پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 5 تزوجه صلى الله عليه وآله بخديجة

ج ۱۶، ص ۶۲–۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

عودوني الوصال فالوصل عذب * وارحموا فالفراق والهجر صعب زعموا حين عاينوا أن جرمي * فرط حبي لهم وما ذاك ذنب لا وحق الخضوع عند التلاقي * ما جزى من يحب أن لا يحب فقال عند ذلك حمزة: يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم، ولكن ما كان يجوز منك إذا جئناك أن تبعدنا، فقال ورقة: إنا لنحب محمدا أشد محبة، ونحن على ما تقولون، ولكن أريد يا بني هاشم أن تكون هذه الخطبة في غداة غد على رؤوس الأنام، حتى

يسمع الغائب والحاضر، فقال حمزة: لا نخالفكم فيما تقولون، فقال ورقة: أعلمكم أن أخي له لسان لا يخلص به عند العرب، وأريد أن يوكلني في أمر ابنته خديجة، حتى أصير أنا المجاوب، وأنتم تعلمون أنى قد قرأت سائر الكتب وعرفت سائر الأديان، فقال حمزة: وكله يا خويلد على ذلك، فقال خويلد: أشهدكم يا أولاد هاشم أني قد وكلت أخي ورقة في أمر ابنتي خديجة، فقال ورقة: أريد أن يكون هذا الامر عند الكعبة، فساروا جميعا إلى الكعبة، فوجدوا العرب مجتمعين بين زمزم والمقام، وهم جماعات كثيرة، منهم الصلت بن أبي يهاب، ولئيمة بن الحجاج، وهاشم بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعثمان بن مبارك العميري، وأسد بن غويلب الدارمي، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، فناداهم ورقة: نعمتم صباحا يا سكان حرم الله، فقالوا كلهم: أهلا وسهلا يا أبا البيان، فقال ورقة: يا معشر قريش، يا جميع من حضر أني أسألكم، ما تقولون في خديجة بنت خويلد؟ فنطق العرب بأجمعهم فقالوا: بخ بخ، لقد ذكرت والله الشرف الأوفى، والنسب الاعلى، والرأي الا زكى، ومن لا يوجد لها نظير في نساء العرب والعجم، فقال: أتحمدون أن تكون بلا بعل؟ فقالوا: ليس بواجب، وقد وجدنا الخطاب لها كثيرا، وهي تأبى، قال ورقة: يا سادات العرب ألا وإن هذا أخي قد وكلني في أمرها، وهي قد أمرتني أن أزوجها، وأعلمتني أن لها رغبة في سيد من سادات قريش، وسألتها أن تسميه لي، فأبت، وأحب أن تسمعوا الوكالة منه، وأن تحضروا كلكم جميعا غداة غد في منزلها، فما تسعكم غير دارها، وكان لها دار واسعة تسع أهل مكة، فلما سمعوا كلامه لم يبق أحد منهم إلا يقول: أنا هو المطلوب، فقالوا:

نعم الوكيل والكفيل أنت، فقال ورقة لأخيه خويلد: تكلم ما دامت السادات حاضرين، قال خويلد: أشهدكم يا سادات العرب على أني قد نزعت نفسي من أمر ابنتي خديجة، وجعلت وكيلي وكفيلي في هذا الامر أخي، فلا رأي فوق رأيه، ولا أمر فوق أمره، فقال ورقة: اسمعوا أيها السادات، وإنه غير مجنون ولا مجبور ولا مخمور، وإني أزوجها بمن شئت، فقال العرب: سمعنا وأطعنا وشهدنا، وخرج خويلد وقد ذهب حكمها من يده، وسار ورقة إلى منزل خديجة وهو فرح مسرور، فلما نظرت إليه قالت: مرحبا و أهلا بك يا عم، لعلك قضيت الحاجة، قال : نعم يا خديجة يهنئك، وقد رجعت أحكامك إلي، فأنا وكيلك، وفي غداة غد أزوجك إن شاء الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وآله، فلما سمعت خديجة كلامه فرحت وخلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمس مأة دينار، فقال ورقة: لا ترغبيني في مثل هذا، فلست براغب فيه، وإنما الرغبة في شفاعة محمد صلى الله عليه وآله، فقالت: لك ذلك، ثم قال لها: يا خديجة قومي هذه الساعة، وجهزي أمرك، وجملي منزلك، واخرجي ذخائرك، وعلقي ستورك، وانشري حللك، واكمدي عدوك، فما يدخر المال إلا لمثل هذا اليوم، واصنعي وليمة لا يعوزك فيها شئ، فإن العرب في غداة غد يأتون كلهم إلى دارك، فلما سمعت منه ذلك نادت في عبيدها وجواريها، و أخرجوا الستور والمساند والوسائد والبسط المختلفة الألوان والحلل ذات الأثمان و العقود والقلائد ونشرت الرايات.

