پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 3 تاريخ ولادته صلى الله عليه وآله وما يتعلق بها، وما ظهر

ج ۱۵، ص ۳۰۵–۳۳۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

فأراد أبو طالب أن يعلم مقدار علمه، قال: نحن قوم من بني جمح، فقال سطيح: ادن مني أيها الشيخ وضع يدك على وجهي، فإن لي في ذلك حاجة، فدنا منه، ووضع يده على وجهه، فقال سطيح: وعلام الاسرار، المحتجب عن الابصار، الغافر للخطيئة، وكاشف البلية إنك صاحب الذمم الرفيعة، والأخلاق المرضية، والمسلم إلى غلامي الهدية: قناة خطية، وصفيحة هندية، وإنكم لأشرف البرية، وإن لك ولأخيك أشرف الذرية، وإنك ومن أتى معك من سلالة هاشم الأخيار، وإنك لاشك عم نبي المختار، المنعوت في الكتب والاخبار، فلا تكتم نسبك فإني عارف بنسبكم، فتعجب أبو طالب من كلامه وقال له:

يا شيخ لقد صدقت في المقال، وأحسنت الخصال فنريد أن تخبرنا بما يكون في زماننا،

وما يجري علينا، فقال سطيح: والدائم الأبد، ورافع السماء بلا عمد، الواحد الأحد، الفرد الصمد، ليبعثن من هذا - وأشار إلى عبد الله - عن قريب الأمد، نبي يهدي إلى الرشد، يدمر كل صنم، ويهلك كل من لها عبد، لا يرفع سيفه عن أحد، يدعو إلى عبادة الله الأحد، يعينه على ذلك معين، هو ابن عمه له قرين، صاحب صولات عظام، وضربات بالحسام، أبوه لاشك هذا - وأشار بيده إلى أبي طالب - فقالوا له: يا شيخ نحب أن تصف لنا هذا النبي، وتبين لنا نعته، فقال: اسمعوا مني كاملا " صحيحا "، سيظهر منكم عن قليل شخص نبيل، وهو رسول الملك الجليل، وإن لسان سطيح عنه لكليل، وهو رجل لا بالقصير اللاصق، ولا بالطويل الشاهق، حسن القامة، مدور الهامة، بين كتفيه علامة، على رأسه عمامة، تقوم له الدعامة، إلى يوم القيامة، ذلك والله سيد تهامة، يزهر وجهه في الدجى، وإذا تبسم أشرقت الأرض بالضياء، أحسن من مشى، وأكرم من نشأ، حلو الكلام، طلق اللسان، نقي زاهد، خاشع عابد، لا متجبر ولا متكبر، إن نطق أصاب، وإن سئل أجاب، طاهر الميلاد، برئ من الفساد، رحمة على العباد، بالنور محفوف، وبالمؤمنين رؤوف، وعلى أصحابه عطوف، اسمه في التوراة والإنجيل معروف، يجير الملهوف، وبالكرامة موصوف، اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد صلى الله عليه وآله.

فقال له أبو طالب: يا سطيح هذا الشخص الذي ذكرت أنه يعينه، ويقاربه في حسبه ونسبه انعته لنا كما نعت لنا هذا، فقال: إنه همام، وليث ضرغام، وأسد قمقام، وقائد مقدام، كثير الانتقام، يسقى كأس الحمام، عظيم الجولة، شديد الصولة، كثير الذكر في الملا، يكون لمحمد صلى الله عليه وآله وزيرا "، ويدعى بعد موته أميرا "، اسمه في التوراة برءيا، وفي الإنجيل إليا، وعند قومه عليا، ثم أمسك مليا " كأنه قد سلب عقله، وهو متفكر في أمره، والناس ينظرون إليه، ثم التفت إلى أبي طالب وقال:

أيها السيد رد يدك على وجهي ثانية، ففعل أبو طالب، فلما حس سطيح بيد أبي طالب تنفس الصعداء، وأن كمدا " وقال: يا أبا طالب خذ بيد أخيك عبد الله فقد ظهر سعدكما، فأبشرا بعلو مجدكما، فالغصنان من شجرتكما، محمد لأخيك، وعلي لك، فبهت أبو طالب من كلامه، وشاع في قريش ما قاله سطيح، فعند ذلك قال أبو جهل لعنه الله: معاشر الناس من قريش ليس هذه بأول حادثة نزلت بنا من بني هاشم، فقد سمعتم من سطيح من ظهور هذا الرجل الذي يفسد أدياننا، ومن يشاركه من ولد أبي طالب، فبينا هم كذلك إذ جاء أبو طالب ووقف وسط الناس ونادى بأعلى صوته: يا معاشر قريش اصرفوا عن قلوبكم الطيش، ولا تنكروا ما سمعتم، فنحن بالقدمة أولى، وعلى يدنا نبعت زمزم، والله ما سطيح بكاذب، بل إنه في كلامه لصائب، وما نطق بكلمة إلا ظهر برهانها، أليس هو القائل لكم بأنه يطلع عليكم سيف لا يترك منكم أحدا " في بلد اليمن، فلم يكن إلا كرقدة النائم، وإذا قد ظهر ما قال، وعن قليل سيظهر ما ذكر على رغم من يعاديه، ثم إن أبا طالب أمر بسطيح أن يرفع إلى منزله فأكرمه وحباه وقربه ، وخلع عليه وكساه، وباتت مكة تموج تلك الليلة، فلما برق الصباح فأول

من خرج إلى الأبطح أبو جهل، ثم بعث عبيده إلى سادات قريش فقدموا عليه، فلما ارتفع النهار ضاق الأبطح من كل جانب، فقام أبو جهل ونادى: يا آل غالب، يا آل طالب، يا ذوي العلا والمراتب، أترضون لأنفسكم أن ترموا بالمناكب، كما ذكر أبو طالب؟

إن هذا من العجائب، لنقل جلاميد الصفا إلى البحر الأقصى أيسر مما ذكر سطيح: أنه سيظهر من بني عبد مناف نبي عن قليل، يرمينا بالبوار والتنكيل، تبا لكم إن كانت أنفسكم بما ذكره راضية، وإلى ما أخبر به واعية، فإن رضيتم بذلك فمن الان عليكم مني السلام، وأنا راحل عنكم خارج عن أرضكم، فمجاورة الترك أحب إلي من المقام عندكم، ثم تركهم ومضى، فضجت المحافل، وبقي الأبطح يموج بأهله، فمضوا إليه وقالوا له: يا أبا الحكم أنت السيد فينا، وإن رأينا رأيك، وأمرنا إليك، فقال: إني أرى من الرأي أن تحضروا منزل أبي طالب، وتخاطبوه في قول هذا الكاهن، لئلا يكون سبب العداوة بيننا وبينه، فإما أن يسلم إلينا سطيحا "، أو يخرجه من أرضنا، فإن أبى كان السيف أمضى، والموت أقضى، وأنشد شعرا ":

