجئ كل يوم فتقبل رأسه.

قالت حليمة: ما نظرت في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو نائم إلا ورأيت عينيه مفتوحتين كأنه يضحك، وكان لا يصيبه حر ولا برد.

قالت حليمة: ما تمنيت شيئا " قط في منزلي إلا أعطيته من الغد، ولقد أخذ ذئب عنيزة " لي فتداخلني من ذلك حزن شديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله رافعا " رأسه إلى السماء، فما شعرت إلا والذئب والعنيزة على ظهره قد ردها علي ما عقر منها شيئا ".

قالت حليمة: ما أخرجته قط في شمس إلا وسحابة تظله، ولا في مطر إلا وسحابة تكنه من المطر.

قالت حليمة: فما زال من خيمتي نور ممدود بين السماء والأرض، ولقد كان الناس يصيبهم الحر والبرد فما أصابني حر ولا برد منذ كان عندي، ولقد هممت يوما " أن أغسل رأسه فجئته وقد غسل رأسه ودهن وطيب، وما غسلت له ثوبا " قط، وكلما هممت بغسل ثوبه سبقت إليه فوجدت عليه ثوبا " غيره جديدا ".

قالت: ما كنت أخرج لمحمد ثديي إلا وسمعت له نغمة، ولا شرب قط إلا وسمعته ينطق بشئ، فتعجبت منه حتى إذا نطق وعقد كان يقول: بسم الله رب محمد إذا أكل، و في آخر ما يفرغ من أكله وشربه يقول: الحمد لله رب محمد.

13 - الفضائل: قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أشهر ماتت أمه آمنة رضي الله عنها، فبقي صلى الله عليه وآله بلا أب ولا أم، وهو من أبناء أربعة أشهر، فبقي يتيما " في حجر جده عبد المطلب، فاشتد عليه موت آمنة ليتم محمد صلى الله عليه وآله، ولم يأكل ولم يشرب ثلاثة أيام، فبعث عبد المطلب إلى بنتيه، عاتكة وصفية وقال لهما: خذ محمدا " صلى الله عليه وآله،

والنبي صلى الله عليه وآله لا يزداد إلا بكاء ولا يسكن، وكانت عاتكة تلعقه عسلا صافيا " مع الثريد، وهو لا يزداد إلا تماديا " في البكاء.

قال الواقدي: فضجر عبد المطلب فقال لعاتكة: فلعله يقبل ثدي واحدة منهن ويرضعن ولدي وقرة عيني فبعثت عاتكة بالجواري والعبيد نحو نساء بني هاشم وقريش ودعتهن إلى رضاع النبي صلى الله عليه وآله، فجئن إلى عاتكة واجتمعن عندها في أربعمائة وستين جارية من بنات صناديد قريش، فتقدمت كل واحدة منهن ووضعن ثديهن في فم رسول الله صلى الله عليه وآله فما قبل منهن أحدا "، وبقين متحيرات، وكان عبد المطلب جالسا " فأمر بإخراجهن والنبي صلى الله عليه وآله لا يزداد إلا بكاء وحزنا "، فخرج عبد المطلب مهموما " وقعد عند ستارة الكعبة ورأسه بين ركبتيه، كأنه امرأة ثكلاء، وإذا بعقيل بن أبي وقاص وقد أقبل وهو شيخ قريش وأسنهم، فلما رأى عبد المطلب مغموما " قال له: يا أبا الحارث، ما لي أراك مغموما "؟

قال: يا سيد قريش إن نافلتي يبكي ولا يسكن شوقا " إلى اللبن من حين ماتت أمه، و أنا لا أتهنأ بطعام ولا شراب، وعرضت عليه نساء قريش وبني هاشم فلم يقبل ثدي واحدة منهن، فتحيرت وانقطعت حيلتي، فقال عقيل: يا أبا الحارث إني لأعرف في أربعة وأربعين صنديدا " من صناديد العرب امرأة عاقلة هي أفصح لسانا "، وأصبح وجها "، وأرفع

حسبا " ونسبا "، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن سخنة بن ناصر بن سعد بن بكر بن زهر بن منصور بن عكرمة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ابن اكدد بن يشخب بن يعرب بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، فقال عبد المطلب: يا سيد قريش لقد نبهتني لأمر عظيم وفرجت عني، ثم دعا عبد المطلب بغلام اسمه شمردل وقال له: قم يا غلام واركب ناقتك، وأخرج نحو حي بني سعد بن بكر، وادع لي أبا ذؤيب عبد الله بن الحارث العدوي، فذهب الغلام واستوى على ظهر ناقته، وكان حي بني سعد من مكة على ثمانية عشر ميلا في طريق جدة، قال: فذهب الغلام نحو حي بني سعد فلحق بهم وإذا خيمتهم من مسح وخوص، وكذلك خيم الاعراب والبوادي، فدخل شمردل الحي وسأل عن خيمة عبد الله ابن الحارث فأعطوه الأثر، فذهب شمردل إلى الخيمة فإذا بخيمة عظيمة، وإذا على باب الخيمة غلام أسود، فاستأذن شمردل في الدخول فدخل الغلام وقال: أنعم صباحا " يا أبا ذؤيب، قال: فحياه عبد الله، وقال له: ما الخبر يا شمردل؟ فقال: اعلم يا سيدي إن مولاي أبا الحارث عبد المطلب قد وجهني نحوك، وهو يدعوك ، فإن رأيت يا سيدي أن تجيبه فافعل، قال عبد الله: السمع والطاعة، و قام عبد الله من ساعته ودعا بمفتاح الخزانة فأعطي المفتاح. ففتح باب الخزانة، وأخرج منها جوشنه فأفرغها على نفسه، وأخرج بعد ذلك درعا " فاضلا فأفرغه على نفسه فوق جوشنه، واستخرج بيضة عادية فقلبها على رأسه، وتقلد بسيفين، واعتقل رمحا "، ودعا بنجيب فركبه، وجاء نحو عبد المطلب، فلما دخل تقدم شمردل وأخبر عبد المطلب،