وقد روت الرواة الذين شاهدوا تلك الليلة أن تلك العبيد والإماء الذين كانوا برسم الخدمة لحمل الآنية ثمانون عبدا، وذبحت الذبائح، وعقرت العقائر، وعقدت الحلاوات من كل لون، وجمعت الفواكه من كل فاكهة، وقصد ورقة منزل أبي طالب فوجده وإخوته

مجتمعين، فقال لهم: نعمتم صباحا ومساء، ما يحبسكم عن إصلاح أمركم، انهضوا في أمر خديجة، فقد صار أمرها بيدي، فجذا كان غداة غد إن شاء الله تعالى أزوجها بمحمد صلى الله عليه وآله، فعندها قال محمد صلى الله عليه وآله: لا أنسى الله لك ذلك يا ورقة، وجزاك فوق صنيعك معنا، ثم قال أبو طالب: الآن والله طاب قلبي، وعلمت أن أخي قد بلغ المنى، وقام لعمل الوليمة وإخوته عنده، فعند ذلك اهتز العرش والكرسي، وسجد الملائكة وأوحى الله تعالى إلى رضوان خازن الجنان أن يزينها، ويصف الحور والولدان، ويهيأ أقداح الشراب، ويزين الكواعب والأتراب، وأوحى إلى الأمين جبرئيل عليه السلام، أن ينشر لواء الحمد على الكعبة، وتطاولت الجبال، وسبحت بحمد الملك المتعال، على ما خص به محمدا صلى الله عليه وآله، وفرحت الأرض، وباتت مكة تغلي بأهلها كما يغلي المرجل على النار، فلما أصبحوا أقبلت الطوائف والأكابر والقبائل والعشائر، فلما دخلوا منزل خديجة وجدوها وقد أعدت لهم المساند والوسائد والكراسي والمراتب، وجعلت مجلس كل واحد منهم في مرتبته ومحله، فدخل أبو جهل لعنه الله وهو يختال في مشيته وزينته، وقد أرخى ذوائبه من ورائه، وحمائل سيفه على منكبه، وقد أحدقت به بنو مخزوم، فنظر إلى صدر المجلس وقد نصب فيه كرسي عظيم، وتحته أحد عشر كرسيا، في أعلى مكان مصفوفا لم ير أحسن منها، فتقدم وأراد الجلوس على ذلك السرير العالي، فصاح به ميسرة وقال له:

يا سيدي تمهل قليلا ولا تعجل، فقد وضعت منزلك عند بني مخزوم، فرجع هو خجلان، وجلس فما كان إلا قليلا وإذا بأصوات قد علت، والعرب قد تواثبت، وقد أقبل العباس

وحمزة إلى جانبه، وسيفه مجرد من غمده، وأبو طالب يقدمهم، وحمزة يقول: يا أهل مكة الزموا الأدب، وقللوا الكلام، وانهضوا على الاقدام، ودعوا الكبر، فإنه قد جاءكم صاحب الزمان محمد المختار، من الملك الجبار، المتوج بالأنوار، صاحب الهيبة والوقار، قد ورد عليكم، فنظرت العرب وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله قد جاء، وهو معتم بعمامة سوداء، تلوح ضياء جبينه من تحتها، وعليه قميص عبد المطلب، وبردة الياس، وفي رجليه نعلان لجده عبد المطلب، وفي يده قضيب إبراهيم الخليل، متختم بخاتم من العقيق الأحمر، والناس محدقون به، ينظرون إليه، وقد أحاطت به عشيرته، وحمزة يحجبه عن أعين الناظرين، وقد شخصت إليه جميع المخلوقات والموجودات بالإشارة يسلمون عليه، وقد ذهلت العرب مما رأوا منه، وقام كل قاعد منهم على قدميه، وجلس النبي صلى الله عليه وآله وأعمامه في أعلى موضع ومكان، وهو المكان الذي نحي عنه أبو جهل وأصحابه، ولم يبق منهم جالس غير أبو جهل لعنه الله وأخزاه، وقال: إن كان الامر لخديجة لتأخذن محمدا، فتقدم إليه حمزة كالأسد، وقبض على أطرافه، وقال له: قم لأسلمت من النوائب، ولا نجوت من المصائب، فأخذ أبو جهل يده وضربها في قائم سيفه، فسبقه حمزة، وقبض على يده حتى نبع الدم من تحت أطفاره، ووكزه الحارث وقال له: ويلك يا ابن هاشم ما أنت عديل من نهض إليك من جملة الناس، ورأيت أنك أشرف منهم، لئن لم تقعد لآخذ رأسك، فخاف الفتنة وسكت وظن أنه زوج خديجة، فلما استقر بالناس الجلوس إذا، بخويلد