لضرب عنقي بسيفي، يا قوم عمدا " بكفي * وقطع أحجار أرض، إلى قرار بخسف أولى وأهون عندي، من أن أرام بعسف فلما بلغ أبا طالب مقالة أبي جهل جمع إخوته وأقاربه وقال: تجللوا بالسلاح، واستعدوا للكفاح، وقال: إني أرى دماء " قد غلت، وآجالا " قد قربت، ثم سار

حتى قدم الأبطح، فشخصت إليهم الابصار، وخرست الألسن، وجلس كل قائم هيبة لأبي طالب ثم تحظى القبائل، حتى توسط الناس، ثم رفع صوته وقال: يا سكان زمزم والصفا، وأبي قبيس وحرى، من الثالب لبني عبد المطلب منكم؟ وإني أذكركم بهذا اليوم العبوس، الذي تقطع فيه الرؤوس، ويكون بأيدينا هذه النفوس، وإني قائل لكم: وحق إله الحرم، وبارئ النسم، أني لاعلم عن قليل ليظهرن المنعوت في التوراة والإنجيل الموصوف بالكرم والتفضيل، الذي ليس له في عصره مثيل، ولقد تواترت الاخبار، أنه يبعث في هذه الاعصار، رسول الملك الجبار، المتوج بالأنوار، ثم قصد الكعبة وأتى الناس ورائه إلا أبا جهل وحده، وقد حلت به الذلة والصغار، والذل والانكسار، فلما دنا أبو طالب من الكعبة قال: اللهم رب هذه الكعبة اليمانية، والأرض المدحية، والجبال المرسية، إن كان قد سبق في حكمك، وغامض علمك، أن تزيدنا شرفا " فوق شرفنا، وعزا " فوق عزنا بالنبي المشفع الذي بشر به سطيح فأظهر اللهم يا رب تبيانه، وعجل برهانه، واصرف عنا كيد المعاندين، يا أرحم الرحمين.

ثم جلس أبو طالب والناس حوله فوثب إليه منبه بن الحجاج وكان جسورا " عليه، فقام وتطاولت الناس تنظر ما يقول له، فنادى برفيع صوته: يا أبا طالب ظهرت عزتك، وأنارت طلعتك، وابتهج شكرك بالكرم السني، والشرف العلي، وقد علمت رؤساؤكم من القبائل وأهل النهى والفضائل، أنكم أهل الشرف الأصيل، وأنت سيد مطاع قاهر،

ولكن ليس لمثلك أن يسمع ما قاله كاهن، وأنت تعلم أنهم أوعية الشيطان، يأتون بالكذب والبهتان، فلعلك أن تصيره إلينا ولعله يظهر شيئا " مما قاله، فإن النبوة لها دلائل وآثار، لا تخفى على العاقل، فأمر أبو طالب أن يحضر سطيح، فلما وضعوه على الأرض نادى سطيح: يا معاشر قريش لقد أكثرتم الاختلاف، وزادت قلوبكم بالارتجاف، بذيتم بألسنتكم على آل عبد مناف، تكذبونه فيما نطق، وتلومونه إذا صدق، وقد أرسلتم إلي تسألوني عن الحال الظاهر، وعن أمر النبي الطاهر، صاحب البرهان، وقاصم الأوثان، ومذل الكهان، وأيم الله ما فرحنا بظهوره، لان الكهانة عند ولادته تزول، ولكني أقول: إذا كان ذلك فلا خير لسطيح في الحياة، وعندها يتمنى الوفاة، فإنه قد قرب، فأتوني بأمهاتكم ونسائكم لترون العجب العجيب، الذي ليس فيه تكذيب، حتى أوقفكم هذه الساعة، وأعرفكم أيتهن الحامل به، فقالوا له: أتعلم الغيب؟ قال: لا، ولكن لي صاحب من الجن يخبرني ويسترق السمع، ثم إن القوم افترقوا إلى منازلهم، وأتوا بنسائهم، ولم تبق واحدة من النساء إلا جاؤوا بها، فأقبل أبو طالب وقال لأخيه : أمسك زوجك ولا تحضرها، وأمسك هو زوجته فاطمة رضي الله عنها وأقبلت النسوان جمع، فنظر إليهن، ثم قال اعزلوا النساء عن الرجال، ثم أمر النساء أن يتقدمن إليه، فجعل سطيح ينظر إليهن بعينه ولا يتكلم، قالوا له: خرس لسانك، وخاب ظنك، فقال: والله ما خاب ظني، ورفع رأسه وطرفه إلى السماء، وقال: وحق الحرمين لقد تركتم من نسائكم اثنتين، الواحدة منهن الحامل بالمولود الهادي إلى الرشاد محمد، والأخرى ستحمل عن قريب، وتلد غلاما أمينا " يدعى بأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، ووارث علوم الأنبياء والمرسلين، فلما سمع العرب منه ذلك دهشوا وخابوا، وانطلق أبو طالب إلى منزله وعنده إخوته، وأتى بزوجته فاطمة بنت أسد، وآمنة زوجة أخيه عبد الله، فلما وصلتا بجمع الناس من النساء صاح سطيح بأعلى صوته،