وكان جالسا " مع رؤساء مكة، مثل عتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وجماعة من قريش، فلما رأى عبد المطلب عبد الله قام على قدميه واستقبله وعانقه وصافحه وأقعده إلى جنبه، وألزق ركبتيه بركبتيه، ولم يتكلم حتى استراح، ثم قال له عبد المطلب:

يا أبا ذؤيب أتدري بما دعوتك؟ قال: يا سيدي وسيد قريش ورئيس بني هاشم حتى تقول فأسمع منك وأعمل بأحسنه، قال اعلم: يا أبا ذؤيب أن نافلتي محمد بن عبد الله مات أبوه، ولم يبن عليه أثره، ثم ماتت أمه وهو ابن أربعة أشهر، وهو لا يسكن من البكاء عيمة " إلى اللبن، وقد أحضرت عنده أربعمائة وستين جارية من أشرف وأجل بني هاشم، فلم يقبل من واحدة منهن لبنا "، والآن سمعنا أن لك بنتا " ذات لبن، فإن رأيت أن تنفذها لترضع ولدي محمدا "، فإن قبل لبنها فقد جاءتك الدنيا بأسرها، وعلي غناك وغنى أهلك وعشيرتك، وإن كان غير ذلك ترى مما رأيت من النساء غيرها فافعل، ففرح عبد الله فرحا " شديدا "، ثم قال: يا أبا الحارث إن لي بنتين، فأيتهما تريد؟ قال عبد المطلب: أريد أكملهما عقلا، وأكثرهما لبنا "، وأصونهما عرضا "، فقال عبد الله: هاتيك حليمة لم تكن كأخواتها، بل خلقها الله تعالى أكمل عقلا، وأتم فهما "، وأفصح لسانا "، وأثج لبنا "، وأصدق لهجة، وأرحم قلبا " منهن جمع.

قال الواقدي: فقال عبد المطلب إني ورب السماء ما أريد، إلا ذلك، فقال عبد الله: السمع والطاعة، فقام من ساعته واستوى على متن جواده وأخذ نحو بني سعد بعد أن أضافه ، فلما أن وصل إلى منزله دخل على ابنته حليمة وقال لها: أبشري فقد جاءتك الدنيا بأسرها، فقالت حليمة: ما الخبر؟ قال عبد الله: أعلمي أن عبد المطلب رئيس قريش وسيد بني هاشم سألني إنفاذك إليه لترضعي ولده، وتبشري بالعطاء الجزيل، ففرحت حليمة بذلك، وقامت من وقتها وساعتها واغتسلت وتطيبت وتبخرت وفرغت من زينتها، فلما ذهب من الليل نصفه قام عبد الله وزين ناقته فركبت عليها حليمة، وركب

عبد الله فرسه وكذلك زوجها بكر بن سعد السعدي، وخرجوا من دارهم في داج من الليل، فلما أصبحوا كانوا على باب مكة ودخلوها، وذهبت إلى دار عاتكة، وكانت تلاطف محمدا " وتلعقه العسل والزبد الطري، فلما دخلت الدار وسمع عبد المطلب بمجيئها جاء من ساعته ودخل الدار، ووقف بين يدي حليمة، ففتحت حليمة جيبها وأخرجت ثديها الأيسر، وأخذت رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعته في حجرها ووضعت ثديها في فمه، والنبي صلى الله عليه وآله ترك ثديها الأيسر واضطرب إلى ثديها الأيمن، فأخذت حليمة ثديها الأيمن من يد النبي صلى الله عليه وآله ووضعت ثديها الأيسر في فمه، وذلك أن ثديها الأيمن كان جهاما " لم يكن فيه لبن، وخافت حليمة أن النبي صلى الله عليه وآله إذا مص الثدي ولم يجد فيه شيئا " لا يأخذ بعده الأيسر، فيأمر عبد المطلب بإخراجها من الدار، فلما ألحت على النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ الأيسر والنبي يميل إلى الأيمن فصاحت عليه وقالت: يا ولدي مص الأيمن حتى تعلم أنه جهام يابس لا شئ فيه، قال: فلما مص النبي الأيمن امتلأ فانفتح باللبن حتى ملا شدقيه بأمر الله تعالى وببركته، فضجت حليمة وقالت: وا عجباه منك يا ولدي، وحق رب السماء ربيت بثدي الأيسر اثنى عشر ولدا "، وما ذاقوا من ثديي الأيمن شيئا " والآن قد انفتح ببركتك، وأخبرت بذلك عبد الله فأمرها بكتمان ذلك، فقال عبد المطلب: تكونين عندي فأمر لك بإفراغ قصر بجنب قصري، وأعطيك كل شهر ألف درهم بيض، ودست ثياب رومية، وكل يوم عشرة أمنان خبز حواري ولحما " مشويا "، قال: فلما سمع أبوها عبد الله ذلك أوحى لها أن لا تقيمي عنده، قالت: يا أبا الحارث لو جعلت لي مال الدنيا ما أقمت عندك ولا تركت الزوج والأولاد، قال عبد المطلب: فإن كان هكذا فأدفع إليك محمدا " على شرطين، قالت: وما الشرطين؟ قال عبد المطلب: أن تحسني إليه، وتنوميه إلى جنبك، وتدثريه