قد أقبل، ودخل على خديجة وهي تحت حجابها، وقال: يا خديجة أين عقلك؟ وأين سؤددك؟ أنا لم أرض لك بالملوك، ورددتهم كبرا عليهم، وترضين الآن لنفسك بصبي صغير فقير يتيم ليس له مال أبدا، قد كان لك أجيرا، وهذا اليوم يكون لك بعلا؟ لا كان ذلك أبدا، والآن إن قبلتيه لأعلينك بهذا السيف، واليوم لا شك فيه تسفك الدماء، ونهض على قدميه وخرج كأنه مجنون حتى وقف على صدر المجلس وقال: يا معاشر العرب، ويا ذوي المعالي والرتب، أشهدكم على أني لم أرض محمدا لابنتي بعلا، ولو دفع لي وزن جبل أبي قبيس ذهبا، فما بيني وبينه إلا السيوف، فما مثلي من يخدع بشرب المدام، ثم قال:

ولو أنها قالت: نعم لعلوتها * بشفرة حد للجماجم فاصل فمن رام تزويج ابنتي بمحمد * وإن رضيت يا قوم لست بقابل قال: فلما سمع أعمام النبي صلى الله عليه وآله كلامه والحاضرون قال حمزة لأخيه أبي طالب مع إخوته: ما بقي للجلوس موضع، قوموا بنا، فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة، وأشارت إلى أبي طالب فقام معها، ووقف أبو طالب خلف الحجاب، فسلمت عليه خديجة، وقالت: نعمت صباحا ومساء، يا سيد الحرم، لا تغتر بشقشقة أبي، فإنه ينصلح بشئ قليل، ثم أعطته كيسا فيه ألفا دينار، وقالت: يا سيدي خذ هذا وسر به إليه، كأنك تعاتبه وصبه في حجره، فإنه يرضى، فسار أبو طالب والناس حاضرون، وقال له: يا خويلد ادن مني، قال: لا أدنو منك أبدا، قال: يا خويلد إنه كلام تسمعه، فإن لم يرضك فما أحد يقهرك، وفتح أبو طالب الكيس وصبه في حجر خويلد، وقال له: هذه عطية من ابن أخي لك، غير مهر ابنتك ، فلما رأى خويلد المال انطفت ناره، وأقبل ووقف في

الموقف الأول على رؤوس الجمع ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب، وذوي المعالي والرتب، فوالله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بأفضل من محمد، ولقد رضيته لابنتي بعلا وكفوا، فكونوا على ذلك من الشاهدين، ثم قال العباس وقال: يا معاشر العرب لم تنكرون الفضل لأهله، هل سقيتم الغيث إلا بابن أخي؟ وهل اخضر زرعكم إلا به؟ وكم له عليكم من أياد كتمتموها، ولزمتم له الحسد والعناد؟ وبالله اقسم ما فيكم من يعادل صيانته ولا أمانته، واعلموا أن محمدا صلى الله عليه وآله لم يخطب خديجة لمالها ولا جمالها، إن المال زائل وإلى نفاد، ثم إن خويلدا أقبل وجلس إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمسك الناس عن الكلام حتى يسمعوا ما يقول خويلد، فقال خويلد: يا أبا طالب ما الانتظار عما طلبتم؟ اقضوا الامر، فإن الحكم لكم، وأنتم الرؤوساء والخطباء، والبلغاء والفصحاء، فليخطب خطيبكم، ويكون العقد لنا ولكم، فنهض أبو طالب وأشار إلى الناس أن انصتوا، فأنصتوا فقال:

" الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم الخليل، وأخرجنا من سلالة إسماعيل، وفضلنا وشرفنا على جميع العرب، وجعلنا في حرمه، وأسبغ علينا من نعمه، وصرف عنا شر نقمه، وساق إلينا الرزق من كل فج عميق، ومكان سحيق، والحمد لله على ما أولانا، وله الشكر على ما أعطانا، وما به حبانا وفضلنا على الأنام، وعصمنا عن الحرام، وأمرنا بالمقاربة والوصل، وذلك ليكثر منا النسل، وبعد فاعلموا يا معاشر من حضر، أن ابن أخينا محمد بن عبد الله خاطب كريمتكم الموصوفة بالسخاء والعفة، وهي فتاتكم المعروفة، المذكور فضلها، الشامخ خطبها، وهو قد خطبها من أبيها خويلد على ما يحب من المال ".