وجعل يبكى ويقول: يا ذوي الشرف، هذه والله الحاملة بالنبي المختار رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما دنت آمنة منه قال لها: ألست حاملة؟ قالت: نعم، فالتفت عند ذلك إلى قريش، وقال الان شهد قلبي، وثبت لبي، وصدقني صاحباي، هذه سيدة نساء العرب والعجم، وهي الحامل بأفضل الأمم، ومبيد كل وثن وصنم، يا ويح العرب منه، قد دنا ظهوره، ولاح نوره، وكأني أرى من يخالفه قتيلا، وفي التراب جديلا، وطوبى لمن صدق منكم بنبوته، وآمن برسالته، ثم طوبى له قد أخذ الأرض، ورجعت له بالأمن طولها والعرض، ثم التفت إلى فاطمة وصاح صيحة، وشهق شهقة، وخر مغشيا " عليه، فلما أفاق من غشيته انتحب وبكى، وقال بأعلى صوته: هذه والله فاطمة بنت أسد، أم الامام الذي يكسر الأصنام، وهو الأمير الذي ليس في عقله طيش، قاتل الشجعان، ومبيد الاقران، الفارس الكمي، والضيغم القوي، المسمى بأمير المؤمنين علي، ابن عم النبي عليهما أفضل الصلاة والسلام، آه ثم آه، كم ترى عيني من بطل مكبوب. وفارس منهوب، فلما سمع قريش كلام سطيح وثبوا عليه بالسيوف ليقتلوه، فمنعهم بنو هاشم وجميع قريش، ونادى أبو جهل لعنه الله: افسحوا لي عن هذا الكاهن، فلابد لنا من قتله حتى نشتفي منه، وإن حلتم دونه لأجعلن لكم الدمار، ولأردنكم البوار فالتفت أبو طالب إليه

وقال له: ويحك يا أخس العرب وأذلها، إني أراك تحب فراق العشيرة، مثلك من يتكلم بهذا الكلام وأنت أخس اللئام (1)؟ ثم عاجله بضربة، وحالوا بينه وبينه فلحقه بعض السيف فشجه شجة موضحة، وصار الدم يسيل على وجهه، فنادى أبو جهل: يا آل المحافل، ورؤساء القبائل، أترضون أن تحملوا العار، وترموا بالشنار، اقتلوا سطيحا " وآمنة وفاطمة بنت أسد وبني هاشم جميعا "، واخمدوا نارهم، واطفئوا شرارهم، فحمل قريش بأجمعهم على سطيح، ولم يكن لبني هاشم طاقة، فالتجأت النساء بالكعبة، وثار الغبار، وطار الشرار، وكثرت الزعقات، وارتجت الأرض بطولها والعرض.

ويروى عن آمنة أم النبي صلى الله عليه وآله قالت: حين رأيت السيوف قد دارت حولي ذهلت في أمري، والقوم يريدون قتلي، فبينا أنا كذلك إذ اضطرب الجنين في بطني، وسمعت شيئا " كالأنين، وإذا بالقوم قد صيح بهم صيحة من السماء، وصرخ بهم صارخ من الهواء، فذهلت العقول، وسقطت الرجال والنساء على الوجوه صرعى، كأنهم موتى، قالت آمنة:

فرفعت بصري نحو السماء فرأيت أبواب السماء قد فتحت، وإذا أنا بفارس في يده حربة من نار، وهو ينادي ويقول: لا سبيل لكم إلى رسول الملك الجليل، وأنا أخوه جبرئيل، قالت: فعند ذلك سكن قلبي، ورجع إلي جناني، وتحققت دلائل النبوة لولدي محمد صلى الله عليه وآله، ثم انصرفنا إلى منازلنا، وأقبل أبو طالب آخذا بيد أخيه عبد الله، وجلسا بفناء الكعبة يهنئان أنفسهما بما رزقا من الكرامة والنصر، والقوم صرعى، فلبثوا كذلك ثلاث ساعات من النهار، ثم قاموا كأنهم سكارى، ثم تقدم منبه بن الحجاج، ووقف إلى جانب أبي طالب، وقال: إنك لم تزل عاليا " في المراتب ولمن ناواك غالبا " لكن نريد منك أن تصرف عنا سطيحا "، فإن كان ما تكلم به صحيحا " فنحن أولى بأن نعاضده، وأنشأ يقول:

أبا طالب إنا إليك عصابة * لنرجوك فارحم من أتى لك راجيا " ونحن فجيران لكم ومعاضد * على كل من أضحى وأمسى معاديا

أبا طالب حييت بالرشد والحبا * ووقيت ريب الدهر ما دمت باقيا فإن كان رب العرش يرسل منكم * إلينا رسولا وهو للحق هاديا فنحن لنرجو أحمدا " في زماننا * نجالد عنه بالسيوف الأعاديا أبا طالب فاصرف سطيحا " فإنه * أتى منه آت بالأذى والدواهيا ودع عنك حرب الأهل والطف تكرما * ولا تتركن الدم في الأرض جاريا فرق أبو طالب رحمة " لقريش، وقال: حبا " وكرامة "، سأصرفه عنكم إذا كرهتموه ولكن سوف تعلمون صحة ما ذكر لكم، ثم أمر بسطيح أن يحضر، فلما حضر قال: أتدري لماذا أحضرتك؟ فقال: نعم، لقد سألوني الخروج عن مكانهم، والانتزاح عن بلادهم، وأنا عازم، ثم قال: إذا ظهر فيكم البشير النذير فاقرأوه مني السلام الكثير، وقولوا له: إن سطيحا " أخبرنا بخروجك فكذبناه، ومن جوارك طردناه، وستأتيكم مبشرة عندها من العلم أكثر مما عندي، ولا شك أنها قد دخلت بلادكم، وحلت بساحتكم، ثم إن سطيحا " عزم على الخروج، ورفعوه على بعيره، وأحاط به بنو هاشم ليودعوه، فبينما هم كذلك إذ أشرفت راحلة تركض براكبها، والغبار يطير من تحت أخفافها فنظر إليها عمرو بن عامر وقال: يا سادات مكة أتتكم الداهية الدهياء زرقاء اليمامة بنت مرهل، كاهنة اليمامة، فما استتم كلامه وإذا بها قد صارت في أوساطهم، ونادت بأعلى صوتها:

يا معاشر قريش حييتم بالاكثار، وعمرت بكم الديار، فإني فارقت أهلي وخرجت من أوطاني، وجعلت قصدي إليكم لأخبركم عن أشياء قد دنت وقربت، وسوف يظهر في دياركم عن قريب العجب العجيب، فإن أذنتم لي بالنزول نزلت، وإن أحببتم الرحيل رحلت، ثم قالت شعرا ":