بيمينك، وتوسديه بيسارك، ولا تنبذيه وراء ظهرك، قالت حليمة: وحق رب السماء إني منذ وقع عليه نظري قد ثبت حبه في فؤادي، فلك السمع والطاعة يا أبا الحارث، ثم قال: وأما الشرط الثاني أن تحمليه إلي في كل جمعة حتى أتمتع برؤيته، فإني لا أقدر على مفارقته، قالت: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى، فأمر عبد المطلب أن تغسل رأس محمد صلى الله عليه وآله فغسلت رأسه، ولففته في خرق السندس، ثم إن عبد المطلب دفعه إليها وأخذ أربعة آلاف درهم، وقال لها: يا حليمة نمضي إلى بيت الله حتى أسلمه إليك فيه، فحمله على ساعده ودخل وطاف بالنبي صلى الله عليه وآله سبعا " وهو على ساعده ملففا " بخرق السندس، ثم إنه دفعه إليها وأربعة آلاف درهم بيض، وأربعين ثوبا " من خواص كسوته، ووهب لها أربع جوار رومية، وحلل سندس، ثم إن عبد الله بن الحارث أتى بالناقة فركبتها حليمة، وأخذت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرها وشيعه عبد المطلب إلى خارج مكة، ثم أخذت حليمة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جنبها من داخل خمارها، فلما بلغت حليمة حي بني سعد كشفت عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فأبرق من وجناته نور فارتفع في الهواء طولا وعرضا " إلى أعنان السماء.

قال الواقدي: فلما رأى الخلق ذلك لم يبق في حي بني سعد صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب إلا استقبلوا حليمة وهنأوها بما رزقها الله تعالى من الكرامة الكبرى، فذهبت حليمة إلى باب خيمتها وبركت الناقة والنبي صلى الله عليه وآله في حجرها ، فما وضعته عند الصغير إلا حمله الكبير، وما وضعته عند الكبير إلا وأخذه الصغير، وذلك كله لمحبة النبي صلى الله عليه وآله.

قال الواقدي: فبقي النبي صلى الله عليه وآله عند حليمة ترضعه وكانت تقول: يا ولدي ورب السماء إنك لعندي أعز من ولدي ضمرة وقرة عيني، أترى أعيش حتى أراك كبيرا " كما رأتيك صغيرا "؟ وكانت تؤثر محمدا " على أولادها جدا "، ولا تفارقه ساعة.

قال الواقدي: قالت حليمة: والله ما غسلت لمحمد ثوبا " من بول ولا غائط، بل كان إذا جاء وقت حاجته ينقلب من جنب إلى جنب حتى تعلم حليمة بذلك وتأخذه و تخدمه حتى تقضي حاجته، ولا شممت ورب السماء من محمد رائحة النتن قط، بل كان إذا خرج من قبله أو دبره شئ يفوح منه رائحة المسك والكافور، قالت حليمة: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله تسعة أشهر ما رأيت ما يخرج من دبره، لان الأرض كانت تبتلع ما يخرج منه فلهذا لم أره.

قال الواقدي: ولما كملت له عشرة أشهر قامت حليمة يوم الخميس وقعدت على باب الخيمة منتظرة لانتباه النبي صلى الله عليه وآله لتزينه وتحمله إلى عند جده عبد المطلب، قال:

فلم ينتبه النبي صلى الله عليه وآله وأبطأ الخروج من الخيمة إلى حليمة، فلم يخرج إلا بعد أربع ساعات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مغسول الرأس، مسرح الذوائب، وقد زوق جبينه وذقنه، وعليه ألوان الثياب من السندس والإستبرق، فتعجبت حليمة من زينة النبي صلى الله عليه وآله ومن لباسه مما رأت عليه، فقالت: يا ولدي من أين لك هذه الثياب الفاخرة والزينة الكاملة؟

فقال لها محمد صلى الله عليه وآله: أما الثياب فمن الجنة، وأما الزينة فمن الملائكة، قال: فتعجبت حليمة من ذلك عجبا " شديدا "، ثم حملته إلى جده في يوم الجمعة، فلما نظر إليه عبد المطلب قام إليه واعتنقه، وأخذه إلى حجره، فقال له: يا ولدي من أين لك هذه الثياب الفاخرة والزينة الكاملة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا جد استخبر ذلك من حليمة، فكلمته حليمة و قالت: ليس ذلك من أفعالنا، فأمر عبد المطلب حليمة أن تكتم ذلك، وأمر لها بألف درهم بيض، وعشرة دسوت ثياب، وجارية رومية، فخرجت حليمة من عنده فرحة مسرورة إلى حيها.