ثم نهض ورقة وكان إلى جانب أخيه خويلد وقال: نريد مهرها المعجل دون المؤجل أربعمائة ألف دينار ذهبا، ومأة ناقة سود الحدق، حمر الوبر، وعشر حلل، وثمانية وعشرين عبدا وأمة، وليس ذلك بكثير علينا، قال له أبو طالب: رضينا بذلك، فقال خويلد : قد رضيت وزوجت خديجة بمحمد على ذلك، فقبل النبي صلى الله عليه وآله عقد النكاح، فنهض عند ذلك حمزة وكان معه دراهم فنثرها على الحاضرين، وكذلك أصحابه، فقام أبو جهل لعنه الله وقال: يا قوم رأينا الرجال يمهرون النساء أم النساء يمهرون الرجال؟ فنهض أبو طالب رضي الله عنه، وقال: ما لك يا لكع الرجال، ويا رئيس الأرذال؟ مثل محمد صلى الله عليه وآله يحمل إليه ويعطى، ومثلك من يهدي ولا يقبل منه، ثم سمع الناس مناديا ينادي من السماء: إن الله تعالى قد زوج بالطاهر الطاهرة، وبالصادق الصادقة، ثم رفع الحجاب، وخرجت منه جوار بأيديهن نثار ينثرن على الناس، وأمر الله عز وجل جبرئيل أن يرسل على الناس الطيب على البر والفاجر، فكان الرجل يقول لصاحبه: من أين لك هذا الطيب؟ فيقول: هذا من طيب محمد، ثم نهض الناس إلى منازلهم، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزل عمه أبي طالب رضي الله عنه، وأعمامه حوله، وهو كالقمر، فاجتمعت نسوان قريش ونسوان بني عبد المطلب وبني هاشم في دار خديجة، والفتيان يضربن الدفوف، وبعثت خديجة من يومها أربعة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالت: يا سيدي انفذها إلى عمك العباس ينفذها إلى أبي، وأرسلت مع المال خلعة سنية، فسار بها العباس وأبو طالب إلى منزل خويلد وألبساه الخلعة، فقام خويلد من وقته وساعته إلى دار خديجة، وقال: يا بنتي ما الانتظار بالدخول؟ جهزي نفسك، فهذا مهرك قد أتوا به إلي، وأعطوني هذه الخلعة، والله

ما تزوج أحد بزوج مثلك، لا في الحسن ولا في الجمال، فسمع أبو جهل ذلك فقام في الناس يقول: هذا المال من عند خديجة، فبلغ الخبر أبا طالب فخرج من وقته وساعته متقلدا سيفه، ووقف في الأبطح والعرب مجتمعون، وقال: يا معاشر العرب سمعنا قول قائل وعيب عائب، فإن كانت النساء قد أقمن بواجب حقنا فليس ذلك بعيب، وحق لمحمد أن يعطى ويهدى إليه، فهذا جرى منها على رغم أنف من تكلم، وتكلم بعض قريش من المبغضين بالازراء على خديجة حيث تزوجها محمد صلى الله عليه وآله، وبلغ الخبر إلى خديجة فصنعت طعاما ودعت نساء المبغضين، فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن: معاشر النساء بلغني أن بعولتكن عابوا علي فيما فعلته من أني تزوجت محمدا، وأنا أسألكم هل فيكم مثله، أو في بطن مكة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضية؟ وأنا قد أخذته لأجل ما قد رأيت منه، وسمعت منه أشياء ما أحد رآها، فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه، فكف كل منهن عن الكلام.