إني لاعلم ما يأتي من العجب * بأرضكم هذه يا معشر العرب لقد دنا وقت مبعوث لامته * محمد المصطفى المنعوت في الكتب فعن قليل سيأتي وقت بعثته * يرمي معانده بالذل والحرب يدعو إلى دين غير اللات مجتهدا " * ولا يقول بأصنام ولا نصب وقد أتيت لأخبركم ببينة * مما رأيت من الأنوار والشهب عما قليل ترى النيران مضرمة * ببطن مكة ترمي الجمع باللهب فإن أذنتم وإلا رحت راجعة * وتندمون إذا ما جاء بالعطب وآخر بذباب السيف يعضده * قرن يدانيه في الأحساب والنسب فلما سمع قريش كلامها وشعرها أمروها بالنزول، فنزلت، وقالوا: هل تنطق بما نطق به سطيح أم لا؟ فقال لها عتبة: ما الذي راع سيدة اليمامة؟ هل لك من حاجة فتقضى؟ فقالت: إني لست ذات فقر ولا إقلال، ولا محتاجة، إلى رفد ولا مال، بل جئتكم ببشارة أبشركم، وحذر أحذركم، وليست البشارة لي، بل هي وبال علي، فقال عتبة: يا زرقاء وما هذا الكلام؟ أراك توعدين نفسك وإيانا بالبوار والدمار، فقالت:

يا أبا الوليد، ومن هو بالمرصاد، ليخرجن من هذا الواد، نبي يدعو إلى الرشاد، وينهى عن

الفساد، نوره في وجهه يتردد، واسمه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، كأني به عن قريب يولد، يساعده على ذلك مساعد، ويعاضده معاضد، يقاربه في الحسب، ويدانيه في النسب، مبيد الاقران، ومجدل الشجعان، أسد ضرغام، وسيف قصام، جسور في الغمرات، هزبر في الفلوات، له ساعد قوي، وقلب جرئ، واسمه أمير المؤمنين علي، ثم قالت: آه ثم آه، من يوم سألقاه، وأعظم مصيبتاه ستكون لي قصة عجيبة، ومصيبة وأي مصيبة، فلو أردت النجاة سارعت إلى إجابته، وتركت ما أنا عليه من مكائدته، ولكن أرى خوض البحار، والعرض على النار أيسر من الذل والصغار، ولا أنا شارية بعزي ذلا "، ولا بعلمي جهلا "، ثم أنشأت تقول:

ذوي القبائل والسادات ويحكم * إني أقول مقالا " كالجلاميد لو كنت من هاشم أو عبد مطلب * أو عبد شمس ذوي الفخر الصناديد أو من لوي سراة الناس كلهم * ذوي السماحة والأفضال والجود أو من بني نوفل أو من بني أسد * أو من بني زهرة الغر الأماجيد لكنت أول من يحظى بصاحبكم * إذا جرى ماؤه في يابس العود لكن أرى أجلي قد حان مدته * لما دنا مولد يا خير مولود ثم قالت: هيهات، لا جزع مما هو آت، وخالق الشمس والقمر، ومن إليه مصير البشر، لقد صدقكم سطيح الخبر، فلما سمعوا ما قالت حاروا، ثم نظرت إلى أبي طالب وأخيه عبد الله ، وكانت عارفة بعبد الله قبل ذلك، لأنه كان مسافرا " إلى نحو اليمن قبل أن

يتزوج بآمنة بنت وهب، وكان نور النبي صلى الله عليه وآله في وجهه، وأن الزرقاء نظرت إليه وقد نزل بقصر من قصور اليمامة، وذهب أبوه عبد المطلب في حاجة وتركه عند متاعه وسيفه عند رأسه، فنزلت الزرقاء مسرعة، وفي يدها كيس من الورق، فوثبت عليه ثم قالت له: يا فتى حياك الله بالسلام، وجللك بالانعام، من أي العرب أنت؟ فما رأيت أحسن منك وجها "، قال: أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، سيد الاشراف، ومطعم الأضياف، سادات الحرم، ومن لهم السابقة في القدم، فقالت: فهل لك يا سيدي من فرحتين عاجلتين؟ قال: وما هما؟ قالت: تجامعني الساعة، وتأخذ هذه الدراهم، وأبذل لك مأة من الإبل محملة تمرا " وبسرا " وسمنا "، فلما استتم كلامها قال: إليك عني، فما أقبح صورتك يا ويلك، أما علمت أنا قوم لا نركب الآثام، اذهبي، وتناول سيفا " كان عنده فانهزمت ورجعت خائبة، فأقبل أبوه فوجده وسيفه مسلول وهو يقول شعرا ":

أنرتكب الحرام بغير حل * ونحن ذووا المكارم في الأنام إذا ذكر الحرام فنحن قوم * جوارحنا تصان عن الحرام فقال له أبوه: يا ولدي ما جرى عليك بعدي؟ فأخبره بخبره، ووصف له صفاتها فعرفها، وقال له: يا بني هذه زرقاء اليمامة، قد نظرت إلى النور الذي في وجهك يلوح، فعرفت أنه الشرف الوكيد، والعز الذي لا يبيد، فأرادت أن تسلبه منك، والحمد لله الذي عصمك عنها، ثم رحل به إلى مكة، وزوجه بآمنة بنت وهب، فلما رأته الزرقاء عرفته، وعلمت أنه تزوج، فقالت: ألست صاحبي باليمامة في يوم كذا؟ قال لها:

نعم، فلا أهلا " بك ولا سهلا "، يا ابنة اللخناء، قالت: أين نور الذي كان في غرتك؟

قال: في بطن زوجتي آمنة بنت وهب، قالت: لا شك أنها لذلك أهل، ثم نادت برفيع صوتها: يا ذوي العز والمراتب إن الوقت متقارب، وإن الامر لواقع، ما له من دافع، فتفرقوا عني ، فقد جاء المساء، وفي الصباح يسمع مني الاخبار، وأوقفكم على حقيقة الآثار، فتفرقوا عنها.