قال الواقدي: فلما أتى على النبي خمسة عشر شهرا " كان إذا نظر إليه الناظر يتوهم أنه من أبناء خمس سنين لاتمام وقارة جسمه وملاحة بدنه.

قال الواقدي: فلما حملت حليمة النبي صلى الله عليه وآله إلى حيها حين أخذته من عند عبد المطلب وكان لها اثنان وعشرون رأسا " من المواشي فوضعت في تلك السنة كل شاة توأما " ببركة النبي صلى الله عليه وآله، وخرج من عندها ولها ألف وثلاثون رأسا " من الشاغية والراغية.

قال الواقدي: وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله إخوة من الرضاعة يخرجون بالنهار إلى الرعاية ويعودون بالليل إلى منازلهم، فرجعوا ذات ليلة مغمومين، فلما دخلوا الدار قالت لهم حليمة: مالي أراكم مغمومين؟ قالوا: يا امنا إن في هذا اليوم جاء ذئب وأخذ شاتين من شياهنا وذهب بهما، فقالت حليمة: الخلف والخير على الله تعالى، فسمع النبي قولهم، فقال لهم: لا عليكم، فإني أسترجع الشاتين من الذئب بمشية الله تعالى، فقال ضمرة: واعجبا " منك يا أخي قد أخذهما بالأمس، فكيف تسترجعهما باليوم؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه صغير في قدرة الله تعالى، فلما أصبحوا قام ضمرة وأخذ رسول الله على كتفه فقال النبي صلى الله عليه وآله: مر بي إلى الموضع الذي أخذ الذئب فيه الشاتين، قال: فذهب برسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك الموضع، فعند ذلك نزل النبي صلى الله عليه وآله عن كتف أخيه ضمرة وسجد سجدة لله تعالى وقال: الهي وسيدي ومولاي تعلم حق حليمة علي، وقد تعدى ذئب على مواشيها، فأسألك أن تلزم الذئب برد المواشي إلي، قال: فما استتم دعائه حتى أوحى الله تعالى إلى الذئب: أن يرد المواشي إلى صاحبها.

قال الواقدي: إن الذئب لما ذهب بالشاتين حين أخذهما نادى مناد: يا أيها الذئب احذر الله وبأسه وعقوبته، واحفظ الشاتين اللتين أخذتهما حتى تردهما على خير الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وآله، فلما سمع الذئب النداء تحير ودهش، ووكل بهما راعيا " يرعاهما إلى الصباح، فلما حضر النبي عليه السلام ودعا بدعائه قام الذئب وردهما، وقبل قدم النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا محمد اعذرني فإني لم أعلم أنهما لك، فأخذ ضمرة الشاتين، ولم ينقص منهما شئ فقال ضمرة: يا محمد ما أعجب شأنك؟

وأنفذ أمرك؟ فبلغ ذلك عبد المطلب فأمرهم بكتمانه فكتموه مخافة أن يحسده قريش.

قال الواقدي: فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله سنتين ونظر إلى حليمة وقال لها: مالي لا أرى إخوتي بالنهار وأراهم بالليل؟ فقالت له: يا سيدي سألتني عن إخوتك وهم يخرجون في النهار إلى الرعاء، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: يا أماه أحب أن أخرج معهم إلى الرعاء، وأنظر إلى البر والسهل والجبل، وأنظر إلى الإبل كيف تشرب اللبن من أمهاتها، وأنظر إلى القطائع، وإلى عجائب الله تعالى في أرضه، وأعتبر من ذلك، وأعرف المنفعة من المضرة، فقالت له حليمة: أفتحب يا ولدي ذلك؟ قال: نعم، فلما أصبحوا اليوم الثاني قامت حليمة فغسلت رأس محمد صلى الله عليه وآله، وسرحت شعره، ودهنته ومشطته وألبسته ثيابا " فاخرة، وجعلت في رجليه نعلين من حذى مكة، وعمدت إلى سلة وجعلت فيها أطعمة جيدة، وبعثته مع أولادها، وقالت لهم: يا أولادي أوصيكم بسيدي محمد صلى الله عليه وآله أن تحفظوه، وإذا جاع فأطعموه، وإذا عطش فاسقوه، فإذا عي فأقعدوه حتى يستريح، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وعلى يمينه عبد الله بن الحارث، وعن يساره ضمرة، وقرة قدامه، والنبي صلى الله عليه وآله بينهم كالبدر بين النجوم، فما بقي حجر ولا مدر إلا وهم ينادون: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك يا صاحب القول العدل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، طوبى لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك، ورد عليك حرفا " تأتي به من عند ربك، والنبي صلى الله عليه وآله يرد عليهم السلام، وقد تحير الذين معه مما يرون من العجائب، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أصابه حر الشمس، فأوحى الله تعالى إلى إستحيائيل: أن مد فوق رأس محمد صلى الله عليه وآله سحابة بيضاء، فمدها فأرسلت عزاليها كأفواه القرب، ورش القطر على السهل والجبل، ولم تقطر على رأس