ثم إن خديجة قالت لعمها ورقة: خذ هذه الأموال وسر بها إلى محمد صلى الله عليه وآله وقل له:

إن هذه جميعها هدية له، وهي ملكه يتصرف فيها كيف شاء، وقل له: إن مالي وعبيدي وجميع ما أملك وما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد صلى الله عليه وآله إجلالا وإعظاما له، فوقف ورقة بين زمزم والمقام ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها قد وهبت نفسها ومالها وعبيدها وخدمها وجميع ما ملكت يمينها والمواشي والصداق والهدايا لمحمد صلى الله عليه وآله، وجميع ما بذل لها مقبول منه، وهو هدية منها إليه إجلالا له وإعظاما ورغبة فيه، فكونوا عليها من الشاهدين، ثم سار ورقة إلى منزل أبي طالب رضي الله عنه، وكانت خديجة قد بعثت جارية ومعها خلعة سنية، وقالت: ادخليها إلى محمد صلى الله عليه وآله، فإذا دخل عليه عمي ورقة يخلعها عليه ليزداد فيه حبا، فلما دخل ورقة عليهم قدم المال إليهم،

وقال: الذي قالته خديجة، فقام النبي صلى الله عليه وآله وأفرغ عليه الخلعة، وزاده خلعة أخرى، فلما خرج ورقة تعجب الناس من حسنه وجماله، ثم أخذت خديجة في جهازها، واعتدت صوافي الذهب والفضة، وفيها الطيب والمسك والعنبر، فلما كانت الليلة الثالثة دخل عليها عمات النبي صلى الله عليه وآله واجتمع السادات والأكابر في اليوم الثالث كعادتهم، ونهض العباس وهو يقول:

أبشروا بالمواهب آل فهر وغالب! * افخروا يا آل قومنا بالثناء والرغائب شاع في الناس فضلكم وعلى في المراتب * قد فخرتم بأحمد زين كل الأطايب فهو كالبدر نوره مشرق غير غائب * قد ظفرتي خديجة بجليل المواهب بفتى هاشم الذي ماله من مناسب * جمع الله شملكم فهو رب المطالب أحمد سيد الورى خير ماش وراكب * فعليه الصلاة ما سار عيس براكب ثم إن خديجة قالت: اعلموا أن شأن محمد صلى الله عليه وآله عظيم، وفضله عميم، وجوده جسيم، ثم نثرت عليهن من المال والطيب ما دهش الحاضرين، وشجر طوبى تنثر في الجنة على الحور العين، فجعلن يلتقطن النثار، ثم يتهادينه، ثم إن خديجة أنفذت إلى أبي طالب غنما كثيرا ودنانير ودراهم وثيابا وطيبا، وعمل أبو طالب وليمة عظيمة، ووقف النبي صلى الله عليه وآله وشد وسطه، وألزم نفسه خدمة جميع الناس، وأقام لأهل مكة الوليمة ثلاثة أيام، وأعمام النبي صلى الله عليه وآله تحته في الخدمة، وأنفذت خديجة إلى الطائف وغيره، ودعت أهل الصنايع إلى منزلها، وصاغت المصاغ والحلي، وفصلت الثياب، وعملت الشمع بالعنبر

على هيئة الأشجار، وأجرت عليه الذهب، وعملت فيه التماثيل من المسك والعنبر، ولم تزل تعمل في شغل العرس ستة أشهر حتى فرغت من جميع ما تحتاج إليه، وعلقت ستور الديباج المطرز، ونقشت فيها صورة الشمس والقمر، وفرشت المجالس، ووضعت المساند والوسائد من الديباج والخز، وفرشت لرسول الله صلى الله عليه وآله مجلسا على سرير تحت الإبريسم والوشي، والسرير من العاج والآبنوس، مصفح بصفائح الذهب الوهاج، وألبست جواريها وخدمها ثياب الحرير والديباج المختلفات الألوان، ونظمت شعورهن باللؤلؤ والمرجان، وسورتهن، ووضعت في أعناقهن قلائد الذهب، وأوقفت الخدم بأيديهن المجامر من الذهب، وفيها الطيب والعنبر والبخور من العود والند، و جعلت في يد كل واحدة من الخدم مراوح منقوشة بالذهب، مقصبة بالفضة، وأوقفتهن عند مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله، ودفعت إلى بعضهن الدفوف والشموع، ونصبت في وسط الدار شمعا كثيرا على أمثال النخيل، فلما فرغت من ذلك دعت نسوان أهل مكة جميعهن فأقبلن إليها، ورفعت مجلس عمات النبي صلى الله عليه وآله، ثم أرسلت إلى أبي طالب ليحضر وقت الزفاف، فلما كان تلك الليلة أقبل النبي صلى الله عليه وآله بين أعمامه، وعليه ثياب من قباطي مصر، و عمامة حمراء، وعبيد بني هاشم بأيديهم الشموع والمصابيح، وقد كثر الناس في شعاب مكة ينظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله، ومنهم من وقف على السرادقات والنور يخرج من بين ثناياه