قال: فلما مضى من الليل شطره مضت إلى سطيح، وقد خرج من مكة فقالت له: ما ترى؟

قال: أرى العجب، والوقت قد قرب، وحدثها بما قد جرى من قريش، قالت له: ما تشير به علي؟ قال لها: أما أنا فقد كبر سني ولولا خيفة العار لأمرت من يريحني من الحياة، ولكني سأذهب إلى الشام، وأقيم بها حتى يأتيني الحمام، فإنه لا طاقة لي به، فإنه المؤيد المنصور، ومن يعاديه مقهور، قالت: يا سطيح وأين أعوانك؟ لم لا يساعدونك على هذا الامر، و يعينونك على هلاك آمنة قبل أن يخرج من الأحشاء؟ قال لها: يا زرقاء وهل يقدر أحد أن يتعرض لآمنة، فإن من تعرض لها عاجله التدمير، من اللطيف الخبير، أما أنا وأصحابي فلا نتعرض لها، والآن أنصحك، فإياك أن تصلي إلى آمنة، فإن حافظها رب السماوات والأرض، فإن لم تقبلي، نصيحتي فدعيني وما أنا عليه، فلعلي أموت الليلة أو غدا "، فلما سمعت مقالته أعرضت عنه، وباتت ليلتها ساهرة، فلما أصبح الصباح أقبلت إلى بني هاشم، وقالت: أنعم الله لكم الصباح، لقد أشرفت بكم المحافل، ووفقتم، إذ ظهر فيكم المنعوت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فيا ويل من يعاديه،

وطوبى لمن اتبعه، فلم يبق أحد من بني هاشم إلا فرح بما ذكرت الزرقاء، ووعدوها بخير، فقالت لهم: لست محتاجة إلى مال ولا رفاد، ولكن ما جئت من الأقطار إلا لأخبركم بحقيقة الأخبار، فقال أبو طالب: قد وجب حقك علينا، فهل لك من حاجة؟ قالت:

نعم، أريد أن تجمع بيني وبين آمنة حتى أتحقق ما أخبركم به، قال: سمعا " وطاعة "، فجاء بها إلى منزل آمنة، فطرق الباب، فقامت آمنة لفتح الباب فلاح من وجهها نور ساطع، وضياء لامع فسقطت الزرقاء حسدا "، وأظهرت تجلدا "، فلما دخلت المنزل أتوها بطعام فلم تأكل، وقالت: سوف يكون لمولودكم هذا عجب عجيب، وسوف تسقط الأصنام، وتخمد الأزلام، وينزل على عبادها الدمار، ويحل بهم البوار، ثم إنها خرجت من المنزل متفكرة في قتل آمنة، وكيف تعمل الحيلة، وجعلت تتردد إلى سطيح وتطلب منه المساعدة، فلم يلتفت إليها ولا إلى قولها، فأقبلت حتى نزلت على امرأة من الخزرج اسمها تكنا، وكانت ماشطة لآمنة، فلما كان في بعض الليالي استيقظت تكنا فرأت عند رأس الزرقاء شخصا " يحدثها، ويقول:

كاهنة اليمامة * جاءت بذي تهامة

ستدرك الندامة * إذا أتاها من له العمامة فلما سمعت الزرقاء ذلك، وثبت قائمة، وقالت له: لقد كنت صاحب الوفاء، فلم حبست نفسك عني هذه المدة، فإني في هموم متواترات، وأهوال وكربات، فقال لها:

يا ويلك يا زرقاء لقد نزل بنا أمر عظيم، لقد كنا نصعد إلى السماء السابعة، ونسترق السمع، فلما كان في هذه الأيام القليلة طردنا من السماء، وسمعنا مناديا " ينادي في السماوات: إن الله قد أراد أن يظهر المكسر للأصنام، ومظهر عبادة الرحمن، فامتنعوا جملة الشياطين من السماء، وتحدرت علينا ملائكة بأيديهم شهب من نار، فسقطنا كأننا جذوع النخل، وقد جئتك لأحذرك، فلما سمعت كلامه قالت له: انصرف عني، فلابد أن أجتهد غاية المجهود، في قتل هذا المولود، فراح عنها وهو يقول:

إني نصحتك بالنصيحة جاهدا " * فخذي لنفسك واسمعي من ناصح لا تطلبي أمرا " عليك وباله * فلقد أتيتك باليقين الواضح هيهات أن تصلي إلى ما تطلبي * من دون ذلك عظم أمر فادح فالله ينصر عبده ورسوله * من شر ساحرة وخطب فاضح عودي إلى أرض اليمامة واحذري * من شر يوم سوف يأتي كادح ثم إنه طار عنها، وتكنا تسمع ما جرى بينهما، وكأنها لم تسمع ما جرى،

فلما أصبحت جلست بين يدي الزرقاء فقالت: ما لي أراك مغمومة؟ قالت لها: يا أختاه إن الذي نزل بي من الهموم والغموم لخروجي من الأوطان، وذهابي من البلدان، وتشتتي في كل مكان، وتفردي عن الخلان، قالت لها: ولم ذلك؟ قالت لها: يا ويلك من حامل مولود، يدعو إلى أكرم معبود، يكسر الأصنام، ويذل السحرة والكهان، يخرب الديار، ولا يترك بمكة أحدا " من ذوي الابصار ، وأنت تعلمين أن القعود على النار، أيسر من الذل والصغار، فلو وجدت من يساعدني على قتل آمنة بذلت له المنا، وأعطيته الغنا، وعمدت إلى كيس كان معها فأفرغته بين يدي تكنا، وكان مالا " جزيلا "، فلما نظرت تكنا إلى المال لعب بقلبها، وأخذ بعقلها، وقالت لها: يا زرقاء لقد ذكرت أمرا " عظيما "، وخطبا " جسيما "، والوصول إليه بعيد، وإني ماشطة لجملة نساء بني هاشم، ولا يدخل عليهن غيري، ولكن سوف أفكر لك فيما ذكرت، وكيف أجسر على ما وصف، والوصول إلى ما ذكرت، قالت الزرقاء: إذا دخلت على آمنة وجلست عندها فاقبضي على ذؤائبها، واضربيها بهذا الخنجر، فإنه مسموم، فإذا اختلط الدم بالسم هلكت، فإذا وقع عليك تهمة، أو وجب عليك دية فأنا أقوم بخلاصك، وأدفع عنك عشر ديات غير الذي دفعته إليك في وقتي هذا، فما أنت قائلة؟ قالت: إني أجبتك، لكن أريد منك الحيلة بأن تشغلي بني هاشم عني، قالت الزرقاء: إني هذه الساعة آمر عبيدي أن يذبحوا الذبائح، ويعملوا الخمور، ويطرحوها في الجفان، فإذا أكلوا وشربوا من ذلك ظفرت بحاجتك، قالت لها تكنا: الان تمت الحيلة، فافعلي ما ذكرت، فصنعت