محمد صلى الله عليه وآله قطرة، وسالت من ذلك المطر الأودية، وصار الوحل في الأرض ما خلا طريق محمد صلى الله عليه وآله، وكان ينزل من تلك السحابة ريش الزعفران، وسنابل المسك، وكان في تلك البرية نخلة يابسة عادية قد يبست أغصانها، وتناثرت أوراقها منذ سنتين، فاستند النبي صلى الله عليه وآله إليها فأورقت وأرطبت وأثمرت وأرسلت ثمارها من ثلاثة أجناس: أخضر، وأحمر، واصفر، وقعد النبي صلى الله عليه وآله هنالك يكلم إخوته ورأي النبي صلى الله عليه وآله روضة خضراء، فقال: يا إخوتي أريد أن أمر بهذه الروضة، وكان وراء الروضة تل كؤود، وعليه أنواع النباتات، فقال: يا إخوتي ما ذلك التل؟ فقالوا له: يا محمد وراء ذلك التل البراري والمفاوز، فقال النبي صلى الله عليه وآله إني قد اشتهيت أن أنظر إليه، فقال القوم: نحن نمضي معك إليه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: بل اشتغلوا أنتم بأعمالكم، وأنا أمضي وحدي و أرجع إليكم سريعا " إن شاء الله تعالى، فقالوا جميعا ": مر يا محمد فإن قلوبنا متفكرة بسببك.

قال الواقدي: ثم إن النبي صلى الله عليه وآله مر في تلك الروضة وحده ونظر إلى تلك البراري والمفاوز، وهو يعتبر ويتعجب من الروضة حتى بلغ التل، ونظر إلى جبل شاهق في الهواء كالحائط ولا يتهيأ له صعوده لاعتداله وارتفاعه في الهواء، فقال النبي صلى الله عليه وآله في نفسه: إني أريد أن أصعد هذا التل فأنظر إلى ما ورائه من العجائب.

قال الواقدي: فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يصعد الجبل فلم يتهيأ له ذلك لاستوائه في الهواء فصاح إستحيائيل في الجبل صيحة أرعشته فاهتز اهتزازا "، وقال له: أيها الجبل ويحك أطع محمدا " صلى الله عليه وآله خير المرسلين، فإنه يريد أن يصعد عليك، ففرح الجبل وتراكم بعضه إلى بعض كما يتراكم الجلد في النار، فصعد النبي صلى الله عليه وآله أعلاه، وكانت تحت

هذا الجبل حياة كثيرة من ألوان شتى، وعقارب كالبغال، فلما هم النبي صلى الله عليه وآله بالنزول إلى تحت الجبل صاح الملك استحيائيل صيحة عظيمة، وقال: أيتها الحيات والعقارب غيبوا أنفسكم في جحوركم وتحت صخوركم لا يراكم سيد الأولين والآخرين، فسارع الحيات والعقارب إلى ما أمرهم استحيائيل، وغيبوا أنفسهم في كل جحر وتحت كل حجر، ونزل النبي صلى الله عليه وآله من الجبل فرأى عين ماء بارد أحلى من العسل وألين من الزبد، فقعد النبي صلى الله عليه وآله عند العين، فنزل جبرئيل عليه السلام في ذلك الموضع وميكائيل وإسرافيل ودردائيل، فقال جبرئيل: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك ياطه: السلام عليك يا أيها المدثر، السلام عليك يا أيها المليح، السلام عليك يا طاب طاب، السلام عليك يا سيد يا سيد، السلام عليك يا فارقليط، السلام عليك يا طس، السلام عليك يا طسم، السلام عليك يا شمس الدنيا، السلام عليك يا قمر الآخرة، السلام عليك يا نور الدنيا والآخرة، السلام عليك يا شمس القيامة، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا زهرة الملائكة، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا صاحب التاج والهراوة، السلام عليك يا صاحب القرآن والناقة، السلام عليك يا صاحب الحج والزيارة، السلام عليك يا صاحب الركن والمقام، السلام عليك يا صاحب السيف القاطع، السلام عليك يا صاحب الرمح الطاعن، السلام عليك يا صاحب السهم النافذ، السلام عليك يا صاحب المساعي، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا مفتاح الجنة، السلام عليك يا مصباح الدين، السلام عليك يا صاحب الحوض المورود، السلام عليك يا قائد المسلمين، السلام عليك يا مبطل عبادة الأوثان، السلام عليك يا قائد المرسلين، السلام عليك يا مظهر الاسلام، السلام عليك يا يا صاحب قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، طوبى لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك، ورد عليك حرفا " مما تأتي به من عند ربك، والنبي صلى الله عليه وآله يرد عليه السلام، فقال لهم: من