ومن جبينه ومن تحت ثيابه، فلما وصلوا إلى دار خديجة دخل هو صلوات الله عليه وآله وهو كأنه القمر في تمامه، قد خرج من الأفق، وأعمامه محدقون به كأنهم اسود الشرى، في أحسن زينة وفرحة، يكبرون الله ويحمدونه على ما وصلوا إليه من الكرامة، فدخلوا جميعا إلى دارها، وجلس النبي صلى الله عليه وآله في المجلس الذي هيئ له في دار خديجة رضي الله عنها، ونوره قد علا نور المصابيح، فذهلت النساء مما رأين من حسنه وجماله، ثم هيئوا خديجة للجلاء، فخرجت أول مرة وعليها ثياب معمدة، وعلى رأسها تاج من الذهب الأحمر، مرصع بالدر والجوهر، وفي رجليها خلخالان من الذهب، منقوش بالفيروزج، لم تر الأعين له نظيرا، وعليه قلائد لا تحصى من الزمرد والياقوت، فلما برزت ضربن النساء الدفوف. وجعلت بعض النساء تقول: شعرا:

أضحى الفخار لنا وعز الشأن * ولقد فخرنا يا بني العدنان أخديجة نلت العلا بين الورى * وفخرت فيه جملة الثقلان أعني محمدا الذي لا مثله * ولد النساء في سائر الأزمان فيه المكارم والمعالي والحيا * ما ناحت الأطيار في الأغصان صلوا عليه وسلموا وترحموا * فهو المفضل من بني عدنان فتطاولي فيه خديجة! واعلمي * أن قد خصصت بصفوة الرحمان ثم أقبلن بها نساء بني هاشم للجلوة الثانية على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أشرق من نور وجهها نور علا على جميع المصابيح والشموع، فتعجبت منها بنات عبد المطلب حتى زاد فيها نور لم يرى الراؤون مثله، وذلك فضل لرسول الله صلى الله عليه وآله وعطية من الله تعالى لها،

وأقبلوا بها، وقد فاقت على جميع من حضر، وعليها سقلاط أبيض مذهب، مرصع بالجوهر الأحمر والأخضر والأصفر، ومن كل الألوان، وكانت خديجة امرأة طويلة شامخة عريضة من النساء بيضاء لم ير في عصرها ألطف منها، ولا أحسن، وخرجت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وقالت شعرا:

جاء السرور مع الفرح * ومضى النحوس مع الترح أنوارنا قد أقبلت * والحال فيها قد نجح بمحمد المذكور في * كل المفاوز والبطح لو أن يوازن أحمد * بالخلق كلهم رجح ولقد بدا من فضله * لقريش أمر قد وضح ثم السعود لأحمد * والسعد عنه ما برح بخديجة نبت الكمال * وبحر نايلها طفح يا حسنها في حليها * والحلم منها ما برح هذا النبي محمد * ما في مدائحه كلح صلوا عليه تسعدوا * والله عنكم قد صفح ثم أقبلن بها رضي الله عنها حتى أوقفوها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، ثم بعد ذلك أخذوا التاج ورفعوه من رأسها، ووضعوه على رأس النبي صلى الله عليه وآله، ثم أتوا بالدفوف وهن يضربن لها، وقلن لها: يا خديجة لقد خصصت هذه الليلة بشئ ما خص به غيرك، ولا ناله سواك من قبائل العرب والعجم، فهنيئا لك بما أوتيته، ووصل إليك من العز والشرف، وخرجت في الجلوة الثالثة، وعليها ثوب أصفر، وعليها حلي وجوهر، وقد أضاء الموضع

من لمعان ذلك الجوهر الذي في وسط الإكليل، وفي آخر الإكليل ياقوتة حمراء تضئ، وقد أشرقت الدار من ذلك الجوهر ومن نورها وحسنها، وأقبلت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وهي تقول: شعرا:

أخذ الشوق موثقات الفؤاد * وألقت السهاد بعد الرقاد فليالي اللقا بنور التداني * مشرقات خلاف طول البعاد فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت * من المصطفى عظيم الوداد فغدا شكره على الناس فرضا * شاملا كل حاضر ثم بادي كبر الناس والملائك جمعا * جبرئيل لدى السماء ينادي فزت يا أحمد بكل الأماني * فنحى الله عنك أهل العناد فعليك الصلاة ما سرت العيس * وحطت لثقلها في البلاد قال: ثم بعد ذلك أجلسوها مع النبي صلى الله عليه وآله وخرج جميع الناس عنها، وبقي عندها في أحسن حال، وأرخى بال، ولم يأخذ عليها أحدا من النساء حتى ماتت بعد ما بعث صلوات الله عليه وآله، وآمنت به، وصدقته وانتقلت إلى جنات عدن في أعلى عليين من قصور الجنة.