الزرقاء ما ذكرت، وأمرت عبيدها ينادون في شوارع مكة أن يجمعوا الناس، فلم يبق أحد إلا وحضر وليمتها من أهل مكة، فلما أكلوا وشربوا وعلمت أن القوم قد خالط عقولهم الشراب أقبلت إلى تكنا وقالت: قومي إلى حاجتك، فقامت تكنا و جاءت بالخنجر ورشت في جوانبه السم، ودخلت على آمنة فرحبت بها آمنة، و سألتها عن حالها، وقالت: يا تكنا ما عودتيني بالجفاء فقالت: اشتغلت بهمي و حزني، ولولا أياديكم الباسطة علينا لكنا بأقبح حال، ولا أحد أعز علي منك، هلمي يا بنية إلي حتى أزينك، فجائت آمنة وجلست بين يدي تكنا، فلما فرغت من تسريح شعرها عمدت إلى الخنجر وهمت أن تضربها به، فحست تكنا كأن أحدا " قبض على قلبها فغشى على بصرها، وكأن ضاربا " ضرب على يدها فسقط الخنجر من يدها إلى الأرض، فصاحت: وا حزناه، فالتفتت آمنة إليها وإذا الخنجر قد سقط من يد تكنا، فصاحت آمنة فتبادرت النسوان إليها، وقلن لها: ما دهاك (8)؟ قالت: يا ويلكن أما ترين ما جرى علي من تكنا، كادت أن تقتلني بهذا الخنجر، فقلن: يا تكنا ما أصابك؟

ويلك تريدين أن تقتلي آمنة على أي جرم؟ فقالت: يا ويلكن قد أردت قتل آمنة، و الحمد لله الذي صرف عنها البلاء، فقالت: الحمد لله على السلامة من كيدك يا تكنا، فقالت لها النساء: يا تكنا ما حملك على ذلك؟ قالت: لا تلوموني، حملني طمع الدنيا الغرور، ثم أخبرتهن بالقصة، وقالت لهن: ويحكن دونكن الزرقاء اقتلنها قبل أن تفوتكن، ثم سقطت ميتة، فصاحت النسوان صيحة عالية، فأقبل بنو هاشم إلى منزل آمنة، فإذا

بتكنا ميتة، وقد تجلل نور آمنة، ونظروا إلى الخنجر، وحكوا لهم القصة، فخرج أبو طالب ينادي: أدركوا الزرقاء وقد وصلها الخبر، فخرجت هاربة فتبعها الناس من بني هاشم وغيرهم فلم يدركوها ولم يلحقوها، فسمع أبو جهل ذلك فقال: وددت أنها قتلت آمنة، ولكن حاد عنها أجلها، وأرجوا بسطيح أن يعمل أحسن مما عملت الزرقاء، فلما سمع سطيح بخبر الزرقاء أمر غلمانه أن يحملوه على راحلته، وسافر إلى الشام.

فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبق صنم إلا سقط. وغارت بحيرة ساوة، وفاض وادي سماوة، وخمدت نيران فارس، وارتج إيوان كسرى وهو جالس، ووقع منه أربع عشرة شرفة، فلما أصبح كسرى نظر إلى ذلك وهاله، فدعا بوزرائه وقال لهم:

ما هذا الذي حدث في هذه البلاد؟ فهل عندكم من علم؟ فقال المؤبذان: أيها الملك العظيم الشأن لقد رأيت إبلا " صعابا " تقودها، خيل عراب، وقد خاضت في الوادي، وانتشرت في البلاد، وما ذاك إلا لأمر عظيم، فبينما هم كذلك إذا ورد عليهم كتاب بخمود النيران كلها، فزادهم هما " وغما "، ثم أتاه بعد ذلك خبر البحيرة والوادي، فأقبل على المؤبذان فقال: إنا لا نعلم أحدا " من العلماء نسأله عن ذلك، فقال المؤبذان: إنا نكتب إلى النعمان بن المنذر كتابا " لعله يعرف أحدا " يعلم ذلك، فكتب إلى النعمان كتابا " فأرسل إليه رجلا اسمه عبد المسيح، وكان ابن أخت سطيح، فقال له كسرى: هل عندك علم مما أريد أن أسألك عنه؟ فقال: لا، ولكن لي خال اسمه سطيح، يسكن في مشارف الشام، يعرف خبرك، ويعرف ما تريد، فقال له كسرى: اخرج إليه واسأله عما أريد أن أسألك عنه،

فإن أجاب عد إلي بالجواب، أجزل لك الجائزة والنوال، ثم خرج عبد المسيح إلى أن وصل إلى الشام، فوجد سطيحا " يجود بنفسه، ويعالج سكرات الحمام، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فلما كان بعد ساعة فتح عينيه وقال: جاء عبد المسيح، على جمل يسيح، من عند كسرى يصيح، بلسان فصيح، مرسولا إلى سطيح، سيد بني غسان، يسأل عن ارتجاع الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، كان إبلا " صعابا " تقودها خيل عراب، وقد قطعت الوادي، وانتشرت في البلاد، ذلك والله ما كنا نتوقع من خروج السفاك، ومالك الاملاك، يا عبد المسيح أقول لك: قولا " صحيحا "، إذا فاض وادي سماوة، وغارت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح بشام، تظهر الدلالات ويملك منهم ملوك على عدد الشرفات المتساقطات، وكل ما هو آت آت ويكون الراحة لسطيح في الممات، ثم صرخ صرخة ومات، ثم إن عبد المسيح خرج إلى كسرى فأخبره بما قاله سطيح، فأعطاه وأنعم عليه لما اخبر بأن يملك منهم أربعة عشر ملكا ".

قال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث، أنه لما تتابعت أشهر آمنة سمعت مناديا " ينادي من السماء: مضى لحبيب الله كذا وكذا، و كان تهتف بآمنة الهواتف في الليل والنهار، وتخبر زوجها عبد الله بذلك، فيقول لها: اكتمي أمرك عن كل أحد، فلما مضى لها ستة أشهر لم تجد ثقلا، ولما كان الشهر