أنتم؟ قالوا: نحن عباد الله، وقعدوا حوله، قال: فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى جبرائيل عليه السلام قال: ما اسمك؟ قال: عبد الله، ونظر إلى إسرافيل وقال له: ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله، ونظر إلى ميكائيل وقال له: ما اسمك؟ قال: عبد الجبار، ونظر إلى دردائيل وقال له: ما اسمك؟ قال: عبد الرحمن، فقال النبي صلى الله عليه وآله كلنا عباد الله، وكان مع جبرئيل طست من ياقوت أحمر، ومع ميكائيل إبريق من ياقوت أخضر وفي الإبريق ماء من الجنة، فتقدم جبرئيل عليه السلام ووضع فمه على فم محمد صلى الله عليه وآله إلى أن ذهبت ثلاث ساعات من النهار، ثم قال: يا محمد اعلم وافهم ما بينته لك، قال: نعم إن شاء الله تعالى، وقد ملا جوفه علما " وفهما " وحكما " وبرهانا "، وزاد الله تعالى في نور وجهه سبعة وسبعين ضعفا "، فلم يتهيأ لاحد أن يملا بصره من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له جبرائيل عليه السلام: لا تخف يا محمد، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ومثلي من يخاف؟ وعزة ربي وجلاله وجوده وكرمه وارتفاعه في علو مكانه لو علمت شيئا " دون جلال عظمته لقلت: لم أعرف ربي قط، قال: ونزل جبرائيل إلى ميكائيل وقال: حق لربنا أن يتخذ مثل هذا حبيبا "، ويجعله سيد ولد آدم، ثم إن جبرائيل عليه السلام ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله على قفاه ورفع أثوابه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما تريد تصنع يا أخي جبرائيل؟ فقال جبرائيل: لا بأس عليك، فأخرج جناحه، وشق بطن النبي صلى الله عليه وآله وأدخل جناحه في بطنه، وخرق قلبه، وشق المقلبة وأظهر نكتة سوداء فأخذها جبرائيل عليه السلام فغسلها، وميكائيل يصب الماء عليه، فنادى مناد من السماء يقول: يا جبرائيل لا تقشر قلب محمد صلى الله عليه وآله فتوجعه، ولكن اغسله بزغبك - والزغب، هو الريش الذي تحت الجناح - فأخذ جبرئيل زغبة وغسل بها قلب محمد صلى الله عليه وآله ثم، رد المقلبة إلى القلب، والقلب إلى الصدر، فقال عبد الله بن العباس: ذات يوم والنبي صلى الله عليه وآله قد بلغ مبلغ الرجال: سألت النبي صلى الله عليه وآله بأي شئ غسل قلبك يا رسول الله؟ ومن أي شئ؟ قال: غسل من الشك واليقين لا من الكفر، فإني لم أكن كافرا " قط، لأني كنت مؤمنا " بالله من قبل أن

أكون في صلب آدم عليه السلام فقال له عمر بن الخطاب: متى نبئت يا رسول الله؟ قال:

يا أبا حفص نبئت وآدم بين الروح والجسد.

قال الواقدي: فقال إسرافيل لمحمد صلى الله عليه وآله: ما اسمك يا فتى؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله:

أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ولي اسم غير هذا، قال إسرافيل:

صدقت يا محمد، ولكني أمرت بأمر فأفعل، قال النبي صلى الله عليه وآله: افعل ما أمرت به، فقام إسرافيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وحل أزار قميصه، وألقاه على قفاه، وأخرج خاتما " كان معه وعليه سطران: الأول لا إله إلا الله، والثاني محمد رسول الله، وذلك خاتم النبوة، فوضع الخاتم بين كتفي النبي صلى الله عليه وآله، فصار الخاتم بين كتفيه كالهلال الطالع بجسمه، واستبان السطران بين كتفيه كالشامة يقرئهما كل عربي كاتب، ثم دنا دردائيل وقال:

يا محمد تنام الساعة، فقال له: نعم، فوضع النبي صلى الله عليه وآله رأسه في حجر دردائيل وغفا غفوة فرأى في المنام كأن شجرة نابتة فوق رأسه، وعلى الشجرة أغصان غلاظ مستويات كلها، وعلى كل غصن من أغصانها غصن وغصنان وثلاثة وأربعة أغصان، ورأي عند ساق الشجرة من الحشيش ما لا يتهيأ وصفه، وكانت الشجرة عظيمة غليظة الساق ذاهبة في الهواء، ثابتة الأصل، باسقة الفرع، فنادى مناديا ": يا محمد! أتدري ما هذه الشجرة؟ فقال

النبي صلى الله عليه وآله: لا يا أخي، قال: اعلم أن هذه الشجرة أنت، والأغصان أهل بيتك، والذي تحتها محبوك ومواليك، فأبشر يا محمد بالنبوة الاثيرة، والرئاسة الخطيرة، ثم إن دردائيل أخرج ميزانا " عظيما " كل كفة منه ما بين السماء والأرض، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله ووضعه في كفه، ووضع مأة من أصحابه في كفه فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى ألف رجل من خواص أمته فوضعهم في الكفة الثانية فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى أربعة آلاف رجل من أمته فوضعهم في الكفة فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى نصف أمته فرجح بهم النبي، ثم عمد إلى أمته كلهم الأنبياء والمرسلين ثم الملائكة كلهم أجمعين ثم الجبال والبحار ثم الرمال ثم الأشجار ثم الأمطار ثم جميع ما خلق الله تعالى فوزن بهم النبي صلى الله عليه وآله فلم يعدلوه، ورجح النبي صلى الله عليه وآله بهم، فلهذا قال: خير الخلق محمد صلى الله عليه وآله، لأنه رجح بالخلق أجمعين، وهذا كله يراه بين النوم واليقظة، فقال دردائيل: يا محمد طوبى لك، ثم طوبى لك ولأمتك، وحسن مآب، والويل كل الويل لمن كفر بك ورد عليك حرفا " مما تأتي به من عند ربك، ثم عرج الملائكة إلى السماء.