أقول: وفي بعض النسخ بعد الأبيات: وخلا رسول الله صلى الله عليه وآله مع عروسه، وأوحى الله إلى جبرئيل: أن اهبط إلى الجنة، وخذ قبضة من مسكها، وقبضة من عنبرها، وقبضة من كافورها، وانثرها على جبال مكة، ففعل فامتلأت شعاب مكة وأوديتها ومنازلها وطرقها

من ذلك الطيب، حتى أن الرجل يقول إذا خلا مع زوجته: ما هذا الطيب؟ فتقول: هذا من طيب خديجة ومحمد صلى الله عليه وآله.

توضيح: المزمم: هو الذي شد عليه الزمام، وهو الذي يقاد به البعير. والعقيان من الذهب: الخالص. والارقال: ضرب من العدو، وفي بعض النسخ بالفاء من قولهم: فلان يرفل في مشيته، أي يتبختر. والاغضاء: إدناء الجفون. وباح بسره: أظهره. والجوى:

الحرقة، وشدة الوجد من عشق أو حزن. والصبوة: الميل إلى الجهل. والمراس بالكسر:

الشدة والقوة. ويقال: لفت وجهه أي صرفه. والصبابة: رقة الشوق وحرارته. ولوعة الحب: حرقته. والكمد بالتحريك: الحزن المكتوم. والحجفة: الترس. والوغد: الرجل الذي يخدم بطعام بطنه. والنذل: الخسيس والثلب: التصريح بالعيب والتنقص. والتغمغم:

الكلام لا يبين. وأغرم بالشئ: أولع به. وخطر الرجل في مشيته: رفع يديه ووضعهما.

وجفل: أسرع. والجافل: المنزعج. والغزالة: الشمس. والتيار: الموج، ويقال: قطع عرقا تيارا، أي سريعة الجري، واعتكر الليل، وأعكر: اشتد سواده. والهيف بالتحريك:

ضمر البطن والخاصرة. وفرس هيفاء: ضامرة. والسحيق: البعيد. والسقلاط: شئ من صوف تلقيه المرأة على هودجها، أو ثياب ككتان موشية، وكان وشيه خاتم. والعيس بالكسر: الإبل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة.

أقول: إنما أوردت تلك الحكاية لاشتمالها على بعض المعجزات والغرائب، وإن لم نثق بجميع ما اشتملت عليه، لعدم الاعتماد على سندها، كما أومأنا إليه، وإن كان مؤلفه من الأفاضل والأماثل.

20 - العدد: في الدر: إن فاطمة عليها السلام ولدت بعد ما أظهر الله نبوة أبيها صلى الله عليه وآله

بخمس سنين، وقريش تبني البيت، وروي أنها ولدت عليها السلام في جميدي الآخرة يوم العشرين منه، سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وآله.

في المناقب روي أن فاطمة عليها السلام ولدت بمكة بعد المبعث بخمس سنين، وبعد الاسرى بثلاث سنين في العشرين من جميدي الآخرة، وولدت الحسن عليه السلام ولها اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة سنة بعد الهجرة، وكان بين ولادتها الحسن وبين حملها بالحسين عليه السلام خمسون يوما.

وروي أنها ولدت خمس سنين قبل ظهور الرسالة، ونزول الوحي، وقيل:

بينا النبي صلى الله عليه وآله جالس بالأبطح ومعه عمار بن ياسر، والمنذر بن الضحضاح، وأبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام في صورته العظمى، قد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: يا محمد العلي الاعلى يقرء عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحا، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله، وكان لها محبا وبها وامقا، قال: فأقام النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوما، يصوم النهار، ويقوم الليل، حتى إذا كان في آخر أيامه تلك بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال قل لها: يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك ولا قلي، ولكن ربي عز وجل أمرني بذلك لتنفذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلا خيرا، فإن الله عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا، فإذا جنك الليل فأجيفي الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإني في منزل فاطمة بنت أسد، فجعلت خديجة تحزن في