السابع دعا عبد المطلب ولده عبد الله وقال: يا بني إنه قرب ولادة آمنة، ونحن نريد أن نعمل وليمة، وليس عندنا شئ، فامض إلى يثرب واشتر لنا منها ما يصلح لذلك، فخرج عبد الله من وقته، وسافر حتى وصل إلى يثرب، وطرقته حوادث الزمان فمات بها، ووصل خبره إلى مكة، فعظم عليهم ذلك، وبكى أهل مكة جميعا " عليه، وأقيمت المآتم في كل ناحية، وناح عليه أبوه وآمنة وإخوته، وكان مصابا " هائلا " فظيعا "، فلما كان الشهر التاسع أراد الله تعالى خروج النبي صلى الله عليه وآله وهي لم يظهر لها أثر الحمل، ولا ما تعتاده النساء، وكانت تحدث نفسها كيف وضعي، ولم يعلم بي أحد من قومي؟ وكانت دار آمنة وحدها، فبينما هي كذلك إذ سمعت وجبة عظيمة ففزعت من ذلك، فإذا قد دخل عليها طير أبيض، ومسح بجناحه على بطنها، فزال عنها ما كانت تجده من الخوف، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها نسوان طوال، يفوح منهن رائحة المسك والعنبر، وقد تنقبن بأطمارهن، وكانت من العبقري الأحمر، وبأيديهن أكواب من البلور الأبيض، قالت آمنة: فقلن لي: اشربي يا آمنة من هذا الشراب، فلما شربت أضاء نور وجهي، و علاه نور ساطع، وضياء لامع، وجعلت أقول: من أين دخلن علي هذه النسوة، وكنت قد أغلقت الباب؟ فجعلت أنظر إليهن ولم أعرفهن ثم قلن: يا آمنة اشربي من هذا الشراب، وابشري بسيد الأولين والآخرين محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، وسمعت قائلا يقول:

صلى الاله وكل عبد صالح * والطيبون على السراج الواضح المصطفى خير الأنام محمد * الطاهر العلم الضياء اللائح زين الأنام المصطفى علم الهدى * الصادق البر التقي الناصح صلى عليه الله ما هب الصبا * وتجاوبت ورق الحمام النائح

ثم قمن النسوة وخرجن، فإذا أنا بأثواب من الديباج قد نشرت بين السماء والأرض وسمعت قائلا " يقول: خذوه وغيبوه عن أعين الناظرين والحاسدين، فإنه ولي رب العالمين، قالت آمنة: فداخلني الجزع والفزع، وإذا أنا بخفقان أجنحة الملائكة، وإذا بهاتف قد نزل، وسمعت تسبيحا " وتقديسا " وأرياشا " مختلفة هذا ولم يكن في البيت أحد إلا أنا، فبينما أنا أقول في نفسي: أنا نائمة أو يقظانة؟ إذ لمع نور أضاء لأهل السماء والأرض حتى شق سقف البيت، وسمعت تسبيح الملائكة، فبينما أنا متعجبة من ذلك إذ وضعت ولدي محمدا " صلى الله عليه وآله، فلما سقط إلي الأرض سجد تلقاء الكعبة رافعا " يديه إلى السماء كالمتضرع إلى ربه، وسمعت من داخل البيت جلبة عظيمة، وقائلا " يقول شعرا ":

كم آية من أجله ظهرت فما * تخفى وزادت في الأنام ظهورا ورأته آمنة يسبح ساجدا " * عند الولادة للسماء مشيرا قالت آمنة: وسمعت أصواتا " مختلفة، وإذا بسحابة بيضاء قد نزلت على ولدي، فأخذته وغيبته عني، فلم أره فصحت خوفا " على ولدي، وإذا بقائل يقول لي: لا تخافي، و سمعت قائلا " يقول: طوفوا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها، وبرها، وبحرها، ووعرها، واعرضوه على الجن والإنس، ليعرفوا نعته، قالت آمنة: كان ما بين غيبته ورجوعه أسرع من طرفة عين، وإذا هو قد جاؤوا به إلي وهو مدرج في ثوب أبيض من صوف، وهو قابض على مفاتيح ثلاثة، ورجل قائم على رأسه وهو يقول: قبض محمد على مفاتيح النصر، و مفاتيح النبوة، ومفاتيح الكعبة، فبينا أنا كذلك وإذا أنا بسحابة أخرى أعظم من الأولى،

وسمعت منها تسبيحا " وخفقان أجنحة الملائكة، فنزلت وأخذت ولدي فدمعت عيني، ورجف قلبي، وإذا أنا بقائل يقول: طوفوا بمحمد على مولد النبيين، وأعرضوه على سائر المرسلين، وأعطوه صفوة آدم عليه السلام، ورأفة نوح عليه السلام، وحلم إبراهيم عليه السلام، ولسان إسماعيل عليه السلام، وجمال يوسف عليه السلام، وصبر أيوب عليه السلام، وصوت داود عليه السلام، وزهد يحي عليه السلام، وكرم عيسى عليه السلام، وشجاعة موسى عليه السلام، وأعطوه من أخلاق الأنبياء، قالت آمنة: ورأيته قابضا " على حريرة بيضاء مطوية طيا " شديدا "، والماء يخرج منها، وقائل يقول: قبض محمد على الدنيا بأسرها، ولم يبق شيئا " إلا وقد دخل في قبضته، قالت: فبينما أنا كذلك وإذا أنا بثلاثة نفر قد دخلوا علي والنور يظهر من وجوههم، يكاد نورهم يخطف الابصار، في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد آخر طست من زبرجد أخضر، فوضع الطست بين يديه وقال له: يا حبيب الله اقبض من حيث شئت، قالت آمنة:

فنظرت إلى موضع قبضته، فإذا هو قد قبض على وسطها، قالت: فسمعت قائلا " يقول:

قبض محمد على الكعبة وما حولها، ورأيت في يد الثالث حريرة مطوية، وإذا بخاتم من نور يشرق كالشمس، ثم حمل ولدي فناوله صاحب الطست، وصب عليه الاخر من الإبريق سبع مرات، ثم ختم بذلك الخاتم بين كتفيه، ثم لفه تحت جناحه، وغيبه عني، وكان ذلك رضوان خازن الجنان، ثم أخرجه وتكلم في اذنه بكلام لا أفهمه، ثم قبله، وقال: أبشر يا محمد فإنك سيد الأولين والآخرين، وأنت الشفيع فيهم يوم الدين، ثم خرجوا و تركوه، ثم رأيت ثلاثة أعلام منصوبة: واحد بالمشرق، وواحد بالمغرب، والثالث على الكعبة، وتلك الاعلام من النور مثل قوس السحاب.

قالت آمنة: ثم رأيت بعد ذلك غمامة بيضاء قد نزلت من السماء على ولدي، و غيبته عني ساعة طويلة، فلم أره، فحن عليه قلبي، وقد حيل بيني وبينه، وكأني نائمة مما جرى عليه، فبينا أنا كذلك وإذا بولدي قد ردوه علي، وإذا به مكحول مقمط بقماط

من حرير الجنة، تفوح منه رائحة المسك الأذفر.