قال الواقدي: فلما طال مكث النبي طلبه في تلك المفاوز إخوته أولاد حليمة، فلم يجدوه فرجعوا إلى حليمة فأعلموها بقصته، فقامت ذاهلة العقل، تصيح في حي بني سعد، فوقعت الصيحة في حي بني سعد أن محمدا " قد افتقد، فقامت حليمة ومزقت أثوابها، وخدشت وجهها، وكشفت شعرها وهي تعدو في البراري والمفاوز والقفار حافية القدم، والشوك يدخل في رجليها، والدم يسيل منهما، وهي تنادي: وا ولداه، وا قرة عيناه، وا ثمرة فؤاداه، ومعها نساء بني سعد يبكين معها، مكشفات الشعور، مخدشات الوجوه، وحليمة

تسقط مرة، وتقوم أخرى، وما بقي في الحي شيخ ولا شاب ولا حر ولا عبد إلا يعدوا في البرية في طلب محمد صلى الله عليه وآله وهم يبكون كلهم بقلب محترق، وركب عبد الله بن الحارث وركب معه آل بني سعد، وحلف إن لا وجدت محمدا " صلى الله عليه وآله الساعة وضعت سيفي في آل بني سعد وغطفان، وأقتلهم عن آخرهم، وأطلب بدم محمد صلى الله عليه وآله، وذهبت حليمة على حالتها مع نساء بني سعد نحو مكة ودخلها، وكان عبد المطلب قاعدا " عند أستار الكعبة مع رؤوساء قريش وبني هاشم، فلما نظر إلى حليمة على تلك الحالة ارتعدت فرائصه وصاح وقال:

ما الخبر؟ فقالت حليمة: اعلم أن محمدا " قد فقدناه منذ أمس، وقد تفرق آل سعد في طلبه، قال: فغشي عليه ساعة، ثم أفاق وقال كلمة لا يخذل قائلها: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: يا غلام هات فرسي وسيفي وجوشني، فقام عبد المطلب وصعد إلى أعلى الكعبة ونادى: يا آل غالب، يا آل عدنان، يا آل فهر، يا آل نزار، يا آل كنانة، يا آل مضر، يا آل مالك، فاجتمع عليه بطون العرب ورؤوساء بني هاشم وقالوا له: ما الخبر يا سيدنا؟

فقال لهم عبد المطلب: إن محمدا " صلى الله عليه وآله لا يرى منذ أمس فاركبوا وتسلحوا، فركب ذلك اليوم مع عبد المطلب عشرة آلاف رجل، فبكى الخلق كلهم رحمة لعبد المطلب، وقامت الصيحة والبكاء في كل جانب حتى المخدرات خرجن من الستور مرافقة لعبد المطلب مع القوم إلى حي بني سعد، وسائر الأطراف، وانجذب عبد المطلب نحو حي عبد الله بن الحارث وأصحابه باكين العيون، ممزقين الثياب، فلما نظر عبد الله إلى عبد المطلب رفع صوته بالبكاء وقال: يا أبا الحارث واللات والعزى واثاف ونائلة إن لم أجد محمدا "

وضعت سيفي في حي بني سعد وغطفان وأقتلهم عن آخرهم، قال: فرق قلب عبد المطلب على حي آل سعد وقال: ارجعوا أنتم إلى حيكم إن لم أجد محمدا " الساعة رجعت إلى مكة ولا أدع فيها يهوديا " ولا يهودية، ولا أحدا " ممن أتهمه بمحمد، فأمدهم تحت سيفي مد " طلبا " لدم محمد صلى الله عليه وآله.

قال الواقدي: وأقبل من اليمن أبو مسعود الثقفي وورقة بن نوفل وعقيل بن أبي وقاص وجازوا على الطريق الذي فيه محمد صلى الله عليه وآله، وإذا بشجرة نابتة في الوادي، فقال ورقة لأبي مسعود: إني سلكت هذا الطريق ثلاثين مرة، وما رأيت قط هاهنا هذه الشجرة، قال عقيل: صدقت، فمروا بنا حتى ننظر ما هي، قال: فذهبوا جميعا " وتركوا الطريق الأول، فلما قربوا من الشجرة رأوا تحت الشجرة غلاما " أمرد ما رأى الراؤون مثله، كأنه قمر، فقال عقيل وورقة: ما هو إلا جني! فقال أبو مسعود: ما هو إلا من الملائكة وهم يقولون والنبي صلى الله عليه وآله يسمع كلامهم، فاستوى قاعدا " فرأى القوم وراءه، فقال أبو مسعود: من أنت يا غلام؟ أجني أنت أم إنسي؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: بل أنا إنسي، فقال: ما اسمك؟

قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال أبو مسعود: أنت نافلة عبد المطلب؟ قال: نعم، قال: كيف وقعت هاهنا؟ فقص عليهم القصة من أولها إلى آخرها، فنزل أبو مسعود عن ظهر ناقته وقال له: أتريد أن أمر بك إلى جدك؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: نعم، فأخذه على قربوس سرجه ومروا جميعا " حتى بلغوا قريبا " من حي بني سعد، فنظر النبي صلى الله عليه وآله في البرية فرأى جده عبد المطلب وأصحابه لا يرونه، فقالوا: يا محمد إنا لا نراه، وذلك أن نظرته نظرة الأنبياء عليهم السلام، فقال لهم: مروا حتى أراكم ، فمروا وإذا عبد المطلب مقبل هو وأصحابه، فلما نظر عبد المطلب إلى محمد صلى الله عليه وآله وثب عن فرسه، وأخذ

رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سرجه، وقال له: أين كنت يا ولدي؟ وقد كنت عزمت أن أقتل أهل مكة جميعا "، فقص النبي صلى الله عليه وآله القصة على جده من أولها إلى آخرها، ففرح عبد المطلب فرحا " شديدا "، وخرج من خيله ورجله ودخل مكة، ودفع إلى أبي مسعود خمسين ناقة، و إلى ورقة بن نوفل وعقيل ستين ناقة، قال: وذهبت حليمة إلى عبد المطلب وقالت له: ادفع إلي محمدا " صلى الله عليه وآله، فقال عبد المطلب: يا حليمة إني أحببت أن تكوني معنا بمكة وإلا ما كنت بالذي أسلمه إليك مرة أخرى، فوهب لعبد الله بن الحارث أبيها ألف مثقال ذهب أحمر، و عشرة آلاف درهم بيض، ووهب لبكر بن سعد جملة بغير وزن، ووهب لاخوان النبي صلى الله عليه وآله أولاد حليمة وهما ضمرة وقرة أخواه من الرضاعة مأتي ناقة، وأذن لهم بالرجوع إلى حيهم.

بيان: اعتقل رمحه أي جعله بين ركابه وساقه. والعيمة: شهوة اللبن. والثج:

السيلان. والجهام بالفتح: السحاب لا ماء فيه. والحواري بالضم وتشديد الواو والراء المفتوحة: ما حور من الطعام أي بيض. والوحي: الإشارة والكلام الخفي. والتزويق:

التزيين والتحسين والنقش. والثاغية: الشاة. والراغية: البعير، ولعل المقبلة ما في جوف القلب ولم أجده في كتب اللغة. والاثيرة: المكرمة المختارة.

أقول: هذا الخبر وإن لم نعتمد عليه كثيرا " لكونه من طرق المخالفين إنما أوردته لما فيه من الغرائب التي لا تأبى عنها العقول، ولذكره في مؤلفات أصحابنا.

14 - العدد: عن آمنة بنت أبي سعيد السهمي قالت: امتنع أبو طالب من إتيان اللات

والعزى بعد رجوعه من الشام في المرة الأولى حتى وقع بينه وبين قريش كلام كثير، فقال لهم أبو طالب: إنه لا يمكنني أن أفارق هذا الغلام ولا مخالفته، وإنه يأبى أن يصير إليهما، ولا يقدر أن يسمع بذكرهما، ويكره أن آتيهما أنا، قالوا : فلا تدعه وأدبه حتى يفعل ويعتاد عبادتهما، فقال أبو طالب: هيهات ما أظنكم تجدونه ولا ترونه يفعل هذا أبدا "، قالوا: ولم ذاك؟ قال: لأني سمعت بالشام جميع الرهبان يقولون: هلاك الأصنام على يد هذا الغلام، قالوا: فهل رأيت يا أبا طالب منه شيئا " غير هذا الذي تحكيه عن الرهبان؟

فإنه غير كائن أبدا " أو نهلك جميعا "، قال: نعم، نزلنا تحت شجرة يابسة فاخضرت وأثمرت، فلما ارتحلنا وسرنا نثرت على رأسه جميع ثمرها ونطقت، فما رأيت شجرة قط تنطق قبلها وهي تقول يا أطيب الناس فرعا "، وأزكاهم عودا "، امسح بيديك المباركتين على لابقي خضراء إلى يوم القيامة، قال: فمسح يده عليها فازدادت الضعف نورا " وخضرة، فلما رجعنا للانصراف ومررنا عليها ونزلنا تحتها فإذا كل طير على ظهر الأرض له فيها عش وفرخ، ولها بعدد كل صنف من الطير أغصان كأعظم الأشجار على ظهور الأرضين، قال: فما بقي طير إلا استقبله يمد جناحه على رأسه، قال: فسمعت صوتا " من فوقها وهي تقول: ببركتك يا سيد النبيين والمرسلين قد صارت هذه الشجرة لنا مأوى، فهذا ما رأيت، فضحكت قريش في وجهه، وهم يقولون: أترى يطمع أبو طالب أن يكون ابن أخيه ملك هذا الزمان.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.