كل يوم مرارا لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان في كمال الأربعين هبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد العلي الاعلى يقرئك السلام، وهو يأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته، قال النبي صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل وما تحفة رب العالمين؟ وما تحيته؟ قال: لا علم لي، قال: فبينا النبي صلى الله عليه وآله كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس، أو قال: إستبرق، فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، وأقبل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه وآله إذ أراد أن يفطر أمرني أن افتح الباب لمن يرد إلى الافطار، فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي صلى الله عليه وآله على باب المنزل، وقال: يا بن أبي طالب إنه طعام محرم إلا علي، قال علي عليه السلام:

فجلست على الباب وخلا النبي صلى الله عليه وآله بالطعام، وكشف الطبق، فإذا عذق من رطب، وعنقود من عنب، فأكل النبي صلى الله عليه وآله منه شبعا، وشرب من الماء ريا، ومد يده للغسل فأفاض الماء عليه جبرئيل، وغسل يده ميكائيل، وتمند له إسرافيل، وارتفع فاضل الطعام مع الاناء إلى السماء، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله ليصلي فأقبل عليه جبرئيل، وقال: الصلاة محرمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإن الله عز وجل آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزل خديجة، قالت خديجة رضوان الله عليها: وكنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنتني الليل غطيت رأسي، وأسجفت ستري، وغلقت بأبي، وصليت وردي، وأطفأت مصباحي، وآويت إلى فراشي، فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبي صلى الله عليه وآله فقرع الباب، فناديت: من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد صلى الله عليه وآله؟

قالت خديجة: فنادى النبي صلى الله عليه وآله بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه: افتحي يا خديجة فإني محمد، قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبي صلى الله عليه وآله، وفتحت الباب، ودخل

النبي المنزل، وكان صلى الله عليه وآله إذا دخل المنزل دعا بالاناء فتطهر للصلاة، ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما، ثم يأوي إلى فراشه، فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالاناء، ولم يتأهب بالصلاة غير أنه أخذ بعضدي، وأقعدني على فراشه، وداعبني ومازحني، و كان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها، فلا والذي سمك السماء وأنبع الماء ما تباعد عني النبي صلى الله عليه وآله حتى حسست بثقل فاطمة في بطني.

وفيه عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله بن جعفر بن محمد عليهما السلام: كيف كانت ولادة فاطمة عليها السلام؟ قال: نعم، إن خديجة عليها رضوان الله لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله هجرتها نسوة مكة، فكن لا يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة من ذلك، فلما حملت بفاطمة عليها السلام صارت تحدثها في بطنها وتصبرها، وكانت خديجة تكتم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل يوما وسمع خديجة تحدث فاطمة، فقال لها: يا خديجة من يحدثك؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني، فقال لها:

هذا جبرئيل يبشرني أنها أنثى، وأنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة في الأمة، يجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه، فلم تزل خديجة رضي الله عنها على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش ونساء بني هاشم يجئن ويلين منها ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها عصيتينا ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا، فاغتمت خديجة لذلك، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من نساء بني هاشم، ففزعت منهن، فقالت لها إحداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك، ونحن أخواتك: أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم، وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه صفراء بنت شعيب، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها، والثالثة من بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت خديجة فاطمة عليها السلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت إلى

الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشد بياضا من اللبن، وأطيب رائحة من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة، وقنعتها بالأخرى، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليها السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن أبي رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الأنبياء، وأن بعلي سيد الأوصياء، وأن ولدي سيد الأسباط، ثم سلمت عليهن، وسمت كل واحدة منهن باسمها، وضحكن إليها وتباشرت الحور العين، وبشر أهل الجنة بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم، فلذلك سميت الزهراء عليها السلام، و قالت: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها، فتناولتها خديجة عليها السلام فرحة مستبشرة، فألقمتها ثديها، فشربت فدر عليها، وكانت عليها السلام تنمي في كل يوم كما ينمي الصبي في شهر، وفي شهر كما ينمي الصبي في سنة، صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

كتاب الدر النظيم مثل ما مر من الروايات كلها.

أقول: سيأتي أحوال فاطمة صلوات الله عليها وولادتها في المجلد العاشر، وأحوال سائر أولاد خديجة رضي الله عنها في باب أحوال أولاد النبي صلى الله عليه وآله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.