قال عبد المطلب: كنت في الساعة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله أطوف بالكعبة، وإذا " بالأصنام قد تساقطت وتناثرت، والصنم الكبير سقط على وجهه، وسمعت قائلا " يقول: الان آمنة قد ولدت رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأيت ما حل بالأصنام تلجلج لساني، وتحير عقلي، وخفق فؤادي حتى صرت لم أستطع الكلام، فخرجت مسرعا " أريد باب بني شيبة، وإذا الصفا والمروة يركضان بالنور فرحا "، ولم أزل مسرعا " إلى أن قربت من منزل آمنة، وإذا " بغمامة بيضاء قد عمت منزلها، فقربت من الباب وإذا روائح المسك الأذفر والند والعنبر قد عبقت بكل مكان حتى عمتني الرائحة، فدخلت على آمنة وإذا بها قاعدة، وليس عليها أثر النفاس، فقلت: أين مولودك أريد أن أنظر إليه؟ قالت: قد حيل بيني وبينه، ولقد سمعت مناديا " ينادي: لا تخافي على مولودك، وسيرد عليك بعد ثلاثة أيام، فسل عبد المطلب سيفه وقال أخرجي لي ولدي هذه الساعة وإلا علوتك به، فقالت: إنهم قد دخلوا به هذه الدار، قال عبد المطلب: فهممت بالدخول إلى الدار إذ برز لي شخص من داخل الدار كأنه النخلة السحوق، لم أر أهول منه، وبيده سيف وقال لي:

ارجع ليس لك إلى ذلك من سبيل، ولا لغيرك حتى تنقضي زيارة الملائكة، فخرجت خائفا " مما رأيت من الأهوال.

قال صاحب الحديث: بلغنا أن الساعة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله طردت الشياطين والمردة هاربين، ومنهم من غمي عليه، ومنهم من مات، وأما سطيح ووشق فماتا في تلك الليلة، وأما زرقاء اليمامة فإنها كانت جالسة مع خدمها وجواريها إذ صرخت

صرخة عظيمة وغشي عليها، فلما أفاقت أنشأت تقول:

أما المحال فقد مضى لسبيله * ومضت كهانة معشر الكهان جاء البشير فكيف لي بهلاكه * هيهات جاء الوحي بالاعلان فلما تمت له ثلاثة أيام دخل عليه جده عبد المطلب فلما نظر إليه قبله، وقال:

الحمد لله الذي أخرجك إلينا، حيث وعدنا بقدومك، فبعد هذا اليوم لا أبالي أصابني الموت أم لا، ثم دفعه إلى آمنة فجعل يهش ويضحك لجده وأمه، كأنه ابن سنة، قال عبد المطلب: يا آمنة احفظي ولدي هذا، فسوف يكون له شأن عظيم، وأقبل الناس من كل فج عميق يهنؤون عبد المطلب، وجائت جملة النساء إلى آمنة وقلن لها: لم لم ترسلي إلينا؟

فهنؤنها بالمولود وقد عبقت بهن جمع رائحة المسك، فكان يقول الرجل لزوجته: من أين لك هذا؟ فتقول: هذا من طيب مولود آمنة، فأقبلت القوابل ليقطعن سرته فوجدنه مقطوع السرة، فقلن لآمنة ما كفاك إنك وضعت به حتى قطعت سرته بنفسك؟ فقالت لهن:

والله لم أره إلا على هذه الحالة، فتعجبت القوابل من ذلك، وكانت تأتيها القوابل بعد ذلك وإذا " به مكحولا، مقموطا "، فيتعجبن منه، فلما مضى له من الوضع سبعة أيام أولم عبد المطلب وليمة عظيمة وذبح الأغنام، ونحر الإبل، وأكل الناس ثلاثة أيام، ثم التمس له مرضعة تربيه على عادة أهل مكة.

ايضاح: الاطلال جمع الطلل بالتحريك، وهو ما شخص من آثار الدار. والهمام

بالضم وتخفيف الميم: الملك العظيم الهمة. والضرغام بالكسر: الأسد. والقمقام بالفتح:

السيد. والمقدام بالكسر: الرجل الكثير الاقدام على العدو. والحمام بالكسر: الموت.

والمناكب لعله من النكبة بمعنى المصيبة، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولاغيره. والكمي: الشجاع. وذباب السيف بالضم: طرفه الذي يضرب به. والقصم: الكسر. والهزبر بكسر الهاء وفتح الزاء: الأسد. والجلاميد جمع الجلمود وهو الصخر. والسراة بالضم جمع سري وهو الشريف. قولها: من يحظى هو على بناء المجهول من الحظوة وهي القدر والمنزلة. وقال الجوهري: لخن السقاء بالكسر أي أنتن، ومنه قولهم: أمة لخناء، ويقال: اللخناء: التي لم تختن انتهى. والورق بالضم جمع الأورق، وهو الذي في لونه بياض إلى سواد. وفي القاموس: الند: طيب معروف أو العنبر. والسحوق من النخل: الطويلة، وغمي على المريض وأغمي مضمومتين: غشي عليه ثم أفاق.

تتمة مفيدة: اعلم أن ظاهر أخبار المولد السعيد أن الشهب لم تكن قبله، وإنما حدثت في هذا الوقت، وهو خلاف المشهور، ويمكن أن تكون كثرتها إنما حدثت عند ذلك، وكانت قبل ذلك نادرة.

قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (فمن يستمع الان يجد له شهابا " رصدا ") ما ملخصه: فإن قيل: هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، لان جميع الفلاسفة تكلموا في أسباب انقضاضها وقد جاء وصفها في شعر الجاهلية، وقد روي عن ابن عباس أيضا " ما يدل على كونها في الجاهلية، فما معنى تخصيصها بمبعثه صلى الله عليه وآله؟ ثم أجاب بوجهين: الأول أنها ما كانت قبل المبعث، وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب وجماعة، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات، فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة طعنا " منهم في هذه المعجزة، وكذا الاشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم ومنحولة، والخبر غير ثابت.

والثاني وهو الأقرب إلى الصواب أنها كانت موجودة إلا أنها زيدت بعد المبعث،

وجعلت أكبر وأقوى انتهى.

وأقول: يحتمل وجه ثالث وهو أن تكون هذه موجودة قبل الاسلام بمدة، ثم ارتفعت وزالت مدة مديدة، ثم حدثت بعد الولادة أو البعثة، ويؤيده ما روي عن أبي ابن كعب أنه قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيأتي مزيد تحقيق في كتاب السماء والعالم إن شاء الله تعالى.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.